|
|||||
|
وقف القهوجي أمام دار الحاج عمران، وأدار بصره إلى ناحية الفرن، منجذبًا إلى كلام النساء. وكانت زهرة المغربية أمام الفرن، وخلفها تحلقت النسوة حول طبلية كبيرة، صُفّت فوقها قطع العجين في دوائر متداخلة، وأيدي النساء تصنع على المطارح نغمًا حنونًا، كأغاني الخبيز، وأغاني هند لهفة على ابنها الغائب في سمنود. كانت المغربية تنصت إلى هند، ساهية إليها، وقد ألصق العرق جلبابها بجسدها، فبرز الثديان نافرين في تماسك، كقطعتي عجين، كما سقطت عن رأسها الطرحة، وبدا شعرها أسود ناعمًا، ورقبتها شديدة البياض، وانسدل الجلباب فغطى ساقيها وأصابع القدمين. واستندت الجدة حليمة إلى عصا، في طريقها إلى القرن، على بعد خطوات من باب الدار، خائفة على المغربية قليلة الخبرة بفنون الخبيز. وانتبهت هند وسحبت جلباب المغربية فجأة، قبل أن تشتبك به النيران، فبانت ساقاها والربلتان البيضاوان. وأزعجها أن ترتدي سيدة جلبابًا على اللحم. وقالت: ـ قاعدة يا شرشوحة، هنا من غير لباس؟ ازداد خدّا السيدة احمرارًا، وأرادت أن ترد، أو تقوم لتستر خجلها، لولا وصول الجدة حليمة التي لم تسمع كلام هند. وصاحت بصوت عالٍ مشحون بالخوف على المغربية، من امتداد النار إلى جلبابها: ـ ابعدي يا حبيبتي هدومك عن المَحْمة. ثم همهم القهوجي، كأنه يريد الإخبار عن وصوله، ولم يخف على حليمة أنه اختلس، إلى المغربية، نظرات غير بريئة، فأحرجته بقولها: ـ انكسف يا عديم الذوق، البنت ما هي حِمْل عينك يا جحش. فاحتشم، ومن الخزي أغمض عينيه. اقتربت منه، ونخسته: ـ تأكل الولية بعينك النجسة، وتعمل وشّ كسوف؟ وسألته: ـ قاعد في البلد ولا النسوان، يا أخي اعمل لك همّة، وحارب الكفرة في سمنود أحسن لك من البصبصة. فأنقذ نفسه من لسانها: ـ كنت هناك، وسيدي عامر يسلم عليكم. فقفزت هند، تريد الاطمئنان على ابنها. ووقفت صفية زوجة عامر عند الفرن، تنصت إليهم؛ فليس من عادة نساء أوزير إظهار اللوعة على الأزواج. ولكن صفية التي لم تبال بأحد، حين قبّلت عامر، وعانقته ساعة المغادرة، سألت القهوجي بلهفة عن حال زوجها، واستفسرت بشيء من الريبة، عن سر وصوله إلى زوجها، ثم العودة إلى أوزير، على حين لا يستطيع ذلك من هم أكثر منه شجاعة وفتوة. ونهاها الحاج عمران عن توجيه مزيد من الأسئلة، وطمأنها. واختلى بالقهوجي، وسمع رسالة عامر. وقال إن الحشيش عزيز، أمر باستدعاء رينيه دوما الفرنسي المقيم بالبلد من سنين. الحاج عمران أمر رينيه بكتابة رسالة إلى قائد الفرنسيس، يعرض فيها هدنة، ويحذره الغدر. وقال إنه سيطلب إليه أن يمده ببعض الحشيش، ليتأكد له حسن نيّته. وشرح فيها أن الفرنسيس هم السبب، في تعكير صفو رجال أوزير المقاتلين والقاعدين؛ إذ خلا البلد من الحشيش والخمور، بعد إغلاق معصرة القصب، ومشاركة صاحبها في القتال. وكان يمدهم بالخمر من عصير القصب. وقرأ رينيه ترجمة عربية للرسالة، وسأله ماذا يكتب في مقدمتها، وطرح أكثر من صيغة: السيد قائد الفرنسيس سيدي القائد إلى رئيس العسكر ولم يسترح الحاج، وضاقت نفسه بأن يكون الغازي سيدًا، ولو في رسالة. وأعاد رينيه السؤال، عن صيغة المناداة، فقال الحاج بدون تفكير: ـ سجل في أول السطر: يا ابن الهرمة. ـ ما فهمت والله يا سيدي. ـ قل له: يا مغفَّل. ـ لا أفهم. ـ اكتب، قل له: يا حمار. ـ لا يصح يا سيدي. ـ إنما يصح أن تعتدوا علينا. فأصابت الطعنة رينيه، كأن الرجل ينتقص شرفه. وأحس عمران بقسوته، فداعبه: ـ والله لا تزعل يا شيخ، أنا أقصد أولاد الهرمة. وضحك رينيه: ـ الهرمة، الهرمة! اتفقا على كتابة السطر الأول: »إلى قائد عسكر الفرنسيس«، وأن يحمل الرسالة على الله القهوجي وأحد الأسرى. لكن رينيه ألمح إلى رغبته في مصاحبة القهوجي، فحمد الحاج ربه، واحتضن الفرنسي الذي لم يفهم شيئًا. وبعد سفره إلى المدينة، قال الحاج لحليمة وهند وصفية إنه كان، في بعض الأحيان، يشك في ولاء رينيه للفرنسيس، واتصاله بهم، ولكن لهفة عينيه فضحت يُتْمه، بين أهل أوزير الذين لايزالون يحسبونه على الفرنسيس، والأسرى المغلوبين على أمرهم. وأبدت حليمة قلقها: ـ يا خوفي يا ابن والدي. وشاركتها هند، موضحة ما احتالت حليمة على إخفائه، خوفًا من تحققه: ـ ولو قتلوا القهوجي ورينيه ؟ فانتفضت صفية، وتأكد لها أن قتل حاملي الرسالة، إشارة إلى الشروع في قتل الأسرى. وقامت بحذر، مستندة إلى زكيبة من الأرز. وسألت: ـ وعامر يا أمّ ؟ رفعت حليمة عصاها، فلامست بطن هند، وداعبتها قائلة إن الذي وضع بذرة، لا يتأخر عن الحصاد. وقالت مزهوة بالغائب: ـ صفية حبلى يا عمران ! ودّ الرجل لو تساعده صحته ليرقص. ومدّ يده إلى صفية، فقعدت وأحنت رأسها من الخجل، وقبلت يده، وقبل جبينها. وقال: ـ لو أعرف لقلت للقهوجي »بلّغ عامر وفرّحه«. علقت حليمة ساخرة: ـ عامر علق يا ابن والدي، حضن صفية عنده أهم من ولده! ـ يا شيخة خافي ربنا. دمعت عينا هند من التأثر، وقالت: ـ مسكينة صفية، ما فرحت غير ساعة. غابت عنهم هند، وزحفت على قدميها، إلى أن بلغت عتبة الدار، ومددت في الحارة ساقيها، وأقسمت أن تزفّ عامر إلى صفية، بالغناء والمزمار والطبل وغوازي سنباط، من بوابة أوزير إلى باب الدار. وعلقت حليمة: ـ مجنونة يا بنت هوجة، زفّة لعروسة حبلى! ـ صفية راضية يا عمتي. كانوا لايزالون داخل الدار، حين لمحوا هند تمسح دموعها بطرف الجلباب، من آنٍ لآخر، وهي تغني بصوت عذب، آمرة صفية بأن تردد معها: داري جمالك عن عيون الناس لولا الملامة يا حبيبي وكلام الناس لاحُطّ رجلي ورجلك في قميص ولباس وأحلفك بالأمانة ما تقول للناس ولامتها حليمة على الغناء، في حين لايزال ابنها غائبًا: ـ عيب عليك الفرح، وابنك محبوس. تدخل عمران، قائلاً بثقة إن عامر عائد، اليوم أو غدًا؛ فالرسالة على بساطتها، كافية لإرهاب قائد الفرنسيس، واستعجال إعادة عامر والذين معه، واستعادة جنود الفرنسيس الأسرى. وأوضح للنساء أنه طلب هدنة، وبعض الحشيش والخمور، وهذا يكفي ليتأكد للفرنسيس أنهم يواجهون خصمًا لا يهاب الموت، ولا يستجدي عطفًا للإفراج عن رهائن أو أسرى؛ فما لديه من مقاتلين أكثر عددًا وقوة، بدليل عدم الإشارة إلى تفاوض أو مساومة أو مقايضة. قالت صفية إن الرسالة شديدة الذكاء، والخطورة أيضًا؛ فربما يفهم الفرنسيس أنها مقدمة لزحف بشر بلا عدد، يريدون أجساد الكفرة طعامًا، بعد فيضانٍ أهلك الزرع والدواب، وألجأ الآلاف إلى أوزير، التي لم تتأثر بالهلاك كالقرى الأخرى، بسبب البِرْكة والقناة المحيطة بها. ولكنها حذرت أن يفهم الفرنسيس، من الرسالة، أن طالبي الخمر مجانين، ينشدون آخر متع متاحة، قبل الموت القادم مع الفرنسيس. واستهان عمران بذكاء الفرنسيس، قائلاً إن لديه حلاً أخيرًا، لو أظهروا فُحشًا في الرد، وهو الإيعاز إلى المشايخ في أمر الكفرة. سيقول إنهم سينقضّون على كل مال المسلمين وديارهم، ويستحلون نساءهم. وعندها يعلن المشايخ ذلك في خطبة الجمعة، في وقت واحد، آمرين المصلين بالدفاع عن أعراضهم، ولو بأكل لحوم الذين لا يراعون حرمات الله. ـ ساعتها لا تنفع المدافع. ثم رجع القهوجي ورينيه، تسبقهما ابتسامة ثقة، وبسطا أمام الحاج وموران زجاجات الخمر، قائلين إنها هدية، وإن الفرنسيس وافقوا على مبادلة الأسرى. وتحت غواية الخمر، نسي الحاج ذكر حفيده عامر. ثم انتبه إلى الأمر، وتنهّد بأسى حين تذكر أنه اجتنب الخمر من زمن، ولا تسعفه أيامه بالعودة إليها. وقال بدعابة تحمل الجِد والهزل إن الأعداء لا يتورعون عن وضع السم في الخمر. غمرت شمس النهار تمثال سيدي سالم، وبدا بعد غسله طازجًا، كأنه خرج من الأرض في الحال، شامخًا أمام البوابة، وأمر الحاج بطلائها قبل عودة عامر. ولكن الطلاء لم يصمد أمام الخارجين من أوزير، عائدين إلى قراهم، والداخلين بخيرات القرى الأخرى، من حبوب وطيور وحيوانات، مشاركين كبير البلد فرحته بحفيده. رُفعت رايات ومناديل ملونة، لا تعانق الهواء، في العادة، إلا في أفراح الميسورين. وعلى الجانب الآخر للبوابة، نصب مدفع كان لدى الأسرى الفرنسيس. وأسندوا الحاج حتى ركب الفرس، وكان يريد الاطمئنان على عامر، قبل بلوغ الدار. ووقفت العربة أمام بيت رينيه، ساعة وصول الحاج مباشرة. وتحسس عمران حفيده بكفين واهنتين وبصر عليل، واطمأن إلى خلوّ وجهه من إصابات تزعج أمه وزوجته، ولكنه أمر فجيء بالحلاق فأصلح شعره. وازدحم بيت رينيه بأصحاب عامر، من زملاء الأسر، أو المقاومين الذين حققوا نصرًا على الفرنسيس، وأسروا جنودًا، أو سرقوا مدافع. بأمر الجد، نزعوا ثيابه، وهو من الذهول لا يقاوم، بل يسأل، وهم يجيبون: ـ لتستحم يا عريس ! ومن الفرحة نسوا العطر، فأسعفهم رينيه بزجاجة صغيرة، ذات رائحة طيبة، ورفض أن يستعيدها، قائلاً إنها هدية من الكنيسة إلى سيد أوزير. شاركوا في غسل جسد عامر، ثم خرج رشيقًا يرتدي الجلباب الكشمير، يكاد من شعوره بالخفة يطير، ويستعجل الرجوع. وأوقفه الجد، ومدّ إليه يده بمقود الفرس، آمرًا إياه بالقفز: ـ استلم فرس كبير البلد. أمام البوابة، ضرب المدفع لقدوم عامر، وظل فوق الفرس، يشاهد أفراح الناس، حتى انفضت حلقة النساء، عمن ترتدي ثوبًا أبيض، كملاك وسط دائرة من نساء ابتعدن عنها في الوقت نفسه. كانت صفية تنظر إلى زوجها بفخر، وهبط عامر، بخطوات واثقة، وغاب رأسها في صدره، وهي تهتز بحركة لا ترى إلا بالبصيرة، ورفعت رأسها، كأنها تقول له سرًا، وفاجأته بقبلة. وعلقت نساء: ـ غجرية قادرة. صوّبت هند إلى مصدر الصوت نظرة، أخرست النساء. وضبط ضاربو الطبول الإيقاع على حركة أقدام عامر وصفية، وجذبا إليهما امرأة من الغجر، شجعت زهرة المغربية على الرقص. ونزعت هند طرحتها، وأحاطت بها وسط المغربية، على حين زاد عدد الراقصات، وعلا إيقاع الطبول. وأصبح عامر وصفية في وسط دائرة من نساء وفتيات، أظهرن براعة في مباراة أعلنت فيها الأجساد فرحتها، حتى هند اقتربت من عامر، ونزعته من حضن زوجته، وخافت عليه الحسد، ولم يكن معها إلا سورة الفاتحة، فقرأتها وغسلته بها، ورقصت مع النساء، وحزّمتها المغربية بمنديل رأسها، فانسدل شعرها طويلاً ناعمًا بلون الليل، راقصًا معها، وهي تنافس هند، حاصدة الإعجاب والتصفيق. ثم قفز عامر، ممتطيًا الفرس، وبسط قدمه فاستندت إليها صفية، وجذبها فجلست وراءه. أفسحوا للفرس طريقًا، تعانقت فيه الموسيقى والزغاريد، ورقص أولاد الغجر والضيوف، قبل أن يحصلوا على أنصبتهم من الطعام والحلوى. |
|||||
|
|||||