|
|||||
|
إن الحاجة الى تحقيق تراجم لشخصيات عمانية هي من الأمور الملحة نظرا لقلة الكتابات عنها، ومن جانب آخر فان ارتباط هذه الشخصيات بأحداث تاريخية ضمن السياق التاريخي العُماني والاسهامات العلمية والفقهية الحديثة تجعلنا في بحث مستمر في محاولة للتعرف على سيرهم. فوجود شخصيات علمية لها تأثير ممتد ومتواصل من خلال كتاباتهم عن الثقافة العمانية مثل العوتبي، ومحمد بن ابراهيم الكندي، والقلهاتي- على سبيل الذكر لا الحصر- لا تزيد تراجمهم عن الصفحتين بشكل متناسق، وما زاد عنها فهي تحقيقات واستفهامات حول تواريخهم ابتداء من النشأة وحتى الممات. لكن في السنوات الاخيرة برزت جهود عديدة لاعادة كتابة تراجم العلماء وان كانت هذه التحقيقات متأخرة بعض الشيء، إلا أن بعض هذه الدراسات المستجدة بحاجة الى مزيد من البحث والاستقصاء من خلال التعرف على كثير من الاحداث في التاريخ العُماني. يبدو أن هذا الامر يعود في مجمله الى عاملين، الأول: ندرة كتابة قواميس البيوغرافيا للعلماء العُمانيين مقارنة من حيث تعدد أنماطها وأساليبها وازدهارها في الثقافة الاسلامية حتى أصبحت علامة بارزة في الكتابة والتدوين للثقافة الاسلامية. أما العامل الثاني: فيعود الى أن الكتابات التاريخية العُمانية تم بعثها من خلال القرنين الماضيين، ولا يزال البحث فيها مستمرا وهو أشبه بالتنقيب وإعادة البناء من جوانب شتى لإكمال النقص من خلال نتائج مستجدة (عبدالرحمن السالمي، مدخل الى قواميس البيوغرافيا عند العمانيين، مجلة نزوى). في الآونة الاخيرة، توقفت عند مراجعة بعض الكتب من خلال تحقيقها لشخصية المنير بن النير الريامي الجعلاني، فهي أحد الشخصيات الخمس التي حملت العلم معها من البصرة الى عُمان خلال نهاية القرن 2هـ/8م وبداية القرن 3هـ/9م. فحملة العلم الخمسة توفوا جميعا في تلك الفترة، إلا أن شخصية المنير بن النير جاء ذكرها في عدة مواضع تاريخية تمتد الى ما يزيد على القرن حتى ترسخ للكثير بأنه توفي وعمره مائة وثلاثون عاماً. وتذكر الروايات عن شخصية المنير انه حارب في معركة دما عام 280هـ؛ التي دارت بين العُمانيين والعباسيين، وانه قُتل في المعركة ودُفن بجعلان (نور الدين السالمي، تحفة الاعيان، ج!، ص260). إلا أن هذه الرواية تزيد من التشكيك في ذلك، لأن المقارنة الزمنية بين الفترات التي عاشت فيها الشخصية تزيد على ذلك، ولا تكفي لنشأته بعُمان ومن ثم تعلمه في البصرة ثم رجوعه الى موطنه مرة أخرى ليكون مرجعاً علمياً طول تلك الفترة. وفي رواية أخرى تتحدث انه عاصر الامام الجلندى، بل جعله البعض- كما ورد في »كتاب الشرع«- من العاقدين للامامة عام 31هـ، فيكون بذلك معاصرا للطبقة الثالثة للاباضية مقارنة بالامام الربيع بن حبيب وابومودود حاجب وأبوعبيدة عبدالله ابن القاسم. هذا الرأي هو أشبه بالمستحيل، فمن المعلوم ان حملة العلم العمانيين تتلمذوا على الربيع ووائل بن أيوب، فلعل ذكرهم انما جاء عرضا للعلماء الأوائل بعُمان، واقتباسه من التدوين السابق جعل الجميع من طبقة واحدة متقاربة (سيف البطاشي، اتحاف الاعيان، ج1). يبدو أن التقصي عن الملامح الاولى لحملة العلم إلى عُمان كانت في آثارهم السياسية أكثر منها في آثارهم العلمية باستثناء موسى بن ابي جابر، حيث ورد ذكر حملة العلم العمانيين في المصادر في كل من مدونة أبي غانم الخراساني والانساب للعوتبي. لذلك فالبحث عن الآثار الفقهية والكلامية للمنير بن النير الجعلاني تبدو شبه معدومة بالرغم من المكانة العلمية التي تنسب له كما انه يعد من ضمن السلسلة الاولى لعلماء عُمان. ومن الملاحظ ان حملة العلم الى عُمان توجهوا الى تكوين مدارس علمية والحث عليها في مناطقهم الاقليمية بهدف نشر العلم وتدعيماً لمواقفهم السياسية نحو الاستقلال في الداخل. بيد أن هذا الاشكال أدى الى ايجاد نوعين من الدارسين او الباحثين: الأول: توقف عن البحث في صحة ما ينسب الى هذه الشخصية من تواريخ مضطربة وعلى رأسهم الشيخ سالم بن حمد الحارثي في كتابه »العقود الفضية في اصول الاباضية« ص154 فقال: وأما حياته ففيها نظر. أيده في وجهة النظر هذه بعض الباحثين اللاحقين أمثال باتريسا كرون وفترس زيمرمان (Patrica crone and Fnitz zimmermen. 2001) في كتابهما »سيرة سالم بن ذكوان « Patrica Crone and Fritz Zimermem. The epistle of Salm bin Dhakwan Zool. Oxford. ، وسبقهما في ذلك ويلكنسون برأي مواز حول التشكيك. فأهمية هذا الرأي يرجع عامة الى التوقف والتحقيق حول الشخصية لريبتها من حيث صحة النقل السابق. وهذا التشكيك في صحة المعلومات المتوافرة صار شبه متداول بين المؤرخين للتاريخ العُماني وحتى الفقهاء منهم بدون ترجيح لرأي واضح في القضية. أما النوع الثاني من الدارسين او الباحثين، فقد بدت لهم ملاحظات أولية في شخصية المنير بن النير دفعتهم الى محاولة البحث والتقصي حول هذه الشخصية. برز البحث بشكل دقيق من خلال كتاب »سلاسل الذهب« للشيخ محمد بن شامس البطاشي بالرغم من اختصاره للمعلومات، إلا أن الاهم تحقيقاً حتى الآن هو كتاب »اتحاف الأعيان في سيرة بعض علماء عُمان« للشيخ سيف بن حمود البطاشي. خلص الشيخان في كتابيهما - ولا سيما الشيخ سيف- الى نظرة واحدة بوجود شخصيتين حملتا مسمى المنير بن النير الجعلاني، حين تطرق الشيخ سيف بعد تحقيق مطول وتتبع للنصوص الاثرية الى وجود شخصيتين توفي احدهما بصحار ووجد الآخر مقتولا بمعركة دما عام ٠٨٢هـ. هذه النتيجة هي اقرب الى الفهم والايضاح في هذا الاشكال، لكن يبقى السؤال المحير، ما هي الدلائل على تلك الاقتراحات من خلال دراسة آثار المنير؟ فالازدواجية الشخصية تبرز كحل في كثير من الظروف باعتبار ان هناك فجوة في الناحية الزمنية والمكانية. وهنا تبرز البدائل بهذه الافتراضات. إذاً، كل ذلك يدعونا الى التحقيق في تلك الأحداث، فالاضافة مهمة لنا من خلال البحث في قضايا الامامة الاولى لعُمان وتحقيق الاخبار بها، اضافة الى التعرف الحقيقي على الشخصية المطلوبة. أحيانا يتم ربط ذلك بما ذكره الخراسيني في كتابه »فواكه العلوم، الجزء الثالث« خلال سرده لقائمة علماء الاباضية بذكر العلا بن المنير، فيتوهم البعض بأن هذه الشخصية علّها تكون هي الرابط بين الشخصين، فتكون النتيجة كالتالي: المنير بن النير الاول العلا (المعلا؟) المنير بن النير الثاني وعليه، تصبح سلسلة النسب: المنير بن النير بن العلا المنير بن النير الريامي. إلا أن هذا يتعارض أيضا مع الرواية التاريخية المعروفة بأن المنير كان عجوزاً خلال حربه في دما، اضافة الى ذلك ان المنير ذكر مرة واحدة فقط كشخص، وعليه فكل الاعمال تدور حولها. يمكن الاستناد الى معاصري المنير بن النير؛ وذلك من مجموعة حملة العلم، فالمنير أصغر معاصري أبوالمنذر بشير المنذر، وكان من حملة العلم كما انه ذكر خلال فترة الجلندى وتوفي عام 178هـ، وهي قبل ان يكتب المنير سيرته وهما عادة ما يذكرا معا خلال الاحداث. فبشير بن المنذر لديه حفيد بالاسم نفسه وشارك في عقد الامامة للصلت بن مالك في عام 237هـ (السالمي، تحفة، ج1، 162ص)، بينما منير يمكن ان يكون له ولد يدعى العلا (المعلا؟) وشارك في نفس العقد (السعدي، القاموس، ج8، 313- 315) وعليه، فبشير يذكر في الاحداث التي تلت خلع الامام الصلت، بينما منير ذكر انه سقط في المعركة، وهذا التناسق في الاسماء ومشاركة الاحداث له دلالة على التصور العام في الكتابة التاريخية. فلا ريب ان أهم آثار المنير بن النير الوثائقية هي سيرته للامام غسان بن عبدالله (٢٩١- 207هـ/ 808- 823م)، وتعد من اهم المستندات التي يرتكز عليها كنص تاريخي، وتعتبر كذلك من افضل الاعمال الكتابية التاريخية التي توضح أحداث تلك الفترة. وأهم اشاراتها في تلك السيرة ذكر المنير للامام الاعمال الوحشية للقراصنة الهنود من قتل وسلب ونهب، حيث وقعت آخر أعمالهم الوحشية بمنطقة الصير في جلفار، وحثّه الامام على القضاء عليهم. وبالفعل كانت تلك السيرة توثيقا للانجاز الذي قام به الامام لاحقاً بتأسيس أسطول عُماني من سفن الشذا ومن ثم محاربتهم، وإنشاء الحامية في مدينة دما (السيب حاليا) التي كانت مركزاً للانطلاق للقضاء على هؤلاء القراصنة. كان هذا الانجاز بمثابة تطور مهم في دولة الإمامة الاولى العُمانية. فالمسعودي في كتابه »التنبيه والاشراف« يذكر هذا الانجاز ويشير اليه حين كان يعدد فضائل المتوكل العباسي؛ وهي الفترة المعاصرة بين الامام العُماني والخليفة، حيث عاشا في الفترة نفسها (غسان بن عبدالله والمتوكل). إذا ، هذا العمل كان موثقا للحدث في اعمال القرصنة للهنود على الشواطئ الاسلامية في المحيط الهندي وخليجي العرب وعُمان. كما ان مدينة دما اشتهرت بالتصنيف الفقهي الجماعي حيث دوّن كتاب »ديوان الأشياخ«، وهو مجموعة من الاجتهادات والمسائل التي كانت تتداول في تلك الحقبة خلال الفقهاء المقيمين بدماً. وهو من اولى التدوينات العلمية الفقهية الجماعية الاسلامية، وللأسف لم يصل من هذا المدوّن الا شذرات متفرقة في مجموعة من الكتب بالرغم من أهميتها في موضوعية الكتابة المنتهجة؛ ويبدو لنا من خلال البحث الاكاديمي - حتى الآن- اننا لم نستطع العثور على روايات فقهية عن المنير بن النير في ذلك المصنف. لكن هنالك أيضا أثر آخر للمنير بن النير، وهي سيرة بعثها للامام غسان بن عبدالله، إلا ان هذه السيرة غير متداولة او موجودة في مجموعة كتابات السير المعروفة، وقد عثرت عليها في مجموعة السير المحفوظة بمكتبة جامعة كمبردج المعروفة - »هاينز اكسيروكس« لكن السيرة الاولى هي الاهم بلا شك. يستنتج من السيرتين ان المنير عاش خلال فترة الامام غسان بن عبدالله، بشكل قطعي. اضافة الى ذلك الاستدلال على ان المنير لم تكن له مشاركات فعلية خلال العقود التي تلت إمامة غسان بن عبدالله مع الأئمة عبدالملك بن حميد والمهنا بن جيفر والصلت بن مالك، في أمر ذي شأن سياسي او علمي او حتى أثر فقهي يمكن الاستناد إليه. وهذا أمر مستبعد أن يفكّر به على انه تهميش او تناس لمكانة هذا الرجل. نكاد نسلّم الآن بشكل قطعي بوجود شخصية واحدة فقط لا شخصيتين، كما يعتقد البعض. حيث ان الفرضيات كلها تكاد ان تكون بدون مستند وثائقي لتدليل ذلك لما يجب أن يتم الاعتماد عليه. فلأجل الايضاح وابعاد هذه الاشكالية، يتبين أن هنالك خلطا بين الحدثين؛ الحروب التي دارت في دما خلال حرب الثغور، والحرب الأخيرة مع العباسيين فاختلطت على الرواة، مما جعلهم يشيرون اليها، وهو ما أدى الى وقوع المؤرخين في هذا الخلط من بعد. فالاسناد التوثيقي عن كل ما ذُكر عنه يجب أن يُحصر ما بين الحدثين (الأول تتلمذ طلبة العلم في البصرة، والآخر هو فترة غسان بن عبدالله)، وهما الخبران اللذان يمكننا من خلالهما ان نجري تدقيقا واقعيا للفترة الزمنية التي عاش فيها. يبدو لنا بعد كل هذا، اننا نستطيع ان نضع اطارا زمنيا للمنير، وعليه يمكن الجزم الدقيق عن الفترة التي عاش فيها، ووفاته لم تتجاوز العقد الثاني من القرن الثالث الهجري أي في ٠٢٢هـ ، فهو من اواخر طلبة العلم الذي توفوا، وكانت له مرجعية علمية مهمة واعتبار للرأي خلال الفترة التي عاشها. ومرجع التوجه الحقيقي لهذه الشخصية هو العمل التأسيسي في انشاء أسطول لحماية السواحل العُمانية، وعلى الأغلب بتكلفة من الامام لتنظيم تلك الحماية، حيث ظل مرابطاُ في دما رغم شيخوخته حتى وفاته، وحمل جثمانه ودُفن بجعلان. وعلى كل فان الامتداد التاريخي لحوادث لاحقة لا صحة له وهو ممتد لفترة تزيد على نصف قرن بدون توثيق. كما أن الجانب الافتراضي لهذا إنما هو دفع للاشكالية بدون مستند مثبت. |
|||||
|
|||||