|
ابتهـالات إلى طـائـرِ المَـذْبحَـة |
|
علي جعفر العلاق (شاعر واكاديمي من العراق) |
|
قبْلَ أنْ تَنْفَلتَ الظّلمَةُ
من قِشْرَتِها ، ويَصيرَ الليلُ طِفلينِ بِدائِيّيْنِ : صَيْفاً وشتاءْ قَبْلَ أنْ يَغمسَ عُصفورٌ جناحَيهِ بِحبرِ الغَيْمِ ، أو يَبْتَهِلَ الحَطّابُ للغابةِ ، والصَّخْرُ إلى نسمةِ ماءْ كُنتُ بَلْ ما زِلتُ بلْ ربما أبْقى ، أَغَنّي لِبِلادٍ : تارَةً تَطْفحُ بالضَّوءِ ، وطوْراً بالدّمَاءْ . . . جاءَ شَيْخُ الفُصولِ عَذباً قَديماً ، قِدَمَ اللّيلِ ، السُّهولُ تَرامَتْ بينَ كَفيْهِ أنْهُراً وأناشيدَ ، بِلاداً قديمةً : كُنتُ أنْمو بَيْنَ غِزْلانِها أكانَ حَصاها فِضّةً فِي دَمي تُضيءُ ؟ أكانَ الفجرُ في الغابِ حِينَها ؟ لمْ يَكنْ في الأرضِ ضوْءٌ |
وحِنْطَةٌ ، لمْ يَكُنْ للرّيحِ سَقْفٌ يرُدُّها ،
كلُّ شَيءٍ غائِماً كانَ كالنّعاسِ ، أكانتْ نَشوَةٌ تَسْتفزُّني أمْ صَلاةٌ ؟ - » أكمِلْ النَّقْصَ يا إلهىَ « ، كانت شَمْسُ أوروكَ في دمي ورِدائي دافئاً كانَ كالتّرابْ..؟ زهرةٌ في التّلالِ تَخْتضُّ ، طَيرٌ يَتَحَرّى شِباكه : |
|
|
||||||
|
- » كَيْفَ يَنْجو ؟ «
- » أيْنَ كِلكامشٌ القديمُ ؟« تَراءَتَ في اشْتِباكِ الغيومِ عِشْتارُ ، كمْ كانَ حنيني مُدَوّيا : قدَماها تَقرآنِ الطريقَ كلُّ بخورٍ كانَ حتْما بخورَها ، كلُّ رَمْلٍ ثَمِلٌ مِنْ شَذا القدمينِ ، ثمَّ نساءٌ يبتهلنَّ إلى الحَصَى ، ويُغَنّينَ . . وكانَ النَّهارُ يَصْعَدُ عَذباً منْ سَواقي » أوروكَ « ، يُلقي لعِشْتارَ رِداءَهُ تتَعالى غَيْمةٌ منْ سَريرِها الخصبِ يعلو طائرٌ من ثيابها كغَزالٍ » أهوَ كِلْكامشٌ ؟ « هَتفَتُ فضجَّتْ أنْهُرٌ ثرَّةٌ ، وفاضَ نهارٌ الغيومُ تَكَسَّرَتْ ، سالَ مِنْها الضُّوءُ والعنْبَرُ القَديمُ ، غَسَلْنا خَيْلَنا بالحَنينِ أيُّ سَريرٍ خضّبَ الكونَ فجأةً ؟ الأباريقُ طُيورٌ وغِبْطةٌ ، والأغاني تَنْضَحُ الماءَ كالجِرارْ . . . كلكامشٌ ، أخي القَديمَ ، طائري القديَم كَمْ بَكيتْ |
عَليكَ ، كمْ ضِعْتُ
وكمْ أضَعْتُ كم هَدَّمْتُ منْ مَغارَةٍ سَوْداءَ ، كمْ بَنَيْتْ فأينَ كنتَ ؟ في عُروقِ أي جرّةٍ قَديمةٍ ، ومِنْ هُتافِ أيّ غيمةٍ أتيتْ ؟ وصَعدْنا مع المِياهِ ، كلانا طائرٌ يحضنُ الحياةَ ، كلانا كانَ يخْتَضُّ نشْوَةً ، كان يمضي صوب أرضٍ من القصائد والأنهارِ ، يمضي إلى المنى لا المنايا . آدمٌ عادَ نادِماً : - لم يكن لي جنةٌ في الغيابِ . لا لم يكن لي غيرُ اوروكَ ، والفراتِ وظلي. وصَعَدْنا مع الغيومِ ، ذُهلنا : أمةٌ من قصائدٍ وخيولٍ . أين يمتـدُ ذلك البرجُ ؟ أين الغيمُ يمضي كما الهوادجُ ؟ صحنا : كل مجدٍ لبابلٍ ، كل غيمٍ لرملها . لا هواها ينحني أو يشيخُ ، لا النارُ |
|||||
|
|
||||||
|
تفنى
عشبةٌ تفلِقُ الصّخورَ ، وطيرٌ يتَحدّى الظّلامَ ، كيف وَصَلنا ؟ كلُّ آجرّةٍ تضيءُ لآشورَ طريقًا لقبرهِ ، أو طريقاً للفتوحاتِ . . . فجأةً : داهمَتْنا الرّيحُ وانْكسرَ النّهارُ شمَمْنا الدَّمْعَ والمِلحَ في التّلالِ ، سَمِعْنا دمَ عِشْتارَ صاعِداً مثلَ فجْرٍ : »واجهوا الريحَ بالفؤوس« غَرِقْنا في دَمِ الريحِ هائجينَ وظَلَّ السّهْلُ رطْباً من الدّماءِ ، وظلّتْ نجمةٌ في دِمائِنا تَتَلظّى . . أصَحيحٌ ما رَواهُ الشّجَرُ ؟ - منْذُ بدءِ الكوْنِ كانَ الدّمُ ضوءاً بلْ وضوءاً للعِراقيينَ ، كانَ المَطَرُ واحِداً مِنْهُمْ . وكانَ الضجرُ خِصْلَةٌ فيهُمْ ،، |
أكانوا مَحْضَ ضدّيْنِ
قَديميْنِ : النَّدى والشررُ أصَحيحٌ ما يقولُ الشجرُ ؟ كمْ رَأيْنا طُيورَها البِيضَ تهوي ، والنّدى مُعْتِمًا يُضيءُ : سَماءٌ مِنْ الخَرابِ كيفَ تَماهى الحِبْرُ والحَرْبُ ؟ هَلْ تَصيرُ الصّحارى والحِصاراتُ تَوْأميْنِ . . ؟ غُزاةٌ يَعْبُرونَ الفُراتَ فَجْراً . أراهُمْ يَقْطَعُونَ المِياهَ عنْ وَرْدةِ اللهِ .. غُيومٌ قَديمةٌ تَتَلَوَّى ظَمأً ، والفُراتُ يَرْفلُ بالمَوجِ ، نَهارٌ مُهَشَّمُ ، أيُّ شَمْسٍ ذَبلتْ في الحُقولِ ، أيُّ غُروبٍ صَنعَتْه الغِرْبانُ والغَرْبُ ، مَرَّتْ طائِراتُ التَّتارِ ، مَرَّ رُعاةٌ هَمَجِيُّونَ ، أيُّ ليلٍ قَديمٍ لَفَّ أُوروكَ ؟ لا المَعابِدُ سكْرى |
|||||
|
|
||||||
|
ولا مَتاحِفُ . غاصَتْ في المِياهِ مآذنٌ ، هل تَوارَتْ شَمْسُ أورُوكَ . . ؟ نائِحاً أحْضُنُ الرمادْ مٌطْفأً أَحْضُنُ النّدى كمْ تَناءَيتِ يا بِلادْ كمْ تدانيْتَ يا رَدَى ! أيْنَ أورُوكُ ؟ لا المَراكِبُ تَزْهو ، لا رُماةٌ على القِلاعِ ، تَناءَتْ جُثَثٌ في المِياهِ ، حِبْرٌ يصلّي ، وبقايا قِيثارةٍ تَتَلوّى : كمْ مَريرٌ خَرابُكِ اليومَ ، كمْ كانَ مَريراً هَواكِ بالأمْسِ ! كانَتْ مَرْكباتُ التَّتارِ تَعْوي ، الأباتشيّ ظُلْمَةٌ تأكُلُ القُلوبَ . . . أ كانَتْ شَمْسُ أورُوكَ خُدْعَةً ؟ |
أ يَكونُ الموتُ يَوْماً بِدايةً ؟ كُنْتُ أبْكي ، نائِحاً أَسْأَلُ الرَّصافَةَ والكَرْخَ : أُغَنّي لبابِلٍ أمْ أغَنّي أرْضَ آشورَ ؟ كنْتُ أهْذي ، أُنادي : خذْ لأورُوكَ عُشْبةً خُذْ بقايا جُثَثِ الخَيْلِ خُذْ يَدي خُذْ رَمادي . . طائِرٌ يُفْلِتُ مِنْ مَذْبَحَةٍ ، يَتَلَظّى بَيْنَ جَمرٍ ورَمادْ ، ساطِعاً يعلو ، ويهوي ، مثلما يومضَ الجرحُ ، على أسْمالِهِ لا شَذى الحُزنِ ، ولا حِبْرُ الحِدادْ ، داميا يَعْلو ، ويَعْلو ناشِراً فَجْرَ أوروك على كل البلاد..
|
|||||
|
|
||||||
|
||||||