السّكنية

 

علي الصوافي (قاص من سلطنة عمان)


              إلى ( ز . م ) يوما ما باتجاه الوردة

عند انكسار الطريق ومع الانحدار المؤدي إلى مهبط الوادي حيث تكون المسافة التي تربط الجدار الطويل المبني من الجص المتين والطرقة الموصولة بالوادي فضاء رحبا في الحارة لا سيما أن المارة غالبا ما يسلكون الممر الذي يأخذ نفس تموجات الساقية النابتة بمحاذاة مجرى الفلج على الجهة العلوية من الحارة. مـن ذلك المتسـع السفلي والمقابل لـ»مجازة الحريـم« تماما كنا نأخذ كرة صغيرة بحجم السفرجل تشبه كرة »الويوية« ونرمي بها على الجدار الخلفي لبيت »صدوه« كنا نلعب (سبت/ أحد) كل رمية على صفحة الجدار هي يوم. يصوب الرامي الكرة بشكل سريع ويلتقطها بيد واحدة بينما تتحرك عيون المشاركين في اللعب بين يد الرامي والجدار ومع آخر ضربة على الجدار يكون الجميع قد رفع إزاره واستعد للركض.

ولثأر قديم في اللعبة مع مقبول (الذي كان قد رشق أحمدوه بالكرة في آخر جولة حينما كان مختبئا خلف نخلة صغيرة كانت قريبة من مكان اللعب) كان أحمدوه وهو يلتقط الكرة المرتدة من الجدار يرصد حركة »مقبول« والذي أخذ النقطة الأبعد (ماغطا رجليه) الطويلتين  وهو يتأهب للركض فيما كنت أنا أقف  يمين أحمدوه بمسافة لاعبين اثنين وكان قلبي يسيل  ما بين النخيل التي تفصل »مجازة الحريم« عن مكان اللعب حيث تقف خالصة بعينيها الصافيتين كمياه الفلج خلف المقصورة المقابلة ترقب مناورات اللعبة، ومع التقاط أحمدوه الكرة في الرمية الأخيره كان غبار الركض يملأ المكان وكان مقبول قد انطلق وذاب في زحمة الغبار بينما بقيت أنا أحاول الالتفاف هاربا نحو السكة المؤدية إلى مهبط الوادي فلصق إزاري بنتوء صغير في الجدار عرقل ركضي ومكن أحمدوه بعينيه الملتهبتين كالجمر ان يراني من سحابة الغبار التي شدها الهواء بالاتجاه المعاكس وما هي الا لمحة كرفة العين حتى أصبح زند أحمدوه المشدود ويده التي تطبق على الكرة وانفاسه التي كانت تفيض من فمه قريبة مني. سحبت إزاري وأنا أتخيل اندفاعه الشرس تاركا قطعة منه معلقة على نتوء الحائط علامة رجولة لعيني خالصة وبدأت الركض وهدير خطوات أحمدوه يلاحقني وهو ينفخ ويصيح »أنا ما ألعبلك الست«  ولأنني الوحيد الذي تبقى امام عينيه كان يركض ورائي مثل »دِبي العقر« يقفز كلما قفزت وينحني كلما انحنيت حتى انتهت المطاردة عند »رفصة« الفلج وسط بيت أحمدوه الملاصق لمنزلنا حيث كانت أمه العمة »شنونة« تجلي (المواعين).

وقف أحمدوه بعموده الفارع وأفخاذه الوفيرة التي كانت تفيض من الإزار وكنت أنا اتكور خلف العمة شنونه ليقيني ظهرها الأسمر العريض من ضربة ملعونة على جسدي الضئيل وبينما كان أحمدوه رافعا يده لينهي اللعبة على ظهري صاحت أمه »تريد تقتل ود الأوادم غيب من هنا« انتفض أحمدوه حينما رأى أمه قد طوحت بالماعون الذي بيدها ووقفت غاضبه ورمى الكرة بكل قوته لتستقر على جريد النخلة (العوانة) في آخر المقصورة المفتوحة على المنزل ثم ركضت أنا عائدا بدون أن أعطي الأمر كثيرا من الانتظار مادا ذراعي الى الأعلى وملوحا بهما كراية النصر حيث كان الجميع في تلك الأثناء قد وصل والتصق بحائط اللعب العريض في انتظار جسد أحمدوه المرعب وما ان ارتسم ظله على الحائط ورأسه منكسا على رقبته حتى غرق الجميع في الضحك لتستمر اللعبة بعد ذلك في جولات أخرى جديده.

وبعد وقت من اللعب والضحك عدت الى المنزل . كان منزلنا يقع في قلب (السّكنية) أسفل فلج »المريفع«، وكان سطح المنزل محاذيا تماما »لمقصورة« الموز وفي أسفل المنزل ضاحية صغيرة جدا لا يوجد بها سوى شجرة همبا ضخمة حيث كنا نجلس دائما تحتها نلعب »الكيرم« وكانت المقصورة  موصولة بمجموعة من الضواحي يفصل بينها جدار طيني وتمتد حتى لسان الوادي ومن ثم »الكولانه« »والروغ« .

 كنت أمشي بجانب الجدار المفتوح على »المقصورة« عندما صعد أحمدوه فلج المريفع وكنت قد تركته والأصدقاء ومراسم الربح والخسارة بجانب جدار اللعبة لنلتقي في يوم آخر لكن وعندما وصلت الى الجزء المهمل من الجدار والذي بدأت أطرافه تتساقط طوح أحمدوه بحجرة ثقيلة فتح بها رأسي فسال الدم والدموع فصرخت حتى تراكض المنزل نحوي وأحمدوه يصرخ من أعلى »غيب غابت عينك«  ولم ابرح مكاني حتى شبع أحمدوه لتنا وعجنا»قبل واقف وخلاف جالس وخلاف نايم« بعد أن جرته امه الى المنزل وعصدته (بقدف) قطعته من  »الفحل« الملتصق بساقية الفلج ثم بكينا سويا حتى غصنا في سبات عميق. لنرجع غدا وقد نفضنا كل مشاكسات الأمس لندخل في مباغتات وشقاوات أخرى جديدة.

في الصباح الباكر في كل يوم من أيام السّكنية وعند انسكاب ضوء الفجر على رؤوس النخيل أكون قد شبكت يدي بيد خالصة بنت الجيران وذهبنا لإحضار اللبن من »محينوه« في الجهة المقابلة للحارة عابرين »الشرجة« وقناطر الفلج الموزعة على طول الطريق وعند عودتنا نضع اللبن على مدخل الباب ومن ثم نحمل ما اتفق »زبيل« أو »مخرف« ونذهب بادئين »بمقصورة القشوش« التي على مدخل السّكنية من جهة الشمال ونبدأ في التقاط كل ما نفضه الهواء طوال الليل من عذوق النخيل نسابق في ذلك الأطفال الآخرين بقيادة مقبول الذي كان يجذب »الخلال« و»الداموك« المتساقط بيدين شبيهتين بالمغناطيس لنعود نزولا نحو البيوت عابرين مهبط الوادي إلى المنزل وقد فرش لنا الإفطار خبز يابس ولبن محينوه الذي كنا نذوب فيه الخبز فيصبح عجينة شبيهة بورق الكلينكس المبلول ثم نكوره ونأكله .

عند ظهور القرن الأول للشمس النابتة فوق الجبل تكون قبيلة الأطفال في السّكنية قد غادرت المنازل قافزة فوق الجدران القصيرة للضواحي المتصلة بالشارع الترابي باتجاه الجبال المتعامدة بجانب الشارع حيث تتكدس العلب الفارغة وإبر المستشفى المحروقة والأسفنج المطحون الممزوج بالرمال حيث ينتشر الركام على مساحة مستطيلة تربط الشارع الخلفي للسكنية بالجبال الواقفة كالعساكر على الجهة المقابلة.

نبدأ في صعود الجبال بعد أن نفتش في »كشرة« البلدية عن أدوات حادة ومسامير مهملة وبعض من أناشيد وأحلام صغيرة ، نغرس أصابعنا القطنية في الركام المتكوم للصفائح والأوراق والعلب وقد يتصادف أحيانا أن نجد مشرطا أو سيخ حديد نحمله معنا لاستخدامه في البحث عن كنز ما نجزم أنه موجود بأحد الجبال نستدل إليه بأي مساحة رملية أو قطعة من التراب الهش نصادفها وسط الحجر الجرانيتي المترامي في تلك الجبال لنعود بعد ذلك بنبتة تقف فوق صخرة أو بقطع متناثرة تأخذ شكل الأصداف الصخرية والتي شكلتها الرياح التي تعصف بالجبال على مدار القيظ فاستحالت إلى أشكال متناثرة بألوان مختلفة، ولا نهبط الى الحارة الا بعد أن تبدأ الشمس بالوقوف على رؤوس الجبال تماما أو بعد أن تتجاوز ذلك برمح أو رمحين لنجد أنفسنا فوق الأزقة الملتوية لضواحي وبيوتات السّكنية إذ ينتشر اللغط وتصطدم الأصوات المختلفة للصبية بالجدران الطينية للمنازل نبدأ في لعب »الجلول« أو »الكيرم« أو لعبة »المونوبولي« التي أحضرها سلام ولد »صدوه« من مسقط ، وما بين تلك اللعبات وصوت المؤذن في مسجد الوادي يمر الوقت كنسمة هواء عابرة وبعد أن تميل الشمس المتعامدة قليلا نحو الغرب نكون قد تمددنا على الفلج حيث نبدأ لعبة »السل« بدءا من رأس الفلج وحتى حدود »مجازة« الحريم المفصولة بأحد أكياس الباسمتي أو بإزار أو ما قد يتوافر من أقمشة قديمة وفي كل غطسة كانت أعيننا المفروشة تحت الماء تصطدم بأجساد البنات في »المجازة« حيث كنا نصطنع الغطس فاتحين عيوننا على اتساعها في ماء الساقية لننظر إلى الأجساد المشعة وأصوات الضحكات داخل الماء ثم نكمل لعبنا تحت القناطر المتلاحقة للفلج حيث نبدأ بمخاتلة البنات بتقليد أصوات مختلفة أو بالصفير داخل الساقية المغطاة فيصل الصدى إلى مجازة الحريم حيث يبدأ اللغط في الداخل وتسرع البنات إلى ارتداء ملابسهن الا »لولوة السمرا« البنت القادمة من زنجبار في البيت الذي في أعلى الحارة بنت »الكوتمبووا« كما كنا نسميها والتي تكون ممددة ببشرتها القمحاوية وجذعها النشط وشعرها الغزير على الساقية رافعة صدرها الصغير المتكور إلى الأعلى مستمتعة بالشمس الداخلة من فتحة عريضة في سطح المجازة المغطاة بالخوص والقماش أو نسمة هواء عابرة ترسلها مراوح جريد النخل التي تحيط المكان من اتجاهاته الأربع ، وقد يحدث أحيانا أن تسقط »بسرة« من (القش) المنحني على سطح المجازة على بطن لولوه فينتفض جسدها تحت الماء مصدرة أنينا يسيل مع مجرى الفلج وكأنها تجيب على أصواتنا في الجهة البعيدة من الساقية لتنقطع اللعبة بعد ذلك بصوت »العمه شنونة« أو »سلاموه« وهن يصرخن على »مقبول« أو »أحمدوه« للذهاب للغداء الذي ينفض سريعا لتجتمع الشلة بعد ذلك على الكولانة الممتدة بمحاذاة الوادي حيث حلق »الحويليس« وضربات »الويويه« على طول الوادي.

في تلك الأثناء وعلى نفس المسار أو على اليمين قليلا وفي أغلب أيام الأسبوع باتجاه مهبط الوادي ألتقي  بخالصة بنت الجيران التي تكون وبدقة متناهية في نفس الزمن واقفة قريبا من منحدر »الشرجة« التي تقسم السّكنية إلى قسمين غير متساويين وتفيض من الجبل العالي وسط الجبال المصطفة كطابور عسكري في أعلى المحلة، تضع خالصه بدقات قلبها الطفولية المتسارعة يدها الصغيرة اللينة على يدي لحظة وصولي فأعصرها بخبث رجولي مبكر ماسحا بإبهامي على ظهر يدها الطري ، وبعد أن نرفع طرف ثوبينا إلى نصف الساقين ننحدر متخطين الوادي الذي يشبه الأرخبيلات النهرية في البلاد الباردة قافزين فوق الصخور الزلقة المكسوة بالطحالب أشد على يد خالصة أكثر فتتعلق هي على ذراعي متجاوزين شارع السيارات الترابي الذي شقته »القرّازة« في نهاية الوادي في الضفة المقابلة متجهين نحو دكان الشايب علي الملاصق لمنزله في أعلى المرتفع في الضفة المقابلة لنشتري »شاكليت بو حطبة« »وحلوى فناجين« ثم ننحدر عائدين باتجاه السّكنية بعد وقفتين أو ثلاث بين النخيل المتناسلة على طول الطريق لأرتمي أنا بعد ذلك على »كولانة« الوادي وسط الرفاق بينما تواصل هي سيرها باتجاه المنزل صارة علب الحلوى واقصاب »الشاكليت« بين يديها بانتظار الموعد الصباحي باتجاه منزل محينوه حيث  رائحة اللبن تفيض في ساعات الصباح الأولى .

كان الممشى بين المنزل ودكان الشايب علي قصيرا جدا وكانت الشمس بقرصها البرتقالي الذي بدأ يختفي بين رؤوس الجبال الطالعة خلف الضواحي قد بدأت بالمغيب .

قفزت بسرعة نحو مهبط الوادي حيث كان علي الدخول بين الجبلين المتراصين في الجهة المقابلة للوادي وبينما كان الرفاق ينثرون أيامهم على »الكولانة« كنت أنا أركض خلف الشمس التي بدأت تسقط وراء الجبال.   

____________________________

تفاصيل.

1. الويويه . لعبة قديمه مشهورة في بعض المناطق الداخلية من عمان وهي قريبة جدا من لعبة »الكريكت«.

2. مجازة . مكان عام تستحم فيه النساء يبنى حول ساقية الفلج.

3. »أنا مالعبلك الست« . انا لا أمزح.

4. رفصة . مساحة مرصوفة بجانب الفلج غالبا تستخدم لأغراض الغسيل وقد تستخدم أحيانا كسلم حجري.

5. الكولانة . العشب.

6. الروغ . اشجار شبيهة بأشجار قصب السكر تنبت قرب المجرى المائي.

7. الفحل . نوع من انواع النخيل يمتاز بالصلابة وهو ذكر النخيل.

8. »زبيل« »مخرف« وعاءان خوصيان يوضع فيهما الرطب.

9. القش . نوع من انواع النخيل.

10. الخلال/ الدّاموك . الرطب الفاسد.

11. الكشرة . مكان تجميع القمامة.

12. الكوتمبووا. احدى الأكلات الزنجبارية المشهورة.

13. الحويليس . لعبة من الألعاب التقليدية القديمة.

14. المحلة . الحارة.

15. البسرة . المرحلة التي تسبق تكون الرطب.

16. القرّازة . احدى المعدات المستخدمه لتمهيد الطرق الترابية.

17. الشاكليت أو الشكليت . الحلوى.


تصميم الحاسب الشامل