|
|||||
|
حصل الكاتب الألباني المعروف إسماعيل كاداريه مؤخراً على جائزة مان بوكر الدولية في الأدب متفوقاً بذلك على كتاب عالميين بارزين مثل جون ابدايك، دوريس ليسنغ، مارغريت آتوود، غونتر غراس، فيليب روث، وغابرييل غارسيا ماركيز. ورأت هيئة التحكيم أن فوز كاداريه بالجائزة يعود إلى »أنه كاتب عالمي في إرث قصصي يرجع إلى عهد هوميروس«. وقال كاداريه أنه يأمل أن يؤدي فوزه بالجائزة إلى إظهار حقيقة أن منطقة البلقان قادرة على انتاج آخر غير الصراعات والحروب الأهلية والتطهير العرقي. في هذا البحث تعريف بكاداريه وأدبه وظروف الحياة الثقافية التي عاشها في بلاده، خصوصاً أنه رمز من رموز الأدب والثقافة في ألبانيا على مدى أكثر من أربعة عقود، وتمت ترجمة أعماله من شعر ومجموعات قصصية وروايات إلى أكثر من 40 من لغات العالم. ألبانيا وكاداريه بانضمام ألبانيا إلى الكتلة السوفيتية أثناء خمسينيات القرن العشرين، تم التعرف على النماذج الأدبية السوفيتية وتقليدها بشكل أعمى. فالشعر، والقصص القصيرة والروايات التي أنتجها الجيل الأول من الكُتّاب الألبان ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت، في جزء كبير منها، لا تمت للأدب بصلة. فقد كانوا بطبيعتهم مدفوعين سياسياً وتربويين، وفي أغلب الأحيان إلى درجة أصبحوا معها تعليميين بشكل مُتعب. فمفهوم الوطنية والمعتقدات السياسية »اليمينية« كانت تهمهم أكثر من التطوّر الأدبي. »النهر الميت«، ليعقوب جوجة (1923- 1979)، أحد الأعمال الأدبية النادرة في تلك الفترة، تمت نمذجته وفق العمل الروسي »الدَون يتدفق هادئا« لميخائيل الكساندروفيتش شولوكوف (1905 - 1989). وعمل جوجة »الريح الجنوبية البيضاء« كان مبنياً على عمل شولوكوف »تقليب التربة العذراء«. فكُتّاب الخمسينيات وأوائل الستّينيات بدأوا أعمالهم من الصفر، والتي استلهموها من التأسي والوعي الثوري بكونهم أول جيل في أدب جديد وألبانيا جديدة. وتم تدعيم العلاقة بين هذا الأدب والسياسات الماركسية بحزم، وكانت الرسالة السياسية ضرورة لأولئك الذين يتمنّون النجاة. تم تشجيع الكُتّاب لتركيز طاقاتهم الإبداعية على مواضيع معيّنة مثل الكفاح الحزبي من أجل »حرب التحريرِ الوطنية« وعلى بناءِ الاشتراكية. فالمواضيع المجردة من أيّ قيمة تربوية كانت، من وجهة نظر ماركسية، تعتبر غريبة ومحرّمة. فـ »الفن من أجل الفن« كان من المستحيل جداً التفكير به في ألبانيا الحديثة. لقد أعطت الواقعية الإشتراكية، باعتبارها قيمة مطلقة، الكُتّاب الأدوات التي يصنعون بها إبداعهم، ولكنها لم تسمح لهم بأي بدائل أخرى. ونتيجة لذلك، فإن الحجم الكبير للكتابة الذي تم انتاجه في الخمسينيات والستّينيات أثبت عُموماً أنه عقيم وممتثل. فمادة البحث في تلك الفترة كانت نصوصاً تكرارية وغير مُتقَنة ويتم تلقيمها إلى القارئ مراراً وتكراراً بدون تركيز كبير على العناصرِ الأساسيةِ للأسلوب الكتابي. وتم اعتبار التعليم السياسي وإثارة المشاعر الوطنية للجماهير أكثر أهميَّة من القيم الجمالية. حتى المعايير الشكلية للنقد مثل التنوع والثراء اللغوي والتركيبات النصّية تم إهمالها لإعطاء الأولوية للوطنية والرسالة السياسية. جاءت نقطة التحوّل في سنة 1961 العاصفة التي، من ناحية، كانت بداية القطيعة السياسية مع الإتحاد السوفيتي وبالتالي مع النماذج الأدبية السوفيتية، ومن الناحية الأخرى شهدت نشر عدد من الأعمال المغايرة، وبشكل خاص في حقل الشعر: »قرني« لإسماعيل كاداريه، و»خطواتي على الرصيف« لدريتيرو اغوللي، وفي السنة التاليةِ »ممرات شعرية« لفاتوس أرابي. ومن المفارقات أن نلاحظ أنه بينما تخاصمت ألبانيا مع الإتحاد السوفيتي من أجل إنقاذ الإشتراكية، فإن الكُتّاب الألبان البارزين، الذين تلقوا تعليمهم في الكتلة الشرقية، استغلوا هذه القطيعة للافتراق ليس فقط عن النماذج السوفيتية، ولكن أيضاً عن الواقعية الإشتراكية نفسها. وهذه المحاولة التي كانت ترمي لتوسيع الأفق الأدبي بحثاً عما هو جديد، أدّت إلى جدل أدبي وسياسي كبير، في 11 تموز (يوليو) عام 1961 خلال اجتماع الإتحاد الألباني للكُتّاب والفنانين. لم يتم إجراء النقاش من قبل الكُتّاب فقط، بل شاركت فيه أيضاً شخصيات حزبية وحكومية. وتم نشر مجريات النقاش في المجلّة الأدبية Drita (الضوء) وحظي باهتمام الرأي العام بشكل واسع في أعقاب المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي في تلك السنة. وهذا بدوره حرّض كُتّاب الجيل الأقدم مثل أندريا فارفي، لوان قافزيزي ومارك غوراكوقي، الذين أعلنوا دعمهم للمعايير الشعرية الثابتة والتقاليد الصلبة للأدب الألباني الإشتراكي، وعارضوا العناصر الجديدة مثل الشعر الحر باعتباره شعراً غير ألباني، ووقفوا ضدّ جيل جديد تحت قيادة إسماعيل كاداريه ودريتيرو أغوللي وفاتوس أرابي، الذين كانوا ينادون بالتجديد الأدبي وتوسيع الأفق الأسلوبي والموضوعي. ورغم أن الأمر لم ينطو على أي تغيير جذري بالطبع، أي لم يكن بمثابة »ذوبان« سياسي بالمعنى السوفيتي، إلا أن سنة 1961 هيأت المجال على مدى ربع قرن للتجربة والخطأ، وهذا أدّى إلى الكثير من التطوّر في الأدب الألباني. فقد تم تنويع المواضيع والأساليب، وتم الانتباه أكثر للمعايير الأدبية الشكلية وإلى قضية الفردية. هذه المحاولة الأولى لتحرير أدب وثقافة ألبانيا الصارمين وصلت ذروتها بعض الشيء في أوائل السبعينيات في أعقاب الثورة الثقافية الصينية، التي شكلت صدى تم تلمسه في الكتابات الألبانية. وكان من أنصار ما يسمى بالحركة التحررية أو الليبرالية تودي لوبونجا (ولد عام 1923) مدير البثّ الإذاعي والتلفزيوني، والمسرحي فضيل بكرامي (ولد عام 1992) سكرتير الحزب الشيوعي للشؤون الأيديولوجية في تيرانا. وتم اتهامهما بتشجيع الاتجاهات التحررية والسماح للأفكار الغربية والتأثير الغربي باختراق الثقافة الألبانية (مسرحيّات أكثر إثارةً وإذاعة موسيقى البوب الإيطالية والبيتلز عبر الراديو). وشكّل مهرجان الأغنية الحادي عشر في ٥٢ (ديسمبر) كانون الأول 1972 ذريعة لإبقاء الكُتّاب والفنانين، وبالتالي البلاد بأكملها، ضمن عربات القطار. في الجلسة الرابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي بتاريخ 26-28 حزيران 1973، بدأ أنور خوجة (أول رئيس شيوعي للبلاد) بالهجوم حيث قدّم تقريراً، يجب أن يتم اعتباره علامة فارقة في سجلات التعتيم الأوروبي، وكان بعنوان »دعونا نقوّي النضال الأيديولوجي ضدّ التعبيرات الأجنبية والمواقف التحرّرية تجاهها«. لقد تم سحق الحركة التحرّرية بسرعة شديدة، وأدين رمزاها بشكلٍ قاسٍ وتم اعتبارهما انحرافيين وعدوّين للناسِ. (تم إطلاق سراح تودي لوبونجا من السجن في حزيران عام 1987، وتم تحرير فضيل بكرامي في 17 آذار عام ١٩٩١، قبل أسبوعين على أول انتخابات متعددة الأحزاب في ألبانيا). ما تلا ذلك من عام 1973 إلى عام 1975 كان عهداً من الإرهاب ضدّ الكُتّاب والمثقّفين الألبان، يمكن مقارنته من حيث روحه على الأقل بحملات التطهير الستالينية في الثلاثينيات. شكّلتْ هذه السنوات النكسة الرئيسية في تطوّر الأدب والثقافة الألبانية. بدأ كتّاب النثر والشعراء بالتنافس فيما بينهم في إعلان تأجّجهم الثوري وفي رفضهم للتأثيرات الأجنبية والتحرّرية. أما أولئك الذين كانوا أقل إقناعاً أو الذين كانت منشوراتهم »ملوّثة« بالليبرالية فقد مُنعوا من حرية الحركة أو تم إيداعهم في السجن. أما الأكثر حظّاً منهم فقد فقدوا حقَّهم في النشر. تقريباً كُلّ المُؤلفين الرئيسيين تم سحب أحد أعمالهم من التّداول وتحويله إلى »ورق مقوّى«. كما كان تَعلّم اللغات الأجنبية محظوراً عملياً، وأولئك الذين كانوا ملمّين بالفرنسية أو الإيطالية وجدوا أنفسهم بشكل خطير في مواقف محرجة. الفنانون والرسامون مثل ماكس فيلو (ولد عام ٥٣٩١)، إديسون غجيرغو (ولد عام 1938) وعلي أوسيكو (ولد عام 1994) تمت إدانتهم بتهم التحريض وأرسلوا إلى السجون ومعسكرات الاعتقال، وذلك لإبدائهم -على سبيل المثال- اهتماماً غامضاً بـ »بابلو بيكاسو« وسلفادور دالي أَو ماكس إيرنست. انحسر الهيجان بشكل كبير بحلول عام 1978، لكن لم تكن هناك جرأة على الانحراف عن المسار الأيديولوجي الذي وضعه الحزب إلى حين وفاة أنور خوجة في ١١ نيسان (ابريل) 1985. وبالاستثناء البارز لإسماعيل كاداريه، لم يُسمح لأي كاتب ألباني بإبداء أيّ وجهات نظر مخالفة أو حتى مغادرة البلاد. وفي نيسان (ابريل) عام 1986، تجرأ كاتب النثر كوتشو كوستا قليلاً عندما نشر الجزء الأول من قصّة قصيرة واقعية بعنوان »كلاهما والآخرون« في نشرة تيرانا الدورية الأدبية Nentori (عدد تشرين الثّاني -نوفمبر) والتي احتوت بعض النقد غير المباشر للنظام. اختفى المؤلف بعد ذلك، وأقام جبرياً في قرية صغيرة وتم منعه من حق النشر لثلاث سنواتِ »لتحريضه الآخرين«. أما الجزء الثاني من قصّته القصيرة، والذي كان معدّاً للنشر في عدد آذار (مارس) 1986، فقد تم تمزيقه من داخل العدد في اللحظات الأخيرة واستبدل بموضوع أكثر قبولاً. وواصلت العين اليقظة للحزب تحويل كلّ الإبداع الأدبي في »الاتجاه الصحيح« إلى كانون الأول (ديسمبر) عام 1990 الذي شهد الخطوات الأولى أخيراً نحو التعدّدية والدمقرطة في ألبانيا. على الرغم من قيود الواقعية الإشتراكية، والدكتاتورية والفساد الستاليني على كل المستويات في المجتمع، أحرز الأدب الألباني تقدّماً كبيراً في السبعينيات والثمانينيات. وأفضل مثال على الإبداع والأصالة في الكتابات الألبانية المعاصرة هو إسماعيل كاداريه (ولد عام ٦٣٩١) الذي ما زال الكاتب الألباني الوحيد الذي يتمتع بسمعة دولية واسعة. إذ لم تفقد مواهب كاداريه كشاعر وروائي وكاتب نثر شيئاً من قوتها الإبداعية خلال العقود الأربعة الماضية، وشجاعته في مهاجمة الوصاية الأدبية ضمن النظام أحدثت درجة من المرونة في الواقعية الإشتراكية مكّنتها من البقاء. ولد كاداريه وترعرع في المدينة المتحف غجيروكاستر، ودرس في كلية التاريخ وعلوم اللغة بجامعة تيرانا ثمّ في معهدِ غوركي للأدب العالمي بموسكو حتى عام 1960 عندما توترت العلاقات بين ألبانيا والإتحاد السوفيتي. منذ البداية، تمتّع كاداريه بعلاقة مميّزة مع أنور خوجة، وهو من غجيروكاستر أيضاً، الذي مكّنه من متابعة أهدافه الأدبية والشخصية، وهي نفس الأهداف التي من أجلها كان يتم إرسال الكتّاب الآخرين الذين يتبنونها إلى المنفى الداخلي أو السجن. بدأ كاداريه مهنته الأدبية في الخمسينيات كشاعر بمجموعات شعرية مثل »إلهام شاب« (1954)، »أحلام« (1957)، و»قرني« (1961)، والذي كان برهاناً، ليس فقط على إلهامه الشاب ولكن أيضاً على الموهبة والأصالة الشعرية في عروق الشاعرين الروسيين يفغيني يفتوشينكو (ولد عام 1933) وأندريه فوزنيسينسكي (ولد عام 1933). كان شعر كاداريه أقل حذلقة من الشعر السابق وحظي بوصول مباشر إلى قلوب القرّاء الذين رأوا فيه روح العصر وقدّروا التنوع في مواضيعه. ترتكز سمعة كاداريه الدولية حتى الوقت الحاضر كليَّاً على نثره، وبشكل خاص رواياته التاريخية وقصصه القصيرة. أول عمل نثري له، وربما الأفضل حتى الآن، رواية »جنرال الجيش الميت« (1963)، حيث تعامل فيها مع السنوات المباشرة بعد الحرب العالمية الثانية كما تتم رؤيتها من خلال عيني جنرال إيطالي في صحبة كاهن خلال مهمة إلى ألبانيا لنَبْش بقايا جنوده وإعادتها إلى بلاده. نُشرت الرواية أولاً عام 1963 وفي طبعة منقحة عام 1967. وبعد نجاح الطبعة الفرنسية (باريس 1970)، تمت ترجمتها على نحو واسع (إلى اللغات الهنغارية، التشيكية، البولندية، السويدية، الدانماركية، البرتغالية، الإسبانية، الرومانية، الإيطالية، الألمانية، الإنجليزية، الروسية، اليونانية... الخ) وأسست لصيت كاداريه المُستحقّ في الخارج. تعتبر أعمال كاداريه انعكاساً صارماً لتقلبات الحياة السياسية الألبانية. في السبعينيات، التفت كاداريه بشكل متزايد إلى النثر التأريخي، كملجأ أكثر أماناً، وأصبح سيداً لا نظير له في هذا النوع من الأدب. »القلعة« (1970)، عمل يشبه »سهل تارتار« (1940) لدينو بوزاتي، حيث يعيدُنا إلى القرن الخامس عشر، وهو عصر البطل القومي الألباني سكاندربغ (1405-1468)، وفي صورة دقيقة، تصوّر التفاصيل المنسوجة بعناية حصار قلعة ألبانية من العصور الوسطى، ترمز لألبانيا نفسها، من قبل الأتراك أثناء إحدى بعثاتهم التأديبية العديدة لإخضاع البلاد. وقد رأى العديد من النقاد أن التلميح في هذا العمل إلى الأحداث السياسية في الستّينيات لم يكن عفوياً. في عام 1961، كسرت ألبانيا بعناد ارتباطها مع الإتحاد السوفيتي، وبعد غزو تشيكوسلوفاكيا عام 1968، أحسَّت ألبانيا بإمكانية حقيقية لأن تتعرض لهجوم سوفيتي لإعادة البلاد إلى حظيرته. كان جميع القراء الألبان على جميع المستويات يدركون التناظر المقصود في »القلعة« بين الباب العالي والكرملين. ثم جاءت رواية »تاريخ حجري« (1971) (أو »قصة مدينة الحجر«)، وهي رواية عنيفة تقع أحداثها في مدينة كاداريه غجيروكاستر. أما »تشرين الثّاني في العاصمة« (1973) فتقع أحداثها في تيرانا تحت الإحتلال الإيطالي عام 1940، وكانت -مثل رواية »الزفاف« (1968) الأقل نجاحاً- إنعكاساً لحملات التطهير (1973-1975). وتشكّل رواية »الشتاء العظيم« (1977) فهماً أدبياً عميقاً للتمزيق المؤلم للعلاقات مع الإتحاد السوفيتي. وفي (الجسور المُقَوَّسة الثلاثة)، يعود كاداريه إلى الاصول الأسطورية لتاريخ ألبانيا المتردد، لإعادة الحياة إلى أحد أكثر المواضيع رعباً في الأساطير البلقانية، وهو موضوع الحصار. وقد تم اعتبار هذا العمل رداً ألبانياً على »جسر على نهر الدرينا« (1959) لآيفو اندريتش الصربي الذي نال جائزة نوبل في الأدب عام 1961. وعادة ما يكون كاداريه في أفضل حالاته عندما يتعامل مع المواضيع البلقانية. نُشرت قصص كاداريه القصيرة التالية ورواياته الأقصر في ثلاث مجموعات: »إشارات الماضي« (1977)، »أعصاب باردة« (1980) و»عهد من الكتابات« (1986)، والمجلدان الأخيران يعتبران متمردين بالمعايير الألبانية. وقد ظهرت الروايات الأقصر هنا على شكل قصص قصيرة لأسباب تحريرية. ومن ضمن أفضل الأعمال النثرية في هذه الكتب كانت »من أعاد دورانتاين؟« والتي ينعش فيها كاداريه مرةً أخرى ماضي بلاده الأسطوري؛ وكذلك »حامل الأخبار المريضة«، المعروفة أيضاً بـ »قافلة الأحجبة«؛ و»السنة المظلمة« التي تقع أحداثها في سنة 1914 العاصفة والمشؤومة، وفيها تلميح حذر إلى ألبانيا الحديثة؛ و»موكب الزفاف تحول إلى جليد«، وفيها وصف مؤثّر لمأساة كوسوفو كما تظهر من خلال تجربة جرّاح في بريشتينا؛ وهناك أيضاً رواية »مسؤول قصر الأحلام« المتميزة؛ ورواية »نيسان المكسور«. وبخلاف هذه الروايات الأقصر والقصص القصيرة كانت هناك رواية في ٠٠٧ صفحة هي »حفلة موسيقية في نهاية الشتاء« (1988)، وهي عبارة عن مراجعة تذكارية لقطيعة ألبانيا الدرامية مع الصين ما بعد ماوتسي تونغ، في عام 1978، إلى جانب نقد علني لسياسة تذويب الشخصية الفردية في ظل الإشتراكية. وفي هذه الرواية عودة إلى الأبعاد الملحمية في »الشتاء العظيم« حيث تقاطعت معها كثيراً. بذل إسماعيل كاداريه أقصى طاقاته لتحرير الأدب الألباني الذي جلس على عرشه في السبعينيات والثمانينيات، نظراً لموهبته والعديد من الإمتيازات التي منحها له خوجة. أما مغادرته غير المتوقّعة من ألبانيا وطلبه للجوء السياسي في فرنسا في تشرين الأول (اكتوبر) عام 1990 فقد سبّب مقداراً كبيراً من الذعر. فقد ترك تيرانا قبل شهرين من سقوط النظام الديكتاتوري، وكانت هذه خطوة منحته، للمرة الأولى، فرصة لممارسة مهنته الأدبية بحرّية كاملة. لقد كانت سنوات منفاه الباريسي مثمرة ومنحته المزيد من النجاح والاعتراف، ككاتب باللغتين الألبانية والفرنسية. ونشر أعماله الكاملة في عشرة مجلدات ضخمة، في طبعتين ألبانية وفرنسية، وتم تكريمه بمنحه عضوية الأكاديمية الفرنسية الرفيعة المستوى. ومما لا شك فيه أن مكانة كاداريه المهمة جداً في الأدب الألباني المعاصر، إلى جانب سمعته الدولية، قد ألقت ظلالها على جميع الكُتّاب الألبان المعاصرين. جنرال الجيش الميت »مثل طير فخور ووحيد، ستطيرُ فوق تلك الجبال الصامتة والمأساوية لكي تسحب شبابنا الفقراء من سجونهم الصخرية المتعرجة.«.. هكذا كانت رؤية الجنرال الإيطالي في صحبة كاهن قليل الكلام خلال مهمّته إلى ألبانيا لاسترداد رفات جنوده الذين سقطوا قبل حوالي عشرين سنة. بدأ واجباته بإحساس العظمة التي تناسب رتبته العسكرية، »في المهمّة التي كان يقوم بها الآن، هناك شيء من جلال الإغريق والطرواديين، ومن وقار الطقوس الجنائزية الهوميرية«. وجد الجنرال نفسه في بلاد ممطرة ومعتمة، سكانها مستاؤون ومتجهّمون، بينما بدأ مهمّته النبيلة لنَبْش عظام جيش مُفَرَّق في تراب ألبانيا الموحل. وبشكل تدريجي وحتمي، جابه الجنرال الحقائقِ المروّعة للماضي وظل مسكوناً بعبثية مهمّته. فقد تحولت نواياه النبيلة إلى كابوس شخصي عندما تم رمي عظام الكولونيل »ز« السيىء السمعة عند قدميه من قِبل إمرأة عجوز مجنونة. إنّ المطر، الذي هطل أسفل الزجاج الأمامي للعربة العسكرية التي كانت تقلّ الجنرال، هو إستعارة عامة في نثر إسماعيل كاداريه وفي شعره الإبداعي. عندما نُشرت لأول مرة في تيرانا عام 1963، جعل هذا الانهمار المتواصل للمطر، والعديد من الأحداث الأخرى، رواية »جنرال الجيش الميت« خطوة للأمام في الكتابات الألبانية. غيوم العواصف الرمادية، الوحل والواقع المملّ للحياة اليومية شكّل تناقضاً حاداً مع الشروق الإجباري لشمس الواقعية الإشتراكية وانتصاراتها الخرقاء. وهذا ما فعله أيضاً الجنرال الإيطالي. فهنا أيضاً نَجدُ أداة مفضّلة عند الكاتب الألباني الذي، أكثر من غيره، أخرجَ أدب بلاده من خموده الأسلوبي والموضوعي. وهذه الأداة هي ألبانيا البعيدة والممسوسة كما تتم رؤيتها من خلال عيون الأجنبي البريء أَو الجاهل بها. هذا البعد البصري لم يقدم فقط رسماً وافياً لبلاد أوروبية كانت في ذلك الوقت أكثر عزلة عن العالم الغربي من التبت، لكنه أيضاً ساعد الألبان أنفسهم على رؤية وطنهم كما قد يراه الآخرون. لقد أشّرت هذه الرواية، وهي من أفضل روايات كاداريه، على ولادة النثر الألباني المعاصر. فقد استغل الكتّاب الألبان الأكثر جرأة أحداث عام 1961 لتحرير الأدب الألباني من بعض القيود السياسية التي كانت فُرِضت عليه. وكانت رواية »جنرال الجيش الميت« إحدى الثمرات الرئيسية لهذه الثورة الهادئة. في عام 1970، وبعد صدور طبعة منقحة من الرواية عام 1967 بالألبانية، تمت ترجمة »جنرال الجيش الميت« إلى اللغة الفرنسية من قبل يوسف فريوني، الذي قضى اثنتي عشرة سنة في السجن بعد الحرب العالمية قبل أن يُسمح له بالعمل. ثم تمت ترجمتها من الفرنسية إلى الإنجليزية السنة التالية، ثم بعد ذلك ترجمت إلى العديد من اللغات. وفي الواقع أن عدداً من روايات كاداريه تم نشرها بالفرنسية قبل أن يتمكن القراء الألبان من الوصول إليها. وإذا كان كاداريه يفكّر دائماً بالقارىء الأجنبي، فإنه قد حرّك العواطف الأقوى بين مواطنيه: الإعجاب غير المحدود لدوره كـ »أمير الأمة« صاحب الواجبات النبيلة، ومنقذ البلاد وثقافتها في وقت الخطر، لكنه في الوقت نفسه واجه تخوفاً من المثقّفين بسبب ما كان يتردد عن ماضيه الماكيافيلي. غير أن النجاة في ألبانيا لم تكن أمراً سهلاً في يوم من الأيام. صداقة الديكتاتور ومع أنه لم يكن معارضاً سياسياً، ولا يمكن لأحد أن يلومه على ذلك في تلك الفترة، إلا أن كاداريه كان وظلّ منشقاً في ما يتعلق بالنظرية الأدبية المحلية، وعملاقاً بين الروائيين الألبان. وعلاقته المميّزة مع أنور خوجة مكّنته من التعبير الكامل عن إبداعه، ومن تخطي الحدود الضيّقة التي كانت وقتها مقبولة سياسياً في الكتابات الألبانية، وقد نجا حيث فشل الآخرون. في أحد الحوارات التي أجريت معه عام 1998، سأله محاوره لماذا كتب »الشتاء الطويل« الذي هاجم فيها الحركة التصحيحية، وبالتالي كان يدافع عن خوجة، خصوصاً وأن العمل لم يكن مبنياً على أسطورة أو حدث تاريخي، بل على الوضع السياسي في ألبانيا. لكن كاداريه وضع الأمر بطريقة مختلفة حين قال: منذ عام 1967 إلى عام 1970 كنت تحت المراقبة المباشرة للدكتاتور نفسه. وتذكّر أنّ خوجة، لسوء حظ المثقّفين، اعتبر نفسه مؤلفاً وشاعراً، وبالتالي صديقاً للكُتّاب. وبينما كنتُ أنا الكاتب الأشهر في البلاد، فقد اهتمّ بي. في مثل هذه الحالة كان أمامي ثلاثة خيارات: التمسّك بمعتقداتي الخاصة، وهذا كان يعني الموت؛ أو الصمت الكامل، وهذا كان يعني نوعاً آخر من الموت؛ أو أن أدفع ضريبة أو رشوة. لقد اخترت الحلّ الثالث بكتابة »الشتاء الطويل«. كانت ألبانيا قد أصبحت حليفة للصين، لكن كان هناك احتكاك بين البلدين، أدى لاحقاً إلى القطيعة. مثل دون كيشوت، اعتقدتُ بأنّ كتابي يمكن أن يعجّل في هذه القطيعة مع »حليفنا« الأخيرِ عن طريق تشجيع خوجة. بكلمة أخرى، اعتقدت بأنّ الأدب يمكن أن يُنجز المستحيل: أي تغيير الدكتاتور!. أَنا كاتب وإذا كان البعض يرى كاداريه كاتباً سياسياً ومؤرخاً للصخب الذي عاشته بلاده منذ عهد الهيمنة العثمانية وحتى الوقت الحاضر، فإنه يرفض هذا الأمر بشدة. يقول: أنا كاتب، ونقطة. ليس هناك مثل هذا الشيء: كاتب سياسي، أو كاتب تأريخي أو كاتب رواية بوليسية. كلّهم كتّاب. بعضهم جيد، وبعضهم سيىء. كما أنه يرفض أن يصنّف باعتباره كاتباً ألبانياً أو بلقانياً فـ »هذه التسميات لا معنى لها. يجيء جميع الكتّاب من بلاد ما، من منطقة ما، من قارة ما، لكنّه لا يمكن تقليصهم ببساطة إلى أصولهم الجغرافية. صحيح أن رواياتي تتعامل مع حقيقة جغرافية معيّنة، لكنني تعاملت مع قضايا عالمية أيضاً. أنا لا أعتقد بأنّني تحدّثت عن بلادي أكثر مما فعل بلزاك أو غوته أو تولستوي«. أما كيف جاء إلى عالم الكتابة، فيقول كاداريه أن ذلك كان من خلال القراءة: قرأتُ ماكبث عندما كنت في العاشرة من عمري. لقد ابتهجت بها كثيراً إلى درجة أنني نسختُ المسرحيّة بخط يدي. شكسبير هو الكاتب الأعظم في العالم. إنه الأكثر كمالاً من بين الجميع، والأكثر رؤية من كُتّاب العصر القديم الذين أنا مدين جداً لهم أيضاً. كنت في السابعة والعشرين أو في الثامنة والعشرين من عمري عندما اكتشفت الأدب الإغريقي القديم. لقد صُرعت بحداثة تراجيديات أسخيليوس التي بدت أنها تعبّر عن قلقي ككاتب منشق يواجه دولة إستبدادية في القرن العشرين. كما كان للأدب الفرنسي تأثيره على كاداريه: لقد قرأتُ بلزاك وزولا وفلوبير في وقت مبكر جداً. أَتذكّرُ »جسر التنهدات« لميشيل زيفاكو، والتي التهمتها التهاماً. لقد تم تقدير الأدب الفرنسي بشكل كبير جداً في ألبانيا حيث تواجدت نخبة متفرنسة مهمة جداً لوقت طويل كما كان الأمر في اليونان ورومانيا. والأفكار التقدمّية التي نتجت عن الثورة الفرنسية لعبت دوراً حيوياً في تطوير البلدان البلقانية. في ألبانيا أيضاً، تبنت الانتلجنسيا الأفكار المعارضة وطبّقتها ضد الإمبراطورية العثمانية. لكن الشيوعيين قمعوا الفرنسية في المدارس واستبدلوها باللغة الروسية. مدينة مفتوحة »مدينة مفتوحة للكثير من المتاعب«... هكذا يصف كاداريه نفسه في إحدى قصائده. ويبدو أن هذه المتاعب قد أنهكته كثيراً، لكنه يعود دائماً إلى الشعر والأدب كي يجد الطمأنينية المفقودة. هذا ما نلمسه إذا ما تعمقنا جيداً في قصيدته التالية »الشعر«: أيها الشِعر، كيف وَجدتَ طريقَكَ إليّ؟ أمّي لا تَعْرفُ الألبانية جيداً، إنها تَكْتبُ الرسائلَ مثل آراغون، بدون فواصل ونقاط، وأبي جابَ البحار في شبابه، لكنّك جئتَ، تمشي على رصيف مدينتي الحجرية الهادئة، وتدقّ خجولاً باب بيتي ذي الطوابق الثلاثة. أحببتُ وكرهتُ الكثير من الأشياء في الحياة، كُنتُ »مدينة مفتوحة« للكثير من المتاعب، ولكن، على أية حال. . . مثل شاب يرجعُ إلى بيته متأخراً في الليل، مُنهَكاً وكسيراً بسبب جولاته الليلية، ها أنا ذا أيضاً، أعُود إليك، ممزّقاً بعد طيشٍ جديد. وأنت، لا تحْملْ خيانتي ضدّي ومسّدْ شَعري برقّة، يا محطتي الأخيرة، أيها الشعر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٭ اعتمد هذا البحث بشكل أساسي على كتاب »دراسات في الأدب والثقافة الألبانيين الحديثين، روبرت إلسي، نيويورك، 1996«، وعلى مقالات وحوارات مع كاداريه في مجلة »ليبل فرانس« و»باريس ريفيو« وبعض المواقع الإلكترونية على شبكة الانترنت. |
|||||
|
|||||