مشاهد من ليل مدينة ما

رشا عمران (شاعرة من سوريا)

فـي المشهد الأول

 في البار الشعبي

 البار المجاور للبحر

 كان رجال مسنون يبعثرون ما تبقى من أسنانهم على طاولات الليل

 بينما بعض الفتيات يهيئن كعوب أحذيتهن العالية لفتح آخر حبات الفستق

 في الصحون شبه الفارغة

 الرجال المسنون

 الفتيات بفضيحة صباهن

 كؤوس الشراب التي بقعتها الشهوات المراوغة

 المطر الخفيف يحاول تهدئة رمال تصر على الضجيج

 البحر فقط

 بوحدته الأزلية

 سيذكر ذات يوم

 أن حياة ما عبرت هنا

 و أن الزمن ليس غير ظل ساخر

 لأغنية بلغات مضطربة

 اختبأت في القشرة القاسية

 لحبة فستق أخيرة

فـي المشهد الثاني

 حيث المكان يحتشد بين جدران بنوافذ مفتوحة

 رجال كثيرون

 و نساء أكثر

 رجال بيض وصفر وسود وبين بين

 نساء بيض وصفر وشقر وسود وبين بين

 بلا اكتراث يخلع الرجال قمصان شهواتهم ثم يمددونها تحت عبور النساء

 بدراية واضحة ترتدي النساء ما يشبه الرغبة قبل عبورهن الصاخب نحو الدوران

 المضطرب

  حول حلبة الرقص

 الرجال الكثر

 النساء الأكثر

 الأجساد المتمايلة ، المتلاحمة ، المتلاقية

 أجساد متشابهة


أجساد مختلفة

 الخمر الهاطل كمطر يحاول أن يهدئ رمالا تصر على الضجيج

 وحده القمر

 يراقب المشهد من النوافذ المفتوحة

 القمر من وحشة مكانه

 سيذكر يوما

 أن حياة عبرت هنا

 و أن الزمن ليس غير ظل ساخر

 لقمصان تبعثرت

 تحت العبور المحموم

 للأجساد الذاهلة

 فـي المشهد الثالث

 شارع طويل وفارغ ومعتم

 رمال يفرق تصادمها قوافل الصمت المنحنية كأقواس الحداد

 رجل يهرب من عتمة الروح المالحة

 امرأة تهرب من عباءة الكتف والنهار

 رجل وحيد

 امرأة وحيدة

 سيارة تتخفى في سوادها

 أعقاب سجائر مطفأة على المقعد الأمامي

 بقايا دموع كحلية على منديل أبيض

 لهاث كالمطر يصر أن يهدئ الرمال التي لا تهدأ

 حجر وحيد

 حجر لا يوحي بشيء

 حجر فقط

 سيذكر أن حياة عبرت هنا

و أن الزمن ليس غير ظل ساخر

 لدمعة داكنة

 بقيت فوق منديل أبيض

 على المقعد الأمامي

 فـي المشهد الرابع

 شارع طويل

 شارع

 مزدحم ، ضاج ، مضاء

 ضجيج كرياح تمعن في تأنيب الرمال المشاغبة

 على الرصيف الضيق

 كان شاب بلون اللوز

 كانت فتاة بنكهة العنب

 كانت يدان تقتربان

 شهوة  مراوغة

 كانت تخترع بيتا وسريرا وأطفالا بطعم الحب

 اليدان تقتربان أكثر

 تشتبكان

 على رصيف ضيق

 رصيف عتيق

 سيذكر يوما

 أن حياة عبرت هنا

 و أن الزمن ليس غير ظل ساخر

 لأصابع ملتهبة

 اشتبكت في حلم مراوغ

 عن البيت

 و السرير

 و عن أطفال

 بلون الحب


تصميم الحاسب الشامل