إدوار الخراط ناقداً:

 

حاوره : عمر مقداد الجمني (كاتب من تونس)  


»ما وراء الواقع« مصطلح لم أحلله تحليلاً عميقاً

»الحساسية الجديدة« مصطلح قد لا يكون مصطلحي..  

»عبر النوعية« مصطلح وقع في ذهني في جلسة أكلنا فيها وشربنا

 »ثمة طلاق بائن بين الفن والفكر«! هكذا يكتب إدوار الخراط في فصل له من فصول كتابه »أنشودة للكثافة«.. وفي مواجهة هذا »الطلاق البائن« الذي كرسه »العرف الشائع«، بل في سبيل منع هذا »الطلاق« من الحصول يدعو الخراط الفنان الى أن يكون »ناقدا أيضا«، ناقدا لفنه أثناء الخلق، وناقدا لفنه بعد استوائه خلقا كاملا، كما يدعوه الى أن يمارس حقه. باعتباره ناقدا- في أن »يضع القاعدة العقلية لعمله وأن يخطط لمنهجه الفكري«. تراثنا العربي القديم- فيما يرى الخراط- كرس ظاهرة »الفنان الناقد« وأدب الغرب جسدها أحسن تجسيد، فلم هذا »الطلاق« اليوم؟ ليكن الفنان إذن »في المحل الأول الناقد الأول لعمله« وليدرك أن »على مدى توفيقه في هذه العملية النقدية يتوقف نجاح العمل الفني في يديه«.

ليس من شك في أن هذا التصور »للفنان الناقد« لدى إدوار الخراط هو الذي جعل الخراط ينشئ مئات المقالات وعشرات الكتب النقدية خلال مسيرته الفنية النقدية. وقد حاور كثيرون آخرون ادوار الخراط في فنه. أما نحن فنحاور إدوار الخراط »الناقد« خاصة، نحاوره في آرائه النقدية التي وجهت فنه وفي المصطلحات النقدية المركزية التي أنشأها، وخاصة مصطلح الكتابة »عبر النوعية« وما اتصل به من مصطلحات ومفاهيم مجاورة.

 

- أستاذ إدوار الخراط بودي أن أسألك بعض الأسئلة التي لا تعنى بالضرورة بالجانب الابداعي من أعمالك إنما تعنى وتهتم بالجانب النقدي وتستنطق إدوار الخراط الناقد. وأول سؤال أحب أن أبدأ به هو كيف تحدد ثلاثة مصطلحات أساسية وردت في كتاباتك النقدية وأقصد: »الحساسية الجديدة« و»الكتابة عبر النوعية« و»ما وراء الواقع« ولنبدأ بمصطلح »الحساسية الجديدة«؟

٭٭ بالنسبة الى مصطلح »الحساسية الجديدة« لعلي أوضحت ملامحها الأساسية في عدة مقالات وكتب. سأحاول أن ألخص وأوجز وأكثف ما أتصوره أو ما اقترحه من تحديد أو تعريف لهذا المصطلح. لا بد كي نصل الى ذلك من أن نقارنها بما أسميته بـ»الحساسية التقليدية« حيث كان العالم في مفهوم القاص أو المبدع أو الشاعر عالما مفهوما معقولا يمكن محاكاته بل يمكن تغييره أيضا، وما زال في هذا المفهوم آثار من التصور الأرسطي للفن على أنه تمثيل أو محاكاة للواقع. في هذه »الحساسية التقليدية« كانت العمدة في التقنيات: البداية بتمهيد أو فرش ثم الوصول الى حبكة أو عقدة، ثم فك هذه الحبكة أو العقدة باستخدام التشويق و(كان المطلوب) أن تكون الأزمان الثلاثة متراسلة يأتي أحدها بعد الآخر في تعاقب معقلن منتظم طبعا وفيه قدر كبير من التجريد ذلك أن الأزمنة لا يمكن أن تكون على هذا القدر من الفصال، ثم تأتي اللغة وهذه ينبغي أن تكون جزلة أو سلسة، ولكنها ملتزمة بالقواعد. ويكون الالتزام عند القاص أو الروائي أو الشاعر بأن تكون المعطيات سواء أكانت واقعية أم خيالية معطيات معقولة بمعنى أن لا يدخل فيها اضطرابات ما يدور في دخائل النفس وما يقع تحت طبقة اللاوعي. يمكن بوضع هذه الخصائص في »الحساسية التقليدية« أن نرى في عكسها ما به تتحدد »الحساسية الجديدة«.

ليس العالم مفهوما عند أصحاب »الحساسية الجديدة« لأنه، بطبيعة الحال هناك علاقة ما ليست علاقة آلية أو افتراضية بل علاقة فعل وانفعال بين الفن وبين الأوضاع الاجتماعية والسياسية. عندما انهارت الشعارات المجلجلة والأحلام والآمال الطموحة في هزيمة 1967 بدا أن العالم، بالنسبة إلى فئة من الكتاب والشعراء والقصاصين غير معقول وغير مفهوم ولا يمكن تبريره، وبالتالي تحطمت تصورات المحاكاة، فلم يعد الفن محاكاة، للواقع ولا حتى واقعا موازيا للواقع بل أصبح قائما برأسه، أصبح عالما آخر من ابتداع القاص أو الروائي أو الشاعر. وأصبحت فيه قواعد مخلخلة إذا صح هذا التعبير. أصبحت القوانين غير مسلم بها وغير مكرسة. وبالتالي فان تقنية التمهيد ثم الحبكة والعقدة، انهارت تماما وصار من الممكن أن يدخل القاص أو الروائي مباشرة الى قلب أزمته أو مشكلته بدون تمهيد.

في هذه »الحساسية الجديدة« صار أيضا من الممكن أن يستغني عن ذلك التوازن المحسوب الذي كان مطلوبا من قبل في سياق »الحساسية القديمة« أقصد التوازن بين التعليل والتحليل والحوار والسرد والوصف وما إلى ذلك. أصبح من الممكن عند أصحاب »الحساسية الجديدة« أن يقتصر النص كله على الحوار ولا يكون مسرحا مع ذلك، أو أن لا يوجد فيه إلا النزر القليل من الحوار، أو أن لا يوجد فيه تعليل. فتوضع الأمور أمام القارئ أو المبدع أيضا هكذا بدون تفسير، أو أن يكمن التفسير في داخلها دون أن يتطوع به المبدع مباشرة. هذا من ناحية، ثم من ناحية ثانية دخلت ضمن هذا العالم الجديد عالم »الحساسية الجديدة«، وبقوة، عناصر جديدة: دخلت »الأحلام« وما يدور في خيالات النفس، وما يدور في جيشان الروح، من اضطرابات ومن اختلاطات اذا صح هذا التعبير دون أن يعنى القاص أو الروائي أو الشاعر بأن يضع الحلم في اطار كما كان يفعل الكتاب القدامى.

كان الكتاب القدامى يضعون الحلم، ولكن بوصفه حلما، كما لو كان شيئا غريبا، أو كما لو كان شيئا مقحما على الحياة الواقعية. الحلم هنا في »الحساسية الجديدة« أصبح جزءا أساسيا من الحياة. وبذلك فان الفانتازيا دخلت بقوة، و»شطح الخيال« دخل بقوة، ثم استدعى ذلك، للضرورة، تفجير قوالب اللغة وما سمي بتفجير اللغة. طبعا الشرط الضروري لهذا هو الإلمام أولا باللغة إلماما تاما ثم الانطلاق من هذه المعرفة التامة باللغة الى تجاوزها وإلى تفجيرها وإلى تحطيمها.

ولذا صار من الممكن أن تبدأ الجملة ولا تنتهي، وصار ممكنا أن يكون هناك مبتدأ بدون خبر، وصار ممكنا أن تتكون الجملة من كلمة واحدة كما صار ممكنا أن تتكون من فقرات كاملة ليس بها فواصل تنقيط وهكذا. أظن أنه بهذا يمكن تلخيص أهم خصائص »الحساسية الجديدة« التي أوشكت الآن، بعد مرور نحو ثلاثة أو أربعة عقود، لا أدري، أن تصبح كلاسيكية وأن تصبح هي نفسها تقليدية، أصبح الكتاب الجدد من قصاصين وشعراء يأخذون بهذه التقنيات الرؤى. طبعا هذه التقنيات ليست مجرد شكلانيات وإنما هي تنم عن أو تنصهر في أو ترتبط برؤية معينة للعالم بل رؤى للعالم وللكون الداخلي والخارجي. فالتقنيات والرؤى شيء واحد. لم تعد هذه التقنيات الرؤى شيئا يبدو غريبا الآن بل أصبح الكتاب الجدد يأخذونها مأخذ المسلم به.

- هل مثلا كل من كسر قواعد اللغة وتفجيرها ندرجه حتما في نطاق »الحساسية الجديدة« أم يمكن أن يكون في غير هذا النطاق ومع ذلك يمارس تفجير اللغة؟

٭٭ يمكن طبعا. ما أشرت إليه من خصائص أو سمات لا يمكن أن تكون قواعد مسبقة صارمة حاسمة لأن في داخل هذه الخصائص العامة يمكن أن تتنوع الكتابات وتتفرع الى تيارات كثيرة وهذا ما يمكن رؤيته بالتفصيل في كتاب »الحساسية الجديدة« أو في المقالات المتعددة، وبالتالي من الممكن نظريا أن من يكسر قواعد اللغة قد يكون خارج نطاق »الحساسية الجديدة«، قد ينتمي الى رؤى أو تقنيات أخرى لا أدري ما هي بالضبط، لكن الإمكان نظريا قائم.

- وهل ترى لهذه »الحساسية الجديدة« أصولا في التراث العربي القديم أو الحديث قبل المعاصر؟

٭٭ نعم بالتأكيد، إن تراثنا الصوفي وبعض الأشعار التي كتبها مثلا الصوفيون أو الصعاليك أو النساء وهي نصوص نادرة يمكن أن تندرج تحت هذا المفهوم وإن لم تسم بهذا المصطلح في وقتها وحتى عهد قريب، أي لا شك أن كتابات النفري مثلا يمكن ببساطة شديدة جدا إدراجها في هذا السياق. أما في العصر الحديث فإني أتصور أن لها جذورا أو أصولا مثلا في كتابات بشر فارس في أواخر الثلاثينات سواء في مسرحياته أو في قصائده. ثم في الأربعينات هناك مثلا من أستطيع أن أسميهم مدرسة الاسكندرية الذين كتبوا شيئا يمكن أن يندرج تحت هذا المفهوم. وكذلك كتاباتي أنا الشخصية في ذلك الوقت والتي كانت تمت بصلة ما الى ما أسميه بالشعر المنشود وما يسمى الآن بقصيدة النثر، كتابات بدر الديب الذي لم أكن أعرفه على الإطلاق في تلك الفترة نفسها مثلا كتابه »حرف الحاء« وأيضا كتابات أناس مثل عباس أحمد وأيضا كتابات فتحي غانم المبكرة وطبعا كتابات لويس عوض. كل هذه الجذور كانت إرهاصات بهذه الكتابات التي يمكن أن نصفها الآن، بعد مرور كل تلك السنوات، بأنها تنتمي الى »الحساسية الجديدة« أو هي أصول أو بذور أو جذور مخصبة لهذا المفهوم.

- آتي الآن إلى المصطلح ذاته »الحساسية الجديدة« هل هو ترجمة للعبارة الفرنسية (Nouvelle sensibilite) أم أنكم اهتديتم إليه بطريقة أخرى أم أنه من وضع غيركم، وأنا أحب أن أتابع نشأة هذه المصطلحات النقدية في النقد العربي المعاصر؟

٭٭ هذه مهمة أتصور أنها مهمتكم وليست مهمتي أنا، بالنسبة إلي عثرت على استخدام لهذا المصطلح في حوار لي منشور منذ فترة بعيدة جدا في مجلة مغمورة هي مجلة »الاذاعة والتلفزيون« هناك عثرت على هذه الكلمة المفتاح هي »الحساسية الجديدة« كان ذلك ربما في أواخر الخمسينات، وربما كان في منتصف الخمسينات، فهل كنت قد قرأت هذا المصطلح في مكان ما قبل ذلك؟ طبعا أنا لا أدعي أنني ابتدعت المصطلح بالتأكيد. فلعله كان معروفا من قبل ولكني أسهمت بقدر ما أستطيع في إشاعة مفهومه وتحليله وتحديده وتطبيقه على كتاب معينة.

- قبل أن نصل الى الكتابة »عبر النوعية« أقف عند المصطلح الثاني الشائع عندكم في كتاباتكم النقدية أقصد مصطلح »ما وراء الواقع« كيف تحددونه؟

٭٭ »ما وراء الواقع« هذا مصطلح لم أحدده ولم أحلله تحليلا عميقا أو متقصيا كما فعلت بالنسبة إلى المصطلحين الإثنين الآخرين، لكني أتصور أن الكتابات التي تروقني وتشوقني والتي أكتبها أحيانا هي الكتابات التي لا تنتمي بشكل ما إلى مفهوم الواقع حتى لو أدرجنا في هذا المفهوم عالم الحلم والخيال والشطح والفانتازيا هي كتابات تذهب الى شيء لعله أبعد من ذلك. ما هو بالتحديد؟ لقد أسميته في بعض الكتابات بـ»ما وراء اللغة« أو »اللغة التي تستعصي على اللغة«. في نهاية الأمر الفن أو الكتابة الفنية هي شيء يستعصي تماما على نقل الخبرة، أقصد الخبرة الحسية، الخبرة الشعورية، الخبرة المعرفية إلى غير ذلك، لأن الخبرة قائمة بذاتها لا يمكن أن تنقل، ولا يمكن أن توجد إلا في ذاتها. هذا المعنى الدقيق أقصد به أن »ما وراء الواقع« هو العبور وفكرة العبور من عالم هذه الخبرة المباشرة، التي لا عبور منها في حقيقة الأمر ولا نقل لها، إلى عالم اللغة، وهو شيء يختلف تماما عن الخبرة بذاتها. لعل هذا الاتجاه هو الذي أعنيه بمصطلح »ما وراء الواقع« وهو في حقيقة الأمر أيضا، وفي الوقت نفسه »ما وراء اللغة«.

- نصل الان إلى المصطلح الثالث الذي اختصصتم به وهو مصطلح »الكتابة عبر النوعية«.

٭٭ نعم.. وقبل أن تسألني عن منشأ هذا المصطلح عندي أحكي لك طرفة من الطرف: كنت ذات ليلة في بيت صديقي الأستاذ بدر الديب ومعنا أحد المذيعين اللامعين في ذلك الوقت: كمال ممدوح حمدي. كنا قد ناقشنا رواية »رامة والتنين« قبل أن تصدر مطبوعة في كتاب، كنت قد طبعتها طبعة محدودة في مائة نسخة ووزعتها. واستفضنا في النقاش في الاذاعة. ثم رحنا الى البيت واستكملنا النقاش واحتد النقاش واستمر وشربنا وأكلنا. وفي وهج هذا اللقاء الحميم حاولت أن أجد تعبيرا أو مفهوما لما أكتب فوقع في ذهني هذا التعبير »عبر النوعية« أي الذي يتجاوز أو يعبر الأنواع. قيل بعد ذلك، من أساتذة أفاضل، أنها ترجمة سيئة لعبارة (Interdisciplinaire) الفرنسية أو (Interdisciplinary) الانجليزية. هذا ليس صحيحا على الإطلاق لأنه لم يخطر ببالي ترجمة عبارة (Interdisciplinary writing) (سواء اعتبروها ترجمة رديئة أو غير رديئة). وهو ما يعني تداخل النظم أو تداخل الأنواع، إنما تبادرت إلى ذهني فكرة العبور وفكرة وعبر النوعية.. هذه هي الطرفة.

- ومتى كان ذلك تقريبا؟

٭٭ كان ذلك قبل صدور »رامة والتنين« بسنة واحدة. كان صدور الكتاب مطبوعا سنة 1980، إذن النادرة حصلت قبل ذلك بعام واحد أي سنة 1979. ما هي هذه الكتابة »عبر النوعية« بعد أن تأملتها وبعد أن فكرت فيها وبعد أن حللتها وبعد أن لاحظت، كما سبق أن قلت، كتابات بدر الديب وكتابات الراحل الذي فارقنا مبكرا يحيى الطاهر عبدالله وكتابات اعتدال عثمان وآخرين؟ لعلني لخصت وأوجزت هذا المفهوم في أنها- كما جاء الآن- الكتابة التي تتمثل منجزات الأنواع المكرسة مثل الشعر، مثل المسرح والسرد والرواية والقصة وما إلى ذلك.

وكذلك هي الكتابة التي تتمثل منجزات التقنيات السينمائية أيضا، بل أكثر من ذلك منجزات الفنون غير القولية مثل السينما كما كنت أقول الآن، ومثل النحت والتصوير والموسيقى. أقصد خاصة هذه المفهومات الأساسية من مثل التناغم والتناسق والتنافر... الخ. ولكن في سياق مختلف عما يحدث في الموسيقى.

في الكتابة »عبر النوعية«، وهذا استطراد نلاحظ العناية بالجرس الصوتي وبالنسق الصوتي، كما يحدث في الأعمال الموسيقية نفسها. نلاحظ مسالة التركيب النغمي ليس فقط من حيث الصوت بل أيضا من حيث الصور ومن حيث المجازات والمشاهد. هذا التركيب الذي يقارب أو يشابه أو يتمثل التركيبات السمفونية أو تركيبات السوناتة أو التركيبات الأخرى المعروفة في الموسيقى، أقصد التنويعات والمتتاليات... الخ. ومثل ذلك في النحت أو التشكيل وما إلى ذلك. لا أعني أن يقوم المبدع بإقحام إحدى منجزات أو تقنيات فن ما أو نوع أدبي ما بجانب الأنواع الأخرى بحيث ينشأ نوع من التجاور فقط أو النتوء أو النشاز، بل أعني شيئا صعبا ونادرا أيضا هو تمثل واستيعاب هذه المنجزات المختلفة من الأنواع الأخرى ومن الفنون الأخرى تمثلا واستيعابا تامين ثم صهرها وإدراجها في هذه الكتابة بحيث يتكون منها شيء لا أدري هل أسميه نوعا جديدا؟ إني أتردد قليلا في أن أسميه نوعا جديدا وإن كنت ما أزال أرى أن هناك فوارق أو خصائص تحسم هذه المسألة أو المشكلة، بمعنى أنه حتى مع استيعاب وتمثل منجزات هذه الفنون الأخرى إذا كانت السردية غالبة على النص فهو ينتمي إلى القص أو الرواية، وإذا كانت الإيقاعية غالبة على النص ولو كان فيه سرد أو غيره من منجزات الفنون الأخرى فهو شعر. أما إذا غلبت الحوارية على النص فهو مسرح، وإذا غلبت المشهدية على النص فهو سينما.

ولكن قد يحدث، وهذا أمر نادر جدا وصعب جدا، أن تتوازن هذه المقومات وتتكافأ، بين الايقاع والسرد والحوار... الخ. كلها أو بعضها.. عندئذ، في هذا النوع النادر من التكافؤ أو التوازن تصبح الكتابة »عبر نوعية« بالمعنى الدقيق للكلمة، ولعل هذه الكتابة تصبح عندئذ نوعا جديدا.

- إذا كنت قد فهمتك جيدا أستاذ خراط، أستطيع أن اقول أولا إن الكتابة »عبر النوعية« في اصطلاحك وفي مفهومك تمر عبر مسلكين من الكتابة: مسلك في الكتابة يمزج داخل الفنون القولية بين أجناس مختلفة مثل تمازج السردي بالشعري، أو تمازج الشعري بالترجذاتي أو تمازج السردي بالترجذاتي الى غير ذلك، ومسلك ثان يمزج من جهة بين الفنون القولية والفنون غير القولية من جهة أخرى كإدخال السينما في نص سردي وما شابه ذلك، هل فهمي صحيح؟

٭٭  نعم فهمك صحيح تماما.

- إذن فاعتمادا على ما كنتم تشيرون إليه الآن، فإن كتاب »بنك القلق« لتوفيق الحكيم مثلا أو كتاب »نيويورك 80« ليوسف إدريس لا يندرجان بهذا الاعتبار في الكتابة »عبرالنوعية«؟

٭٭ نعم.. صحيح تماما لأن الكتابة »عبر النوعية« لا تعني التجاور، ولا تعني أن يكون النص نصفين: نصفه سرد ونصفه مسرح أو نصفه شعر ونصفه كذا... وهكذا، بل إن الكتابة »عبر النوعية« لا تعني أن تكون فقرة من هذا النوع الأدبي تتلوها فقرة من ذلك النوع الآخر ثم فقرة من نوع ثالث وهكذا.

وبذلك يعسر علي أنا أن أتصور كتابا مثل »ذات« لصنع الله ابراهيم مما يدخل في الكتابة »عبر النوعية« لأن عند صنع الله ابراهيم لم تمتزج ولم تنصهر الوثائقية والتسجيلية في قلب أو في مزيج السرد كما يحدث عندي أحيانا. فأنا أحيانا أوفق، في تصوري، أو أرجو أن أكون قد وفقت، في مزج الوثائقية بالسردية مع الشعرية مع بعضها بعضا، بحيث يتكون من ذلك نسق قد يكون أقرب الى التركيب الموسيقي أو السمفوني. هذا التركيب أو هذا التمازج أو هذا الانصهار هو الحاسم، وليس التجاور وليس أن تكتب أنت قصة على الأسلوب السردي ثم تكتبها مرة أخرى مسرحية كما فعل يوسف إدريس في »جمهورية فرحات« فهذا شيء آخر.

- لو سألنا إدوار الخراط الناقد كيف يؤرخ لظاهرة الكتابة »عبر النوعية«، في مصر على الأقل، وما هي الرموز الكبرى أو النصوص الكبرى في هذا النطاق كما يستحضرها الآن؟

٭٭ لعلني لست بهذا القدر من التدقيق في التاريخ، ولا تنس أنني أعتبر نفسي ناقدا غير محترف، ولعلي طول الوقت آخذ النقد مأخذ الهواية ومأخذ الكتابة الابداعية بشكل ما. لكن مع ذلك، أتصور أن النصوص التي كنت أشرت اليها آنفا باعتبارها النصوص الأولى في تيار »الحساسية الجديدة« يمكن إدخالها أيضا في هذا المنحى بمعنى أن كتاب »حرف الحاء« لبدر الديب الذي كتب سنة 1948 لا شك أنه يدخل في هذا المفهوم.

وكما قلت أيضا لعل بعض كتابات بشر فارس تدخل أيضا في هذا المفهوم، لكن الذي أوضح هذا المفهوم بشكل قوي بعد كتابات بدر الدين هو كتابات يحيى الطاهر عبدالله وخصوصا في أيامه الأخيرة وفي كتاباته الأخيرة. لعلك لو رجعت إلى الأعمال الكاملة ليحيى الطاهر عبدالله التي صدرت عن دار المستقبل العربي وقرأت القصص القصار الأخيرة التي كتبها في مرحلة أخيرة من عمره لوجدت أنها قصص بديعة تجمع بين السرد والشعر وبشكل مبكر ورائع لفتني أنا نفسي إلى ما كنت أفعل حتى منذ أيام كتابي »حيطان عالية« عندما كنت أخرج من السرد فجأة الى نوع من الفانتازيا الشعرية أو الحلم السريالي المخالف لكل موضوعات القصة القصيرة التي كانت تكتب في ذلك الوقت.

- طيب، غير بدر الديب وغير الطاهر عبدالله من تستحضر من الأسماء الكبرى التي ترمز الى هذه الكتابة »عبر النوعية«.

٭٭ اسمح لي أن أتحفظ على لفظة »الكبرى«، ولنقل البارزة والواضحة، لعلني ذكرت هذه الأسماء في كتابي »الكتابة عبر النوعية«: بدر الديب ويحيى الطاهر عبدالله واعتدال عثمان وأحيانا منتصر القفاش من الكتاب الجدد ونبيل نعوم وغيرهم. وكل هؤلاء من الكتاب المصريين. أما من الكتاب العرب الآخرين فلعل أبرز الأسماء التي ترد إلى ذهني الآن عفو الخاطر الكاتب حيدر حيدر السوري وخاصة في قصصه القصار الأولى وخاصة في كتابه »وليمة لأعشاب البحر« وغيره بطبيعة الحال.

- إن لم أكن مخطئا، فإنك احتضنت مجموعة من الكتاب ممن كتبوا فيما يبدو لي وعلى حد علمي في هذا النسق: المخزنجي والقفاش ونبيل نعوم. وأظن أن لك يدا بيضاء في نشر هذا الاتجاه في الكتابة الأدبية في مصر.

٭٭ الفضل لهم ولموهبتهم وليس لي.

- المجلات التي كانت تصدر في مصر خارج النطاق الرسمي مثل مجلة »إضاءة 77« ومثل مجلة »الكتابة الأخرى« هل ترى أنها لعبت دورا في نشر »الكتابة عبر النوعية«؟

٭٭ بالتأكيد .. وهذا يذكرني بشيء هام، بشيء لعله قد فاتنا وهو مجلة اسمها »البشير« وكانت تصدر بينما كنت أنا معتقلا يعني في سنوات 1948/ 1949/ 1950. وكان يصدرها ويشرف عليها محمود أمين العالم وبهيج نصار وبدر الديب. تفرقت بهم السبل. كل في سبيل إلا بدر الديب الذي ظل يتابع هذا »البشير«. ثم أذكر مجلة »الفصول« (لا أقصد مجلة »فصول« التي يشرف عليها جابر عصفور) وكان يشرف عليها فتحي غانم. مجلة »البشير« هذه كانت طبعا مجلة مستقلة تماما بعيدة عن كل.. لعل »المجلة الجديدة« التي كانت تصدر تحت إشراف رئيس التحرير رمسيس يونان في الأربعينات المبكرة قد لعبت دورا أيضا لأنها قد أدخلت بالتأكيد نصوصا سريالية ونصوصا مترجمة عن الفرنسية قد تمت بشكل أو بآخر الى هذا النوع من الكتابة.

تأتي بعد ذلك مجلة »جاليري 68« بالتأكيد، ثم المجلات الأخرى التي ظهرت في ذلك الحين والتي سميت بمجلات الماستر أو مجلات ثورة الماستر منها: »النديم« و»الغد«، بالإضافة الى »إضاءة 77« و»كتابات جديدة« ومجلات من هذا النوع، وهي مجلات كلها قامت بقروش قليلة لمبدعين متمردين وخارجين أو مارقين على السلطة الرسمية.

- نلاحظ في العناوين الفرعية التحتية لعدد من أعمالك الأدبية مصطلحات جديدة كأن بها نوعا من تجاوز مصطلح »رواية« وكأن مصطلح »رواية« لم تجد فيه ما يكفي للتعبير عن هذه الأعمال، فمثلا: عنوان كتابك »اختراقات الهوى« أردفته بعنوان تحتي فرعي »نزوات روائية«. وعنوان »أمواج الليالي« أردفته بـ»متتاليات قصصية«، وعنوان »ترابها زعفران« أردفته بـ»نصوص اسكندرية« وعنوان »تباريح الوقائع« أردفته بـ»تنويعات روائية«، وعنوان »اسكندريتي« أردفته بـ»كولاج«، فهل هذه العبارات الواردة على هيئة عناوين فرعية تحتية توضيحية: »نزوات روائية«/ »متتاليات قصصية«/ »نصوص«/ »تنويعات روائية«/ »كولاج«/ تصور ضيق المبدع بمصطلح »رواية« الذي بدا كأنه لم يعد يكفي المبدع للتعبير عما يريد وكأنه لم يعد يستجيب لما يدور في خاطره ولما يرسمه قلمه.

٭٭ هذا صحيح تماما بالإضافة الى أن هذه المصطلحات كأنما تمثل نوعا من استفزاز القارئ واستنفاره كي يفكر ويتأمل كيف أن المصطلح القديم المكرس لم يعد بالضرورة كافيا شافيا وافيا بل هو موضع تساؤل باستمرار. والتساؤل والمغامرة هما قطبا الفن عندي وهما قطبا العمل الفني عندي: التساؤل من ناحية والمغامرة من ناحية أخرى.

ومن ثم فان هذه المصطلحات كأنها نوع من دعوة القارئ واستنفاره الى التفكير في مصداقية النوع، صحيح أن الرواية نوع مطواع مرن شديد القابلية للتنوع إلى آخر ذلك، لكن هذه المصطلحات تدعو القراء والكتاب أيضا إلى التفكير في هذا بالضبط أي التفكير في أن نوع الرواية نوع غير محدد وغير قالبي تماما.

ثم إن هناك بالتأكيد، لو لاحظت، استلهاما ما لفنون غير قولية فـ»نزوات« كما ترى جمع »نزوة« وهي مقابل كلمة (Caprice) الموسيقية، وكذلك »متتاليات« جمع »متتالية« وهي مقابل كلمة (Suite) الموسيقية، وكذلك »تنويعات« جمع »تنويع« وهي مقابل كلمة »(Variatio وهي الموسيقية أيضا. أما »الكولاج« فهو طبعا فن تشكيلي، وهكذا. وأوضح إذن أن هذه النصوص تتحدى مسألة التعليب النوعي إذا صح التعبير أي وضع الأنواع في علب أو في خانات نهائية ومكرسة.

- إذا رجعت إلى ما كنتم قلتم منذ قليل أستطيع أن أقول أنكم تتبعون مقياسا واضحا في التصنيف الأجناسي: غلبة مقوم أجناسي ما في نص ما يعطيه تسمية الجنس المناسب: غلبة السرد تعطي النص تسمية »الرواية« غلبة الإيقاع تعطي النص تسمية »شعر«... الخ. أما حين تتكافأ المقومات الأجناسية داخل نص ما فإنك تخرج بالنص إلى تسمية جديدة: إما »كتابة« وإما »نص«.

٭٭ صحيح تماما.

- في ظل هذا التصور ما هي أقرب كتبك في نظرك أنت الى الكتابة »عبر النوعية«؟

٭٭ صعب جدا أن أحدد ذلك، لعل »رامة والتنين« أولا ثم الكتاب الثاني »الزمن الآخر« والثالث »يقين العطش« لعلها من هذا النوع، ولكن أيضا كتاب »مخلوقات الأشواق الطائرة« ثم أيضا ثلاثية »رقرقة الأحلام الملحية« و»أبنية متطايرة« و»حريق الأخيلة«، وهي ثلاثية تكون كتابا واحدا في حقيقة الأمر، وللأسف لم يصدر هذا الكتاب في مجلد واحد حتى الآن، بالعكس صدر منه، مجلدان في بيروت عن دار الآداب، ومجلد واحد في الاسكندرية عن دار المستقبل ولكنه في حقيقة الأمر كتب باعتباره كتابا واحدا، وهذه معلومة جديدة أنت تحصل عليها لأول مرة ربما! في هذا الكتاب مزج حقيقي بين الرسالة والتأمل والشعر والشطحات الفانتازية عناصر أظن أنها تكافأت في هذه الثلاثية كما تكافأ الشعر والسرد في »رامة والتنين« كما تكافأت الوقائع والسرد والشعر أيضا في »يقين العطش« وهكذا.

- ولكن »رامة والتنين« سميتها رواية!

٭٭ صحيح! ذلك أني لم أكن قد اهتديت بعد إلى هذه التسمية »الكتابة عبر النوعية«، لعلك تذكر ما حكيته لك آنفا: بعد مناقشة هذه الرواية انبثقت الفكرة والمفهوم والمصطلح.

- إذا كانت متابعتي لأعمال الأستاذ إدوار الخراط الابداعية قريبة من السلامة والصحة فإني ألحظ أن هناك اتجاها في السنوات الأخيرة عندك الى كتابة الشعر بدل الأعمال السردية ثم إلى الاهتمام بالفنون التشكيلية ومزجها بالنصوص الشعرية سواء فيما كتبتم أنتم أو في تقديمكم لما كتبه آخرون في هذا النطاق: امتزاج الشعر بالفنون التشكيلية.

٭٭ طبعا لعلك تعرف كما يعرف الكثيرون أو القليلون، لا أدري، اني كتبت الشعر أول ما كتبت عندما كنت صبيا غريرا. تصورت أن ما أكتبه هو شعر بل درست العروض الخليلي والتفعيلات والزحافات والعلل وكل هذه الأشياء دراسة وأنا بعد في الثانية عشرة من عمري. وكتبت الشعر الموزون المقفى العمودي الخليلي، بل استعملت المفردات الحوشية التي تنتمي إلى الجاهلية بنوع من الافتتان باللغة والايقاع ثم انتقلت منها الى كتابة الشعر على نمط مدرسة أبولو بتراوح الايقاعات، ثم الشعر المنثور أو قصيدة النثر.

لم أتوقف في حقيقة الأمر عن كتابة الشعر ولكنه كان مدرجا أو مندرجا أو منصهرا في سياق القصص أو السرد. إلا أنني في ذات يوم خطر لي في احدى النزوات الإبداعية أن أستخلص من »رامة والتنين« و»الزمن الآخر« بالتحديد تلك الفقرات التي تصورت أنها قصائد مستقلة أو التي يمكن أن تتصور باعتبارها قصائد مستقلة. هي ليست مستقلة، هي في الحقيقة مندرجة منصهرة في نسيج العمل الروائي كله، ولكني باستخلاص تلك الفقرات وبكتابتها على شكل ايقاعي خاص غير الشكل السردي المطرد، لعلني استخرجت منها أيضا، إيقاعا آخر، وبالتالي استخرجت منها معنى أو دلالة أخرى لعلها كانت كامنة غير سافرة في النسيج الروائي، وهو ما يكون قسما هاما من كتابي »طغيات سطوة الطوايا«.. ثم هبط علي طائر الشعر ذات يوم بعد ذلك لا أدري لماذا وكيف، فكتبت قصائد أدرجتها في كتابي »لماذا؟«، وتواصلت الكتابة في هذا النسق. ثم كانت عملية التساوق بين عملي وبين عمل فنانين كبيرين هما في الوقت نفسه صديقان عزيزان: عدلي رزق الله وأحمد مرسي، كان هذا التساوق دافعا لي إلى كتابة نوع من الشعر يكاد يكون تأويلا لأعمال تشكيلية، ولكنه ليس تأويلا لأعمال تشكيلية فقط بل تأويل أيضا لما يدور في نفسي وفي روحي من أفكار وتأملات ومشاعر. فكأن الفن التشكيلي قد امتزج وانصهر في الشعر الكامن في داخلي تماما. ومن ثم ظهرت هذه الكتابات في (٧ تأويلات) وفي »ضربتني أجنحة الطائر«. أما »صيحة وحيد القرن« فتصورته شعرا خالصا كتب بعد ذلك. وما زلت أكتب هذا النوع في »دانتلا السماء« أو لعلني سأعدل هذا العنوان إلى »٧ ساحات« بعد أن كتبت رواية ضخمة بعنوان »صخور السماء«. ولعلها رواية قد تكون ذروة من الذرى التي وصل إليها عملي الروائي.

- نهنئك بهذا العمل الجديد أستاذ خراط. ولكن في نطاق الحديث عن الشعر يبدو انه لا مجال للحديث عن »عودة الشاعر الضال« إذن!

٭٭ لا لم يكن ضالا أبدا!

- لكن »7 تأويلات و7 مائيات« و»ضربتني أجنحة الطائر« هل يمكن أن ندرجهما في الكتابة »عبر النوعية« أم هما نوع من الكولاج المحايد أو شيء شبيه بالكولاج بين الشعر والرسم؟

٭٭ لا أعتقد انه كولاج، في »7 تأويلات و7 مائيات« بالذات هناك الشعر من ناحية وهناك اللوحات، أو مستنسخ اللوحات من ناحية أخرى. لكن لا أعتقد أن هناك علاقة عضوية بين هذين النوعين، لكن داخل الشعر هناك هذه العلاقة العضوية، داخل النسق الشعري هناك هذا الامتزاج بين الفن التشكيلي ومقومات الفن التشكيلي، الذي به تصبح هذه المقومات شعرا أقصد: اللون والشكل والتركيب وأيضا الرموز او الشفرات الى آخره سواء في هذا الكتاب أو في كتاب أحمد مرسي وقد انتقلت من العمل التشكيلي الى داخل العمل الشعري وكونت جزءا لا ينفصل عنه.

- يبدو لي أن العقد الأخير من القرن العشرين قد شهد زخما من الكتب التي يمكن أن تدرج في الكتابة »عبر النوعية«. هل هذا مؤشر على أن القرن المقبل قد يكون في أدبنا العربي »قرن النص« أو »قرن الكتابة«، بعد أن كان القرن العشرين هو »قرن الرواية« أو »زمن الرواية« كما يقولون، ومن قبله كان هناك »زمن الشعر«؟

٭٭ طبعا كل رجم بالغيب ضلال، وكم تعميم خطر، أعتقد، باستشراف ما يحدث الآن، وباستقرار الاتجاهات التي أخذت في الغلبة والسيادة مثل قصيدة النثر نفسها، انه يمكن ان أتصور انه سيكون »للنص« أو للكتابة »عبر النوعية«، على الأقل، دور بارز ان لم يكن غالبا، دور سيكون واضحا قويا مرموقا. لماذا؟ لأن هذه الكتابة صعبة وليست متاحة، وقد يدخل اليها دخلاء، ولأن هذا النوع من التوازن والانصهار في هذه الكتابة ليس بالشيء المبذول على قارعة الطريق. بل هو شيء يحتاج الى موهبة ومقدرة ومعرفة لعلها لا تتوفر للكثيرين، لذلك أقول »عصر النص« مثلا لن يكون هو العصر الذي سيكون النص فيه سائدا، ولكن سيكون فيه النص بارزا واضحا مرموقا لأنه صعب. بطبيعة الحال، هناك دائما احتياج قائم للشعر بذاته، وللرواية بذاتها، وللمسرح بذاته، ولكن ليس في الأطر الكلاسيكية التقليدية وإنما في تطور مستمر متصور لهذه الأنواع نفسها فضلا أو جنبا الى جنب مع الكتابة »عبر النوعية« أو كتابة »النص«.

- كأني بك تستبعد حدوث تحول أجناسي مع مطلع هذا القرن الجديد، إنما الأمر يخضع في نظرك حسبما أفهم إلى تطور طبيعي للكتابة قد تتعايش فيه لمدة عقود أخرى أشكال الكتابة الموجودة اليوم.

٭٭ أنا لا أستبعد شيئا، لكن أتصور أن الأنواع المكرسة، في تصوري تظل قائمة ولكن متطورة تكتسب منجزات من أنواع أخرى جديدة، كما قلت سابقا حين تسود مثلا الإيقاعية على السردية والمشهدية يكون النص شعرا، ولكنه ليس هو الشعر الذي كان يكتب أيام القدماء طبعا بالتأكيد ولا هو بالشعر الذي كان يكتب أيام صلاح عبدالصبور أو الشابي مثلا.. هو يظل شعرا ولكن متطورا وبشكل آخر وقس على ذلك الأنواع الأخرى.

- إذن فإن القصيدة العمودية لن يكون لها حظ كبير على هذا الأساس؟

٭٭ لا.. القصيدة العمودية عفا عليها الزمن يا سيدي، بعد موت الجواهري أظن أنها قد دفنت.

- عندك اعتقاد راسخ بهذا الأمر!

٭٭ ليس اعتقادا راسخا أبدا لكن أظن أنه بموت آخر أعلام الشعر العمودي وهو الجواهري بالذات انتهى الشعر العمودي. طبعا هناك سعيد عقل يكتب بهذا الشكل إلى حد الآن ولكن هي أعمال نادرة وليست قوية. لا، لم يعد الشعر العمودي ولا توصيف »العمودي« نفسه قائما. سيظل الشعر العمودي تراثا نحترمه ونحبه حبا كبيرا، لكن لا اعتقد انه سيبقى بهذا الشكل. ممكن أن يكتب شعر بالقافية والوزن، القافية والوزن ما زالا، لكن من يكتب الشعر العمودي اليوم؟ لننظر الى الساحة هم عدد قليل بل نادر إن لم يكن منعدما.

- ولكن هناك عودة عند بعض رموز الشعر المعاصر اليوم إلى كتابة القصيدة العمودية، أنتم سمعتم ولا شك أن سعدي يوسف مثلا عاد يكتب القصيدة العمودية. أدونيس كأنه بدأ يتجه هذا الاتجاه أيضا. وهذه ظاهرة بدأت تتكشف في آخر العقد الأخير من القرن العشرين.

٭٭ هو الحنين إلى التراث، ولكن لا أعتقد أنه اتجاه ثابت، حتى أدونيس في »الكتاب« مثلا قد يستخدم هذا ولكن بشكل آخر متطور تماما، أما بالنسبة الى سعدي يوسف فليس لي علم.

- لا هو هناك اتجاه فعلا نحو العودة الى الشعر العمودي عند بعض الرموز الكبرى، لا أستحضر الآن كل الأسماء ولكن هناك هذا الاتجاه فعلا.

٭٭ أعتقد انه على الأكثر هو حنين وليس اتجاها.

- في نهاية الأمر هل الكتابة »عبر النوعية« أثر لتطور كان لا بد له من أن يحدث في الخطاب الأدبي الابداعي أم هو أثر لعوامل خارجية أعني خاصة التأثر بالأدب الغربي. ونحن نعرف أن مفهوم »النص« أو مفهوم »الكتابة« أمر يكاد يكون قد استقر الآن في الكتابة الأدبية في فرنسا أو في أمريكا؟

٭٭ لعل المسألة تعود إلى الأمرين كليهما معا بمعنى أنه طالما قد حدث فقد كان حتميا. أما تأثير العوامل الاجتماعية والسياسية والحضارية والثقافية بشكل عام فلا شك أنه قائم ولا شك أنه موجود ولا شك أنه لعب دورا، لكنه في تصوري ليس الدور الحاسم لأن العلاقة بين الفن والمجتمع أو العلاقة بين العوامل الاجتماعية والسياسية من ناحية والخصائص الفنية من ناحية أخرى علاقة معقدة ومركبة وتمضي في آليات ليست متاحة أو سهلة أو اطرادية بل في آليات شديدة التركيب، ولكن طبعا أتصور أن الأمرين كليهما صحيح.

- بالنسبة إليكم ألم تتأثروا يوما ما بالكتابة الغربية في هذا النسق؟ هل تذكرون في هذا الاتجاه تأثرا حصل بنص ما في الأدب الغربي يدخل في نطاق الكتابة »عبر النوعية«؟

٭٭ صعب جدا أن أقول لك إني تأثرت بنص معين خاصة أنني منذ فترة مبكرة جدا، أي منذ الأربعينات والخمسينات، كتبت كتابات يمكن أن تندرج في هذا الاطار، أمر صعب لماذا؟ لأن القراءات والتأثرات هي من الكثرة والتنوع والاختلاف والتمثل بحيث يصعب فصل إحدى ضفائر هذه السبيكة المركبة أو هذه البوتقة التي دخلت فيها عناصر كثيرة وانصهرت وذابت وتمثلت، وأصبح من الصعب جدا أن لم يكن من المستحيل فصل عنصر واحد أو تأثر واحد. لا إني أعتقد جازما أني لم أكن متأثرا بنص أو كاتب سلك هذا المسلك، ربما كان مجموع التأثرات المختلفة بالإضافة إلى ما تكنه الروح وإلى ما يجيش فيها وما يطوف بالعقل وما أحدثته حياة الحلم وحياة الشطح والخيال والخبرة الروحية المختلفة ربما كل هذه العناصر أسهمت في استحداث هذا النوع من الكتابة وتأمله واستخلاص هذه الاقتراحات، هي في نهاية الأمر اقتراحات وليست قوانين أو تقريرات نهائية وهي اقتراحات قابلة للنقاش والتطوير والتنمية والاختلاف بطبيعة الحال.


تصميم الحاسب الشامل