عبقرية المكان
البتراء

 

عبدالستار ناصر (روائي وكاتب من العراق)


هل كان طيفاً أم حلماً، ذاك الذي رأيته في وادي (رم) وعلى أرض مدينة (البتراء) التي مضت خلف التاريخ حتى سبقته في البقاء برغم زوالها؟!

أحتاج الى وقت أبعد من خربشات الذاكرة وأعمق من تلافيف العقل حتى أصدق ذاك (اللامعقول) وهو يغازلني في صحوي وخمرتي والذي أخرجني من حالة الكتابة الى كتابة الحال، ومن جنون الرؤيا الى رؤية الجنون، ومن رسم الغرائب في قصصي الى غرائب ما رأيت من رسوم وحكايات أعجب من حقائق الزمن الذي نحن فيه.. يا لتلك الليلة في البتراء، يا لذاك السحر في فضاءات (رم).. أحقاً على التراب وفوق الرمال وبين الصخور كل هذا الجمال وتلك العبقرية؟

٭ ٭ ٭

لم يعد من شك بعد الذي رأيت، من أن الطبيعة أعظم- حقاً- من الفن، ربما قالها »بيكاسو« من قبل، وربما نطق بها كبار المهندسين المعماريين، فهذا فراغ بين جبلين كما لو أن سكاكين كثيرة اشتغلت على الجدران، لو حاول مليون فنان صناعة جزء واحد من هذه (الخربشة) العجائبية لما تمكنوا من تحقيق (حلم) كهذا، وأعني بذلك (جبل الشيكولاته) في وادي رم، ذلك أن الحجر يشبه السائل الناري الذي نراه في الحمم البركانية الغاضبة، هناك فوهات وشبابيك وأبواب وطيّات حجارة تميل على أجساد نائمة، حيوانات برؤوس جبلية وانتفاضات في بطن الجبل وعند رأسه وتحت حاجبيه.. هل ثمة بطن ورأس وحاجبان للجبال؟!، نعم، في منطقة (الخزعلي) يمكن أن ترى ذلك كله، وأكثر.. ربما كانت تلك أول مرة أرى فيها جبلاً خطّ عليه ما يشبه الحروف السومرية والفرعونية وكلها تبكي بدموع من حجر.

جبل على هيئة سفينة، وآخر على شكل قلعة محطمة، وثمة جبال صغيرة، واحد يشبه فارساً يمتطي صهوة حجر هائل، وآخر على شكل غيوم سوداء تخرج من باطن الأرض ، جبل يمشي مثل دبابة وآخر ليس غير (قُبلة) بين صخرتين مدببتين، لكنها كلها تسيل كما الحمم البركانية صوب لا مكان، بل ترى جبلاً تبرع بجزء منه وصارت نثاراته على الأرض أجمل مما كانت وهي على رأسه كما التاج، عشرات، وربما مئات الحيوانات تراها في أعماق الفتحات والشقوق والثغور، ديناصورات، أفاع، ذئاب، فيلة، غزلان، وحتى اللقالق ستراها تحلّق فوق الجبال، مصنوعة من زوائد أو ربما من انزياحات حصلت عبر آلاف السنين، ليس من أحد يمكنه فكّ طلاسم تلك النثارات المهولة التي جثمت على الأرض، كم هو عمرها؟ من أين سقطت ومتى انسكبت هكذا كما الماء على نار هائجة جامحة؟!

جبالٌ على شكل (كمّاشة) تخنق بقية الكائنات بلا رحمة، جبال على هيئة عراك وضرب بين اثنين، وثمة سلسلة أخرى هنا وهناك ستراها مثل (زورق كبير مثلوم) أو (نيزك في لحظة سقوط) وربما (قرد هارب من لهبة نار) وقد تكون (قبعة في مهب الرياح) أو سمكة، أو امرأة تبكي بدمعة واحدة على خدّها الأيسر، ها هو الفن الرباني في أعظم أسراره، حيث ترى التيجان الذهبية بلا رؤوس، وأبواب مفتوحة على خناجر من صخر لامع، وقلاع مهجورة، وعلى بُعد جبلين كما اليتامى ثمة أسد وحيد بلا حاشية وعنقود عنب من أحلى الصخور ثم قبعة أخرى لروبين هود الشهير مع ريشته التي ظهرت في نهاية القبعة!

ينبغي علينا أن نصدق المستحيل في مكان كهذا، وربما سنقترب من المعجزة التي جاء بها المكان المتوحد مع السماء والرب والتاريخ، وفي صحراء (رم) قامت شركات السينما العالمية بتصوير الوادي على انه جزء من خارطة القمر، بسبب غرائبية المكان، كما تم تمثيل فيلم »لورنس العرب« وبضعة أعمال شهيرة أخرى، وترى السيّاح ومتسلقي الجبال يتوافدون زرافات ووحداناً في جولات تقترب من مناسك الحج والصلاة، وهم ينظرون بكثير من الدهشة والانبهار الى هذا التكوين الرباني المذهل.

ترى هل ينطق الحجر؟ أعني هذه الصخور المنحوتة على امتداد هذه الجغرافيا العجائبية؟ أجل، سمعنا لغة الصخور أكثر من مرة، في البتراء كما في وادي رم، فهذا نسر يمد منقاره صوب فضاء الله وهو يهبط على انثلام كبير بين جبلين، والنسر نفسه لم يكن غير صخرة على هيئة طائر عنيد، ها هو يهبط ثانية على انثلام مقطوع بين عالمين!

لا تدري في مكان كهذا- من وادي رم الشاسع- كيف انثنت الجبال تغازل بعضها، وكيف مرّت السنوات على أغرب قصص الحب بين هذه الكائنات التي ترفض الكلام في حضرة البشر.. تعال واسمعها ليلاً، أعني بعد منتصف الليل، واخبرني ماذا يقول هذا المارد الشاهق صوب السماء وماذا قالت تلك الصخرة الرابضة فوق مئات الصخور.. لغة من الجبروت المكتوم والكبرياء المغلّف بالكتمان.

ليس من الصعب أن تسمع الجبال وهي تضحك تحت زخات المطر، يمكنك التقاط صورة فوتوغرافية لهذا الجبل العنيد وهو يحتمي من رذاذ البرد بقبعة أو مظلة من ألياف الجرانيت، يبتسم بفم مغلق ويرفض أن يعترف بذنوبه مهما طالت اقامته فوق نسيج الرمال، وحتى لو أجبروه على الوقوف هكذا ملايين السنين، ذلك أن جبال (رم) من النوع الذي ينتمي الى حزب البقاء ويؤمن أن الخلود هو نبراسه الأول والوحيد.

٭ ٭ ٭

رأيتُ- وما كنت حالماً أو واهماً- أبا الهول، ومن خلفه أسد بابل، ثم فيل عملاق، وزقورة من بقايا الخيال، وعلى بُعد أمتار لا تزيد على مائة متر ثمة جماجم مبقورة، وشخص كبير الرأس ينظر إليك بريبة وتوجس، ثم ماكينة خياطة وثلاثة رجال بعنق واحد، وهنا جمل مقطوع السيقان يجثو على بقايا قصر شامخ، وفم يصرخ مع أنف مجدوع، ربما سلال فاكهة مليئة بالصخور المضيئة، وطفلة تنظر خلفها بهلع، يمكنك أن ترى ما تشاء، وما عليك غير أن تمشي عبر الصحراء بين تلك الجبال الراسيات في أعماق التربة حتى قاعها البعيد عن السماء والقريب من الماء، حيث تمتد السلاسل نحو المجهول من هذه الأرض التي ستبقى عذراء برغم مليارات البشر الذين عاشوا وأنجبوا وشاخوا ورحلوا.. أرض عذراء حيث لم تكتشف جميع أسرارها، ولم يصل قرارها او لغزها أحدا، ولن يتمكن من ذلك مليارات البشر الذين سيأتون بعدنا، مهما كان حجم التكنولوجيا والتطور والعبقرية!

٭ ٭ ٭

أما الذهاب الى البتراء، فهي رحلة الى (المعقول) الذي لا يُصدق، ذلك المكان المحفور في الصخر، ربما عشرات الأعوام من أجل حفر (ضريح الجرة) وأكثر من ذلك معبد (قدس الأقداس) الذي يسمونه (الخزنة) والطريق القصير الذي تقطعه على قدميك ما بين (قصر البنت) وضريح الجندي الروماني هو طريق الفن في واحدة من معجزات البشرية، ناهيك عن (صرح الأفعى) أو (الدير) الذي لم أتمكن من الوصول إليه، بسبب السلالم الحجرية التي يزيد عددها على ألف من درجات المرمر والصخر التي يمضي إليها السيّاح - حتى العجائز منهم- كما تفعل الغزلان والأرانب.

عندما كنت أدرس الموروث الشعبي في مصر، رأيتُ أهرامات خوفو وخفرع ومنقرع ثم معابد (فيلة) بجبروتها المهيب، أصابتني القشعريرة من هول ما رأيت، واليوم وأنا أرى البتراء أتساءل مع نفسي: هل يمكن فعلاً للبشرية- على ضعفها الجسدي- أن تفعل كل هذا؟ ألا يمكن- سهواً- نزول حضارات أخرى من أجرام قريبة من كوكب الأرض، أنها جاءت ذات سنة غامضة من سنوات اكتشافاتها لزيارة كوكبنا، وراحت تلعب وتلهو على سطح أرضنا بانشاء كل هذه (العجائب) التي لا يستوعبها العقل بسرعة؟!

تُرى كيف نفسّر هذا الجلال الساطع الذي يكمن في مدينة البتراء الوردية المذهلة حدّ الاغماء؟ أي ازميل سحري حفر في تلك الصخور الصمّاء التي تشبه البازلت والحصى؟

البتراء، مدينة صخرية معناها »الرقيم« بدأت حضارتها في عام 312 قبل الميلاد، آية من أجل وأعظم آيات الفن البشري، ستصل إليها بعد مرورك بين جبلين هائلين أو قل جبل واحد شق الى نصفين بعد أكبر زلزال عرفته الأرض، وسوف تمشي كثيراً حتى تصل معبد قدس الأقداس وهو نافذة لاتصال الشعب بالآلهة، ويسمّى عند عامة الناس بالخزنة- آنذاك- وبسبب هذه التسمية هاجمها البدو من وادي موسى عساهم يعثرون على شيء من المال، وما تزال حفر الرصاص تشهد على تلك الهجومات الطريفة.

٭ ٭ ٭

مقابر ملكية، مقابر وزراء وتجار، ثم عامة الشعب، كلها محفورة في الصخور تشير الى نهضة (الأنباط) وفنونهم وخصوصية حضورهم في الحياة منذ آلاف السنين، كما عثرت لجان الحفاظ على الموروث القديم على نقوش ثمودية وأخرى صفوية في جبل اسمه جبل القمر.

هذه المدينة أعجوبة تسبق ما سمعنا من عجائب الدنيا السبع، إنها الغموض الذي لا تفسير له برغم كل ما كتبوه عنها، وكل شبر منها يحكي عجباً أكبر، ويقول أصحاب الشأن من المعنيين بآثار البتراء إن ما اكتشفوه منها حتى يومنا هذا هو 15 بالمائة ولم يزل وراء المجهول 85 بالمائة من غرائبها واسرارها وغموضها.

جبال من نسيج الجرانيت وغيرها ما يشبه البازلت، جبال صغيرة يخجل بعضها من رؤية الجبال الشامخة على مقربة منها، وكثيرة هي القبعات على رؤوسها، مشطوبة من جزء هنا أو جزء هناك، سترى بطيخة مقسومة الى نصفين، وبضعة عساكر على مشارف القتل، دولفين خائف من كلب، حتى تصل المسرح الذي يتسع لستة آلاف متفرج، ترى أيّ مسرح كان قبل هذه الحفنة من السنين؟

ومن أجل الأدباء أشعلوا الشموع في طريقنا الى هذا العالم الساحر الذي تجاوز المعقول بملايين الفراسخ، وكانت القشعريرة قد تسلّلت الى النفوس على ضوء ألف وخمسمائة شمعة أعادت الينا شيئاً من طقوس (الأنباط) ذاك الشعب العربي الموهوب، وصارت حالة الخشوع تسبقنا إلى اكتشاف الماضي، وسأعترف بأنني- شخصياً- ما زلت أرى أن كوكباً آخر كان قد زارنا قبل آلاف السنوات وراح يحفر تلك الصخور (ربما يتسلّى بها) إذ من غير المعقول نحت مدينة كاملة بهذا الأسلوب الغرائبي الفريد!

٭ ٭ ٭

المغامر السويسري (جوهان بوركهارت) كان أول من اكتشف (البتراء) حيث اختفت هذه المدينة 300 سنة حتى تمكن من ازالة الغبار عن هيكلها المخلوط بالمستحيل، وسوف نحتاج الى عشرات السنين حتى نعثر على بقاياها، ولا أحد يدري ماذا سنرى في بقية خباياها وصناديق أسرارها؟!

ستبقى في ذاكرتي ما حييت، تلك الليلة التي مشيتها بين صهاريج الجن وباب السيق، سوف أمشي على طيف شارد اسمه »سبيل الحوريات« وأغازل حلماً على مقربة من ضريح الحرير، إذ من غير الممكن بعد الليلة غلق مذكراتي دون أن يسري في دفاتري ذاك الممر الجبلي المزدان بعطر التاريخ وضوء مئات الشموع مع صوت الناي الذي حزّ مشاعرنا بضربة زهرة وأعادنا ثلاثة آلاف سنة الى الوراء حيث رأينا »التيمنوس« بوابة الساحة المقدسة كما رأينا »الضريح الكورنثي« وربما رأينا شعب الأنباط وقد عاد الى الحياة حتى يحكي لنا القصة العظيمة من حيث بدأت.

. . .

يا لهذا الجمال الذي رأيناه في (رم)

ويا لتلك الليلة في البتراء.


تصميم الحاسب الشامل