عز الدين المناصرة:

 

حاوره: جعفر العقيلي (كاتب من الاردن)


أنا أقل الشعراء العرب نرجسيةً، منذ المتنبي

وحتى نزار قباني ومحمود درويش وأدونيس

درويش محظوظ ومشهور أكثـر مني، ولهذا أسباب أعرفها

يؤكد الشاعر عز الدين المناصرة أنه أقلَّ الشعراء العرب نرجسية، وأن الاختلاف بينه وبين الشاعر محمود درويش هو »اختلاف في المنظور الفكري والموقف السياسي أحياناً، وفي المزاج الشخصي«، أما الخلاف في وسائل الإعلام فهو من صنع الذين يخططون لاستدراجهما معاً، على حدّ تعبيره.

ويرى صاحب »يا عنب الخليل« أن الضجيج الذي أُثير حول كتابه »إشكاليات قصيدة النثر« لم يكن منطقياً، موضحا: »تلقيت مدائح وشتائم نقدية، ولم أقرأ جدلاً معرفياً، إلا القليل«، وأضاف في هذا السياق: »أنا ناقد قلق، ولا أخاف من (ميليشيات قصيدة النثر)، لكنني أحاور نفسي باستمرار، فإن وجدت فكرة خاطئة أتراجع عنها«.

ويرفض المناصرة وصفه بـ»الناقد المحترف«، مبيّناً أن »هدف النقد هو تثقيف نفسي أولاً، ثم تصحيح انحراف النقد العربي الحديث بسبب هيمنة السلطة والأيديولوجيات ووسائل الإعلام على النقد، وتوجيهها توجيها لا يخدم الشعر«.

 

كتب المناصرة المولود في بني نعيم الخليل »فلسطين« العام 1946، أولى قصائده في نهاية الخمسينات، وفي العام 1965 بدأ ينشر نتاجه في »الآداب« البيروتية، وفي »مواقف« التي أصدرها أدونيس (1969)، وبصدور مجموعته الأولى »يا عنب الخليل« (1968)، ثم »الخروج من البحر الميت« (1969) حَظي عز الدين بحق الريادة في ما سمي بـ»قصيدة الهوامش« و»قصيدة التوقيعة«.

أصدر المناصرة في الشعر، وفي قصيدة النثر أيضاً: »كنعانياذا« (1983)، »قمر جرش كان حزينا« (1974)، »رعويات كنعانية« (1992)، »لا أثق بطائر الوقواق« (1999)، وكان أول من يصدر كتاباً عن »الفن التشكيلي الفلسطيني« (1979)، وآخر عن »السينما الإسرائيلية في القرن العشرين« (1975)، ودرس »المسألة الأمازيغية في الجزائر والمغرب« في كتاب ثالث، وقدم قراءة في الشعر »اللهجي« بفلسطين »الشمالية« في كتاب بعنوان »جفرا والمحاورات« (1993)، وصدر له أخيراً دراسة حول »لغات الفنون التشكيلية« (2003)، فضلاً عن كتب أخرى ضمَّت شهادات إبداعية، ودراسات تنظيرية له، وحوارات معه، مثل: »جمرة النص الشعري- مقدمات نظرية في الفاعلية والحداثة« الذي صدر منتصف التسعينيات.

إلى ذلك، أصدر المناصرة الذي غادر وطنه إلى القاهرة للدراسة العام 1964، كتاباً أشبه بالبيان حول موقفه من قصيدة النثر، حمل عنوان »جنس كتابي خنثى« (1999)، ثم أتبعه بكتاب »إشكاليات قصيدة النثر« (2001) الذي اعتبر فيه أن هذه القصيدة »نص مفتوح عابر للأنواع«، وقد صدرت الطبعة الخامسة من مجلد أعماله الشعرية في العام 2001.

تنقل المناصرة بين عدد من البلاد العربية والأوروبية، وحصل على الدكتوراة في الأدب المقارن من بلغاريا، قبل أن يعمل في التدريس الجامعي بالجزائر، ثم عاد إلى عمّان التي غادرها منتصف السبعينيات، في مطلع التسعينيات ليعمل أستاذاً في جامعة فيلادلفيا.

وحصل الشاعر الذي يلقب بـ»امرؤ القيس الكنعاني« على عدة جوائز، من أبرزها »وسام القدس« (1993)، و»جائزة غالب هلسا للإبداع الثقافي« (1994)، و»جائزة الدولة التقديرية في الآداب (الأردن) (1995)، وجائزة »سيف كنعان« (1998).

ويدعو الأكاديمي الذي يعمل أستاذاً في جامعة فيلادلفيا، لكنه ليس شغوفاً باستخدام (دال) الأستذة قبل اسمه، يدعو النقادَ في الحوار التالي إلى قراءة أعماله الشعرية قراءة مُحِبَّة، انطلاقاً من أن »الحب والمعرفة العميقة هما جوهر الناقد الحقيقي«.

٭ أنت صاحب تجربة ذات خصوصية في إطار حركة الحداثة الشعرية العربية منذ الستينيات، لكنك مليء بمشاريع: النقد الأدبي والتشكيلي والسينمائي، والنقد المقارن، والثقافة الشعبية.. إلخ، إضافة لدورك في التعليم الأكاديمي، وسابقاً العمل النضالي الصحفي، كيف أمكنكَ أن تتصدى لكل هذه المهمات الثقافية، وفي وقت واحد؟

- أعتقد أن السر يكمن في التنظيم؛ فأنا أسأل نفسي دائماً في نهاية كل يوم: ماذا أنجزت، وماذا سأفعل غداً، فأنا مثلاً: أقرأ أربع ساعات يومياً بشكل إجباري منذ أكثر من ربع قرن، حتى لو عُدت متعباً من العمل في الجامعة، وضربت أحياناً رقماً قياسياً في الجلوس أمام المكتب للقراءة أو الكتابة، وصل إلى 16 ساعة متواصلة، لكنني بدأت أتعب في الفترة الأخيرة.

تنظيم الوقت تنظيماً واقعياً، أمر يرتبط بالإنتاج، علاقاتي الاجتماعية ليست جيدة؛ أي لا أقوم بواجباتي بشكل جيد، وهذا يسبب لي حرجاً مع الأحبة والأقارب والأصدقاء، لكن بعضهم يتفهمني ما دامت الكتابة هي الأساس في حياتي الشخصية.

طبعاً، أعلنت منذ أن مارست كتابة النقد بالتوازي مع كتابة الشعر، أنني لست ناقداً محترفاً ولن أكون، لأن هدف النقد هو تثقيف نفسي أولاً، ثم تصحيح انحراف النقد العربي الحديث بسبب هيمنة السلطة والأيديولوجيات ووسائل الإعلام على النقد، وتوجيهه توجيهاً لا يخدم الشعر، لأنني شاعر متضرر من النقد، رغم أنني أكثر الشعراء العرب تقبلاً للنقد إذا كان عميقاً ونزيهاً، وإذا كان بعض النقاد العرب يعتبرني متميزاً في النقد، فذلك لأن لي دوراً أخذته بجهدي الفردي في حركة النقد الحديث.

أما النقد التشكيلي والسينمائي فقد وُلِدَ صدفة عندما كنت أعمل في الصحافة محرراً ثقافياً أو إدارياً أو مراسلاً صحفياً في الفترة (1964- 1983)، أو مذيعاً ومديراً للبرامج الثقافية في الإذاعة الأردنية في أوائل السبعينيات. والأهم من ذلك هو أن توجهي نحو التعددية الثقافية انطلق من ميلي للتنويع، للخروج من السأم، فعندما تسأم من القراءة في مجال السياسة مثلاً، تحتاج إلى قراءة الرواية. مثلاً: أنا أعشق قراءة الروايات الحديثة، لكنني لا أكتب عنها، أقرأ الرواية مرة واحدة ثم أرميها إلى الأبد، لكنني أقرأ أشعار أساتذتي العالميين: »لوركا، جاك بريفير، كافافيس«، وأظل أعود إليهم باستمرار.

أرسم سرّاً، ولي لوحات، لكنني لم أنجح كما أعتقد، لأنني أنظر إلى لوحات كرمل المناصرة »ابني« في الغرفة المجاورة، فأجد الإتقان والاحتراف، أما في النقد التشكيلي فأعتقد أنني قادر على قول شيء ربما يكون مفيداً.

٭ هل يمكن أن تتوقف عن الكتابة النقدية يوماً ما، أم انك ستواصل مشروعك النقدي؟

- أُطَمْئِنُ النقاد والشعراء الذين ينزعجون من كتابتي النقدية، أنني بصدد مشروع مراجعة كتبي لإغلاق الثغرات فيها، لأنني اقتربت من الإطلال على سن الستين، وبعد أن تصدر هذه الكتب في طبعات جديدة سوف أتوقف عن النقد، لأنه مجموعة من الخسارات. هناك بعض النقاد كانوا من عشاق شعري، وعندما أصبحت ناقداً، وقفوا موقفاً سلبياً من شعري، رغم أنني لا أعتبر نفسي ناقداً محترفاً.

٭ أشار الناقد د.محمد عبيد الله، زميلك وصديقك، إلى أنك تُسْتَدْرَج أحياناً إلى حروب صغيرة، استدراجاً مقصوداً، لأن بعضهم يستغلها لاستثارتك وكسب الشهرة على حسابك، فما قولك إزاء هذا التوصيف؟

- ربما كان هذا صحيحاً إلى حدٍّ ما، فأنا شخص مليء بالمحبة للآخرين، آخذ الأمور بظواهرها، لكنني أحب قول الحق والعدلانية ونصرة المظلومين، وهذا جزء من طبيعتي »الجبلية الخليلية«؛ أعطي الآخرين بدون حساب الربح والخسارة، حيث لا أنتظر مقابلاً، لكنني شرس صدامي إذا اعتدى أحد عليّ. لقد توقفت منذ سنوات عن ردود الفعل، لأنني تأكدت من صحة قول الزميل عبيد الله، ولا أبرر إذا قلت مدافعاً عن نفسي، إنني كنت وما أزال، أرغب في جدل معرفي عميق حول قضايا الشعر وقضايا الثقافة، لخلق تقاليد للحوار، لكن الواقع الثقافي لا يسمح لي بذلك، لهذا لم يعد أحد قادراً على استفزازي، لأن مرارتي قد انفقأت.

٭ يقول بعض »الأعدقاء« كما تسميهم، إنك شاعر »نرجسي«، و»أكاديمي رصين«، فما ردك عليهم؟

- ها أنت تستفزني، وأنا أملك حق الرد، خذها مني صادقة مجلجلة: أنا أقل الشعراء العرب نرجسية، منذ المتنبي وحتى نزار قباني ومحمود درويش وأدونيس. هم يتهمونني وأنا أتهمهم، يمكنك مراجعة أقوال »أعدقائي«، لتجد أن من يتهمونني، يمارسون النرجسية أكثر مني، مع أن الفارق بيني وبينهم هو أنني أمتلك رصيداً حقيقياً، وهم لا يمتلكون مثل هذا الرصيد. هناك اتهامات من الذين يختلفون معي سياسياً، فهم مع »ثقافة التأمرك والتأسرل«، وأنا مع »ثقافة المقاومة والحداثة«. أما مصدر اتهامي بالنرجسية، فأنا أعرفه جيداً.

٭ عندما يتحدثون عن المناصرة، يقفز إلى الذهن فوراً محمود درويش، مع أنكما مختلفان شعرياً، فهو له خصوصيته، وأنت لك خصوصيتك، لماذا هذا »الاقتران« الذي يميل إليه ويتفق عليه كثيرون، وأي تشابه واختلاف بينكما كما ترى؟

- طبعاً نحن مشتركان في التعبير عن قضية واحدة، ونحن مستقلان شعرياً عن بعضنا بعضاً. هو له طرائقه الشعرية المختلفة عن طرائقي الشعرية، وقيل: ربما، إننا »هو وأنا« من شعراء الستينيات، قدّمنا إضافات شعرية لحركة الشعر الحديث، بينما اندمج معظم أبناء جيلنا في السائد في حركة الشعر الحديث، وبعضهم دخل في تقليد الرواد، بينما قمنا »هو وأنا« بتطوير وإشباع ما أنجزه الرواد، وتجاوزناه في كثير من الأحيان، فنحن مختلفان عن الرواد، باستثناء الأمور العامة.

أما الاختلاف، فهو في المنظور الفكري  والموقف السياسي أحياناً، والاختلاف في المزاج الشخصي، ربما. هو أيضاً أكثر غزارة في الإنتاج، وهذه مسألة تحتاج إلى نقاش، فأنا لا أؤمن بالإصدار السنوي المنتظم للمجموعات الشعرية، وإنما أؤمن بالنوع، وعذاب التجربة مع القصيدة، لأنني أخشى التكرار. أما الخلاف في وسائل الإعلام، فهو من صنع الذين يخططون لاستدراجي واستدراجه.

وأقول بوضوح: هو صديق قديم منذ العام 1937 في بيروت، حيث عشنا معاً كأصدقاء، وكنت أقرب الشعراء إليه، ألتقيه يومياً، اختلفنا في بعض المحطات، وبقينا أصدقاء، حتى انقطعت صلتي به منذ الحوار الذي نشرته جريدة »الرأي« الأردنية في تشرين الثاني 1999، ولا أرغب في مناقشة ذلك، أو الدفاع عن نفسي. هو في حاله، وأنا في حالي. هو أيضاً محظوظ ومشهور أكثر مني، ولهذا أسباب أعرفها. هو له مجلة »الكرمل«، وهي مجلة مهمة صدر منها ثمانون عدداً رغم أنها فصلية، لكنه لم ينشر دراسة واحدة، عن أي ديوان من دواوين مجلد أعمالي الشعرية الذي صدرت طبعته الخامسة العام 2001. أخيراً، هو شاعر كبير ومهم بلا شك.

٭ من خصائصك الشعرية تفصيح العامّيات، حيث أعدت الاهتمام باليومي البسيط. إلى أين وصلت في هذا »المشروع«؟

- ما أزال أؤمن بأن مهمتي كشاعر هي أن أقرّب بين الفصحى والعاميات، لأنني أعتقد أن سر الفصحى يكمن في العاميات، أما الذين أثاروا مشكلة الفصحى والعامية سابقاً، فقد كان هدفهم الترويج لـ»اللغات الأجنبية«، ولأن أنصار الفصحى لم يطوّروا اللغة، بل حوّلوها إلى قوالب جامدة، فهذا الهامشي الذي يسمونه العاميات، هو المصدر الطبيعي والمنجم المنسي للفصيح.

في الجزائر، افتُعلت معركة بين العربية والأمازيغية، لمصلحة اللغة الفرنسية، وفي لبنان استخدم مفهوم التعددية اللغوية لمصلحة الفرنسية على حساب العربية، هناك خطر آخر هو خطر »العاميات الركيكة« المختلطة باللغات الأجنبية، كما تُرَوّج لها الفضائيات اللبنانية بشكل خاص. لهذا أقف مع »عامية فصحى« نابعة من البيئة العربية، بدلاً من العاميات المختلطة باللغات الأجنبية، وهذا هو سرّ اهتمامي من الناحية النظرية.

أما سرّ اهتمامي من الناحية الشعرية، فهو جماليات الصوت الحركي في العاميات، ولأنها بتقديري، أحياناً، أكثر حيوية من الفصحى، والأهم عندي هو الوصول إلى اليومي البسيط، فأنا لا ألتفت إلى اللفظة إن كانت فصيحة أم عامية، ما دامت تحقق الشاعرية في السياق الشعري، ولا أدَّعي أنني أكتب لفردوس المستقبل المجهول وغير الموثوق، بل أكتب لبشر من لحم ودم وعظم. أنا من جماعة الصراط المستقيم، أعيش في الحاضر، وأرى المستقبل مثل أهل الأعراف.

٭ فضلاً عن أنك تعاملت مع العامية بجرأة وحميمية تُسجَّلان لصالحك، لك الريادة أيضاً في تكوين ما يمكن أن نسميه »المعجم الشعري الرعوي الزراعي«. ما الذي حفزك إلى هذا الاتجاه؟

- أنا شاعر رهين الطفولة، عشت طفولتي في جبال الخليل، ثمانية عشر عاماً، وفي الحادي عشر من نيسان، دخلت عامي الستين، وفي الخامس من تشرين الأول 2005 أكون قد عشت في المنفى واحداً وأربعين عاماً. عشت في مصر، لبنان، بلغاريا، تونس، الجزائر، والأردن، وما أزال أشعر أنني مؤقت بن مؤقت. عشت مثقفاً مستقلاً، زرت بلداناً أجنبية عديدة، وبقيت غريباً عن الأشياء، فالحضارة الصناعية التي قدمت التقدم وأسباب الراحة للإنسان، سلبته بساطته وعفويته الإنسانية في آن معاً، وكان هذا سبباً عميقاً في داخلي للتوجه نحو القصيدة الرعوية الزراعية، حيث البساطة قبل الصنعة الاستعارية

وبطبيعة الحال هناك سبب آخر، هو محاولتي إعادة الاعتبار لنوع شعري أوروبي منقرض هو »الباستورال«، مثلما حاولت سابقاً، إعادة الاعتبار للتوقيعة كمصطلح نثري موروث، حوّلته إلى الشعر.

وهناك سبب ثالث هو أن الشعر في العالم بدأ رعوياً، كما في نصوص الكاهن الكنعاني، وأغاني الحب الفرعونية، وملحمة جلجامش، والإلياذة لهوميروس، وغيرها. وهناك سبب رابع، هو أنني عشت هذه اللغة الرعوية في طفولتي من خلال الموروث الشعبي، فجدي لأبي، وعمي وعمتي كانوا شعراء شعبيين.

٭ لكنك اشتغلت أيضاً على إعادة الاعتبار للموشّح، كما في مجموعتك الشعرية الأخيرة »لا أثق بطائر الوقواق« ما الدافع إلى ذلك؟

- أنا أتعذب مع القصيدة، فلا أكتب إلا عما أعيشه. لقد عشت في مدينة تلمسان الجزائرية (1987- 1991) وهي مدينة ذات طابع أندلسي. معظم العائلات هناك من أصول أندلسية، وتحتفظ حتى الآن بمخطوطات أندلسية، فإذا دخلت بيتاً تلمسانياً أصيلاً، تجد العائلة كلها فيه، تتقن غناء الموشحات، وكان أحد طلابي في الجامعة صانعاً ماهراً لآلة »القيثار الأندلسي« ويسمونه »الكويتره«، وله محل يعيش منه، وكنت أزوره.

هذا الطقس الأندلسي تسرب إلى روحي الشعرية، ولم يأت هذا الاهتمام بالموشح من الأوامر الأميركية والأوروبية بضرورة الاحتفال بكولومبس وسقوط الأندلس، في أوائل التسعينيات الذي جعل بعض الشعراء والروائيين العرب يتماشون مع المناسبة. لقد اهتممت بالغجر منذ الستينيات بتأثير لوركا وعرار »مصطفى وهبي التل«، واهتممت بالهنود الحمر، منذ السبعينيات وربما قبل ذلك، لهذا كان اهتمامي بالموشح، متأخراً، عندما عشت إيقاعاته في حياتي الشخصية.

٭ هناك من يرى أن المناصرة هو القاسم المشترك بين شعراء فلسطين والأردن، هذا يعني الكثير، خصوصاً فيما يتعلق بـ»تعددية الواحد«.. كيف تنظر إلى ذلك؟

- هذا صحيح إلى حدّ كبير، فأنا »فلسطيني من أصل فلسطيني« يحمل »مؤقتا« الجنسية الأردنية، لأن لي حقوقاً شرعية في فلسطين، لن أتخلّى عنها حتى الموت. ما الذي يزعج في هذه المعادلة التي أتعاطى معها بوضوح وصدقية. ومثلما قدمت لفلسطين ما أستطيع، قدمت للأردن ما أستطيع، وما أزال قادراً على العطاء للاثنين، فأنا أحمل هويتين، لا أتنكر لأي منهما  هويتي الحقيقية وهويتي المكتسبة.

كان لي دور أساسي في الشعر الفلسطيني الحديث، يعترف به كل القراء والنقاد، ولي دور طليعي في الشعر الأردني، عندما أسست -مع بعض زملائي- المفاهيم الأولى للحداثة الشعرية، منذ »جماعة الأفق الجديد« وما أزال. قصيدة النثر في الأردن كنت أول من كتبها »مذكرات البحر الميت« (1969)، وقبل ذلك.

أتعاطف مع الطبقات المقهورة في المجتمع الأردني، أتعاطف مع الجنوب الأردني الفقير، ومع المخيم، فهل في كلامي ما يزعج؟ لقد عشت، كما قلت لك، في عدة بلدان عربية وفي أوروبا الشرقية، ولم أعد قادراً على تحمّل »العقل الحاراتي« هنا أو هناك، نعم أنا القاسم المشترك [يضحك..] هل هذه نرجسية أيضاً؟

٭ »المكان« الأردني والفلسطيني في شعرك، كان مبكراً، أي قبل التنظير للمكان في النقد الحديث منذ أوائل الثمانينيات، فقد صدر لك »يا عنب الخليل« العام 1968، و»الخروج من البحر الميت« العام 1969، و»قمر جرش كان حزينا« العام 1974، وفي العام 1997، كُتبت نصف أطروحة ماجستير، لفتيحة كحلوش، عن المكان في شعرك وشعر سعدي يوسف، فهل يعود ذلك إلى أن سعدي وأنت كتبتما عن »المكان الجزائري«، كما في مجموعاتك »حيزية«، و»رعويات كنعانية«، و»لا أثق بطائر الوقواق«، وكيف تنظر إلى المكان؟

- استعمل المكان في شعر الجيل السابق لنا، أي الجيل الكلاسيكي: أبو سلمى، إبراهيم طوقان، عبد الرحيم محمود، عرار، كملصقات على جسد القصيدة، وليس بقراءة روح المكان، فالمكان في قصائدهم، يشبه الأمكنة في الشعر الجاهلي،. وكان لا بد في الشعر الحديث من الانتقال المختلف، فالمكان بالنسبة لي، ليس لفظاً، وإنما روح متحركة تسكنني. وهو غير ظاهر في قصيدتي لأنه يتبطن أعماق القصيدة، لكن النقاد لا يقرأون، بل يمارسون النقد مشافهة وسماعاً.

٭ يبدو أنك لا تطيق النقاد؟

- أنا أدعو النقاد لقراءة أعمالي الشعرية، قراءة محبة، فالحب والمعرفة العميقة هما جوهر الناقد الحقيقي. أنا لا أطلب ولم أطلب من أحد أن يكتب عني، ما أطالب به هو القراءة العميقة والمحبة فقط لا غير. لقد تحملت »شتائم نقدية«، فكيف لا أتقبّل النقد الموضوعي!! هناك شعراء ليس مسموحاً نقدهم، بل إن الاقتراب النقدي الحقيقي، ممنوع، فإذا وافقتني أن هذا النوع من الشعراء موجود في الواقع، فمعنى هذا أن كلامي صحيح، ولم أعد أكترث للنقاد.

٭ تجربتك الشعرية مع »امرئ القيس« كقناع، كانت الأولى، ربما في الشعر الحديث، وقال صلاح عبد الصبور في هذا السياق: »إن المناصرة، لديه قدرة فائقة على توظيف عصارة الموروث«، وهناك من يعتبر أن تجربتك في توظيف الموروث هي الأساسية في شعرك، هل توافق على ذلك؟ وهل يدخل ذلك في التناص؟

- إلى حدٍّ ما، هذا صحيح، لكن توظيف الموروث ليس الوحيد في تجربتي الشعرية. أول صلتي بامرئ القيس، كقناع، تمت ربما العام 1965، وربما سبقني آخرون لتوظيفه، لكنني لا أعرف. أما آليات التوظيف عندي فقد سماها عبد الصبور »توظيف عصارة الموروث«، ولكلمة »عصارة« تدل على الآلية.

ربما كان توظيفي الأول لشخصية امرئ القيس، ذهنياً ثقافياً بسبب إعجابي بشعره، لكن منذ العام 1967 وحتى العام 1983، اختلف التوظيف، لأن التوظيف، لم يكن هدفي، بل لأنني كنت أعيش حالة روحية مرتبكة. وطريقتي في التوظيف، عندما تركبني حالة امرئ القيس، معروفة ومختلفة عمّن لحقوا بي حتى من الشعراء الكبار لاحقاً.

أنا أعيش امرأ القيس وحالته، وأصاب بهذه الحالة مثل الحجاج الأوروبيين الذين كانوا يصابون بما أطلق عليه اسم »حمى القدس« عندما يزورون القدس، فأنا أصاب بين الحين والآخر بما أسميه »حالة امرئ القيس«. أما إن كان هذا نوعاً من أنواع التناص، فهذا صحيح.. التناص المعرفي ليس أمراً سلبياً.

٭ يقولون إنك وصلت »تخوم العالمية«، وإن لم تصبح شاعراً عالمياً، ما مفهومك للعالمية، هل هي »شجار مع الذات« أولاً، كما قلت ذات مرة؟

- أنا شاعر عالمي، حتى قبل أن يترجَم لي حرف واحد من شعري. سأقول لك: كل الذين ترجموا لي إلى الفرنسية والفارسية والإنجليزية والهولندية، ليسوا من معارفي: اثنان منهم لم ألتق بهما حتى الآن، واثنان تعرفت إليهما بعد صدور الترجمة.

الشاعر قد يكون عالمياً في نصوصه، وقد لا يكون، قبل الترجمة. الترجمة مسألة علاقات عامة، فهناك شعراء عرب، متوسطو الحال، ولا يعتبرون من الشعراء المتميزين في الوطن العربي، يعيشون في أوروبا، ترجم لهم معظم شعرهم، ولم يقتنع القارئ الأوروبي بهم. أنا افرح لمثل مدام بلانش في نهاية فيلم المخرج الأميركي أوليفرستون »شخص غير مرغوب فيه«، حين اختتمت هذه السيدة الفيلم بمقطع شعري لي، حفظته من الترجمة الفرنسية، عنوانه »تركة«.

٭ كتابك»إشكاليات قصيدة النثر« أثار جدلاً في طبعتيه المصغرة والكبيرة، هل تراجعت عن أطروحتك التي ترى في قصيدة النثر »نصاً عابراً للأنواع وجنساً أدبياً ثالثاً بعد الشعر والسرد، وكتابةً خنثى«؟

- الضجيج حول الكتاب لم يكن منطقياً، لأنني تلقيت مدائح وشتائم نقدية، ولم أقرأ جدلاً معرفياً، إلا القليل. طبعاً أنا ناقد قلق ولا أخاف من »ميليشيات قصيدة النثر«، لكني أحاور نفسي باستمرار، فإن وجدت فكرة خاطئة أتراجع عنها، ولكني أزعم أن الجدل بعد كتابي حول قصيدة النثر، قد خَفَتَ، وأصبح مكرراً، ومعظمهم ينقل عني ولا يذكر اسم الكتاب!! ولم تطرح حتى الآن، بدائل حقيقية لما طرحته، وحتى الآن لم أقتنع بغير ما طرحت.

٭ عشت وزرت مدناً كثيرة، ما أحبّ المدن إلى قلبك؟

- ظل حبي للقاهرة من طرف واحد، أما بيروت فقد أصبحت مجرد ذكرى حميمة، أما عمّان فقد كنت أحبها، لكنني لم أعد أحبها، أما الخليل فهي المبتدأ والخبر، وهي حبي الأول والأخير، لكن »الإسرائيليين« دمروها وشوّهوا معالمها وقسموها إلى (H.1) و(H.2)، بموافقة السلطة الفلسطينية، فعلى العالم أن يعيد لي طفولتي في مدينة كانت خضراء وبيضاء ونظيفة من الاحتلال.


تصميم الحاسب الشامل