رحلة الشيخ

 

محمود الرحبي (قاص من سلطنة عمان)


ولأنه اعتاد في حياته المديدة على مسافات شاسعة، فقد كان يشعر بالجدران الاسمنتية ووجومها القاسي أمام عينيه وكأنها أقرب بكثير من مسافتها الواضحة تلك، بل كان يحسها وكأنها في غير مكانها، كأنها وراء ظهره الذي لايراه، بكل ما تحضنه من حديد وصلابة، تلتصق جميعها حدبة ثقيلة بين كاهليه، وعليه ان يحملها وحيدا عابسا شارد الذهن طوال ما تبقى من حياته.

وكان في اكثر حالات شعوره تشاؤما، لم يكن يظن بأن القدر سيقذفه يوما كالغريب في مهب ضيق بعد ان رادف الستين من عمره، كان ذلك السؤال العنيد الذي لا يبرق جواب في نهايته، لايني يلاحقه كطريق طويل واضح لكنه يطل على فراغ أو على حافة هاوية، كان يشعر كمن يسقط في حفرة شاسعة لا قرار لها سوى الموت.

وابنه الذي ارهقته زياراته المتباعده له، ألح عليه بأنه يجب ان يسكن من ركض الحقول والنظر مليا في حيوانات وطيور لا تنفع. لكن الشيخ يرتاب من كل ذلك، فهو لا يعرف حياة غير هذه.

لكن الإبن كان يبرهن له باصرار بأنه لايستطيع زيارته وهو في هذه القرية البعيدة، وانه ليس له من يرعاه بعد موت زوجته ووعده بأن يعيش عنده حياة هادئة في غرفة لن يقلقه فيها أحد وسيكون قريبا منه كل ما يريده.

تكفل الابن بعد ذلك بإعداد كل شيء، باع اولا البقرة المربوطة، وأمر عماله ان يذبحوا صغيرها وجبة لتلك الظهيرة، وفرق الدجاج على من ساعده من القرويين الذين تحلقوا غير مبالين بما يحدث، ثم باع بعد وقت من ذلك الضيعة الصغيرة.

 لكن الشيخ رفض ان يشارك في ذلك التشييع واكتفى بالذهول واعتصار الحزن، ومسح عينيه في كل سانحة يشرد بها بعيدا عن محيطه الثقيل.

تركه ابنه في غرفة تتطرف بيته الكبير واختفى منشغلا.

وقبل طلوع الفجر كان الشيخ يزحف الى حيث المسجد تقوده عصاه وبعض الاضواء الضعيفة المتسللة من أعماق البيوت المسورة، وحين يصل ينتظر متكئا على احد الحيطان الى ان يفتح حارس المسجد البوابة، ونظرتان فارغتان كنظرتي الطفل تحومان على وجه الشيخ ويرتسم في فمه سؤال جامد دون ان ينطق:

- حتى بيوت الله تغلقونها.

وحين يقترب منه حارس البوابة ويحييه تنفرج تلك النظرة المتعبة عن ابتسامة صافية.

يقدر كثيرا ان يبقى حتى صلاة الظهر ثم يعود الى غرفته عبر طريق ماهد، لا يعبره سوى رنين السيارات والقليل من القطط الهاربة، فيجد الخادمة وقد اعدت له الأكل، ودون ان تنطق وبابتسامة صامته تقرب له صحن الطعام وتنتظره صامته، وهو يمضغ منحنيا دون ان يرمقها، بعد ذلك ينهض ليغتسل فتحمل هي الاناء وتختفي في منعرجات ساحة البيت الكبير.

ويقدر كذلك ان يدعوه ولده الى قلب البيت وقد اعد مائدة كبيرة، وكان وهو يلهو مع ابنائه يرنو خلسة الى والده قبل ان يرسل اليه بفخذ عامر ويصر عليه مبتسما ان يأكله كاملا.

بعد صلاة العشاء تغفو عينا الشيخ في صحن المسجد ولا يرغب في الخروج منه،وكأن ألما كبيرا لايمكن أن يحتمله خارج سكينة هذا المكان، لكن الحارس يقترب منه ويهز له احدى يديه برفق ليصحو.

- اتركني نائما في بيت الله يابني

- لا استطيع يا والدي فأنا لست الا موظفا هنا

- يالله، كنا نترك مساجدنا مفتوحة اح اح تحرسها الملائكة وننام اح وننهض وننهض

يرفع جسده، ويتوارى خارجا، ومن فوق الأسطح العالية كانت هيئته تظهر كنقطة صغيرة تترنح وحيدة في الظلام.

في احدى المرات، اقترح لولده بأن يطلب له من صاحب المسجد أن يدعه ينام هناك حتى قضاء صلاة الفجر، متذرعا بأن عينيه لم تعد تسعفانه وعباءة الظلام الشاسعة تثقل خطواته وتعيقها في رجوعه من صلاة العشاء وفي ذهابه إلى صلاة الفجر.

- يا ابي هل تريدني ان اهبط الى اناس كهؤلاء من اجل موضوع كهذا، انتظر قليلا....ربما سأبني لك مسجدا ذات يوم.

- انت تبني لي، اتيت بي الى هنا، وكنت تقول لا استطيع ان ازورك وانت في البلدة، وها انا امام عينيك ولا اراك الا مرة كل شهر.....

- انس البلدة يا ابي فلم يعد لنا شيء فيها، وانا كثير العمل.

ذات يوم.... بين صلاتين، كان يخرج وحيدا متوكئا عصاه وما تبقى له من نظر، رأى بستانا مفتوحا تصوت فيه الطيور وتتعارك الظلال في ساحاته الرطبة، وعلى بابه ذهن الى كرسي من سعف، فجلس عليه، تنفس عميقا وكأن مساحات في صدره لم يصلها الهواء منذ زمن ارتوت فجأة، فارتعش جسده غبطة وثبتت ابتسامة صافية على وجهه وهو ينقله بين رؤوس الاشجار والأشعة الخفيفة التي تخترقها بخجل، والقطرات الساقطة من حواف الاوراق والسواقي المرتعشة بظلال مرتعشة وفراشات تتعارك بصمت... الى ان اصطدمت عيناه بوجه بشري تفور قسمات التعجب منه ففز واقفا

- لا تتحر ك أيها العجوز، اجلس فانا انتظرك

سحب الآخر كرسيا من كوخ وراءه وجلس الى جانبه، كان الآخر شيخا منحنيا يتكئ على عكاز معقوف الطرف وتشع من وجهه ابتسامة فارهة لا تلبث وان تنعكس سريعا في وجه محدثيه مهما كان نوع الحديث الذي يصنعه دون تكلف وقد راقب دخول الغريب على مزرعته بصمت وحين اطمأن اليه اقترب منه خفيفا رافعا قدميه ببطء شديد، في حركة تشبه مداعبة طفل سعيد أراد ان يفاجئ ضاحكا أحدا ما بوجوده، جلسا متجاورين، ثم قام حارس المزرعة من مكانه باتجاه غرفته وهي كوخ خشبي معرش، فانتهز الشيخ هذه السانحة وسرح برأسه محركا عينيه بارتياح واضح بين منعرجات الأغصان والسواقي التي ينبض خريرها خفية من بين الأشجار والأعشاب الموزعة باتساق في الأرض، الى ان ظهر الحارس وبين يديه صحن ووعاء قهوة ليبدأ بعد ذلك حديث طويل بينهما:

- انا حارس هذا البستان الذي يملكه ابني، في البداية رفض ابني ذلك لكني وعدته بموتي مبكرا ان لم يدعني ابقى هنا، اصبح ابناؤنا يا أخي يرسمون لنا حياتنا هل يوجد ماهو اغرب من ذلك

- وأنا جاء بي من قريتي بعد ان اكرهني على بيع ضيعتي هناك، لأعيش معه كأي شيء زائد في بيته ذي الغرف الكثيرة

- ألا يملك مزرعة

- لا اعرف ماذا يملك لا  أعرف عنه شيئا، حين ماتت زوجتي ظهر هو، عندما كان يزورنا لم يكن تفكيره هكذا، ولكن حين ماتت امه تغيرت الدنيا.

- انهم يعملون بصمت، يسمونهم التجار، ولكن لا نرى ما يبيعون، دعك من ابنائنا وانظر معي الى ذلك العش، انه لطير غريب لم أره الا في طفولتي، وحين اقترب من هنا رمقني بنظرات مرتابة ثم ما لبثت وان تراخت تلك النظرات وحفتهما مسحة هادئة وها هو الآن يجاورني بأمان هو وصغاره، الطيور لا تطلب منا سوى الأمان، ان ندعها سالمة، لاتريد اكثر من ذلك، البشر وحدهم من يطلبون كل شيء، حتى لو اعطيتهم حياتك فلن يقنعهم ذلك، سوف يعتبرون هديتك تلك لاتساوي سوى الضيق لهم، ان حياتك التي تبذرها ليل نهار لايمكن ان تشبه سوى هدية ثقيلة، مثل عمود النور الكئيب ذاك الذي يرتكز أمام البيوت لينيرها، لذلك فان نظرات الطائر الأولى تلك لها مايبررها، فكيف له ان يطمئن الى جنس كهذا.

- كيف تستطيع ان تحرس هذا البستان وانت بهذه العافية

- لاعليك من هيئتي وصورتي فأنا أحمل النخلة تحت إبطي حين اترنح ضاحكا.

حين تهبط ظلال الصلوات، يذهبان الى المسجد القريب من تلك المزرعة وهما يتساندان ببعضهما وبصفحات الجدران وعيناهما تحدقان بشدة الى صهيل الحافلات الهائجة التي ما أن تبرق مقدمة الواحدة منها حتى تظهر في لمح البصر مؤخرتها الهاربة.

- لقد بقيت معك كثيرا في المزرعة، علي ان اذهب الى بيت ولدي.

- ألا تقول بأنك لا تراه الا مرة كل شهرين، اجلس قليلا، الا اذا كنت قد اشتقت الى تلك الخادمة.

وفي البيت الكبير كانت الخادمة تقف حائرة بصحنها، ثم تجثو مطرقة تنتظر دخول الشيخ الى غرفته، وحين شعرت بأن القلق بدأ يهز أضلاعها اتجهت الى صاحب البيت وأخبرته بأنها لا تعرف اين العجوز، فتظاهر الابن بأنه يعرف مكانه كما لم يعط في البداية للأمر أهمية واضحة، ولكنه رغم ذلك ما لبث وأن زاحمته صورة والده، فأرسل أحد عماله ليسأل عنه في المسجد، ثم تردد في ابلاغ الشرطة،فأبقى الأمر سرا بينه وبين عامله.

- علي ان اذهب اليوم فلابد انهم قلقون

- من هم

- ابني وعائلته

- اذهب فسوف تجده متلهفا لاستقبالك وتجده كذلك قد بنى لك مسجدا بالقرب من غرفتك وأقام لك مزرعة وربما زوجك من تلك الخادمة.

- لا عليك، سأحاول أن آتي غدا لزيارتك

ربما ستجدني قد مت. سوف أنتظرك لا تتأخر كثيرا

قبل ان يصل عرج الشيخ على المسجد القريب من بيت ابنه، فصادفه عامل ابنه، انتظره حتى انهاء صلاته ثم تبعه بنظراته الى البيت، دخل غرفته بهدوء وعندما هم على التمدد، كان صوت الابن داويا وهو يفتح باب الغرفة بغضب

- يا ابي ماذا فعلت بي، ثلاثة أيام وانا ابحث عنك .

- كنت في زيارة صديق قريب من هنا، ثم منذ متى وأمري يهمك، لا أراك الا كل شهر وكأني أجير عندك والآن تأتيني غاضبا، اتركني وشأني، دعني اعيش بهدوء ماتبقى لي من هذه الحياة.

- يا ابي لم تعد في القرية، لماذا تترك غرفتك لقد بحثت عنك في كل مكان.

- دعني وشأني.

- لا يمكنني ان ادعك تتوه وحيدا في الشوارع والجميع اصبح يعرف انك أبي.

- لا احد يعرفني هنا .

- ان الناس يرونك تخرج من بيتي صباح مساء الجميع يرى ذلك ويعرف.

- قلت لك لااحد يعرفني هنا ولم اكلم احدا، ثم اني ذهبت لزيارة صديق لي.

- يا أبي سأضطر الى حبسك

قال تلك العبارة ونظر الى العامل والخادمة التي كانت تحمل صحنا في يدها، وخاطبهم بنظرات واضحة ثم توارى مختفيا في منعرجات البيت الفسيح.

لم يعر الشيخ شأنا لذلك الحوار، فانثنى يأكل ما في الصحن ثم قام ليغتسل لكنه رفع بغتة نظرة تعجب الى الخادمة، حين رآها لم تتحرك من مكانها كعادتها بل انتظرته الى ان يدخل ليغتسل، ثم ظهر العامل وفي يده سجادتا صلاة وضعهما في الغرفة ثم أغلق الباب على الشيخ، الذي كان يرمقه بعينين عاجزتين وفم ذاهل.

كانت الغرفة رغم سعتها الواضحة، لا يوجد بها سوى نافذة واحدة،و يتوسطها سرير ودولاب ذو ردفتين يعلوه جهاز تبريد للهواء، وفي الأرض خزانة عتيقة تكدست فيها بعض أشياء زوجته الراحلة، كما تحوي الغرفة حماما ومغطسا صغيرا.

وحين اقترب موعد الصلاة، دخل العجوز المغسلة وتوضأ وحين هم بالخروج، وجد الباب مغلقا فأخذ يدفعه بيديه، ثم طرقه بقبضته الواهنة بقوة، فبدا الصوت في الخارج ضعيفا كأنما يمور في بئر عميقة.

 استكان العجوز بعد تعب ولهاث متتابع ينفض جسمه النحيل، فرش السجادة واحتار في تحديد اتجاه القبلة، استعان بحدسه ثم تمدد في مكانه، فتح عينيه وحوم نظراته في محيط الغرفة، فجمدهما طويلا أمام مشهد خزانة زوجته ثم عامتا في خيطين من الدمع ما لبثا وأن تبخرا.

تزوجها بعد ان قطع بصحبة والده مسافة اربعة ايام وهم يعبرون من قرية الى اخرى يستريحون قليلا في كل منها كان يبدو وكأن الجميع يعرفهم حيث يبسطون لهم الفاكهة والأكل ما أن يخطون في طريقهم ولا يتركونهم الا بصعوبة وعناد، وفي رحلة العودة كان يشعر بأنه تزوج النسب وحده الذي صوره له أبوه في أبهى حلة حيث لم يكن قد رأى امرأته بعد، ولكن فوق أحد الوهاد المتعرجة والمؤدية الى قريته حدث الأمر الذي ظل يتذكره طويلا.

 فقد تمايل، كالرأس السكران، الهودج الذي كان يحمل العروس وكاد ان يسقط من فوق الجمل،لولا ان الصبي فز من شروده المنسرح تجاه الأفق، وانطلقت فحولته وهو يدفع رجليه ويديه ليلتقط عروسه، فيسقط الشال الذي كان يغطيها وهنا يظهر له وجه لأول مرة وقد اصطبغ بالخجل وبصفرة الورس وعيناها الكحيلتان ويداها المخضبتان بالحناء، كانت تلك الخفقة الأولى لقلبه والتي استمرت تلاحقه في حياتهما وتلاحقه بعد موتها كلما برق طيفها أمام عينيه.

 وحين سقطت ميتة حطت ابتسامة على وجهها المرهق وأضاءته إلى الأبد، كان الحقل ساعتها يتمدد بصمت تخترقه ساقية يلاحق خريرها عصافير طائشة وأجنحة فراشات.

أغمض عينيه ثانية ثم فتحهما على مشهد تلك الخزانة فدمعتا.

بقي الشيخ أياما على تلك الحال.

وذات يوم معتاد، وهو يرمق من نافذة غرفته الوحيدة اقتراب الخادمة وفي يدها صحن الطعام، وشيء من ملابسه المغسولة، تصنع هيأة رجل ميت، واستلقى بجانب النافذة التي تعودت الخادمة ان تدلف اشياءه منها، هالها منظره الغريب فأخذت تصرخ.

اقترب العامل وفي يده المفتاح، فوجدالشيخ ممددا وعيناه مفتوحتان، أخذه بين يديه وأركبه سيارته، فتح الشيخ عينيه وهو ممددا في الكرسي وراء السائق، وحين اقترب من ذلك البستان فز قائما وصرخ صرخة قوية في اذن العامل يأمره بأن يقف، جفل العامل وكاد ان يرطم جسما في الشارع، قبل ان يتوقف، فنزل الشيخ بهدوء ثم انطلق مسرعا والعامل يرمقه ذاهلا.

 جر العامل سيارته ورقبته تتلفت متشنجة في انثناءات الطريق.

اقترب الشيخ من جهة البستان، وجد بابه مغلقا فهتف باسم صديقه العجوز حارس البستان، قاقترب من داخله شاب يرتدي بزة عسكرية، وأخرج من أعلى باب الحديد طرفا من وجهه مستفسرا، والشيخ يهتف بدوره باسم صاحبه.

- لقد مات، وانا هو الحارس الجديد

ذهل العجوز لما سمعه ورآه، وقبل أن ينصرف الشاب سأله الشيخ بصوت متحشرج.

- افتح الباب.

- لا استطيع، دون اذن صاحب المزرعة.

قال الشاب عبارته المرسومة تلك بصرامة، ثم توارى مبتعدا، ذهل الشيخ في مكانه غير مصدق، ثم تلفت بضيق وكأنما يبحث عن شيء يسعفه في تحمل تلك الصدمة التي هجمت عليه كريح خفية لايعرف مصدرها وكادت ان تسقطه على ظهره لولا انه تماسك في مكانه، متكلفا الظن بأنه ربما أخطأ المكان، لكن اشجاراً كثيرة تطل بأياديها من السور، كانت كفيلة بأن تذكره بأيام قضاها هناك بصحبة ذلك العجوز المرح.

فخرجت من صدره زفرة حارقة، وأحس كأنما يغرق في لجة بعيدة ومهجورة وليس ثم من يعلم عنه.

تراجع مبتعدا عن المزرعة، وحيرة كبيرة تسيطر عليه، وسؤال يشبه سؤال الغريق الذي قذفت به الأمواج في جزيرة فارغة (أين سأذهب الآن؟) لكنه ما لبث وأن الى ذلك البستان وكأنما تذكر شيئا، دار دورة كاملة واطل برأسه على سور البستان، وحين رمقه الحارس أشار اليه بيده ان يبتعد، لكن العجوز كان قد رفع راسه وجمد نظرته على ذلك العش الذي تحدث عنه الحارس العجوز فرآه فارغا مهجورا، ثم رفع عينيه بنظرتين ذاهلتين جهة رؤوس الأشجار التي تلوح بأياديها. بقي هناك طويلا ولكن الحارس اقترب منه ووقف امامه من خلف البوابة دون أن يتحدث مثبتا نظرة صارمه كالقبضة في وجهه.

تراجع الشيخ جهة المسجد القريب من البستان وتذكر خطوات صديقه الذي لا ينقطع عن الحديث والضحك.

وفي البيت الكبير أمر الابن خدمه بأن يتركوا سور حديقة بيته والغرفة مفتوحة للشيخ ثم توارى مبتعدا.

وحين يحل المساء ويظلم المحيط فان حارس المسجد يطلب منه بأدب ان يغادر.

وهكذا ظل الشيخ تتقاذفه المساجد والطرقات ولا يكلم احدا، وتسبيحات خافتة تشبه التمتمات تخفق من فمه، حيث استطاع ان يفتح الغرف الموغلة في ذاكرته ويخرج منها تفاصيل نثرها وملأ بها حياته القاحلة، رصف بها الطرقات الخرساء. كما استطاع جمع الحقول المتناثرة في حياته ونسج منها بستانا شاسعا عاش فيه وحيدا مع مخلوقاته البعيدة. لذلك كان كثيرا ما يظهر وحيدا باش الوجه شارد النظرات.

- والوادوي

تأتي الصرخة من طرف البلدة، فيهب أهلها غير مصدقين الى مصدر الصوت، كان معقد الأودية الضخم الذي عرفت به القرية في اشد هيجانه، تراكضت السيقان والأرجل يسبقهم عويلهم الحامي الى طرف الساحات الخضراء المصفرة، تتسع اعينهم وتمتلئ صدورهم، يطلقون حلوقهم المكتومة على مداها امام ذلك الهدير. والاطفال يرفعون ارديتهم ويهزون خواصرهم بنشوة، والنساء يطلقن ضحكاتهن لأي كلمة تقولها احداهن، والرجال شمروا سواعدهم مخفين رغبة عنيدة في خوض المياه وقد انقبضت وجوههم بفخر، كان الوادي يجرف كل شيء في طريقه، اقتلع الاشجار الصغيرة التي كانت تطل برؤوسها الشوكية من تحت الصخور والاشجار الكبيرة نفرت اشواكها بتحدٍ تستقبل ما يلطمه بها الماء من اردية وعلب معدنية واخشاب وحيوانات مسفوحة لا يلبث الدم ان ينز منها، كان ذلك الوادي الهائج هو الريح الضخمة لأصابع كثيرة من اودية تجتمع في ذلك المكان قادمة من قرى عديدة فتندفع اندفاعتها النشطة حين تصل الى ذلك الوادي.

لا يلبث بعد ذلك وأن تمتلئ الافلاج وتكتسح بهجة عارمة الصدور الوجوه لأشهر قادمة، والشباب يتوافدون على السواقي والينابيع حيث اصابع الصبايا التي تحك الصحون برفق فوق السراويل المحسورة الى الركبة. والغطاء الساقط قليلا من الرأس والخصلات المطلة بخجل والاعناق التي تبرق وتختفي بين كل انتكاسة فوق وجه الصحن ومسحة للوجه الناعم، والأطفال لا يتحركون الا بصدور عارية استعدادا لأن يتمرغوا في أي بركة او قناة تمر في طريقهم، كانوا لا يتحركون الا راكضين، حفاة وارجلهم لا تفارقها خيوط الماء التي تجري من سراويلهم القصيرة، كان لكل طفل سرواله الذي لايفارقه اياما حيث يتكفل الماء بتنظيفه الدائم، كانت بعض النساء يقطعن ملابس ازواجهن المهملة ويخطن منهن سراويل للعب ابنائهن، والاطفال حين يتعبون من الركض يعودون الى بيوتهم كل يدخل الى بيته دون ان ينظر الى صاحبه وفي الصباح يجتمعون دون موعد.

وكان يوجد بعض النساء القويات ذوات جذوع خشنة يابسة، قاسيات الوجوه حادات الملامح رباهن الزمن على المحن، نظراتهن غائرة كأنما ينظرن الى جرف بعيد لايراه غيرهن، وفي جبينهن ترتسم تقطيبة أبدية، لايبتسمن الا لطفل او مجاملة لمسن، يتوحدن بأنفسهن،و يحلقن مبتعدات في تلال الجبال او في اكواخ بأطراف القرى المتناسخة، أو فوق تلال يلفعها الغروب ويخفيها الظلام، او ينضوين في اكواخ في آخر مدى تصله المياه والرؤية، خلف النخيل ذات الرؤوس اليابسة.

ويحلقن مبتعدات في جروف الجبال بحثا عن أعشاب ايقظتها الامطار، في يد كل واحدة معول صغير ذو اسنان، يجززن به كل ما مر من نباتات في تلك السفوح الشاهقة حيث لكل نبتة قيمتها في القرى، كن يصعدن اشهق القمم دون ان تخرج من رئتي احداهن شهقة تعب زائدة كن كأنهن يمشين في خط مستقيم يتقدمه حلم غامض.

وفي الميتات المباغتة كن يسخين ببكائهن ويذهبن مسرعات الى حيث كان يأوي الهالك وما ان يلمحن امرأة هناك الا وتصرخ الواحدة منهن صرخة وكأنما تقذف في طلقة واحدة حزمة غليظة من انين عذاباتها، كن يذهبن مسرعات الى بيوت الاموات وكأنها السانحة الوحيدة للتنفيس عن حرقاتهن المتراكمة عبر الزمن ويهيجن مامر في طريقهن من نساء ليحتشد الصراخ في ذلك البيت ويعلو سحابة ترج بعويلها اطراف النخيل والطيور المحلقة في الجروف البعيدة للجبال.

وفي ظهيرة كل جمعة، كان السوق الطيني بدكاكينه ذات السلع القليلة، وعجائز ينثنون على فتحاتها وهم يكابدون مقطبي الوجوه في إثر حسبة لا تنتهي لدفاتر قديمة يلصقونها بأعينهم، وأمام الدكاكين جذوع ضخمة تترع بالظلال وتسكن فوقها أعشاش العصافير والهواء البارد ما فتئ يلفح الصدور طيلة كل ظهيرة قائضة، ويتكوم تحت جذوع الاشجار تلك مجموعة من العجائز والشبان كل منشغل بحرفته الهادئة، وريح خفيفة تكنس الممر ذا الصفين، تسحب معها خشاشا وأوراقاً صغيرة من ممرات بعيدة تدحرجها في الممر ثم تختفي بها في هدوء، وحين يبدأ الناس في الدخول من السوق يبدأ الهدوء بالتبدد، حيث السيارة التي تبيع السمك والتي تأتي من الساحل البعيد كل ظهيرة جمعة قد حان موعدها المعتاد

لغط خفيف ينتشر بين الأجساد، شاب يسحب حمارا يتراقص فوق ظهره جناحان من سعف، امرأة تدلي بخصلاتها من طرف الممر، أطفال بثياب رطبة ونابان من مخاط يرتفعان ويهبطان، احدهما يمسك ظفيرة اخته بخجل، طفل آخر يتردد بين والده ورفاقه، رأس ينثني ويرتفع على رأس عجوز أعمى، زواحف مسالمة تتسلق الأطراف المتآكلة للحوانيت.

 يقترب هدير ضعيف الى قلب الساحة، فتتشكل دائرة واسعة. تقف الحافلة في وسط الدائرة ويخرج من ظهرها رأس شاب يرسل نظرة سريعة على محيطة ثم يخرج من رأس السيارة رجلان يلقيان السلام سريعا وأيديهما تتجه سريعا الى مؤخرة السيارة فتلتمع شرائح السمك التي يسحبانها في بساط ثم ينزلانها الى وسط الدائرة التي يتجمع فيها الناس ويبدآن بالنداء، يبدآن بالسمك الكبير وعندما ينتهيان يسحبان حافلتهم مبتعدين، فيبتعد الناس عن الساحة بهدوء.

 الطفل يسحب اخته من ظفيرتها برفق، والأعمى يخرج من فمه غناء خفيفا وهو يبتعد متلمسا الجدران وأيادي الشجر.

وكانوا حينها أطفالا حين عبروا ذات نهار بأقدام حافية وقطعوا أودية وسهولا صفراء الى حيث تقع القرية التي سمعوا أن بها ذلك الطفل الذي يخفي في مصحفه أكبر ريشة نعام يمكن ان يطالها خيالهم، عبروا قافزين، ثم مبطئين مترنحين حين هزهم التعب، وحين وصلوا رأوا الطفل صاحب الريشة يقف بجانب باب بيته وفي يده المصحف الذي تطل منه ريشة النعام برأسها الناعس. اكتفوا بنظرة واحدة الى تلك الريشة حيث زاحمهم الفرح سريعا وتقافزوا يبددوه في الطرقات والبوح بما رأوه لأي عابر وهم يصورون المشهد بأياديهم التي تتسع في حديث لاهث عن ريشة النعام الكبيرة.

 وفي طريقهم مروا بالجبل وقطفوا من هناك حزما من الغنيمة ورجعوا بها الى بيوتهم وجبة لذلك المساء.

 وتذكر ضاحكا حين دخلت أول فلينة الى بلدتهم، وذلك حين اقتربت امرأة الفلين وقعدت منذ الفجر منتظرة فوق مصب السواقي الذي تجتمع فيه نساء القرية بعد صلاة الفجر يغرفن منه الماء لبيوتهن في أوانٍ صنعت من فخار الطين يسيل من حوافه الماء ما أن يرفعنه فوق رؤوسهن ويتوارين في انثناءات الطرق.

 هناك عرضت سلعتها من الليف، كانت تضغط الليفة بأطراف اصابعها ثم ترخيها، تضغط وترخي أمام اندهاش الأعين والصمت الذي لايحركه سوى هسيس ساقية الجبل ونقيق الضفادع المختبئة، ثم أخذت تسرد مسالك رحلتها وكيف عبرت من بيكاب الى آخر وقد رأت اناسا في الشارع وحافلتهم مقلوبة في حفرة الى أن وصلت الى السوق الكبير وهناك استطاعت ان تساوم تجاره دون ان يرف لها جفن وهي تقدم نبرات الغضب قبل التحية واللين، ونساء القرية ينظرن بآخر ما تستطيعه أحداقهن، ثم انتقلت بعد ذلك الى الحديث عن فوائد الفلين ولم تجد بدا من شتم ألياف النخيل التي درجت نساء القرية على مسح صحونهن بها،، وتحرم على نفسها الأكل في صحن لم تمر عليه هذه الفلينة التي ترفعها وتهزها من ذيل غلافها النايلون.

ارتبكت ايادي النساء بعد تلك الخطبة، التي ختمتها بأنها لم يبق معها الكثير من الفلين ومن اراد واحدة فليأت بنقوده الى بيتها.

وفي صباح اليوم التالي، ذهب جمع من الرجال والنساء الى بيت امرأة الفلين.

وتذكر حين سمع ما يشبه الريح المباغتة تهوي من اجمة النخيل المتكاتفة وتسقط فوق كتلة من الزور اليابس، كان ذلك جاره الذي سقط من رأس النخلة. السقطة هالت الجار كثيرا واحس بالموت ولكن رجله فقط من اصابها الألم وحين شفيت لم يستطع ان يرفع بصره الى اعلى حيث تتدلى كالنهود عذوق الرطب، فقد انزلقت رجله وهو في نشوة قطف اول بشارة من ذلك التمر.

سارعت زوجته بتسخين شيء من الكركم وألصقته ساخنا في رجله المصابة، ثم ربطته بخرقة استلتها من بطن ثوب قديم.

دخلت غرفتها ويداها ترتعشان،قبل ذلك وضعت الكركم فوق النار ثم دلفت مسرعة الى احدى الغرف، سحبت خزانة قديمة. حين لمستها تطاير الغبار النائم في سقفها، اخرجت الكثير من الخرق قبل ان تستقر يدها على ثوب البركة الذي ستستل منه خطا طويلا وتحزم به ساق زوجها.

وفي عمق الليل كانت تفتح احدى عينيها بهدوء لأن احدا جاء لينظر حال زوجها الذي يستعجل التمر والقهوة فور جلوس الضيف الى جانبه، فتدخل المرأة وتسلم على الضيف ثم تترك الأوعية امامهما وتتراجع يتقدمها ضوء سراج واهن.

استطاع بعد وقت من ذلك ان يتحرك من فراشه ويسحب رجليه تجاه الحقل نظر الى نخلاته بهدوء وشوق وحين اصطدمت عيناه بتلك النخلة الى قذفت به من رأسها شعر بالضيق ونبض عرق خفي من رجله الواهنة، فحار في رأسه ذلك السؤال المؤلم

- ماذا أفعل

فأجاب بأن غاب اربعين يوما عن بلدته قبل ان يظهر ومعه عامل اجنبي

نهض فجرا وصرة تتراقص في ظهره وعينا زوجته تتبعانه من بعيد، صعد تلة الجسر ولوح باحدى يديه في طريق الحافلات، ومن خلفه كانت ايادي النخيل والموز تلوح مودعة.

وبعد اربعين يوما ظهر من خلف التلال وبرفقته عامل اجنبي.

وبعد أشهر من ذلك اختفى اربعة من رجال القرية، عبروا تلة الجسر واياديهم ترفرف لأي شاحنة تعبر، وكانت النخيل وأيادي الموز ساكنة من خلفهم لاتلوح بشيء.

امتلأت القرية بعد ذلك بالعمال الاجانب، يتسلقون بيسر أعمدة النخيل، ويهدمون بيسر جدران الطين، كانت زنودهم الساطعة تتحرك حرة في محيط الحقول وتحلق حرة بين رؤوس الأشجار.

هذه الأشياء وغيرها عبرت في رأس الشيخ.

ومن احد البيوت ذات الطوابق العديدة يمكن مراقبة خطوات جسد منحن في حجم كف الطفل.

 ومن عمارة اخرى كبيرة ذات ثلاثين طابقا أو أكثر يمكن رؤية نقطة ضئيلة تتحرك وحيدة قبل أن تختفي بين نقاط كثيرة وجدران وأسقف.

ومن مكان اعلى، من قمة الجبل الشاهق الذي يحيط به بحر ساكن لا يؤمن جانبه، يمكن رؤية سلسلة من المدن تموج متلاشية في الفراغ.


تصميم الحاسب الشامل