الرواية
 
والتاريخ
 
جيمس رستَن، الإبن

 

ترجمة وتعليق : حسام الخطيب (ناقد واكاديمي من فلسطين)


ان التاريخ يمكن أن يكون شعبيا وممتد التأثير إذا توافرت فيه الشروط الثلاثة التالية: أن يكون دقيقا، وأن يكتب بطريقة جيدة، وأن يكون منصفا. وينبغي للتاريخ الجيد أن يقدم كوكبة من الشخصيات القريبة إلى الافهام، التي تقفز حية من فوق السطور، وتتصادم دراميا في إطار طبيعي حيوي، وتتكل وتحس وتحلم، وتكون لكافحها وإشكالها بعض الاصداء العميقة التي تعكس روح العصر.

 بدأت حياتي الأدبية بالكتابة الروائية. وكانت روايتي الأولى مشربة بالمنحى الكلاسيكي. وكنت أعمل في الجيش الأمريكي، وتحديداً في جهاز الاستخبارات، وذلك بين عامي 1965-1968، أي عندما كانت حرب فيتنام تبلغ ذروة الضراوة، شأني شأن أبناء ذلك الجيل الذي عرف في أمريكا بجيل فيتنام.

كنت ممزق الوجدان بسبب هذه الحرب وكنت أتساءل في خاطري : هل كانت الحرب عادلة وأخلاقية، أم كانت عشوائية ولا أخلاقية ؟ وأين موقعي من ذلك ؟ وهل كنت أشعر في أعماقي بأن الحرب كانت عملاً خاطئاً وأنني مستعد لأن أكون معارضاً وجدانياً لها، مادام الشبان الأمريكيون في تلك الحقبة يساقون إليها من خلال التجنيد؟ وهل أختار الذهاب إلى المنفى أم إلى السجن أم أندفع في سلك الجندية من خلال مغامرة وطنية ضلت سواء السبيل؟.

ولم يكن اتخاذ القرار ممكنا للجيل الأمريكي الشاب حينذاك بل لأي جيل آخر في العالم. وفي النهاية توصلت إلى قناعة بأن اعتراضاتي الأخلاقية لم تكن مطلقة إلى الحد الذي يدفعني إلى النكوص عن خدمة وطني تلبية لنداء الضمير. إلا أن تلك القناعة لم تحجب امتعاضي من وقائع الحرب أو من أحزاني على خسائر الأرواح الأمريكية، أو من تطابقي مع أصدقائي المحتجين.

وفي أغلب الأحوال يولد الأدب من خلال مثل هذه الوخزات الوجدانية.

وهكذا، بينما كنت متمركزاً في قاعدة بيرل هاربر/ هواي، لتنفيذ أوامر تقتضي التخطيط لتسريب عملاء أمريكيين إلى الصين وفيتنام الشمالية، تسللت إلى جزر هاواي البعيدة لأمارس خلسة كتابة روايتي الأولى. ولم يكن لديَّ خيار آخر سوى كتابة القصة مادامت الكتابة الصريحة حول مهمتي السرية ستوقعني حتماً في أسوأ مصير. وكنت إذ ذاك في السابعة والعشرين من عمري، وكنت أفتقر إلى الخبرة الكافية لكتابة القصة. وكانت قراءاتي في مجال القصة محدودة جداً حتى ذلك الحين. ولكن مع مضيّ الزمن وجدتني قادراً على تعويض ذلك النقص في الخبرة بفضل مشاعري القوية المنبثقة عن اكتئابي العاطفي.

وبعد أن نشرت تلك الرواية عام 1971، عُينت محاضراً في موضوع الكتابة الإبداعية بجامعة كارولاينا الشمالية. وعلى امتداد السنوات العشر التالية كنت أعلِّم كتابة القصة لجمهور من التلاميذ شغوفٍ ولامع الذكاء. وكان اهتمامنا مركزاً على المقومات المفتاحية للقصة : أي الشخصية والحبكة والحوار، والمشهد. ومع تعاقب تلك السنوات العشر أخذت تبرز أحداث مثيرة. وابتداءً من منتصف السبعينات شرعت ذاكرة حرب فيتنام تخبو، مثلما انطفأت خلال الستينات شعلة فترة الحقوق المدنية التي كنت أيضا من أنصارها إذ تلقيت تعليمي في الجنوب الأمريكي الذي كانت تمارس فيه أسوأ أشكال العنصرية. ونتيجة لهذا التراجع أخذت تتضاءل مقدرتي على التواصل مع تلاميذي بشأن الحماسة للعدالة العنصرية وإدانة عدم شرعية حرب فيتنام، وأخذت دروسي تبتعد شيئاً فشيئاً عن العدالة الاجتماعية والحرب العادلة لتحل محلها قضيتا المداولات الجافة حول الأسلوب واللغة. وهكذا تضاءل اهتمام المعلم والتلاميذ بمناخ المحاضرات- إذ تحولت تجربة التدريس إلى نوع من الاستعراض والتسلية - وقادني ذلك إلى اعتزال التعليم عام 1981.

وخلال تلك السنوات العشر التي قضيتها محاضراً في موضوع الكتابة الإبداعية نشرتُ خمسة كتب. وقد عالجت روايتي الثانية عام 1975 الأحداث العاصفة لحقوق الإنسان عام 1968 حين تفجر العنف في عدة مدن أمريكية بعد وفاه مارتن لوثر كنج.

ولم أعد إلى قراءة تلك الرواية منذ بضع سنوات، ولكنني أفترض أنها كانت رواية عادية نوعاً ما، وربما بسبب تقديري أنني لا يمكن أن أصبح روائياً عظيما، اتجهت إلى الكتابة  الواقعية أي غير القصصية. على أن هناك شيئاً مهماً تمخضت عنه هذه التجربة مفاده أن محاولاتي الجاهدة لكتابة الروايات، وتلك الساعات الممتدة إلى ما لانهاية في تدريسي الكتابة القصصية، لم تؤدِّ إلى فقداني غريزة الروائي. ومازلت أعتقد حتى يوم الناس هذا أن مجمل إنتاجي البالغ حتى الآن أربعة عشر كتابا، وثلاث مسرحيات، ومقالات لا حصر لها في المجلات الدولية، يتمتع بالتمُّيز نتيجة لامتلاكي تلك الحساسية الروائية.

إن كتابي : محاربون في سبيل الله Warriors of God، الذي يتناول الحملة الصليبية الثالثة بقيادة ريتشارد قلب الأسد ومقابله صلاح الدين في القرن الثاني عشر الميلادي، هذا الكتاب يمثل الازدهار الكامل والذروة في إقدامي على كتابة التاريخ الواقعي بطريقة إبداعية. وحين يطلق الناس عليّ لقب: مؤرخ، أنكمش قليلاً - وأفترض أن من يلقبون بالمؤرخين المحترفين ينكمشون أيضاً ولكن بدرجة أقوى - وأتساءل : ما هي مؤهلاتي الرسمية ؟ أين درجة الدكتوراه ؟ وهل أنا جزء من نادي المؤرخين ؟... أن تكون مؤرخاً في عالمنا المعاصر، فهذا يعني أنك كاتب مشغول بكنز من الحقائق - غالبا ما تكون مبهمة - وكذلك بالحركات التاريخية وبالمؤتمرات الاجتماعية والاقتصادية على مجرى التاريخ.

وباختصار، ينصرف التأكيد على » المؤرخ المحترف« إلى الوقائع بوجه عام في منأى عن الشخصية أو الحوار أو المشهد أو الحبكة الدرامية، أما أنا فأبقى راويا للتاريخ، متطلعاً لما أسميه الأدب التاريخي. وهذا لا يعني أنني أقل اهتماماً بدقة الحقائق، أو أنني فارس مغرم بجوهر أي وضع تاريخي. وعلى العكس من ذلك، فهذا يعني أنني انتقي بعناية تامة.

وإن أول وأهم عملية اختيار تكمن في تحديد الموضوع، أي عن أي شيء  اكتب،. وحين تتمركز مهنتك في كونك كاتبا، فإنك تقضي - على الأقل في مثل حالتي - نحو ثلاث سنوات في تأليف كتاب. وهكذا يشترط في الموضوع الذي تختاره أن يكون ذا إغواء لك. وينبغي أن تشعر بالإثارة والإيجابية تجاه شخصياتك، وأن مكان تعاقب الأحداث يجب أن يجذبك وكذلك الأحداث نفسها يجب أن تكون ذات إثارة. فعليك أن تعيش مع هذه المادة زمناً طويلا، وإذا سببت لك مللاً وصدوداً فعندها تصبح فريسة للمازوخية. والمسألة الثانية هي كيف تكتب عن الموضوع. والثالثة هي العملية المتعبة والمملة غالباً المتمثلة في نخل الوقائع المهمة عن الوقائع غير المهمة، والشخصيات البارزة عن الشخصيات التي يسهل نسيانها، من خلال سردك للقصة.

ومن كتبي الأربعة عشر، اخترت دائماً أن أكتب حول الشخصيات الملحمية مثل : غاليليو Galileo، والجنرال ويليام تيكومسه شيرمان (William Tecumseh Sherman المحارب الوحشي خلال الحرب الأهلية الأمريكية)، وجون كوناللي (John Conally حاكم تكساس الذي كان في السيارة نفسها التي وقعت فيها حادثة اغتيال جون ف. كندى في دالاس عام 1963)، وكذلك القس جيم جونز  Jim Johns، شرير الانتحار الجماعي الأمريكي في غويانا عام 1978، وكريستوفر كولومبوس، وتوركمادا (Torquemada رعب محاكم التفتيش الإسبانية) وحتى بيت روز) Pete Rose الأيقونة المتصدعة للبيزبول الأمريكية)...وكذلك ريتشارد قلب الأسد Richard The Lionheart، وصلاح الدين العظيم. وكان هؤلاء جميعاً مخلوقات إنسانية استثنائية، سواء لجهة الخير أو الشر، وفي رأيي أنه لا معنى للكتابة عن الناس العاديين. إنني أترك ذلك للآخرين، وقد أحسن الآخرون  صنعاً في هذا المجال. إلا إنني أبقى مهتماً بالاستثنائي من الناس.

ولم أختر الكتابة عنهم فقط لأنهم استثنائيون. إذ إنني عمدت باستمرار إلى اختيار شخصيات من التاريخ كان لها بعض الاتصال بمجرى الحياة العادية : وهذه نقطة بالغة الأهمية عندي. فلست أهتم بالتاريخ لأجل التاريخ، ولكن بالتاريخ الذي يعلمنا شيئاً عن العالم الذي نعيش فيه اليوم. وحين اخترت أن أكتب سيرة غاليليو كنت مدفوعاً بدوافع ثلاثة : ففي عام 1978 قررت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية إعادة النظر في محاكمة غاليليو لعام 1632، وبعد ظهور كتابي بثلاثة عشر عاماً أقدمت تلك المؤسسة، الموصوفة بأنها مقدسة، على الاعتذار عن سوء معاملتها لذلك العالم العظيم قبل ٥٣. عاما، وثانيا كانت في الوقت نفسه بعثة فضاء لناسا NASA تحمل اسم غاليليو وتتجه نحو كوكب المشترى. وأخيراً كان العالم آنذاك يمارس تجربة على نمط غاليليو من خلال الاكتشافات المذهلة لضوضاء الفراغ التي وسعت كثيراً من رهبة الفضاء في نفوسنا. وقد جعل التلسكوب غاليليو أكثر إقناعا. وفي كتابي عن غاليليو أوردت قصة تدور مركزياً حول فرد كان مسؤولاً عن الاكتشافات الفلكية التي غيرت العالم إلى الأبد، وكان أيضا ضحية لذلك الصدام الأبدي بين العلم والعقيدة. ولا غرو في كون هذه الشخصية التاريخية قد استطاعت أن تكون مصدر إلهام لمسرحيات وروايات وأوبرات.

وإذن، كيف يمكن إعادة كتابة قصة غاليليو بطريقة جديدة تتمتع بشيء من الطزاجة. ذلك أن قصته رويت مائة مرة بأشكال مختلفة على امتداد العصور، وغالبا ما يحدث أن رموز التاريخ يصبحون أقل إنسانية وأبعد تواصلاً كلما ازدادت الكتابة عنهم.

وهذا ما حدث في حالة غاليليو. وإنه لأمر مشروع تماماً أن يتولى كل جيل إعادة التماس مع كبرى شخصيات التاريخ وإعادة فهمها، في ضوء تجربة الجيل نفسه. وكانت الحاجة ماسة إلى إعادة سرد قصة غاليليو بطريقة حديثة جريئة من شأنها أن تعيد أنسنة الرجل وتقديم فهم جديد له أمام جمهور جديد. وبعبارة أخرى، إزالة كل الشوائب التي علقت بشخصيته، وإكساء قامته المتخشبة باللحم والدم، وعرضه من خلال صفاته الإيجابية والسلبية على حد سواء، ومن خلال تفاهته أيضاً إلى جانب عبقريته. وهذا يقود إلى عملية نخل بشأن ما ينبغي إبرازه وما ينبغي حجبه حين تتوافر جملة حقائق ثابتة حول الموضوع.

ومنذ أيامي تبنيت مبدأ الروائي، وذلك احتذاء بالكاتبة الإنجليزية العظيمة فيرجينيا وولف. Virginia Woolf وقد كتبتْ مرة مقالة بعنوان » فن السيرة«، وفيها تؤكد أن الطريق إلى السيرة العظيمة لا تكمن في تضمين كل الحقـائق المتعلقة بالموضـوع، وإنما في التركـيز علـى »الحقائق الخلاقة Creative Facts. وبهذه العبارة تقصد الحقائق التي تضيء جوانب الشخصية. وهذا ليس مبدأ يسهل تقبلهُ في نادي المؤرخين الأكاديميين، الذين يركزون على الأحداث لا على الشخصية والمشهد. إلا أن هذه الطريقة تصبح مبدأً نقدياً حين لا يكتفي الكاتب باستلهام التاريخ الدقيق الصارم (الممل غالباً)، بل يهدف إلى تقديم عمل ينتمي إلى الأدب التاريخي.

وحين يتناول المؤرخ المتحول إلى روائي موضوعاً ما، فإنه لا يركز الاهتمام على مجرد العرض البسيط للحقائق والأحداث التاريخية، وإنما يكتب تاريخه الخاص مثلما يكتب الروائي روايته من خلال حبك المشاهد وتوليفها. وهذا أسلوب مختلف عن حبك الحقائق السردية، فالمشهد الجيد في الأدب التاريخي لا يختلف عن المشهد الجيد في العمل القصصي، إذ ينبغي هنا رسم صورة واجتذاب القارئ إليها.وينبغي تقديم شخصيات حقيقية في الصورة ورسم ملامحهم بوصفهم مخلوقات إنسانية وينبغي أن يتكلم بعضهم مع بعض، وأن تقع أحداث ناجمة عن التفاعل فيما بينهم. وإذا كان المشهد درامياً فلا بد من وجود الصراع، لأن الصراع هو جوهر الدراما.

وهذا يقودني إلى الصراع الذي دار بين ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين خلال الحملة الصليبية الثالثة، وكنت قررت عام 1997 أن أكتب قصة هذا الصراع استناداً إلى كل تلك المبادئ الجوهرية. وبدت لي الشخصيتان من طراز أولمبي (بطولي).وقد كتب عنهما الكثير، ولكنهما استحالا إلى رجلين من رخام لا حياة فيهما وكأنهما تمثالان. وكان ريتشارد قلب الأسد قد تيبّس كأنه خشب متحجر من خلال المرددات الأوروبية حول فروسية العصور الوسطى. إذ إنه شنّ حملته »النبيلة« لينتزع الأراضي المقدسة من براثن »الكفار« كما صورته وجهة النظر الأوروبية. وبدوره كان صلاح الدين نصف إله في الأدبيات العربية، ومعصوماً عن الخطأ. وكان رقيق الحاشية ومرهف الإحساس وراجح العقل، وكان على الدوام فعالاً وكان صائباً في اتخاذ القرارات. ولنتساءل: هل وجد على سطح الأرض إنسان في مثل هذا الكمال ؟  وهكذا أصبحنا إزاء أيقونتين (رمزين)، كتب عن كل منهما من منظور تقاليد انتمائهما بأسلوب حرمهما من حيوية الحياة وما يتبعها من ضعف بشري، وترتب على مثل هذا المنظور الأسطوري حرمان صراعهما من إنسانيته ودراميته الجوهرية.

لذلك كانت قصة الحملة الصليبية الثالثة مناسبة ممتازة للمؤرخ المتحوِّل إلى روائي. Novelist-turned-historian وإلى جانب شخصيات الحملة - بإضافة إليانور أكوتين Eleanor of Aquitaine  إلى التركيبة- وخط السرد وإطاره في الأرض المقدسة المنطوي على ثلاث ديانات، شكلت هذه العناصر التركيبة المناسبة. وفي عام 1997 بدا لي أن هذه القصة ستكون واردة بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، وما كنت عند ذاك أتصور بوضوح إلى أي مدى يمكن أن يتطور ورودها. فبعد ثلاثة أشهر من نشر كتابي في مايو 2001، وقعت حـادثة/ سبتمبر، 11/9. وبعد خمسة أيام من تاريخ الواقعة، سمعنا الرئيس جورج بوش يعلن شن »حملة صليبية« Crusade ضد الإرهابيين، وبالطبع ترجمت هذه الكلمة على أساس أنها حملة ضد الإسلام والعالم العربي. والآن لدينا الحرب على العراق وعواقبها، وإذاً من المؤكد أننا الآن نعود القهقرى إلى القرن الثاني عشر الميلادي من خلال صدام الغرب والشرق، وبين الحرب المقدسة والجهاد، وبين الأمريكيين والعرب. وإنه لأمر محزن جداً ومؤسف جداً ومن المهم جداً تجّنبه. ومع ذلك، فإنه من زاوية نظر الكاتب وبصرف النظر عن موقفه من الوضع في العراق - يتيح فرصة ثريّة : للدراما، وللتربية، وللكتابة العاطفية المؤثرة (آه لو أن اللاعبين الكبار كانوا في مستوى لاعبي القرن الثاني عشر من ناحية العظمة والحكمة!).

إن كتاب: محاربون في سبيل الله ليس مجرد تأريخ، وإنما هو سيرة مزدوجة. وإنه ليس أول سيرة مزدوجة أكتبها، كما أنني بالطبع لست أول من كتب في هذا المنحى. وإن هذا الشكل الأدبي ليجذبني جذباً مغناطيسياً  : أن أضع شخصيتين عظيمتين وحضارتين عظيمتين في سياق تصادمي، حيث تترتب على هذا التصادم نتائج جسيمة سواءٌ لما حدث في الماضي أو لما يجري في  الوقت الحاضر. إنهما شخصان عظيمان، ولكل منهما نفسية مختلفة تماماً عن الآخر، ولكل منهما قيمٌ ومعتقداتٌ مختلفة تماماً وأهداف متعارضة تماما، وطريقة في الحكم مختلفة تماماً. ومن خلال هذا التصادم بمكن أن ينبثق أدب رفيع.

وكنت قد استخدمت أشكالاً روائيةً أخرى لأبلغ قصصاً حقيقية : ففي السبعينات كتبت عن فتاة أمريكية من أصل إفريقي(1) كانت مسجونة في بلدة صغيرة من الجنوب الأمريكي وتعرضت لمحاولة اغتصاب من سجانها الأبيض، فانتزعت عصاه الحديدية منه وقتلته وهربت.

وتحولت هذه الحادثة إلى قضية مشهورة عام 1975 عرفت باسم : قضية جون ليتل. Joan Little وتضمنت هذه القضية مسائل تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق المساجين، وحقوق النساء. ولأن الفتاة تعرضت لتهمةٍ مطلقة بجريمة القتل من الدرجة الأولى، فقد تضمنت القضية أيضاً مسألة عقوبة الإعدام، لأنها لو وجدت مذنبة لأصبحت عرضة للإعدام. وكذلك تضمنت عنصراً درامياً قوياً سواء في وقائعها أو في شخصياتها. وكانت روايةً من صنع الواقع.

ولكي أكتب هذه القصة استخدمت شكلاً مقتبساً من قصة ملغزة من تأليف ولكي كولنز Wilkie Collins بعنوان »جوهرة القمر«. The Moonstone وتدور القصة حول جوهرة خرافية تتعرض للسرقة، ويجرى سرد اللغز من خلال سلسلة من الروايات على لسان أناس مختلفين رأوا الجوهرة تنتقل من يدٍ إلى يد. وأنا، بدوري، رويت قصة » جون ليتل« من خلال سلسلة من الروايات بدأت برئيس (شريف) مركز الشرطة الذي يدخل المركز ليفاجأ بالسجان جثةً ملقاة على الأرض وبالسجينة قد هربت. وبعد ذلك جذبتني قصة القسّ جيمس جونز ومذبحة غويانا لأنها كانت استعادة واقعية حيه لرواية جوزيف كونراد المشهورة : قلب الظلام. Heart of Darkness وتلك أيضاً كانت.من صميم الواقع، لأنها قدمت تقديماً حياً رؤية كونراد للخيال الواقعي. وجذبتني أيضاً قصص أفعال الرئيس نيكسون وبعده جون كوناللي لأن قصصهم تطرح السؤال الأرسطي  والشكسبيري : هل هذا حقاً شخصية تراجيدية ؟

وهكذا فإن ما أرمي إليه، على الأقل من وجهة نظري، هو أن وعياً عميقاً وشاملاً للقصة وللتقنية القصصية، يمكن أن تخدم عملية كتابة التاريخ، لترتفع بهذه التقنية غير القصصية إلى مستوى الأدب.

لقد عرضت منهجي في كتابة التاريخ من خلال التركيز على الأشخاص وحبك المشاهد بعضها مع بعض بدلاً من سرد الوقائع التي لا نهاية لها. وسأحاول أن أقدم بعض الأمثلة من الصفحات المائة وخمس في كتاب : »محاربون في سبيل الله«. وقبل زوال مملكة الصليبيين كان الملك هو بلدوين الرابع. Baldwin IV وبالنسبة للمؤرخ المهتم بالوقائع والتواريخ، قد يحتاج فقط إلى سطر أو سطرين، أما بالنسبة للمؤرخ المتحول إلى روائي novelist-turned-historian(2) فالأمر يستحق أكثر من ذلك، لأن الملك كان أبرص وانتقلت العدوى منه إلى ولده وخلفه الذي مات شاباً.

وهذا الأمر قاد إلى انتقال الملك إلى (غي) ملك لوزينيان Guy of Lusignan وزوجتـــه (سيبيللا)، وكان زواجهما مضطرباً - حسب المصطلح الحديث - وحالات الزواج المضطرب تعدّ مركبةً أثيرة لدى الروائيين المعاصرين. وكان ريجينالد ملك شاتيّون  الشرير الأول بين النصارى. وعند المؤرخ الأكاديمي المعنيّ بالتواريخ والحقائق والأحداث، يمكن أن يهمل هذا الشرير إهمالاً تاماً ولكن عند المؤرخ المتحول إلى روائي يمكن أن يعتبر شخصية مغرية جداً. وبوصفه كان حاكم الكـرك(3) كان يحب أن يلقى منافسيه من فوق الأسوار العالية لقلعته مع صندوق حول رأسهم لكي يبقوا سالمين إلى أن يتلقوا صعقة الارتطام حين يصلون إلى الصخور.(4) ومما يرد في هذا المجال أنه خرق الهدنة بين النصارى والمسلمين من خلال إقدامه على مهاجمة قافلة لهم وأسر شقيقة صلاح الدين.

ثم هناك باليان حاكم إبلين. Balian of Ibelin وكان آخر حاكم للقدس قبل أن يفتحها صلاح الدين. وعند المؤرخ الأكاديمي يعتبر باليان شخصية ثانوية، ويعطى عادة سطوراً معدودة أو حتى حاشية. أما عند المسرحي، الذي هو أنا في هذه الحالة، فقد خصصته بستِّ صفحات حافلة لسرد مفاوضاته الأخيرة للاستسلام مع صلاح الدين، لأنهما كليهما من طبيعة درامية مثيرة. إن هذا المشهد يركز كثيراً على الشخصيتين الأساسيتين: على قيمهما وآمالهما واستراتيجيتهما، وصفاتهما الداخلية. وإنه ليكشف الكثير عن كيفية تعامل كل خصم مع الآخر قبل ثمانمئة سنة، إذا احترم كل منهما الآخر. وكان هناك تهديد وتهديد مقابل. وكان صلاح الدين يهدد بأخذ النصارى من سكان القدس عبيداَ. وكان باليان يهدد بالانتحار الجماعي بعد أن أمر بتدمير القدس ومحو قبة الصخرة من الوجود. وبالنتيجة يتوصل الخصمان إلى حل. وهذا يكشف أيضاً الكثير من طبيعة الصراع في مرحلته الأولى قبل وصول ريتشارد قلب الأسد وحملته البحرية.

ومثل كل مؤرخ للحملة الصليبية الثالثة، عملت على عرض معركة حطين الفاصلة بتفاصيل كاملة. ولكن المشهد الذي أعقب المعركة، وهو مشهد مثول الملك النصراني غي دو لوسينان والشرير شاتيّون  أمام صلاح الدين، كان هذا المشهد من وجهة نظري على أهمية لا تقل أبداً عن مستوى الأحداث الكبرى في ميدان المعركة. وأحب أن أقرأ هذا المشهد لكم تحت عنوان : شراب ماء الورد Rose Water Sherbet، يبدأ في ص ٥٥ من الطبعة الأمريكية وحوالي ص 100 من طبعة عبيكان العربية.

المشهد والتعليق (5)

بينما أخذت الشمس تغرب فوق بحيرة طبرية، جرى اقتياد الملك غي وشاتيلون  إلى خيمة صلاح الدين الخشبية التي نصبت عند شاطئ البحيرة. وكان السلطان يجلس متربعاً فوق ديوان مغطى بالسجادات البدوية، ومحاطاً بأعلام جيشه ذات اللون المشمشي. ومثل بين يديه السجينان وهما مشعثان ومغبرّان ويلهثان عطشا. وكان الرعب ظاهراً على وجه الملك، ولكن وجّه شاتيلون  كان يعبرّ عن مجرد الاحتقار. وأومأ صلاح الدين بشهامة إلى الملك ليحتل مكاناً إلى جانب السلطان نفسه وبعد ذلك استند شاتيلون  إلى وسادة بجانب ملكه. وعلى إثر إيماءة منه إلى الحاجب تناول صلاح الدين إناءً مذهباً فيه شراب معطر بماء الورد وناوله للملك، الذي نهل منه بلهفة ثم أحاله إلى شاتيلون. واثر ذلك قال صلاح الدين للملك بصوت هادئ ولكنه مبطن بتهديد خفي :

»إنك لم تستأذني في إعطائه الماء، ولذلك لا أرى نفسي ملزماً بمنحه العفو«.

وكانت تلك مسألة شرف. ففي العادات الإسلامية إذا قدّم المنتصر لأسيره الطعام والماء فهذا يعني أنه يعفو عنه. ثم قال السلطان صلاح الدين لشاتيلون : »اشرب، لأنك لن تشرب أبداً مرة ثانية«. ذلك أنه في أعقاب قبض شاتيلون  على قافلة عائدة للمسلمين على طريق الحج، وأسرِ شقيقة السلطان صلاح الدين، واحتقاره للإسلام، وبعد غاراته القرصانية على المشاعر المقدسة بجوار البحر الأحمر وتهديده مكة والمدينة، وانتهاكاته المتعددة لاتفاقات الهدنة الرسمية، كان السلطان صلاح الدين قد حلف يميناً للمرة الثانية تضمّن حرمانه من الرحمة وإطلاق يد العدالة فيه. وهكذا كان السلطان صلاح الدين قد أقسم مرتين ليقتلنّ ذلك الفاسق بيديه، وقال السلطان صلاح الدين لشاتيلون  ببرود :

» كم مرة أقسمت يميناً وحنثت به ؟ وكم مرةً أبرمت عهوداً ولم تلتزم بها ؟«

وردّ شاتيلون  بوقاحة :

» إن الملوك دائماً يفعلون هذا الفعل، وما فعلت أكثر من ذلك«.

وقال السلطان صلاح الدين :

» لو أنك كنت تحتجزني  في سجنك كما أفعل الآن، فماذا كنت تفعل بي ؟«

فردّ شاتيلون  بجفاء :

» فليساعدني الرب. كنت قطعت رأسك«

وقال السلطان صلاح الدين :

»أيها الخنزير، أنت أسيري وتجيب بمثل هذه الفظاظة«.

وبإيماءة من يده أمر السلطان صلاح الدين بإخراج سجينيه الشريرين ثم اعتلى جواده ليرحب بجنوده العائدين من ساحة القتال - وأيضاً ليهدئ أعصابه. ولدى عودته من الجولة أمر بإحضار السجينين مرة ثانية. وقد أدخل الملك غي إلى غرفة جانبية، وأحضر شاتيلون  أمير الكرك، وحده  وقال السلطان صلاح الدين: اسمع. سأنصر محمداً عليك. ثم عرض عليه عرضاً نهائياً :» اهتدِ إلى الإسلام، واعترف بمحمد رسول الله، وقل الحمد لله وحده، وتبرأ من أخطاء الديانة النصرانية«. إلا أن شاتيلون  لم يستجب، وعندها استل السلطان صلاح الدين سيفه الهلالي وانهال به على الكتف اليمنى للطاغية  سالخاً ذراعه عن جسمه، ثم دخل العبيد إلى المجلس وقطعوا رأسه. وبعد ذلك أُتي بالملك غي، وهو يرتعد من هول المشهد، ويهيئ نفسه لسوء المصير. وقال السلطان صلاح الدين : هذا الرجل قتل بسبب إصراره على الإلحاد. وانحنى غي لوزينيان على ركبتيه، ولكن السلطان صلاح الدين أمره بالوقوف، وقال : الملوك الحقيقيون لا يقتل أحدهم الآخر. وقدم لأسيره  كأساً ثانيةً من شراب الورد قائلاً:

 » لم يكن ذاك ملكا، وقد تجاوز الحدود«

إن هذا المشهد - على حد معرفتي وخبرتي - صحيح ودقيق جدا. وإنه أيضاً ذو طبيعة روائية ويحتوى على جميع عناصر القصص العظيم. ويتمتع أيضاً بلمعة بصيرية وإمكانات سينمائية.

كم بذل من جهد لإخراج هذا المشهد وغيره من المشاهد في كتابي : محاربون في سبيل الله؟.

لقد قضيت ثلاث سنوات في تجهيز هذا الكتاب ملازماً مكتبة الكونغرس في واشنطن، وهى أكبر مكتبة في العالم. وهناك حيث كنت أحمل صفة باحث مقيم، كنت أدخل إلى القبة العظيمة لتلك المكتبة، وأسرّح النظر في تماثيل الشخصيات الكبرى للتاريخ الأدبي، وكذلك في الزينات النباتية الفاتنة. وبعدها كنت أجتاز ممراً ضيقاً بين خزائن الكتب، وأفتح باباً موصداً وأدخل في»بهو العلماء«. وما أظن إلا أن هذه المسيرة حمّلت كاهلي التزاماً في هذا المكان الذي شهدت رحابه تحصيلاً علمياً رفيعاً جداً وكتابات بديعة على امتداد عشرات السنين الغابرة. وتمثل واجبي اليومي في ضرورة إنجاز عمل جيد، وكان تقديري واضحاً للميزة التي حظيت بها. وفى مقصورتي(6) الصغيرة التي كانت تعج بالكتب ايضاً بإشعاع بصيري، والتي ليس فيها جهاز هاتف، كان لي الحق في تكديس مئة كتاب في كل جولة. وعلى رفوف مكتبي الصغير كانت المراجع الأساسية مصفوفة على الرف : مسرد أحداث الحملة الصليبية الثالثة من وجهة النظر الأوروبية، والى جانبه مسرد بهاء الدين من وجهة نظر المرافق الخاص لصلاح الدين. وكان عليّ أن أعيد تركيب جانبيْ القصة، بما في ذلك الحوار، وإتمام صياغتها في سرد واحد متلاحم وغير متحيز. من هذه المصادر ومن كتب أخرى حول أدبيات الحملة الصليبية كنت أمارس عملية نخلٍ وتقطير في انحناءة ممتنة لفيرجينيا وولف، حتى استطعت أن أُخرج مشاهد باهرة مفعمة بالحيوية، كالمشهد السابق ذكره.

وهنا يمكن أن نطرح السؤال التالي : هل كتابة التاريخ عمل إبداعي ؟ أم أن تعاملها مع الخيال يمثل نظاماً من الممارسة أدنى من كتابة الروايات ؟ لا مجال للشك في أن كتابة مشاهد تاريخية باهرة هو شكل فني، ما دامت تجسّد ممارسة خيالية بديعة وقسطاً هائلاً من الجهد الشاق. وليس لي رأي في مسألة انتماء أي من التاريخ أو الرواية للفن الأرقى، ولكن أستطيع أن أحتج بأن كل  الدروس التي أفادتها الإنسانية من مجموع الروايات العظيمة لا يمكن أن تكون أعظم من دروس كل التاريخ الإنساني. إن الروايات العظيمة يمكن في المستقبل أن تتصدى لمعالجة هذا الصدام الحضاري بين الغرب والعالم العربي، إلا أن التاريخ الجيد ومعه التحليل الجيد يكون قد كُتب قبل ذلك، وإنه لذو جدوى وأحياناً لا يخلو من إمتاع. ويكفى أن نتذكر أننا ربما كناّ نجونا من الوقوع في المستنقع الحاليّ من الكراهية والعنف، لو أن قادة الغرب أصغَوا إلى دروس التاريخ.

وبالطبع، لست الممارس الوحيد لما اصطلحت أوساط النشـر الأمريكيـة علـى تسميتـه : » التاريخ الشعبي« وهناك كتّاب جيدون سبقوني إلى ذلك مثل باربارا تطشمن Barbara Tuchman وألان مورهد. Alan Moorehead وهناك مؤرخون أكاديميون كثيرون ينظرون شزراً إلى هذا النوع من الكتابة، تماماً بقدر ما يحسدونه وما يتمنونه من مقدرة إنتاجهم على الوصول إلى مثل ذلك الجمهور الواسع. إلإ أن التاريخ يمكن أن يكون شعبياً وممتدّ التأثير إذا توافرت فيه الشروط الثلاثة التالية : أن يكون دقيقا، وأن يكتب بطريقة جيدة، وأن يكون منصفا. وينبغي للتاريخ الجيد أن يقدم كوكبة من الشخصيات القريبة إلى الأفهام، التي تقفز حيةّ من فوق السطور، وتتصادم درامياً في إطار طبيعي حيوي، وتتكلم وتحسُّ وتحلم، وتكون لكفاحها وإشكالها بعض الأصداء العميقة التي تعكس روح العصر.

٭ ٭ ٭

وفي السنوات القادمة يحتاج العالم العربي إلى الانتباه لهذه المسائل المتصلة بالدقة الأدبية، ورسم الشخصيات وإدارة الصراع الدرامي [في الرواية التاريخية]. ويلاحظ أنه بعد انتهاء حرب فيتنام، تدفّق فيض من الكتب والأشرطة السينمائية التي تناولت موضوع الحرب ودارت كلها حول الصراع، وحول الأمريكيين الذين خاضوا غمار الحرب، وحول العدو الذي قاتل الأمريكيين في الأدغال، وحول قادة الجانبين المتحاربين، وحول الأبطال والشريرين من كلا الجانبين. ومن المؤكد أن الممارسة نفسها سوف تحدث بعد أن ينجلي الوضع في العراق مهما طال الزمن. وفى الماضي كان العرب منمّطين في الأدب الأمريكي والسينما الأمريكية وقُدّموا على أنهم مجرد راقصات هز البطن ومرتكبو هجمات انتحارية، وإسلاميون متعصبون، وأثرياء نفط يملكون مليارات، وشخصيات تافهة في الأسواق الرخيصة، وبدو رُحّل.  لكن هل هذه فعلاً مجمل حقيقة الثقافة العربية والمؤمنين بالإسلام ؟ بالتأكيد.. لا. والحق أنه قبل الحادي عشر من سبتمبر كان الشعب الأمريكي بمجمله يجهل جهلاً فادحاً كل ما يتعلق بالثقافة العربية والإسلام. وربما كان من بين الفضائل القليلة التي يمكن أن تُنسب إلى ذلك الحدث الرهيب، ظاهرة إقبال الأمريكيين بنهم شديد بعد الكارثة على محاولة معرفة كل شيء عن ذلك الجزء من العالم.  ولكن الآن، من خلال الصراع في العراق، عملت وسائل الإعلام الأمريكية على قذف الجمهور بصور سلبية عن العرب.

وإذن ينبغي على الكتاب والنقاد العرب أن يكونوا جاهزين لتفنيد التشويه والتنميط السلبي الذي يحاول أهل هوليود وكتاب الغرب بوجه عام أن يثبتوه في الأذهان، أحياناً لأنهم مأجورون، وأحياناً تحت وطأة الكسل وأحياناً أخرى سعياً وراء المكاسب التجارية. ويتطلب هذا الوضع ما يمكن أن يسمى الجهاد الأدبي للذود عن أمجاد التاريخ العربي وعن الطابع المعتدل للإسلام الصحيح، تماماً مثلما يحتاج الأمريكيون إلى العزوف عن تنميطاتهم السلبية للعرب. وكذلك يحتاج العرب إلى الإجراء ذاته، لأن الأمريكيين ليسوا كلهم رعاه بقر ومحتلين. ثم إن المثقفين العرب في دفاعهم عن قضيتهم ومجابهة التنميطات السلبية الغربية، سيبلغون أقصى حدٍ من الفاعلية حينما يتوجهون إلى التخاطب مع أفضل ما عند أمريكا.

وأخيراً هناك عامل مشجع هو وجود قطاع واسع من الجمهور الأمريكي مستعد لاستيعاب أي تقديم إيجابي للأبطال العرب وللمسلمين البعيدين عن العنف.

(ملحق)

يشير جيمس رستن إلى مشهد مقتل ريجينالد الذي ورد في ص 100 من ترجمة الدكتور رضوان السيد، ولدى المقارنة بين المشهدين، تبين أن الدكتور السيّد أورد مشكوراً النص الأصلي للمشهد استناداً إلى المصادر التاريخية، وهو نص جميل جداً.  ولكنْ هناك اختلاف بين نص رستَن والنصوص الأصلية، وهو اختلاف متعمد لأن رستن قدم للنص بقوله: إنه يصوغ التاريخ صياغة روائية قائمة على إنصاف الطرفين.  وقد تعمدت في ترجمة النص أن أكون دقيقاً حتى في ترجمة الأقوال من الطرفين لأن رستن أدخل عليها التعديل الذي رآه مناسباً، حتى يكون النص مقبولاً لدى قراء الرواية (وليس التاريخ) ولم نضع الأقوال بين قوسين.  وكان معتزاً بهذه الصياغة.

وقد رأيت إثبات النص الوارد في ترجمة الدكتور رضوان، وهي حقاً ترجمة جميلة وفائقة ومعتمدة على النص الأصلي في الكتب القديمة.  وتخجل منها عباراتي التي حاولت أن تكون أمينةً تماماً للنص الروائي وليس التاريخي.  وهذا الموقف يذكرنا بالمقولة الفرنسية حول الترجمات الجميلة Les belles infideles، أي أن الترجمات الجميلة كالنساء الجميلات لا يؤتمن جانبهن.  أما الترجمة القبيحة فهي الأقرب دائماً إلى النص الأصلي.  وللأمانة أشير إلى أن الدراسات الترجمية الحديثة بدأت تتساهل كثيراً في موضوع أمانة الترجمة.  وهذا موضوع خلافي طبعاً.

وفيما يلي نص الدكتور رضوان السيد الذي يعتبر شاهداً على المسؤوليات المضنية للترجمة.(7)

كأس ماء الورد (8)

عندما كانت الشمس تغطس في بحيرة الجليل، كان الملك غي وشاتيون يُجلبان إلى حضرة السلطان صلاح الدين في خيمته المنصوبة على مقربةٍ من الشاطئ.  كان صلاح الدين يجلس متربعاً على ديوانٍ مرتفعٍ مغطَّى بالسجاد، محاطاً بالرايات المزركشة لفِرَقِ جيشه.  عُرض الرجلان على صلاح الدين متعَبين، ممزَّقي الثياب، يكاد العطش يُهلكهُم. وكان الخوفُ ظاهراً على وجه الملك، أما شاتيون فقد أظهر هدوءاً وتماسُكاً.  والتفت صلاح الدين إلى الملك باشّاً طالباً إليه أن يجلس إلى جانبه.  أما شاتيون فسارع إلى الجلوس بجانب مليكه.  وأشار صلاح الدين برأسه إلى أحد الحُجّاب فأحضر كأساً مذهباً مملوءاً بماء الورد سلّمه لصلاح الدين الذي أعطاه بدوره للملك غي فتجرعه بسرعةٍ ثم أعطى ثُمالته لشاتيون.  وهنا قال صلاح الدين: »لم آذَن لك في سقْيه الماء حتى لا يوجب ذلك أماناً له«(9). وكانت تلك مسألة تتعلّق بالشرف.  فالعادة الإسلامية أنّ الآسِرَ إذا عرض على أسيره الطعام والماء فهذا يعني أماناً له.  وعندها التفت صلاح الدّين لشاتيون وقال: اشرب، فلن تشرب ثانيةً! فبعد أن أسر شاتيون القافلةَ الغنية على طريق الحج إلى مكّة، وبعد أن أسر أخت السلطان صلاح الدين، وحاولَ الإغارة على مكة والمدينة، ونقض عدة معاهداتٍ، اتّبع السلطان صلاح الدين بشأنه ليس الرحمة بل العدل.  فقد أقسم على أن يقتل هذا الشرير بنفسه.  خاطب السلطان صلاح الدين شاتيون قائلاً: كم من مرةٍ أقسمتَ على الوفاء ثم نقضْتَ العهد؟ وكم من مرةٍ وقّعت اتفاقاً لم تنفّذه؟ وتمتم شاتيون مُجيباً: هكذا تفعل الملوكُ دائماً؛ وما فعلت أكثر مما فعلوا(10)! وتابع صلاح الدين: لو أنك أسرتني كما أسرتك، يا أمير شاتيون، ماذا كنتَ لتفعل؟ وأجاب شاتيون بصراحة: لو أعانني الله وأسرتُك، لسارعت لقطع رأسك! وقال السلطان صلاح الدين ساخطاً: خنزير! أنت في يدي، وتجيبُني بهذه الصفاقة؟! وبهزةٍ من يده صرف السلطان صلاح الدين الأسيرين، ثم ركب فرسَهُ وراح يستقبل جنوده العائدين من المعركة، ويعيد النظر والتفكير فيما هو مُقبلٌ عليه.  وعندما عادَ من دورته تلك، أمر بإحضار الأسرى مرةً ثانية.  وُضع الملك غي في غرفةٍ مُجاورةٍ، وأُحضر شاتيون إلى السلطان صلاح الدين بمفرده، ففاجأه بالقول: ها أنا أنتصر لمحمدٍ صلّى الله عليه وآله وسلّم(11)! ثم أتاح له فرصةً أخيرةً عندما عرض عليه الإسلام فأبى شاتيون اعتناقه.  هكذا أخذ صلاح الدين خنجره المعقوف، وضربَ به ذراع الفارس فاصلاً يده عن كتفه.  وسارع العبيدُ لقطْع رأسه ووضعه أمام السلطان صلاح الدين.  ثم جيء بالملك غي وهو يرتعدُ فَرَقاً، وقد وطّن نفسَه على الموت؛ فطمأنه السلطان صلاح الدين وقال: »إن هذا تجاوز حدَّه فجرى عليه ما جرى«(12). فسارع الملك إلى الركوع أمام السلطان صلاح الدين فطلب منه القيام وقال له: »لم تجر عادةُ الملوك أن يقتلوا الملوك«.  ثم عرض عليه كأساً آخر من الجُلاّب المثلج، وكرر قولته: »ما كان شاتيون ملكاً، وقد تجاوز حدَّه«.

نبذة عن جيمس رستن (الإبن) James Reston, Jr

* روائي وكاتب أمريكي.

٭ ولد في نيويورك عام 1941

٭ بكالوريوس فلسفة من جامعة نورث كارولينا.

٭ جنّد في الجيِش الأمريكي خلال حرب فيتنام.

٭ عمل محاضراً في الكتابة الإبداعية، جامعة نورث كارولينا.

٭ عمل في جريدة نيوزويك والصحافة بوجه عام.

٭ يعمل الآن باحثاً في المركز الدولي »وودرو ويلسون« في واشنطن.

له أكثر من ثلاثين رواية وكتاب، نختار منها:

- الدفاع والتدمير (رواية)  To Defend, to Destroy

- الضربة القاضية عند منتصف الليل (رواية)  The Knock at Midnight

- براءة جون ليتل (رواية) The Innocence of Joan Little

- شيرمان، رجل السلام (مسرحية) Sherman, the Peacemaker

- قطار جونزتون السريع Jonestown Express

- مسيرة شيرمان وفيتنام Shermanصs March and Vietnam

- النجم المنعزل: حياة جون كونالي The Lone Star: the Life of John Connally

- غاليليو: سيرة حياة Galileo: A life

- الرؤيا الأخيرة : أوروبا عام 1000م.The Last Apocalypse: Europe at the Year 1000A.D

- مقاتلون في سبيل الله : ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين Warriors of God: Richard the Lionheart and Saladin

ملاحظة:

قدم جيمس رستن هذه الشهادة حول عمله خلال ندوة (الرواية والتاريخ) التي عقدت برعاية المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث، في الدوحة بتاريخ 22-24 /3/2005. وقد تذاكرت معه بشأن نشر الترجمة العربية ورحّب بذلك.

الهوامش

1. يتجنب الأمريكيون اليوم مصطلح: السود، ويسمونهم: الأمريكيون الأفارقة (African Americans) المترجم.

2. سبق أن ورد هذا المصطلح، وهو من صنع جيمس رستن، وتكراره في النص الحالي يفيد أنه مفتاح لفهم طبيعة أدبه [ المترجم. ]

3. إشارة إلى مدينة الكرك وقلعتها في الأردن [ المترجم. ]

4. هذه الرواية تختلف عن الروايات العربية [ المترجم. ]

5. العنوان من وضع المترجم

6. المقصورة carrel، هي غرفة صغيرة جداً يستخدمها الباحثون في أروقة المكتبة لمطالعة الكتب التي ينتقونها من الرفوف والاحتفاظ بها إلى أجل محدد. [ المترجم ]

7. مقاتلون في سبيل الله، لجيمس رستن (الابن)، نقله إلى العربية: الدكتور رضوان السيد، مكتبة العبيكان، الرياض 2002 : 99-100.

8. العنوان من وضع الدكتور رضوان السيد، وكذلك نص المشهد.  ويلاحظ أن الدكتور السيد عاد إلى المراجع الأصلية، وكذلك فعل في سائر كتابه المترجم :

مقاتلون في سبيل الله، لجيمس رستن (الابن)، نقله إلى العربية: الدكتور رضوان السيد، مكتبة العبيكان، الرياض 2002.

       الحواشي (من 7 إلى الحاشية 10) تابعة للنص المقتبس من الدكتور رضوان السيد

9. عن مفرّج الكروب لابن واصل 2/196.

10. في مفرج الكروب 2/ 196 : »فقرعه السلطان صلاح الدين وأذكره ذنبه، وقال له : كم تحلف وتنكث؟ فقال الترجمان عنه : إنه يقول، وقد جرت بذلك عادة الملوك !«.

11. يقصد قول ريجنالد (أو أرناط كما يسميه المسلمون) لرجالات القافلة التي سطا عليها عندما طالبوه بإطلاق سراحهم طبقاً للمعاهدات: قولوا لمحمدكم يخلصكم! انظر:

ابن شداد، ص 78، وكتاب الروضتين 2/81، ومفرّج الكروب 894.

12. عن ابن شداد في السيرة الصلاحية، 79، وكتاب الروضتين 2/81، ومفرّج الكروب 2/195.  وقارن بأمين معلوف : الحروب الصليبية كما رآها العرب.  ترجمه عن الفرنسية عفيف دمشقية، بيروت 1998: 242-244.


تصميم الحاسب الشامل