محمد علي شمس الدين في »شيرازيات«
يمشي عـلى التناصّ تياهـا

 

رُلى صليبا (ناقدة من لبنان)


 

ثمة شعر يفرض عليك تجربة فريدة، يحرك نسيج كلماتها في العمق منك ما تجد له في نفسك حالة، في هذا الشعر »شيرازيات« محمد علي شمس الدين بحيث اذا بلغت حميمية القصائد تراها مكاشفة تبلغ الماورائيات عبر المعاني العشقية مروراً بالخمرة الالهية لتتماهى التناقضات في وحدة الوجود ولا تُناقض الدين بل منه تنطلق وتفرض التواصل معها ذوقياً وحدسياً وايضا فنياً، يقول الشاعر في المقدمة: ».. وان شعري، على الاجمال، انما ينطلق من نقطة ما في الغيب، كائنة بين القلب والعالم. فأنا شاعر دين وميتافيزيك«.(ص11) حافظ الشيرازي محمد علي شمس الدين في »شيرازيات« ونتساءل هل هو كتاب ترجمه عن الفارسية ويأتي الجواب وفي المقدمة أيضا: »ان ما قمنا به هو »تعريب« لبعض غزليات حافظ، وليس ترجمة لها، والفرق بين التعريب والترجمة فرق شاسع في نظرنا«.(ص16) ثم يضيف: »سكبنا جوهر المعنى في اناء العربية« (ص17)، ولكن يتبين للقارئ ان لغة شمس الدين ليست مجرد إناء لمكتوى، بل هي طاقة لكشف معرفي، طاقة تتولد من العلاقة بين الكلمات، بين الانسان والعالم والماوراء، هي اللغة  تخلق العناصر لتبسط أمامك أصداء وأمداء، تنتج المعنى ولا تترجم، وفي كل تعريب خلق جديد يزيح عن الاصل، وشيرازيات شمس الدين جوهرت المعنى فوُلد من جديد، ومعروف عن شعر حافظ الشيرازي انه ليس مجرد مقاربة معفية، بل هو انتماء، والصوفية ليست معرفة تنقل او تحفظ عن ظهر قلب وليست ألفاظاً تستحضر عند الطلب، بل هي تجربة تمسّ أعماق الذات وتبدلها لتخوض غمار الكشف عن »موطن الاسرار« وحالات الوجود والما بعد، وفيها تتوالد العناصر والدلالات، والعنصر البارز هو وعي التجربة، فالشعر نسيج الممارسة الوجودية وايضا احتفال بالشكل والعكس صحيح.

انه التناص ينسج خيوط تكوينه من جوهر النص الشيرازي ولكنه في التشكيل، يخلق تركيباً فريداً تتضافر عناصره في علاقات قشيبة غايتها المكاشفة للتماهي مع المطلق حيث يزول الحجاب للتجلي وصولاً الى المشاهدة فالغناء.

هي التجربة واحدة لدى شمس الدين، تتطور وتنضج، نسمعه في قصيدة »يوميات الصمت« من ديوان »اما آن للرقص ان ينتهي« (دار الآداب 1992): »يا مولاي/ أنت الغربال/ وانا الماء الساقط منك عليك«.

هذه المعرفة او الاتصال بالله لا تتم الا في الاعماق الخفية للروح ولا تدرك بالعقل ولا بالحس إنما بالذوق وفي مركز القلب، لذا يفتتح شمس الدين كتابه بقول للشيرازي يعتبره أصل الرؤيا لديه وأساس الحكمة في شعره: »بوسعي رؤية قلبك/ داخل صدرك الشفاف/ مثل زمرّدة تنبض في الماء« (ص5) ليستهل غزلياته بقصيدة »قلبي بعيد«:

قلبي بعيد وما اني ارى جسدي/ ينأى كريشة عصفور على الابد/ والثالث الروح في أعماق غربته/ يرنو ليبصر وجه الواحد الاحد (ص27) فالمعراج باطني وبدءا منه يؤكد الوقائع الخارجية.

في مسرحية »مأساة الحلاج« يقول الشبلي للحلاج: »وأرى في قلبي اشجاراً وأثمارا/ وجواهر من ذهب، وكنوزاً في ياقوت«.

وبالقلب اقترن الحب وهو اصل الوجود، يقول ابن عربي:

»أدين بدين الحب أنى توجهت/ ركائبه فالحب ديني وايماني« (ترجمان الاشواق)

ولكي نعرف الحب يجب ان نذوقه وهذا الذوق لا يروي، ومن قال رويت منه ما عرفه، فكلما شرب المحبّ من الحب ازداد عطشاً اليه، والحب نور يقذفه الله في القلب وأعظم ظهور لله تعالى هو تجلّيه في المرأة للرجل وفي الرجل للمرأة« تؤكد الصوفية.

يقول شاعرنا في شيرازياته: »انا المريض بليلى والقتيل بها/ وليس اجمل من ان يقتل الرجل« (ص46)، وفي موضع آخر: »ومن ذاق مثلي أنا- جرعة من شراب الحبيب/ فلن يستفيق الى آخر الدهر من سكره بالحبيب/.. فاحترق (يا أنا) حسرة/ وابق يا أيها المبتلي بالحبيب/ مريضا بداء الحبيب«.

والقلب يقول ابن عربي لا العقل ولا الحس هو الكأس التي يشرب بها الحب، وشراب الحب هو بمعنى آخر حب الله لنا لكي نحبه. فاذا احببناه ، عرفنا بشربنا شراب حبه لنا، وبهذا الشراب يسكرنا وهذا هو التجلي المعرفي.

وعليه فالشراب والحب والدين ثالوث لا يتجزأ، نقرأ شمس الدين في قصيدة أنا المشرد في عقلي: »لا تكثر اللوم في سكري وإدماني / قلبي نقي وكأسي بعض ايماني«/ أو : »ولكنني أغسل بالخمرة آثامي«.

هي الخمرة الالهية او شراب الحب الذي تحدث عنه ابن عربي ووصفه بانه التجلي الدائم الذي لا يقطع، فالحب اذن تجربة عرفان تكشف اسرار الوجود وتضيء الرؤيا بالوعي الكوني الذي يؤدي الى يقين وحدة الوجود، وعليه يصبح الجسد كيان انخطاف واشراق وتشفّ المادة ويزول الحجاب عن المجهول او اللامرئي، فتغدو الانا هي الآخر وتتماهى الذات الفردية بالذات الكبرى الكونية، والانسان عالم يصغّر عن عالم الالوهة الكبير. كما يقول فلاسفة العرفان.

من قصائد النشوة (غزل) الى خدمات الكأس (غزل) فقصائد العاشق المتيم، لا يحكي الشاعر الا ذاته، ينسيك الشيرازي وتستظل خيمة شمس الدين الذي تعرفه، مع نداء »يا ملكي« عوضا عن »يا مولاي« في »أما آن للرقص أن ينتهي«، مع تعمّد التكرار في بعض الثيمات للتركيز على رموز التصوف كالخمرة والحان والناي وهذه رمز الرؤيا في الرؤيا، والحروف وما ترمزه فهي عند الصوفية عالم المعاني يقول ابن عربي »الحروف أمم لها انبياؤها يقف خاصة عند حرف النون، هذا الحرف السرّ هو عتبة تقود الى معانٍ خفية بل الى فيض من المعاني: »نون: /زمردة تستعصي/ خروج يستعصي/ وانت ايتها الاشارة/ وصل بوح يزهو/ ليل عرش على أحشائي/ نون،/ فيض جلاء..« (ابن عربي الفتوحات الملكية) وفي »شيرازيات« يعنون شمس الدين قصيدة غزل بـ:

»من قاف الصحو الى قاف الرؤيا« (ص767)، كما ذكر في ديوان »طيور الى الشمس المرّة«: »الكون كاف كوفية تدخل في النون كن/ فيكون الماء الغمر«/ وفي قصيدة »يوميات الصمت« قال: »تختبئ بين الحرفين؟« ويقصد بهما العقل والنفس.

في هذه الثيمات وغيرها من مسالك الصوفية تتبدى قدرة الكلم المشحون كثافة رمزية بعيدة المدى، موصولة بالكون والروح الكلي، هي الفردية الساعية بالذات الى الانا الكبرى في نشوة الحلول المتصوف، من غير ان تنصرف عن وعيها الذاتي بالكلمة.

هذه كتابة دالها يراوغ مدلولها لانها تصف ما يعصي على الوصف ويأبى الكلام فلا يرضيه سوى الرمز (الناي- الخمرة- الحجاب- النهر- العنب- البلبل- الفراشة..) كلها تحمل في طياتها ما يجسّد الرؤية الشعرية الكلية متواشجة بالاشارات والرموز، فتوقن انه لا كلمة ولا حرف الا وفي مضمونه آية تدل على سرّ مطوي.

تتراءى »الشيرازيات« وكأنها موجز للرسالة القشيرية لابي القاسم القشيري الجامعة مبادئ الصوفية، رسالة تفتح طريقاَ للمعرفة عن طريق الذوق.

قلت ذات مقالة في شعر محمد علي شمس الدين: »من الجذور الاصولية الى الافق الحداثوي انت امام شعر مركّب جامع... فاذا بك حيال مزيج ثرّ من تراث يتجدد بين يديه، فيهيئه للاستمرارية والحيوية ولا يحنّطه بالتقليد والتكرار فيحكم عليه بالعقم« (رلى صليبا: صدى الكلام الغائب ص156).

بلى، يلقي الشاعر الضوء على البهيّ من التراث فيتفاعل في وجدانه ليحييه بل ليخلقه من جديد، فالذات مصدر القصائد وجسمها وروحها وغايتها، فاذا بنا امام روح التراث يتجوهر بفعل المخيلة المبدعة التي أمدّته بتقنية عالية واعية أدوائها، ولا أحسب شمس الدين يعتمد شعر الشيرازي الا في استيطان أعمق حالاته ليذيبها حتى التوحد في كيان شعره العضوي.

فيستدعي- على سبيل التناصّ- الدين والاسطورة والغيب على خصوصية في تشكيل المعنى وفي سياقات مختلفة تجعل منه كينونة مستقلة، فتحلّق الرؤية في البنية الكونية وقد وظف التناص لإشباع الموقف التجريبي بالحسّ الصوفي، مما يجعل القصائد مداراً معرفياً وجمالياً وليس الاكتفاء بمفهوم البنية وحدها وصولاً الى المطلق حيث الرؤية الاستشرافية تتحدّى الزمكانية لتكشف باطن حركة الوجود وتعانق وجدان كل العصور.

هذه الخصوصية في التشكيل تتبدّى في تقنيات التوظيف (من خلال الانماط والتراكيب والصياغة) التي جسّدت رؤيته الشاملة للانسان والوجود، يقول:

»يمشي على الموت تياهاً كأنّ به/ من الالوهة سراً ليس يخفيه/ يمشي الهوينا وقتلاه تمجّده/ كأنما كل ما يُرديه يحييه/ يعلو على الغيم أحياناً، وآونة/ يدنو فيصبح أدنى من معانيه« (ص43).

سياق فنيّ منتظم متكامل وغير رتيب يذكرني بقول الجاحظ في كتابه »البيان والتبيين«: »أجود الشعر ما رأيته متلاحم الاجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك انه قد أفرغ افراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان، كما يجري الدهان«، وحدها المقدرة الشعرية العالية توفر دمج العلاقة بين التشكيل الموسيقي والحالة النفسية في وحدة صوتية متماسكة ظهرت من خلال تساوق الحروف في اللفظة والانسجام بين الالفاظ وتساوقها مع المعنى مما اعطى النص ذاك البعد الجمالي.

انها شفافية الحسّ المرهف بالشعر والتقنية الواعية في السبك الوزني التامّ وكأني بالشاعر يتنفسّ بحر البسيط وينفخ فيه الحركة والحياة، ونشوة ايقاع جديد يوائم العصر كأننا لأول مرة نسمعه في أبهى حلّة تنتشي فيها الاذن فنسبقه الى القوافي ويختلط الصوتان ويكون الانفعال يغمر الوجدان ويكون التواصل وقد بلغ مداه وتكون المكاشفة تتسرب الى المتلقي لتزيل الحجاب بين الانا والانت، هذي كتابة جذورها في عمق أعماق الشاعر وإن انطلقت من شعر حافظ الشيرازي فندرك كيف يذوب وجدان في وجدان بما فيه من رؤى وتجارب وثقافة وذوق مرهف حفر لصاحبه مجرى متمايزاً يفتح أفقاً من الاشراقات تضفي على الشيرازيات روحاً جديدة وثراء يلمع في نسيج قشيب مغاير ومبتعدٍ عن صاحبه الاول.

لقد أمدّت الطاقة الابداعية شاعرنا بمقدرة الاتجاهين الاساسيين المكملين واحدهما للآخر وهما: الاتجاه الديني والآخر الغيبي الماورائي، وفي الاتجاهين لوحات ملوّنة بالرؤية المنسوجة عناصرها باحكام وبراعة مكتشفة الرابط الخفي بين الأشياء وابعادها او بين المسميات ورموزها، فتعري الأشكال من ثوبها المحسوس (الخمرة، العنب، النهر، الحروف...) لترتدي ثوباً آخر يتخطى حدود الواقع المألوف فيكسر القشرة ويخترق اللباب، مؤكدا حضور الوجدان اليقظ يضيء العقل- ولو رفضه الصوفي- لينحاز الى الذوق والحدس والاتصال الاشراقي الذي علّم به ذو النون المصري.

في الشيرازيات خلت نفسي في حضرة اعلام الشعر العباسي، فانتشيت بشعر الشعر، أهو صوت المتنبيّ؟ لا يهمّ، لقد توحّد الصوتان وبهرتني الطاقة على الابداع.

والشعر هو ما لا يمكن ان تقوله بطريقة أخرى قال يول قاليري.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

حافظ الشيرازي- محمد علي شمس الدين في شيرازيات- اتحاد الكتاب اللبنانيين5/1/2005م.


تصميم الحاسب الشامل