|
|||||
|
اللحظة الزمنية الفارقة، الحضور الزمني الحقيقي في مجموعة رفرفة(1) هو لحظة الاكتشاف، تغلب الشخصية الأنثوية على قصص هذه المجموعة، ولكن الأنثى هنا لا تحضر بالضرورة ضمن سياقات الأنثى النمطية، فهي قد تكون طفلة حينا، صبية حينا، وامرأة ناضجة حينا آخر، ولكن ما يجمع هذه الألوان المختلفة للحضور الأنثوي هو هذه اللحظة المهمة، لحظة الاكتشاف، والتحول، وربما لذته. الطالبة التي تخوض النقاش مع أبيها في قصة المظلة، تدافع بكل حماسة عن وجهة نظرها، فهي تطلب ريالا للتبرع لإنشاء مظلة بالمدرسة، وتردد ما قالته المديرة من أن الوزارة »بنت المدرسة، وأعطت الكتب ووفرت المدرسين، وتريد من الطلبة المظلة«، وحين يرد الوالد باستنكار:»ولا تستطيع إنشاء مظلة؟، ستقول الطالبة أو البنت ( حيث يزدوج في شخصيتها في هذا الموقف الدوران): »قالت المديرة أننا نؤدي خدمة للوطن...خدمة سهلة صح يا أبي؟ ورخيصة..«، هذه الطالبة المؤمنة بقضيتها، ستمر بتحول عميق لحظة اكتشاف، أو لنقل انكسار الإيمان بمفهوم خدمة الوطن فبعد أن حصلت على الريال، وظلت تتحسسه طوال اليوم، وتردد النشيد الوطني بقوة، ستأتي اللحظة التي ستحد من انتشائها، وستكسر هذا الخط الممتد نحو الأعلى في مفهوم حب الوطن، عندما تدخل الوكيلة وتقول: »التبرع لإنشاء مظلة فعل وطني، وعليه فقد قررت المدرسة أن تمنح لكل متبرعة درجة كاملة في الرسم والتعبير، مكافأة لكن على حب الوطن«، هذه هي اللحظة الفارقة، التي أدت بالفتاة إلى إخراج يدها فارغة من الريال للوكيلة، لقد خضع حب الوطن للمساومة، لم يعد إنشاء المظلة واجبا وطنيا، لم يعد هناك قيمة لدروس التربية الإسلامية عن الزكاة ولا لدروس التربية الوطنية عن حب الوطن، هل كان لحوار الطالبة - البنت مع أبيها دور في تشكيل وعيها اللاحق؟ هل كان بذرة ستريها الحقائق فيما بعد بعمقها المطلوب؟ إن الاكتشاف قد حدث، والطالبة - مغفلة الاسم في القصة - استجابت له بعمق، وأنكرت الريال الذي ظلت مزهوة به طوال النهار، هل اللحظة الزمنية هي الحاسمة في هذه القصة؟ ينبغي ألا نغفل الحضور المكاني، إنه حضور لا يحتفل بالتفصيلات، فهناك بيت كأي بيت ومدرسة عادية بلا تفاصيل، ولكن لنتأمل المكان الثاني، باعتباره يحضر في القصة كاسرا للمألوف المكاني، فالمدرسة كمكان تستدعي في الذهن دلالات التربية والقيم وتأكيد الهوية، ومن جملة هذه التربية تربية حب الوطن، لكن المدرسة في نص المظلة تكسر المألوف المكاني، وتكسر الدلالات المألوفة للمدرسة لتحل محلها دلالات جديدة من التعامل المادي والمتاجرة بحب الوطن.إن عنوان هذا النص نفسه جدير بالتأمل فإذا كانت المظلة هي المكان المرجو ليظل الطالبات عن الشمس، فإنها أيضا المكان الذي حجب شمس الشفافية والحقائق المجردة عنهن، المظلة - التي لم تبن بعد- قد بنيت في الحقيقة في أفكار الطالبات وبغرس مفهوم حب الوطن الذي ينال عليه الإنسان مكافأة، المكافأة التي ستكون درجة كاملة في الرسم والتعبير، لقد امتدت المظلة، واتصلت مباشرة بلحظة الحجب كما اتصلت بلحظة الكشف والوعي لدى الطالبة الصغيرة. أما على مستوى المكان الآخر في هذه القصة وهو البيت فسيظل محتفظا بدلالته كمأوى، كحاضن، فالأب الذي يشكو من الريال والمظلة والوطن واللصوص والراتب الذي لا يكاد يكفي لحاجات البيت والأولاد، هذا الأب- في فضاء البيت وضمن قيمه - سيقدم رياله طائعا لابنته، ليبتسم برضا وهو يرى فرحها. المكان - البيت لن يظل في جميع النصوص محتفظا بقيمة الحنان هذه، ففي نص آخر هو » صرير الأبواب المحكمة« سينكسر المألوف المكاني للبيت، حتى أن كل ما سيعلق بنا في نهاية القصة من هذا »البيت« هو صرير الأبواب المحكمة، وهي أبواب محكمة بقوة وشراسة التحول، ولحظات الاكتشاف التي لم تأت مفاجئة هذه المرة، وإنما ببطء يحفر إزميله في تفاصيل الحياة اليومية لهذا البيت، الذي يسيطر عليه الفقد، ليس فقد الأم التي ماتت، وإنما فقد الأب »القديم« الذي كان لابنتها، والذي تحول تدريجيا تحت مرأى ومسمع ابنته إلى كيان مهدم، والبنت التي تحاول التغلب على هذا الفقد، لا ترى ولا تسمع أباها القديم كما لا ترى ولا تسمع أمها أيضا، كل ما تبقى هو صرير الأبواب المحكمة، وبقايا تفاصيل يومية تستعاد برغبة التشبث بالماضي، ومحاولة البنت لكتابة الرسائل لأخيها المغترب دون أن تقول له صراحة : »عد، فالبيت لم يعد بيتا«، وإنما تعرض له بلغة هادئة حزينة بلا انفعالات مباشرة مظاهر التحول التي تكتشفها وتواجهها :»صمت أبيها، تفتيشه على الأبواب، توقفه عن مشاهدة التلفزيون ومداعبة القطة وأكل الشكولاته...«، هذه التفاصيل تغدو هامة على مستوى القص، لأنها تخدم لحظات التحول البطيء، وتمجد صرير الأبواب التي لم تعد أبوابا عادية، بل محكمة، لكن الأب لا يكتفي بإحكامها بل يعاود التأكد من ذلك، كأنه ينتظر أو يخشى أن ينتظر زوجه المتوفاة، القصة كتبت بصيغة رسالة، وركزت على مفردات الوحدة والفراغ، ولكنها في الحقيقة قدمت لحظة الأب والمكان أكثر مما قدمت حالة الساردة كاتبة الرسالة لأخيها. سينشغل نص آخر في رفرفة بما بعد الاكتشاف، ستمر لحظة الاكتشاف عابرة، وسيتغير الكون في أفق البطلة بعد هذه اللحظة الفارقة، ذلك هو النص ذو العنوان الدال: »هن«، لحظة الاكتشاف هي لحظة اكتشاف الرقص، وتفاعل الجسد مع الموسيقى، واختراقها له لدرجة النشوة، لكن هذه اللحظة تأتي للنص بصيغة الماضي، مسبوقة بمفردة التذكر، أما النص فهو مشغول بتداعيات هذه اللحظة، حين تمنع البنت » البيضاء« من الرقص، وتحذر من » تقليد الجواري فاقدات الحياء، فبنات العرب لا ينكشفن على الليل«، فتظل البنت الحائرة دائرة في فلك الاكتشاف غير قادرة على قطف ثماره، والمكان منشطر إلى مكانين، الداخل والخارج، الداخل حيث البنت البيضاء التي تحلم في حين يصمت خلخالها، والخارج حيث الأخريات،الداخل معادلا للحلم وكبته، والخارج معادلا للتحرر والانطلاق، الداخل معادلا للمحافظة، والخارج معادلا للانفتاح، المكان يحرك الشخوص لأنه يتحكم في الخلفيات الطبقية والثقافية، الداخل ظل، فيه يذبل وجه الأم التي تحرس قيم الداخل غير متفطنة بالطبع لذبولها في الظل، والخارج ضوء تشرع فيه الأجساد الممدودة لحلمها كيفما شاءت، الخارج حيث »هن«: اسم الإشارة الذي يشير لأخريات ليست منهن، هن، وليس هي، وهن يرقصن ويتمايلن بأجسادهن السمراء، ولكن البنت المضطربة في تداعيات الكشف والمنع، تتحسس جسدها أيضا لترى وجه الاختلاف،ولن تراه،فبين تحرر الخارج وانكسار الداخل سيعاد الغطاء، تمجيدا لاستمرارية الأشياء، وستعيد البنت ترتيب ثيابها عليها، متخلية عن لذة التحول لصالح الانشطار الأزلي للأمكنة والطبقات! سيستسلم الزمن في هذا النص من أجل انقسام المكان لداخل وخارج! لكن هذه اللحظة التي لم تدفع للتمرد ستترك بذرة السؤال في نفس البنت البيضاء بلا ريب. في نص آخر من رفرفة سترتبط لحظة الاكتشاف بكسر المألوف المكاني، من خلال تدمير مفهوم السلطة، وربما تشويهه، في » مطاردة« ستلح مروة في قسم الشرطة أن يعاقب الشاب الذي كان يتبعها بسيارته، لكن الشرطي لا يبالي مع أن مروة تحفظ رقم السيارة وأوصافها، وحين تعود بعد أسبوع لتأكيد الشكوى ستكتشف أن الشرطي هو نفسه صاحب السيارة التي لاحقتها تلك الليلة المرعبة، هذا النص سيربط لحظة الوعي لدى مروة، بلحظة كسر دلالات المكان، فمخفر الشرطة لن يستمر في كونه المكان الطبيعي الذي يلجأ إليه الناس لشكوى الظلم، وإنما سيتحول إلى مكان يفرز ظلماً، ويبرر الاعتداء من خلال تشويه مفهوم السلطة، وهكذا تنكسر دلالات المكان، وعندما تكتشف مروة هذا الكسر، وأن الشرطة ليست في الخدمة، ستكسر هي الأخرى القانون الذي تمثله الشرطة، وستخربش على جسم السيارة المعتدية، جزعها وخوفها، في لقطة تتسق تماما مع شخصية مروة، المصرة على حقها الطبيعي من أول النص، الباحثة عنه في مكان آخر غير المخفر مجروح الدلالة في آخر النص. لحظات الاكتشاف ستتجلى أيضا في نصوص متكئة على أبعاد تاريخية وأسطورية في رفرفة،ولكنها نصوص لم تنجح تماما من وجهة نظري في تقديم قراءة جديدة لتلك اللحظات، ففي قصة ريا، أو حكاية ريا إن توخينا الدقة، سيكتشف الملك حب ابنته للحارس فيأمر الجدار أن ينشق ويبتلعها ليبقى شعرها الطويل خارجا من الجدار ورمزا حيا، ولكن هذه الحكاية الشعبية - على الرغم من حرص الكاتبة على كتابتها بلغة أسطورية نوعا ما، قد تكون شبيهة بلغة ألف ليلة وليلة- لم تعمق اللحظة الزمنية الجوهرية فيها، وبدا بناؤها الأسطوري وكأنه مقدم لذاته دون جهد يعيد فهمنا أو تفاعلنا مع الحكاية القديمة، أما النص الآخر الذي أشير إليه فهو نص اسطرلاب القائم على فكرة إرشاد البحار العماني أحمد ابن ماجد( عبرت عنه القصة بوصف القبطان العربي) فاسكو دي جاما إلى رأس الرجاء الصالح وبالتالي تضييع المصالح العربية في التجارة،وتنتهي القصة برجوع البرتغالي ظافرا تحتفي به الموانئ، أما العربي فكل ما تركه كان بيتا من الشعر وخنجرا علاه الصدأ، ولحظة الاكتشاف هنا لحظة تاريخية، والمكان هو الجغرافية الهامة التي ستغير التاريخ، ولكن ماذا بعد؟ يتكئ النص أصلا على أسطورة تاريخية تثبت المراجع العلمية بطلانها، وتؤكد أن أحمد بن ماجد لم يكن هو من أرشد البرتغالي لطريق رأس الرجاء الصالح، والكاتبة تذكر ذلك عرضا في الهامش، مصدرا بكلمة تفيد التشكيك: »يقال أن ابن ماجد لم يكن هو من عبر بفاسكودي جاما رأس الرجاء الصالح، لكن هل ذلك مهم حقا؟؟؟«، وفي رأيي أنه عند محاولة استعادة التاريخ في نص جديد فإن ذلك على قدر بالغ من الأهمية. إذن - ومن خلال ما ذكرنا من نماذج- فإن لحظة الوعي في النصوص، وتدمير مألوف الدلالات المكانية، ستحدد حركة الشخوص القادمة في النص،وهي حركة متأثرة بلحظة الإنارة والاكتشاف كما رأينا من حركة الطالبة في المظلة ومروة في مطاردة، وهذه الحركة وإن انطوت أحيانا على سكونية ظاهرة - كما في نص »هن« - فإنها في باطنها بذرة حقيقية للسؤال والحركة الفاعلة، وستعيد نظرة هذه الشخوص، وربما نظرتنا، للعالم. هامش 1- المجموعة الأولى للقاصة العمانية بشرى خلفان، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2004م |
|||||
|
|||||