قراءة في مجموعة
»يؤنثني مرتين« لآمال موسى

 

صالح دياب (شاعر من سوريا)


تطرح المجموعة الشعرية الجديدة »يؤنثني مرتين« الصادرة أخيرا عن دار سيراس،  للشاعرة التونسية آمال موسى إشكالا يتعلق بالسياسة الشعرية التي يمكن انتهاجها في سبيل إضاءة المسكوت عنه شعريا. ليس لدى المرأة فحسب، بل لدى  الشاعر العربي عموما . كيف يمكن استبطان التجربة الشخصية وكتابة قصيدة تقارب شؤون الجسد واستيهاماته، وعلاقته بالآخر، والالتفاف على آليات المنع اللغوي والاجتماعي والميتافيزيقي التي تتحكم بالسياق الثقافي وتجعل هكذا مقاربات  مغفلة داخل  المشهد الثقافي لما يشكله هذا الأمر من حساسيات ما تفعله الشاعرة في سبيل هذا المسعى هو الذهاب الى اللغة الصوفية مستفيدة من الثراء الذي تكتنزه هذا اللغة، متقمصة الطرائق والآليات اللغوية والأسلوبية التي ينبني عليها النص الصوفي، متوسلة قصيدة تتلمس استيهامات الجسد وشؤونه.

هذا الذهاب الى هذه المنطقة الأسلوبية للاستفادة منها أمر مبرر كل التبرير لكنه يظل محفوفا بمخاطر كثيرة أقلها التجريد الكلي الذي ينتج  عن  تحرير اللغة من العالم كليا، بحيث تتحول القصيدة الى فعالية بلاغية لغوية، قد تكون  حارة، تخفي التجربة المراد إضاءتها بالأساس. خصوصا وأن الاشتغال العقلاني هو ما يميز أغلب التجارب التي تحاول المتح من النص الصوفي نتيجة لوجود مسافة بين سؤال التجربة داخليا وسؤال التجريب .

تتأثث قصيدة الشاعرة على كبت انفعالات الحب الحارة سلبا أو إيجابا، تلك الانفعالات التي تتصل اتصالا بما هو يومي حياتي، والتي تبدو واضحة  من خلال المكابدة  الجسدية،  المكابدة التي تجد هي الأخرى ما يوازيها ويشتغل معها على صعيد اللغة ذاتها التي تكتبها الشاعرة بتعب وبتأن واضحين، الى الحد الذي نشعر فيه  بالتعب والعرق يتصبب جراء التشكيل اللغوي ودفع النص الى منتهاه هذا من جهة، من جهة أخرى يبدو التعب الذي تتم إضاءته في فضاءات القصيدة  تعب الروح والجسد الذي  يؤول في النهاية الى خلاص حميمي يعبر عنه ب »السرير الصغير« .

إن تنكب تصفية العالم و أشيائه وإخفاء كل ما يحيل عليه من القصيدة، هم واضح تلجأ إليه الشاعرة. ذلك عبر دفع الأشياء حدود الرمز في سبيل قول ما لا يقال أو يجد صعوبة في قوله. فالرمز هنا يسمح بتحرير المعنى الداخلي، وقوله بطريقة مريحة طريقة أقل ما يقال عنها أنها قناعية ، عبر تغييب الواقعي الذي يمثل التجربة بحرارتها، وما هو محسوس و ملموس في حياة الكائن . بإحلال الرمزي مكانه والذي يمكن توصيفه بأنه  معبر بين ما هو خيالي وما هو واقعي. كأنما هناك لذة واسترخاء وغبطة في عملية البناء اللغوي الهادي الذي يشبه الصوغ القاسي لنحات على معدن ولكن بليونة أنثوية ملحوظة، ينقذه تأرجح الخطاب الشعري بين الرمزية والخيالي.

 تذهب الشاعرة  الى كتابة نص الجسد عبر أخذ حالات ووقائع من التجربة الذاتية عاملة على تجريدها أحيانا، وأحيانا أخرى إدخالها مدخلا رمزيا، هذه العلامات  الذاتية التي تحيل على الواقعي نجدها أثناء عملية التأويل التي يمكن ممارستها على النص الذي ينهض أسلوبيا على ثلاثة أنواع من الصور مرئية، وهي هنا تشكل اختراقا داخل السياق الشعري، تتجلى عبر القاموس الذي يحيل على عالم الأشياء  والتي ترد في شكل قليل جدا : مثل فنادق، ثياب قديمة، سيارات مستعملة، شقة مفروشة الخ،  لفظية و ذهنية يمتلئ بها النص، صور تصدر عن الأفكار لا الكلمات. مع ذلك تظل المعالجات الشعرية التي تقدمها الشاعرة تنفتح على غير ذلك أيضا. فهناك المعجم المفهومي الذي يحيل في جملته على العناصر التي تؤلف العالم الماء والتراب والنار ومرادفاتهم: »الشهوة، النفس، النسيان، الخطايا، الجنون، اللذة، الجسد الروح، النار، الماء، التراب، اللغة، الأسرار إلخ«، والشاعرة تعلي من أهمية هذه العناصر وتجعلها في مركز الصدارة داخل الخطاب الشعري المتوسل.

ان الشاعرة التي ترد فعل التأنيث الى الرجل »يؤنثني مرتين«، فالتأنيث الذي تتنكبه هنا،  ليس هو التأنيث الأول الذي يتحدد معجميا واجتماعيا عربيا بالهشاشة والسكون وعدم الخصاص الجنسي، مقابل الذكورة التي تعني الصلابة والحركية، بل هو التأنيث الثاني الذي تسعى إليه الشاعرة، وهو التساوي والحضور المتوازي والمكتمل  في الحياة  بين ما هو مذكر، وما هو مؤنث .

إنها تدخل الى المعركة عبر الكتابة/ الفعل الذي يتسم بخصوصية طالما بقيت، عموما، وقفا على الذكور، وهي هنا لا تخفي رفضها لنتائج استيهاماتهم العنفية التي لا ينتج عنها سوى التهشيم المجاني كما في قصيدة»قلال تملأ السراب« : (ذكور فاكهون /يتراقصون في الغرف./يتمايلون بين واجهتين/ من نخيل ومن شجر./ ( ) ذكور حد الجسد/يقبلون الهضاب المتمنعة عند أول برق/ويخلعون النعال/كي يهشموا/ بالكعب العالي/جرة الروح/ وفخار الأرض) ص (37 )

 إنها تريد أن ترسم صورة الأنثوي وفق أنثويته وتتخلص من الصورة الأنثوية التي رسمها لها الذكر وأشاعها  في السياق الثقافي، من جهة أخرى تحاول صوغ حكاية أخرى غير الحكاية المنتشرة والتي تعطي للذكر أهمية  البدء، فترد الى الأنثوي اعتباره المطموس، ملتقية مع عدد من الشاعرات العربيات اللواتي يعدن النظر في هذه المقولة، التي كتبتها وعمقتها السلطة الذكورية،وكتابتها خارج الشرط الجنسي:

»جميلٌ قَدَّ مِنْ هَيْئَتِي هيئته/وَسَوَّى مِنْ أساطيرِ الأوّلِين نشيدِي./ أَدْرَكْتُ مجاز الرغبة/ حِينَ أَيْقَنْتُ/ أَنَّ الحبيب فكرة شريدة، في نص العمر.«ص (18)

ان المعنى الذي نكتشفه من خلال هذا التناول الشعري وإعادة الصوغ  بالمعنى الرمزي، والخروج من التسلط الذكوري اللغوي لا يعني أبدا فتح معركة مع الرجل إنه سعي للانسحاب من خزان القيم والعادات العتيقة البالية، المذكرة التي تكاد تمتد على كل شيء تقريبا. إنها ترغب في القول أن المرأة تساهم عمقيا مع الرجل في عملية الخلق والإبداع اللتين هما من فعاليات الكائن ذكرا كان أم أنثى.

ان الدخول في نص آمال موسى وفهم الوضعية اللغوية والاجتماعية للمرأة والتي تضيئها شعريا، و»قدرها المؤنث« الذي يدفعها بعد كل موقف ومجاهدة إلى الامتثال الى »قدر الوقوف من جديد« لا يمكن إلا عبر تأويل وتحليل ما هو رمزي في هذا النص، والذهاب إليه من غير هذا الباب سوف يسيء إليه.

إذا كانت الرمزية مرحلة ما قبل الخيال مرحلة تحد من الوعي العاطفي لتحل مكانه وعيا فكريا، عبر الرموز ذات المنبع الفكري لا الانفعالي فإن  الشاعرة تجاهد كثيرا بهدف التحكم  بما هو رمزي كي تفتح بابا، يسمح لما هو واقعي بالدخول الى النص، ومن ثم الارتقاء الى ما هو خيالي، الخيالي الذي هو شكل من أشكال العفوية والسلاسة والنور الذي يوصلنا بحرارة التجربة، بحيث يبدو الواقع منزاحا فنيا عبر الخيال، وبحيث لا تبدو القصيدة مطموسة بالتكرارات المفهومية  لمفردات كالشهوة والجسد وغيرها: »فَخْتُ في الجمْر لأُثيرَ ماءَ السّماء./ فَمَا نَطَقَ الغمام مطرًا./ فقدتُ نَاري/ فأمسيتُ مِنْ ثلاثةِ/ أَعِيشُ، عنصري المفقود./ تُحَاصِرُنِي الحُجُب أمَامَ كُلّ زرقة ضاحكة/ ويتكاثفُ البنفسجُ في عينيّ، المُلَوّنتين بالفقد./ وَكُلّمَا حَدّقتُ فِي المَاءِ / شاهدتُ ضِيقَ النُّعُوت« ص (10)

تمتلئ قصائد المجموعة بإحالات على الذات تنقلنا الى نرسيسية أنثوية تعيد القول ان  المؤنث هو رحم الأشياء كلها .هذه النرسيسية هي فردانية شعرية  تهدف الى تعميق ما هو أنثوي، وتقديم صورة عن المرأة بوصفها النموذج الأعلى للخصوبة والأمومة، من جهة أخرى لكي ترسخ ما هو مقدس خارج آفاق القيمة النفعية التي ترافقها، وهي الصورة التقليدية المرسومة لها.إنها تريد رسم صورة جديدة للمرأة داخل الثقافة العربية،لا تتوقف عند المتعة بل تتجاوزها  نحو أفاق أنطولوجية أكثر رحابة، بحيث نشعر أن الأنوثة هنا تسعى الى أن تكون، على الدرجة ذاتها من المساواة مع الذكورة، وكي يتعمق ذلك لم يكن من طريق إلا طريق التذكر بناء على الأرضية اللغوية الشعرية التي تمتلكها الشاعرة في سبيل العبور الى منطقة التساوي مع الآخر:

»أُقْسمُ أَنِّي لَنْ أرومَ غيري متّسعا/وَعْدُ نفسٍ/ وعتْ بِلادها الشَّاسعة/ وَفُصولها اللاّمتناهية./ ولَذَّة يُشْبِهُ عنبها ثَدْيًا مَرْمَرِيّا/ سَقَطَ فِي نشوةِ أُنثى./ أَعُودُ إليَّ / مُتيّمة/ أَلُوذُ بالمعنَى في ليلٍ ساطعِ اليقين/ ضَفائِرُهُ تُشبهُ المَدَى./ أَنْتشِي بِعناقِ البعض لبعضه/ وصلاة كلّي لكوكبي/ وأحفرني بئرا عميقة/ الارْتِواءُ منها، كعينين من زمرد.«(ص 5)

تعبر قصائد الشاعرة التناصات مع المراجع الدينية،  وتوظف ذلك شعريا في خدمة الوقائع الجسدية،من جهة ومن جهة أخرى كي تستفيد من تقنيات هذا النص،أو تذهب أيضا إلى قصة الخلق لتعيد صياغة الأسطورة بحسب العناصر الأساسية التي تؤلف الحياة فيما تبدو الأسئلة  المطروحة مخفية خلفها أجوبتها أيضا:

»كلُّ الواقعينَ في أنصافهم المتوهِّمة/ ناقِصُونَ هَوى./ قلوبهم مشرئبّةٌ للعشقِ/ يُبدِّدونَ الحين/وروعة الانْصِراف إلى حمَّالةِ الماءِ/في تَفْتِيتِ تَصَوّفٍ/يَضيقُ على فُؤادٍ يَنْبِضُ بِأكْثَرِ مِنْ صُورة./ فَمَنْ ذَا التِّي تَشفَعُ لنفسها غيرُ نفسها/وَمَنْ ذا الذِّي يَسْتبْدلُ/وقوعًا بتهشم." ص(5)


تصميم الحاسب الشامل