|
|||||
|
في »ريو دو جانيرو«، بقيت، لفترة طويلة، مكتوماً! بقيتُ كالحابس النسمة، إلى أن التقيتُ بالرجل الذي يغني بقدميه. في شاطئ »كوبا كابانا« الرائع تحت قباب الجبال السندسية، يفترش الرجل الأرض. يقعي فوق فراش أخضر، وبقدميه العاريتين يدير النوتة الموسيقية، وهو يشدو بصوت جميل. صوته الأخَنّ السائل مثل »زهر العسل« في »الصخب والعنف« هو الذي جعلني اكتشف الجبال العملاقة الواقفة، منذ الأزل، فوق المحيط. جبال راسخة »كانت في مكانها« قبل أن يصل إلى هذه الوهاد المائية، المغامرون البرتغاليون، البارحة (أقصد منذ قبل قرون). جبال خُضْر، عميقة الأبعاد، رؤوسها تنبع من قلب المحيط الذي بدا، وكأنه تعب بعد طول مخاض. رؤوسها الصخرية تتقلّب في الفضاء ناظرة من نحو إلى نحو، دون أن تُزعج نظراتي. الرجل القحة الذي يغني بقدميه هو الذي فجّر في نفسي الرغبة في ملاحظة الأبعاد الكونية لهذا العالم السحري الذي اكتشفه »العالم القديم« عندما أدار للشرق ظهره، وأخذ يسيل في طريق الماء. يقول الفيلسوف الفرنسي» ميشيل سَيْر«: أن »فرنسا« أخطأتْ، في بدء، طريق الحداثة الكونية لأنها: اختارت التاريخ (حملة مصر) مقابل الجغرافيا (حملة الانجليزي كوك)، والبَرّ المحدود (نابليون قائد بري) مقابل البحر اللامحدود (كوك قائد بحري)، والشرق القديم، مقابل المحيطات الجديدة. ولكنها بذلت، وما زالت تبذل، مجهودات عظمى للحاق بمن سبقوها على دروب الحداثة. هنا، فقط، ازاء هذه الفضاءات اللامحدودة من الروعة والثراء، فيما وراء المحيط الأطلسي الذي أرعب العرب، استوعبُ، لأول مرة وبوضوح، عمق هذه المقولة التي تفسّر، إلى حد كبير، تقهقر العالم العربي الذي انكفأ، ذات يوم، أمام »بحر الظلمات«، خاسراً »معركة الماء« التي ربحها »الغرب البحري« مؤسساً، بذلك، فضاءه الحداثيٌ الذي لا يقاوَم! عندما داهمتني رغبة الكتابة، جلستُ على أول مقعد شارعي وجدته شاغراً، ولم يكن ثمة غيره. على المقعد الملوث، نفسه، يجلس رجل برازيلي، أسمر، عريض الجبهة، صامت وحزين، يشبه » جمال الغيطاني«، وكأنه الأخ التوأم له. رحّب بي، دون أن أطلب منه شيئاً، وأفسح لي مكاناً أجلس فيه على راحتي، لأسمع الصوت والصدى! أجلس وسط الدهماء في شاطئ »كوبا كابانا« الشهير الذي تحتلّه الكتل البشرية العديدة الحجوم والأجناس. صدورها مكشوفة، ومؤخراتها عرضة للريح، وخصورها تتمايل في ضوء النهار الحالم، الذي أشرقتْ شمسه للتوّ! الأجساد هنا في عرس يومي دائم، حتى وأنت تقرأ الأسى على الوجوه. أية حياة هي هذه المملوءة بالحرية والشغف والرغبة؟ وتكاد تنهر نفسك زاجراً لئلاّ تقع ضحية الغيث المنبثق من الأوراك. واستعيد مقولة قديمة كرهتها من كثرة تردادي لها: »الحب هو الإخلاص، والإخلاص أكلتْه الرغبة«! ولكن عن أية رغبة أتحدث في »البرازيل«؟ وفي ريو دو جانيرو«، بالذات؟ وبالخصوص عن أي حب؟ وفي النهاية، ما هو الحب إن لم يكن حبك للعالَم؟ وستدرك، عندما ترتقي الجبال الخضر المحيطة بريو دو جانيرو، أن المسألة لا تتعلق » بالوجود والعدم«، تلك المقولة النظرية البائسة التي تسلّطت عليّ في الشام، وإنما هي، في الحقيقة، »الكون أو العدم«! فلا معنى للوجود خارج الكوزموس العظيم. سأجلس في مقاهي الشاطئ التي تشبه، إلى حد بعيد، »جراديق الجزيرة« على »الخابور«. وسأتمتّع بنسيم الضحى »الدمشقي« وعيوني تمتلئ بأجساد كائنات، وجودها بحد ذاته، يعتبر سِرّاً مبهجاً من أسرار الكون. الطبيعة، هنا، ليست صامتة. إنها تتكلّم. تلمس تاريخ الكائن فتغويه. مدوراتها الأرضية التي تنبع من الماء رطبة وخضراء. واستداراتها مثل استدارات غانية بَكْماء، لا تملّ من التَلمّس. الماء تحتها تبدو مثل أجران الدمع الحزين. تتطلّع إلى قممها العالية فلا تنال بصراً. هي لا تتأثر بالنظر العابر. إنها تريد السماء المعلّقة في أفقها البهيّ. وأنت تختبئ في ذاتك كالُملاحَق »على الدوام«. الكون جزيرة! هذا ما تؤكده العين البصيرة التي تغرق حتى أذنيها في أرض السراب البرازيليّ! هنا، تفهم أن حسّية الكائنات ليست مصطنعة، ولا هي مغرضة. إنها تعبير الحياة الصادق عن أهوائها. وهي، مع ذلك، لا تحمل طيشاً، وإنما إغراء: إغراء الرغبة النائسة بين الشجر والماء. منظر الكتل الأرضية السود المنبثقة من البحر برؤوسها المظلمة مثل قلب عتيق يثير الرعب، وكنت في أسوأ حالاتي. ماذا أفعل غير أن أمشي كثيراً علّني أنسى ما لا يُنسى. »ريو دو جانيرو« مخيفة في المساء. نهودها الكمأية تثير القلق العميق في النفس. لم أكن أتصوّر أنني سأرى أرضاً بمثل هذه الفتنة. لكأن جموع الشياطين انطلقت لتقبض الروح في هذه المكان وفي اللحظة التوّ! جاءت لتفعل ذلك، وهو أمر المحيط لها، لتفعله على مرأى من الخلق، والناس حولك يمشون بلا اهتمام. وقررت أن أقاوم ذلك الرعب المسائي، ولكن كيف؟ في المساء يشعلون فوانيسهم الكهربائية، ويبسطون على حافة المحيط أغراضهم: عرانيس الذرة المسلوقة (كما في عرنوس بدمشق)، ومعاضد بنية بلا مزية، وأبسطة صفر لماعة، وعقود من الخشب والتراب، ومناشف مختلفة الألوان والحجوم، وأدوات زينة رخيصة، وأشياء كثيرة أخرى لا تسر الناظرين، إن لم تُثِرْ عدائيتهم السلَعية. واستجيب لرغبتي القديمة في »الشام«، أنهش العرنوس بشهية نسيتها منذ أكثر من عشرين عاماً. عرنوس مبلل بمائه الساخن والمليح، يستجيب للقَضْم مُلْتَذاً بآثار عَضّاتك الطرية، مثل فتاة تتحمّل بمتعة قسوة اللقاء. أيتها الحياة التي لا تعود القهقرى، كيف نتحكّم بسعادتنا عندما نلتقي بصُوَر غابرة منكِ؟ في الصباح الشفيف لريّو امتلئ برؤية الماء، تُجَزِّرها الجبال البركانية التي انبثقتْ من عمق البحر، ذات يوم. من الطابق السابع والثلاثين في»الميريديان« الذي أقيم على شاطئ »كوباكابانا«، أُجيل النظر حائراً: العالَم مكان، والتاريخ كذلك! ولربما كان هذا المبدأ، نفسه، وراء حركات ارتحال الشعوب عبر التاريخ الطويل. وراء تلك الارتحالات الإنسانية الكبرى التي كانت تحمل، في الماضي، قدراً كبيراً من الاكتشافات! وإنْ كانت اكتشافات مغرضة، كما نتصورها اليوم، ونحن في ذلك على حق! فإلى جانب ما يكتشفه الكائن القادم من بعيد، ثمة، دائماً، »»حصيلة«، أو »إثراء« مادياً كان أم معنوياً، من أجله جاب الآفاق، وتغَرّب. ولا أظن أن »الاسكندر الكبير« المقدوني كان يركض، وهو في عزّ شبابه، فقط، من أجل أن يدمّر الجيوش التي »اعتبرها« عدوّة. ولقد كان يفعل ذلك وبين يديه كتاب، كما يقولون. ولا بد أن يكون ذلك حقاً، فمعلمه الأول هو الكائن الاسطورة »ارسطو«. وأتساءل، ممتلئاً بحيرتي ونفاذي: منْ هم، يا ترى، معلمو حكامنا العرب، اليوم؟ محتقناً مثل جرح مليء بالصديد، سافرتُ. سافرتُ ممتلئاً بالضغينة والمقت. ضغينة ضد وضعي اللامجدي، ومقت للذات التي تخلّتْ عن آمالها. ذات اتسعتْ من كثرة تفاهاتها حتى صارت على حافة الإنفجار. و»ريّو« قد تفعل هذا. البنت شبه العارية تنام على الحجر في صباح »ريو« الجميل، وحولها صبية عراة، يحاولون إيقاظها عبثاً. سهادها عميق في صقيع الصباح اللافح، برغم نور الشمس التي بدأت تستعد لتدفئة الكون. لكن البنت لا تنام من السهاد، وإنما من الجوع المبثوث في أعضائها مثل حمّى لا تُقاوَم. بنت تكاد أن تموت من الإهمال في إنسانية مبشومة من الغنى والابتذال! وأتجاوز المنظر اللاانساني، مؤقتاً، لاشتري »جوهرة صغيرة« من جواهر البرازيل، مؤكداً لنفسي أنني، هكذا، ارتبط بالموت. نيسان 1500 كل شيء حدث عند سقوط الاندلس. عند خروج العرب من التاريخ (تاريخ الجغرافيا المضيء يوم عبروا البُحَيْر المتوسط إلى الغرب)، عند خروجهم من الحضارة إلى الظلام: ظلام الإنكفاء على الذات الذي ما زالوا يرتعون فيه! لكأن العصور الحديثة صُمّمَتْ خصيصاً لإقصائهم عن نور العقل الذي ساهموا في إذكائه، ونقله إلى »أوروبا« المتخلفة، يومذاك. وضع جميل، لم يحافظوا عليه، كما لم يحافظ عليه أي أحد آخر في التاريخ. لا بابل، ولا الفراعنة، ولا الإغريق، ولا الرومان، ولا آخرون لا نعرف عنهم شيئاً. لكن ذلك »لا يشفي الغليل«، ولا يمكن أن يُبرَّر الفشل حتى بتحليله (إلى عوامله الأولية)! حدث ذلك في شهر نيسان/ ابريل، عام 1500، عند غياب الشمس، كانت مجموعة من السفن البرتغالية تتَتَبّع آثار النباتات البحرية (آلْغْ مارينْ)، فوق الماء، لاحقة سرب النوارس في الأعالي، إلى ان اكتشفتْ في البعيد، هضبة عملاقة تنبع من قلب البحر، عمّدوها (كالعادة) باسم »هضبة باسْكُوال«، وعلى الفور غَرَس الكابتن »بيدرو الفاريس كابرال« في قلبها صليباً من الخشب، وأعطاها لقب: » جزيرة فيرا كروزو«، معتقداً، لعظمتها، أنها أرض كبيرة، لا هضبة نابعة من الماء، وشبه معزولة. وفي الصباح، سيغرس صليباً خشبياً آخر في الشاطئ الجميل المندلق منها، بعد أن عمدّه، هو الآخر، لاعتقاده بأنه أرض جديدة، باسم:»أرض سانتا كروز«، حيث ستنشأ، فيما بعد، أول مدينة على الساحل الجنوبي للبرازيل: »بورتو سيغورو«. »ذراع البحـــر« تشويه الأمكنة أعظم من تشويه الكائنات! هذا ما خطر لي وأنا استعيد التسميات البرتغالية الصقيعة لهذا العالم البديع الذي ولجوه لأول مرة. وما يزيدني كرباً هو اقتناعي النهائي أن التاويخ لا يعود القهقرى، وأن ما يٌسلَب »قد« لا يعود، أبداً، إلى المسلوب منه! وإنْ حدث »وعاد« فسيكون، في الحقيقة، شيئاً آخر (ومع ذلك لا بأس به، عائداً. ولكن أنّى!) في 1520 وصلتْ أول بعثة برتغالية إلى هنا (حيث أنا الآن. الأولى كانت في الجنوب). على رأسها كان القائد »غونكالفيز«، وموعد وصوله كان شهر يناير/ كانون الثاني. وراعه المنظر الجميل على الفور: غابات استوائية نابعة من البحر، وهضاب عملاقة، وجبال. حتى أنه، ازاء عظمة الهضاب والجبال، حسب البحر المحيط المحصور بين هذه المرتفعات الإلهية، نهراً! نهر صغير يصبّ في المحيط، بعيداً. و»على الفور« أطلق على المكان اسم: »ريو دو جانيرو«/ »نهر كانون الثاني« (موعد وصوله إلى هذا المكان). لكأن الأمكنة لا تاريخ ولها، ولا اهل، ولا اسم! وكان الهنود الاصليون، وهم العليمون بمزايا المكان، يسمونه: »غوانا بارا«/«ذراع البحر«. ذلك، كله، ليس ذلك غريباً على ثقافات البحر المتوسط، وعلى معتقداته. فنحن نُعرف التاريخ »بنقيضه«،فقط! وذلك هو أساس الفكر الأحادي النزعة الذي يلغي التعددية من المنظور الإنساني. فهناك تاريخ ما قبل الميلاد، وما بعده، والتاريخ الهجري، وماقبله (العصر الجاهليّ)، والتاريخ العبري (مِنْ عَبَرَ النهر، يعبر)، وما سبقه! تلك هي، إذن، سمة الثقافات التي لا تعترف بغيرها، ملغية »تاريخه« ومعارفه، ومبدِّلة حتى أسماءه، مشجعة أتباعها على »عدم الاعتراف« بالآخر، دافعة إياهم إلى الامتثال العميق لرؤيتها المحدودة للعالَم، بدلاً من أن تحضّهم على »الرؤية النقدية« البصيرة، التي تتمثّل التراث الانساني بسماحة وبُعْد نظر، حتى وإنْ لم تأخذ به مبدأ وسلوكاً. يكفي! هذا اليوم، أريد أن أشرب قهوتي بهدوء. أسير، وحدي، في طرف الجموع المتغالبة، بحذر وارتقاب. قروني ترى أكثر من عيوني، مثل كبش يجانب القطيع ليتميّز عنه، مؤكداً بذلك اهتمامه به. اللونان الأخضر والآصفر يرتسمان في الضوء مثل إشارات تقول لكَ أنك أصبحت بعيداً عن أمكَ الصحراء. وتدركُ، هنا، أن تراكم البشر هو الذي يعطي الأمكنة احتمال متعتها، ويضفي عليها بُعْدها الانساني الرائع، فهو يوحي بعمق إضافي للحياة، حتى لتلك التي تبدو كئيبة ومسطحة. وفي النهاية، مَنْ يستطيع أن يحكم على العالَم الذي يؤمّه بشكل عابر من مجرد نظرة عاجلة إلى بحر مثير من العواطف والغلَيان؟ في قلب »ريو« أحس بنوع من الاستحالة واللامبالاة. أخيراً، هأنذا، اقتفي أثر الناس الذين لا أعرفهم. وإنْ عرفتُ بعضهم فستكون معرفة بلا مآل. وتلك هي المعرفة الحقيقية، التي من أجلها نتكبد الأسفار والمشقّات. إنها، في الحقيقة، حكاية الحياة الانسانية الوحيدة: أن تعرف أحداً لم تعرفه، ولن تعرفه، من بعد! فحتى أولئك الذين نتصوّر أننا نعرفهم بعمق، وخلال عشرات السنين من معايشتنا لهم، سنكتشف، منذ أن نتعمق في الامر، أننا لا نعرف عنهم، ولا منهم، شيئاً. أتخبّط حتى النهاية بين أقدام البشر وعيونهم. مركز »ريو دو جانيرو« عالَم كامل ومخيف. لا تكاد ترى فيه »غريبا« غيري. الناس فيه ذئاب جائعة تحوم حول فرائس وهمية لم تصل، بعد. لكنها ذئاب مخيفة. مركز المدينة العتيق، أو قلبها الشعبي اللاهث، مختلط وعنيف. الأبنية الحديثة الصارخة تجاور المهترئة القديمة، ولكن المعتنى بها جيداً. العتيق الذي ظل جميلاً، يسعد القلب. واستعيد شارع »عماد الدين« في قلب القاهرة بعماراته التاريخية الرائعة (أو التي كانت كذلك) واليوم، أكلها الغبار والإهمال. وجودي، وحده، ماشياً هنا، يمكن اعتباره »خدمة كبيرة« أقدمها لهؤلاء السائرين بلا هدف، أو مشروع (ومَنْ أعطاني الحق لأتفوّه بمثل هذه الحماقة)! هؤلاء الذين لم يعودوا، كما يبدو لي، ينتظرون من الحياة إلا أقل ما يمكن :النظرة العاطفة من غريب كئيب مثلهم! وما بإمكاني أن أفعل غير أن أشاركهم، ولو بشكل عابر، هذا المصير؟ انتبذُ مكاناً قصيّاً، وأمشي. فالاقتراب من البشر، في قلب »ريّو«، خطير بكل المقاييس. ابحَثْ! فلن تجد مثيلاً لهذه الكتل الانسانية الجائحة والملوّثة التي تحدوها رغبة عارمة في الحياة إلا في الهند. لكنني أحب هذا الجو، وهذا الخليط الانساني يملؤني بالسعادة، مثل كلب لقي القطيع بعد أن ضَلَّ عنه، طويلاً. جغرافية الروعة على شريط أرضي ضيّق ومحصور بين الجبل والبحر بُنيَتْ »ريو دو جانيرو«. ولأنها لا يمكن أن تتوسّع عرضاً مثل جسد يابس، توسّعتْ طولاً، متمددة بين الهضاب المتعاقبة حتى آخر الأرض. تمشيها متردداً من كثرة التواءاتها، لكنك سرعان ما تكتشف متعة هذه التعرجات التي لا تنتهي. فأنت لا تخرج من طيّة حتى تصير في أخرى. ومنذ أن يغيب عنك المشهد الخرافي لعناق البحر والجبل، العناق الخالد بين مستَلْقٍ وواقف، حتى تطلُّ عليك السوائح المستجيبة للنظر، من جديد. آية من آيات الله العظمى هي ريو دو جانيرو! ولكي نفهم اختراقها لبلادتنا العاطفية يكفي أن ننظر، قليلاً، إلى الأفق، الذي انكشف، ذات يوم، عن سفن الغزاة المدججين بحرابهم اللئيمةمن أجل تغيير وجه القارة، مرة، وإلى الأبد. وأتساءل: أي معنى، أو مبرر، لخمول الكائن الذي يريد أن يحبس نفسه بين »جدرانه« لحمايتها (من أي شيء؟)، وقد تداخل العالم، عميقاً، منذ آلاف السنين. انظروا! أتعشّى وحيداً في »عرب«. مطعم جميل على ضفاف المحيط. من واجهته المزخرفة ترى الآمواج تتسابق لتلثم الأرض قبل أن تنكفيء حياء! وجدتُ »عرب« صدفة، وأنا أمشي خلال النهار بلا هدى. وعندما جئت إليه، هذا المساء، قصداً، مررت بتمثال لرجل عربي (لبناني، أو سوري) يقف في مواجهة البحر وعيونه تخترق الأفق نحو البعيد. اسمه: »ابراهيم سويد«. وهو صحفي، كما هو مكتوب عند أقدام التمثال البرونزي الجميل. وقفتُ طويلاً أتملّى التمثال العربي الأول الذي أصادفه في غرب الكون. تمثال رجل متوسط القدر، أنيق المظهر، لطيف التعبير، صادق المعشر، »رجل يحترم نفسه«! كدت أنفجر ضاحكاً من هذا المفهوم المتخلّف عن الكائن. كنت أتمنى ألا يحترم أحداً، ولكنه في هذه الحالة سيخسر التمثال، ولن أتعرف، أنا عليه. اللعنة! »خيار الكائن القسري«، إذن، هو دائماً بين أن يعيش بطريقة مغايرة وبلا تمثال، أو بأخرى! ولكن مَنْ يعيّن هذه الحدود، في النهاية؟ حدود الوجود غير القابل للتحديد؟ أحب السأم عندما يأتي في آخر الترحال. هذا يعني أني لم أكن لا مبالياً بالمكان الذي أزوره، ولا بأهله الذين أعاشرهم، عابراً، وأنني ما زلتُ اشتاق إلى »مكان إقامتي« الذي تركته سعيداً! الأبدية العاطفية، وحدها، غير مسئمة. وهي لا تعني التعلّق بمكان ولا بكائن، وإنما الموت. من نافذة الفندق العالية المطلة على البحر، يبدو الفضاء المدَوّر الناشق منه، تحت شمس الصباح الصافية، هذا اليوم، لطيفاً بلا ريح. رياضيّو الصباح الباكر يتراكضون بلا عجل على الرمل الأبيض النظيف. وقباب الأرض العملاقة المحاطة بالماء من جميع الجهات، تبدو قريبة من العين مع أنها بعيدة. لا شيء يعكّر الرؤية هذا الصباح، وهو ما يجعلني قلقاً! قلق متذبذب، وعاطفة بلا وضوح، يتحركان في أعماق القلب. يعيدانني إلى المجهول الذي كان معلوماً: حياتي اليومية! ولَكَمْ أدرك، الآن، أنني لم أكن أعلم منها شيئاً. »المعرفة الصورية« هي التي أكلَتْني. لكأني لم أعش سوى يوم، أو بعض يوم. أي فتنة تسيطر على الكائن لكي يداوم البقاء، ساكناً، في وجوده التعيس؟ وأي الرغبات الخفية يتحكّم في مسيرة حياتنا الثبوطية، دون أن نتمكن، حتى، من التعرّف عليها، لمقاومتها، إنْ تطلّب الأمر ذلك. اسئلة بليدة! لماذا لا نتوحّد مع الطبيعة، مستنشقين روعتها الباذخة، وننسى كل شيء: ما حدث، وما لم يحدث، بعد؟ في الصباح البكر، أقعد هذا اليوم في الجهة الأخرى. جهة الجبال التي تشبه أثداء كونية، تتجاور بحسية بالغة، وتعلو متسامقة حتى الغيم. تلال وأشجار تنبع من عمق البحر، دافعة رؤوسها إلى أعلى ما يمكن، لكي تتنفس هواء الفضاء المدفأ بالشمس. وفي البعيد، أرى »نهر البرتغالي« الذي لم يكن سوى البحر المحيط نفسه، وقد تصاغر ليربأ البَرّ البرازيلي، ليشبّ »مثل الحصان« خارج الماء. أرى »ريو دو جانيرو«مستلقية على الرمل مثل فاتناتها اللواتي لا يخفين من أجسادهن شيئاً. وأتذكر الجسد العربي البائس، الجسد المسجون في القماش، مع أن الشمس العربية لا تقل فتنة عن أختها البرازيلية. جسد مطوّق بالأخلاق الكاذبة، محروم من المتعة، ومعطوب بعمق! وأجدني أتنفس بصعوبة، وأنا أردد، منتشياً بالضوء والماء: »بكى صاحبي لما رأى الكون دونه«! فوق قمة »كوركوفادو« يظللنا الشجر من القاع إلى السماء، في صعودنا إلى »الصليب«. شجر استوائي، أُلوفيّ الأعوام، يحيط بنا ونحن نصعد ببطء إلى »التمثال«. من خلال أوراقه (الشجر) المتلاحمة يأتي الضوء بارداً وخفيفاً. تكاد الأجساد أن تغتسل به، مع أن الشمس حارقة في »الخارج«. شعور غامر من البهجة والسلام يحيط بك وأنت تتعامل مع الأهالي الودودين، هنا. أنت الآن في نصف الكرة الجنوبي، ويختلف الفكر والتاريخ، عنهما هناك. تاريخ نصف الكرة الشمالي، وبخاصة »تاريخ البحر المتوسط، بشقية الشرقي والغربي، مبني على الحرب والاستيلاء. وأبطاله، كلهم، تقريباً، محاربون، وقواد، ومستولون: الاسكندر الأكبر، جنكيز خان، أباطرة الرومان، هانيبعل، كسرى أنوشروان، الفاتحون العرب (طارق بن زياد، مثلاً)، نابليون، المغامرون الأوروبيون الذين غزوا أمريكا، حتى لا نذكر إلا الوقائع الكبرى في هذه التاريخ الحروبي. أما نصف الكرة الجنوبي (أوعلى الأقل ما وصلنا منه، وعنه) فهو تاريخ مسالم إجمالاً (إذ لا بد من شقاقات، وخلافات محلية). لكنهم لم يعبروا المحيطات ليستولوا على أوروبا، أو آسيا . مثلاً. وفجأة، تتبعثر الفكرة من رأسي، عندما يكرر السائق: وصلنا! وصلنا! يقذفني التاكسي عند أقدام التمثال الجبار، »تمثال الصليب« فاتحاً ذراعيه على آخرهما ليستقبل بهما الفاتحين الآتين من وراء المحيطات، يتبعهم رعيل الأهالي الذين انصاعوا، أخيراً، لإرادة الملك والرب! وتمثال المسيح المخلّص،هذا، الواقف فوق »ذراع البحر« التي أصبحتْ تُسمَّى، بإرادة البرتغالي الفاتـح: »ريو دو جانيرو«. هذا التمثال العملاق هو حارس المدينة، وفاديها. طوله (التمثال) 38 متراً، ويزن 700 طن، صممه المهندس البرازيلي: »هيتور سيلفا كوستا«، ونحته الفنان الفرنسي»بول لاندوفسكي«، وافتتح سنة 1931 . تحت التمثال الجبار أقف صامتاً فترة طويلة من الزمن، والناس يمرون بي سُكارى من النشوة والذهول! أتملّى، راعشاً، ظهره العريض، وذراعيه الممدودتين على أقصاهما. لكأن الحجر يلين، ويتمدد لاستقبال القادمين برحمة وتواضع. عجين الحجر المصنوع منه التمثال هذا يحكي تاريخ الاستيلاء البرتغالي على هذه القارة منذ خمسة قرون، فقط، وهاهم ذا، إلى الأبد»غَرّبوها«. وأتذكّر آخرين (دون أن تكون هذه الذكرى حنيناً استعاديا) استوطنوا أمكنة أخرى، لقرون أطول، واقتُلِعوا منها كما تقتَلِع الريح الصَرْصَر شوكَ »العاقول« اليابس من الصحراء! لا بد أن في الأمر سِرّاً! أظل واقفاً حتى يملأ الغثيان نفسي. وأصير أرقى. أنا في أعلى الأرض. وعليَّ أن أستعمل الآن قدميَّ. أحب أن أرقى إلى أعلى مايمكن. أن أرى البحر من السماء. أن أُحيط بالأرض بنظرة واحدة. أحب أن أمسك الطبيعة بين راحتيّ، وكأنها نهد امرأة شغوف. أريد أن أتخلّص، فوق هذه الشهقة الكونية، من كوابيسي الصحرواية المنبسطة مثل رقعة بلا قاع. أريد أن أصعد الجلجلة، الآن! سأبكي، وكأن الفرح بلا مأتم لا معنى له (مفهوم شرقي آخر عن الحياة)! أبكي، وأنا أرى وجه المسيح المشرقي، مسيح فلسطين مصلوباً فوق جبل في البرازيل! المسيح البابليّ، أكاد أقول. نبي ثاني ديانة توحيدية نشأت في المشرق العربي، ومنه عمَّت الكون، فاتحاً ذراعيه، حاضناً نور الأرض، وكأنه يبارك الغزاة الجدد: تعالوا إلى أرض الهنود! وهنا، مع الأسف، لا وجود للهنود، ولا أثر لمعابدهم، ومع ذلك بدأ العالم ينبشهم من أعماق ذواكر التاريخ! من تحت أقدام الصليب، يبدو شاطئ »كوبا كابانا« الشهير شريطاً أبيض، والناس ذباب! من هنا لا يُرى غير قمم الجبال، والشجر العملاق يبدو بساطاً أخضر مستعداً لكي يُمشى عليه. ولأول مرة، أرى الجزر المعزولة. أرى قممها المكوّرة، وكأنها حبات الكون الأزلي، وقد تبللت بالماء. بحر وتلال، تلك هي »ريو دو جانيرو«! لا، لا لوم على الغزاة البرتغاليين عندما اعتبروا البحر نهراً كبيراً. فالبحر هنا تُطوِّقه التلال، وتحجزه المرتفعات العملاقة التي تقسم الأرض إلى بحيرات متناثرة، مثل حُبيبات الخردل في صحراء زرقاء لا نهاية لها. حدث شيء ما هنا، في بدء الخليقة، كما حدث الشيء نفسه في »عُمان«! فالجبال السود النابعة من الماء، هي، نفسها. والبحر الأربد المترامي بهدوء على القاع، وكأنه كبش ملّ من مناطحة الأقران، هو هو. والناس يتشابهون. والطبيعة، كما صرنا نعرف اليوم، لا تُخطئ في حساباتها، وغليانها، في الحالتين واحد. حتى لون الجبال الأسود المخضرّ، هو لون الجبال في »عُمان«. تعالوا. تروا! يكفيني هذا، اليوم. وربما سيكفيني لسنوات طويلة قادمة. ولربما سيزيدني شوقاً إلى اكتشاف المجاهيل. في الطريق إلى تمثال »الصليب« المغروس، في قمة الهضاب اللاتينية، لم يتوقف سائق التاكسي عن الكلام. وكنت أهز رأسي موافقاً دون أن أفهم شيئاً مما يقول. وشكرت له كل هذا الجهد الفكري بالعربية التي لا يفهم هو الآخر منها شيئاً. وتبادلْنا الابتسام اعترافاً بمتعة الرفقة و الطريق، دون أن يضيق أحدنا بالآخر ذرعاً. والسبب في هذه الرحابة يعود، فقط، إلى »عدم الفهم المطلق«. وأحسستني استمتع، لأول مرة، بذلك! كنت اسمع الصوت، وأجهل المعنى، وهو ما حررني من البحث عن المضادات المعرفية التي تحرك الكائن، عبثا، في كثير من الأحيان، مستهلكة جهوداً جبارة من أجل إثبات ما لا يحتاج إلى ذلك، إذ أنه موجود حتى ولو أنكرناه. وأدركت أن تلك أجمل »علاقة« في الوجود: أن تنظر في وجه محدثك، مصطنعاً المبالغة في الانتباه، دون أن تكون مضطراً لفهم ما يزعم، ولا للرد عليه. لماذا لا تكون علاقتنا مع مَنْ نحب ونُعايش، هي الأخرى، كذلك؟ أسفاً! تغرب الشمس على »كوبا كابانا« فيضيء البحر. البشر الذين كانوا يمشون الهوينى، يصيرون يمشون ركضاً. والأجساد الصامتة تنطلق مزهوة بحركاتها الحرة، مثل أغصان يُبْس عرفت البلل، فجأة. وأدرك أن الأقدام هي التي تجسّد الكائن، وأن الأرداف هي التي تعطي الهيئة البشرية، بُعْدها الانساني الرائع، وبخاصة عند النساء. وأتذكر، آسفاً، أرداف العربيات الساكتة (حتى لا أقول الساكنة)، مثل حشْوَة مبْلولة من القطن. وليس ثمة معنى لوجود الكائن إنْ لمْ يعلن عن »هويته الحسّية«! أن تمشي دون هدف معلن (فالاهداف الخفية لا خلاص لنا منها) شيء جميل. قضينا حياتنا نخطط لأمور تافهة ورصينة (حتى لا أقول حزينة)، دون أن نحقق منها شيئاً. لماذا لا نستعمل فسحة »الخلاء الذاتي« من الأهداف (ولو مؤقتاً) ونمشي؟ وهو ما أقوم به في »ريو« منذ ايام، بسعادة لا حدود لها. سنرى إلى أي الأمكنة تقودني قدماي. فأنا بالتأكيد، لن أحزن، إلا إذا ضلتا الطريق، وعادتا من حيث أتيت. لحقتْني »كآبتي العربية« إلى هنا مثل ذبابة تطير في رأسي. ومنذ أن أدركت ذلك، بدأت أضحك في عمق الضوء البرازيلي الممتلئ بالأجساد. أضحك تحت رذاذ البحر المنعش الذي يغطيني: لِمَ لا يسافر الكائن مع كل حُمولته الإنسانية، ولم لا يُحاول دفنها هنا والعودة إلى هناك، بلاحُمول؟ طوبى للذين لا ينسون شيئاً! وفي النهاية، مهما فعلنا، فلن نعرف ما يدور في خلد الكائن عندما يدير ظهره للآخرين، ويغامر بالسفر باحثاً عن أبعاد جديدة للحياة. الحياة التي غدت لامرئية، أو التي لم تعد محسوسة حيث يعيش. وحدها، الحدود الكونية المتجددة (مثل نظيرتها الجسدية) توقظ الأحاسيس، تعطي الوجود متعته الأزلية، وتنقذ النفس من الموات. فالكائنات متعددة العصارة والأبعاد، كالحياة، تماماً. وهو ما يجعل السفر ممتعاً، ومريباً. أتوقف في ظُهر »ريو«، في مطعم شعبي صغير، في قلب المدينة، وآكل مع الآكلين، بعض الطعام، وأرى ما يمكن لأي منا أن يراه، لكن الأحاسيس التي التهمَتْني، جعلتْني أتوقف عن الأكل، فوراً. ماذا أريد من رفقتي لهؤلاء الجائعين غير أن التهمهم بعيوني! ولِمَ تراني أفعل ذلك؟ أمن أجل أن أنقل » أحاسيسي البَلْهاء« إلى قراء أكثر مني بلاهة؟ لا! ليس ذلك هو االمقصود. وفجأة، أترك وجبتي كما هي، وأقوم. الكتابة تفسير مغرض للكون! إنها تفسير الكائن المتواطئ مع ما يحسه، ويراه. لكنني عندما أكتب الأشياء أحسني امتلكها بشكل من الاشكال، تماماً، مثل عملية حب عميقة. وما يجعلها (الكتابة) ممتعة، مثل الجنس، تماماً، هو أننا ننسى (نتجاوز) ما كتَبْنا منذ أن نرمي القلم عنه. فالكتابة، كالوجود، عملية متجددة بلا نهاية. ونحن، دائماً، بحاجة إلى »مكتوب« جديد، لنعرف أين صرنا. ولكن لِمَ تراني أكتب، الآن، هذا، وفي هذا المكان؟ ولِمَ تكالبَتْ عليَّ ذكرياتي، وبدأت أتشاجر مع نفسي؟ »ريو« مدينة تهيِّج الذاكرة، وتوقِظ الحنين، وأنا بحاجة إلى كليهما »لأعمل«! في مساء »ريو« الشفيف، يغدو البحر رمادياً، وتحل البَهاتَة محل الزرقة الساطعة في النهار. ومنذ أن تغرب الشمس عنها يبدو البشر كالطيوف، يطيرون بدل أن يمشوا، ويهدؤون بدل أن يرقصوا، ويصمتون بدل أن يثرثروا، كما هي العادة! ولكنها هي عادة مَنْ مِنْ هؤلاء الذين أصير أتحاشاهم في أول الليل! سأقضي مسائي الأخير في مطعم »عرب« الذي ذكرته من قبل. سأتفرّج بهدوء على الضوء الذهبي الغارب، ضوء الشمس التي بدأت تغرق بلا رهبة في البحر. وشيئاً فشيئاً، يُطوِّق الفضاءَ العملاقَ سواد مائي خطير، يبعث على التأمل والاضطراب. خاطرة أساسية، تكوَّنَتْ في قلبي، في هذا المكان، وأخذت تستولي، منذ أن وعيتها، عليَّ، وكنت استجيب لها بكل طاقتي: »يجب ألاّ يُمنع أحد من السفر، ولا من ممارسة الحب، ولا من التعبير عن نفسه". |
|||||
|
|||||