ابن الحيّ

 

علي افيلال (كاتب من المغرب)


وينهض ابن الحيّ لينفض غبار اليأس، ويمسح عن صدره سوء الحظ. وقبل أن يخطو بعيدا، عن دائرة اللون القاتم الذي صار له حليفا، تأمل في إمعان دقيق أصحاب العيون الغائرة والوجوه المصفرة الشاحبة، هؤلاء الرفاق الذين أرشدوه إلى طرق مجال الرجل الذي لا يرد خائبا من يقصد بابه المشرع.. هذا الرجل السامي المقام ، الرفيع المكانة يعرفه لأنه رآه مرارا يلج المصانع التي يقصدها مئات العاطلين، طمعا في  الحصول على عمل ما.. رأى كيف يتوافد العاطلون عليه.. إلا هو، فقد ظل بعيدا عن محيط هذا الرجل، إلى أن أسدى إليه النصح بعض الرفاق مزينين له الذهاب عنده، قالوا له: إن هذا الرجل، وحده القادر على إنقاذه من بؤس الأيام وشقائها.

ترك رفاقه يمتصون الحياة من ثدي جاف، وصدر أعجف، وقام يبحث عن الرجل، الأمل، في المقاهي التي علم أنه يغشاها ليمضي فترات من وقته الذي لا تشوبه شائبة قلق أو كدر.. وكيف يحدث له هذا، وهو المحظوظ بما يحمل إليه من هبات وهدايا يستخلصها سماسرته ثمنا من كد وعرق المحرومين. ما إن رآه مالئا زاوية إحدى المقاهي، تحفه شرذمة من معاونيه حتى خف إليه بروح وثابة.. وقلبه مفعم بالأمل.. وكاد ينحني أمامه ليقبل ولو جزءا من الذات الكريمة، غير أن أحد الأتباع حال بينه وبين ذلك، وهو يسأله بلهجة متعالية عما يريد.

فأعرب ابن الحي في ضعف وخذلان عما يريد.

قال في رجاء وتوسل، لحضرة الرجل السامي، بأن يجود عليه بعمل، مقابل التخلي عن نصف الراتب الذي يمكن أن يتقاضاه.

وفي فضول راحت العيون تحدق إليه ونوازع الاستخفاف تتحرك في الصدور تجاه عاطل يستجدي عملا من السيد المحترم.. أما السيد الجليل صاحب البدلة البيضاء والقميص البني وربطة العنق الملونة بنقط بيضاء وسوداء فقد قال برنة صوت رزين، وهو يدير سلسلة ذهبية سميكة حول معصم يده اليمنى، ولا ينظر إلى من يقف أمامه في ذل وانكسار، بل ينظر عبر فضاء خياله الخصب إلى الأجواء المحمومة التي يلج في المساء عالمها السحري بصحبة من يأتون بها لتدفئة الأماكن الباردة بذاته:

- أترك لنا بطاقة تعريفك الشخصي ليتسنى لنا تسجيل اسمك وعنوانك ضمن القائمة التي سأتكرم بحملها شخصيا إلى إدارة الميناء.

وبيد جعلتها خلجات الفرح ترتعش أخرج ابن الحي من بين طيات أسماله البالية، بطاقة تعريفه الشخصي، وقبل أن يدنو من حضرة السيد الوسيم انتزع منه أحد الأعوان تعريفه وهو يقول بصوت ساخر:

- عُد غدا باكرا إلى الميناء لتبدأ عملك مع الآخرين..

يا له من غد، هذا الذي صار منتظرا عنده.. غدا يصبح إنسانا آخر.. إنساناً.. يخرج من قائمة العاطلين الطويلة التي قاسى ويلاتها، وكبت عواطفه في دائرتها مدة طويلة.

وبات ليله مسهدا يعد الدقائق والثواني خوفا من ضياع موعد الصبح، ويضيع معه كل أمل في إنقاذ نفسه من الجوع، ومن الحياة في كوخ لا ماء فيه ولا ضوء..

من قديم تركوه بلا ماء ولا ضوء، تكرموا عليه بذلك نظرا لعدم أداء ما ترتب عليه من واجب ثمنهما.

وقبل أذان الفجر قام وليست عليه الا أسماله البالية، التي تكون فيها فوق سريره الخشبي العتيق، وسار مندفعا في الممرات والطرق، قاصدا عين المكان.

كان الجو باردا، والسماء تتلألأ بانعكاسات النجوم الساحرة، وحركة السير لم تأخذ بعد أوجها وصخبها.. وبعد سير طويل مشيا على الأقدام، وصل إلى المكان المقصود.. وبداية النهار تغالب أواخر الليل المقوض الجناح، وعبارة الرجل الوسيم تتعالى في أذنيه »عُد غدا باكراً لعملك مع الآخرين في الميناء..«

ولم يجد بالمكان من يمده بالعمل، هل نسي الرجل الوسيم إخبار إدارة الميناء؟ اتجه نحو المقهى الذي بدا له فارغا يسبح في ضوئه المشع، لم يكن به أحد غير عامل البار والنادل، كل منهما يتثاءبُ في مكان، وكأن حركة التثاؤب خير ما يطرد عنهما بقايا النوم.. وينزوي في مكان قرب المقهى وهو يضم إلى جسده خير ما يرتديه لرد لسعات البرد. أما ما بداخله من جوع فذلك له حديث آخر.

ويمتص مولد النهار آخر نفس من الظلام، وتكثر الحركة، ويبدأ الهدير والصخب، ولا أحد ممن يسير في رحابهم إلى الميناء قد ظهر؛ لا الرجل السامي المقام، ولا واحد من أتباعه.. ومع ذلك ظل في انزوائه وعيناه دوما على من يفدون إلى المقهى، داخلين أو خارجين، ولا تحظى عيناه بطلعة من عقد العزم على رؤيته.. وتطلع الشمس فتغمر الجو بالدفء والحرارة، ولا أحد يخاطبه في الشيء الذي جاء من أجله.. فهل جاء متأخرا؟ وفكر وهو في طريقه عائدا إلى الحي أن عليه أن يعود في الغد إلى هذا المكان قبل الوقت الذي جاء فيه يومه.. ويتعدد المجيء، ويشتد الحنين ولم يحْظَ بما يحقق الأمل، فلا وجود للرجل السامي المقام، ولا لأحد أعوانه.

ويعود في أحد الأيام كعادته كئيبا حزينا ليحيط أصحاب العيون الغائرة علما، أن لا شيء جد في عالمه، ويجلس مكدودا أمام كوخه لتبصر عيناه، في وضوح، سيارة الشرطة تمرّ وبداخلها الرجل السامي المقام موثوق اليدين.    


تصميم الحاسب الشامل