|
|||||
|
عند الحديث عن التجارب الجديدة التي ظهرت في الشعر السوري المعاصر خلال العقود الثلاثة الماضية، لا نجدّ أية إشارة الى تجربة الشاعر نوري الجراح، الذي تنقل في اقامته بين أماكن عديدة، لعل أهمها اقامته الطويلة في لندن، وبقدر ما يشكل ذلك ظاهرة لافتة للنظر، فانه يعكس تفرد هذه التجربة في مسارها ولغتها، وأشكال مطارحاتها، أو آليات اشتغالها، اذ أن انفتاحها على تجارب وثقافات عديدة ساهم في اثرائها، وتطورها وتميزها عن تجارب الشعر السوري المجايلة لها، وقد جاء هذا التمايز من تمثلها للمنجز الحداثي في أشكال الكتابة الحديثة، لا سيما على مستوى بنية الاستعارة، وتوظيف عناصر وتقنيات مستمدة من أجناس وفنون أخرى كالسرد والحوار والمشهدية في المسرح او السينما، واستخدام صيغ وسمات أسلوبية محددة بكثافة واضحة كالتكرار بأشكاله المختلفة وحشد التوصيف والحشد التراتبي، بالإضافة الى كثرة التناصات، دون أن يغرق في لعبة الشكل، او يتخلى عن الكثافة الحسية والوجدانية المعبرة عن تجربة وحضور انساني يعبر عن ذاته بقلقها وأوجاعها واسئلتها الملحة لاسيما على المستوى الوجودي الانساني. ان ثراء هذه التجربة وتعدد مستوياتها يجعل من الضروري تحديد مجال اشتغال هذه الدراسة، والمتمثل في دراسة استراتيجية العنونة ووظائفها، وظاهرة التناص اضافة الى دراسة بعض الملامح والسمات الاسلوبية التي تميز نصوص ديوانه الأخير - طريق دمشق والحديقة الفارسية- الى جانب دراسة بنية الاستعارة الجديدة ومدلولية الألوان في هذه النصوص. اعتبر جيرا رجانيت العناوين والمقدمات والاهداءات والاقتباسات عتبات ذات سياقات توظيفية وتاريخية ونصية، لها وظائف تأليفية تختزل قسماً من منطق الكتابة، واكد ان بنية ودلالة العنوان لا تنفصل عن بنية ودلالة العمل، نظرا لأن العنوان يتضمن العمل، مثلما أن العمل يتضمن العنوان، ولا يخلو اختيار العنوان الذي يأتي تالياً على كتابة النص من قصدية، تكشف عن طبيعة التعالق القائمة بين العنوان والنص. والعنوان يوحي إما بجزئية تمثيله للنص، أو شموليته، وهو يختزل النص مبنى ومعنى، وقد أعلن رولان بارت ان العنوان هو صاحب الدور الأول في اكساب القارئ معرفة بالنص، والقيام بمهمة تنظيم هذه المعرفة، وتأويلها. يتضمن الكتاب كما هو واضح من العنوان ديوانين، يحمل الأول اسم طريق دمشق، ويحمل الثاني اسم الحديقة الفارسية، وهذان العنوانان يحملان دلالتين مكانيتين، تحيل الأولى على اسم مكان محدد هو دمشق، بينما تحيل الثانية على مكان مجازي، لكن قراءة دلالة العنوانين لا تتحقق الا من خلال العودة الى المرجعيتين التناصيتين ، اللتين يستغرقهما العنوانان الأول والثاني، ويقيم تعالقه النصي معهما، وهكذا فان العنوان الأول يتعالق في معناه الدلالي مع قصة بولس الذي ظل يطارد المسيحيين حتى مكان قريب من دمشق، حيث ظهر له الرب، وكان التحول الكبير الذي طرأ على دوره من عدو لدود للمسيحية الى حامل لواء التبشير بها، أما العنوان المجازي الثاني فيدل على التعالق النصي بين نصوص الشاعر ونصوص عربية وفارسية يشير اليها الشاعر في متن الديوان الثاني، الأمر الذي يجعل قراءة دلالة العنوان لا تتحقق بمعزل عن قراءة نصوص الديوانين على الرغم من المسافة المائزة، التي تنشأ عن أولية العنوان في الموقع وعملية الاستقبال والتلقي. يظهر انشغال الجراح بعتبات النص واضحا في تنوع أشكال العنونة والاهداء والاقتباس أو التصوير، وعلاقة التعالق التي يقيمها بين العنوان الرئيسي والعناوين الفرعية بتفرعاتها العديدة، وتتعدد أشكالها، وبينها وبين الاهداء والتصدير، حيث تشكل هذه العتبات مدخلاً قرائياً يختزل ويكثف مضمون التجربة ودلالاتها، ويوحي بها الأمر الذي يجعل هذه العتبات تكسب القارئ معرفة بالنص، وتقوم بمنهجة عملية القراءة وتأويلها وفق تعبير بارت، كما تكشف للقارئ اهتمام الشاعر باستراتيجية العنونة ووظيفتها الشعرية والاشارية خاصة وان هذه العناوين توحي بشمولية تمثيلها للنص، الذي يظل يدور حول محورها، ويتعالق معها على مستوى البنية اللغوية او البلاغية. يمتد زمن كتابة النصوص بين أعوام 1990م و2001 وتتوزع أمكنة كتابتها بين لندن وقبرص وابوظبي، إلا أن التعالق بين العنوان الرئيسي والعناوين الفرعية يبدو واضحاً من خلال العناوين التي تحيل على المكان الدمشقي، كما في هذه العناوين (نزول جبل قاسيون- دمشق في Osterly - باب البريد- القنوات- على الطرف الآخر من النهر...) إذ أن هذه العناوين تحمل اسماء أماكن محددة في دمشق. يتوزع الديوان الأول على عدد من الكتب (أربعة كتب)، بينما تتوزع هذه الكتب على عدد من العناوين الفرعية باستثناء الكتاب الثاني والثالث اللذين يحملان عنواناً واحداً (ابتسامة النائم- قصيدة حب) في حين ان هذه العناوين الفرعية تتوزع على مجموعة مقاطع، يحمل كل مقطع منها رقماً، مما يشكل خرقا لمبدأ العنونة واعادة انتاج لها، وكما هو الحال بالنسبة للعنوان الرئيسي، الذي يتألف من جملة اسمية، فان العناوين الفرعية تتألف هي الأخرى من جمل اسمية، تظهر التعالق القائم بين العنوان الخارجي والعناوين الداخلية على مستوى البيئة النحوية ايضاً. ولا تختلف استراتيجية العنونة في الديوان الثاني عن مثيلتها في الديوان الاول سواء على مستوى البنية النحوية، او البنية اللغوية او البنية الدلالية، فهذه العناوين تتعالق مع العنوان الرئيس في كونها تتألف من جملة اسمية، أو مفردة تحمل معنى مجرداً، وذات طابع مجازي استعاري، كما انها تحمل في معظمها معنى مكانياً او تحيل على معنى مكاني (ضوء على نصل- منزل في جغرافية بعيدة- ليلة في سرير يتيم- صحراء بين مدينتين- رؤيا طفل في سرير- شيء متروك في كسور الرقيم- كنت في دمشق- بارقة في صحراء- كنت في مدينة....). تتوزع العناوين الداخلية على أربعة عناوين محورية (قناع شخصي- صيف التنين- انشودات- بارقة في الصحراء)، وتتوزع هذه العناوين المحورية على عناوين فرعية تتوزع هي الاخرى على عدد من العناوين الخاصة بكل نص، وتحمل هذه العناوين معنى يحيل على مجموع النص الذي تقوم بتمثيله، كما هو الحال في العنوان صيف التنين، الذي يتفرع الى عدد من النصوص، يحمل كل نص منها عنواناً فرعياً يجمع بين العنونة والترقيم، ولا يتمايز عن هذه الطريقة في العنونة إلا العنوان المحوري (انشودات) الذي تحمل نصوصه أرقاماً بدلاً من العناوين مما يدل على الكم، ويشكل خرقاً لمبدأ العنونة، إلا انه يلتقي في استراتيجية مع البيئة النحوية للعنوان، التي تحمل معنى الجمع، واذا كانت العنونة تشغل حيزاً مهما في استراتيجية الكتابة الشعرية وبلاغتها، فان بنية النص الشعري، وتوزعه على عدد من المقاطع يشغل هو الآخر حيزا خاصا يخرج النص من دائرة الكتابة المعروفة، إذ ان بعض هذه المقاطع يتألف من سطر واحد، في الوقت الذي نجد فيه جملة الاستهلال هي جملة اسمية في الغالب، أو شبه جملة، او جملة استفهامية في احيان اخرى. تحيل بنية الاستعارة في العنونة الداخلية على لغة الاستعارة في النص وتظهر التعالق بينهما على مستوى شعرية اللغة وبلاغتها، فالعناوين الفرعية تتميز في كون أغلبها ذات بنية استعارية تعتمد التشخيص عبر بث الحركة والحياة في الجمادات وانسنتها، ونقلها من المستوى المجرد الى المستوى المحسوس، على ان بنية هذه الاستعارة تخرق منطقية العلاقات الحسية وتتجاوزها بحيث تلجأ الى اعادة صياغة علاقاتها وتشكيلها وفق منطق تخييلي خاص، يولد الشعور بالدهشة والغرابة والمفارقة. المرجعيات النصية: تتعدد اشكال المرجعيات النصية، التي يستدعيها النص الشعري ويقوم بعملية تحويلها، ودمجها في بنية النص، وقد لجأ الشاعر في ديوانه الثاني الى الاشارة الواضحة الى المرجعيات النصية التي تتعالق معها نصوص انشودات وذلك من خلال العنوان الثاني الذي يضيفه الى العنوان الاول (في بستان خير الدين الأسدي)، والتنويه الذي يضعه بين قوسين (شذرات وتناصات عربية وفارسية). والحقيقة ان هذه التناصات غالبا ما يشير اليها العنوان الفرعي، كما يشير اليها العنوان الرئيسي وذلك من خلال ما يحيل اليه في معناه الدلالي، أو يتضمنه من اسماء اسطورية غربية وشرقية قديمة، كما هو الحال في هذه العناوين الداخلية (سقوط ايكاروس- رسائل اوديسيوس- أحزان تيلماخوس- حكاية ديدالوس). وتلعب هذه العنونة دورا مهما في أفق التوقع ومنهجة عملية القراءة، اذ انها تضع القارئ في الفضاء النصي الذي تستدعيه وتستحضره وتستدعي معه فضاءه التخييلي والوجداني ، على ان آلية التناص التي تظهر هي آلية الاستدعاء والتحويل، التي ينتصر فيها الخطاب المنولوجي مع تلك الشخصية تارة، واستخدام آلية القناع التي يرتدي فيها الراوي/ المتكلم قناع تلك الشخصية، ويتكلم بلسانها كما في قصيدة أحزان تيلماخوس على سبيل المثال، في حين تمثل قصيدة سقوط ايكاروس نموذجاً للتناص القائم على الخطاب المنولوجي. لقد استخدمت كريستيفيا مفهوم التناصية في سياقات نظرية عامة وعلى اتصال مع الكتابة النصية والانتاجية والكتابة المدهشة على ان مفهوم الانتاجية يشكل البعد الحاسم في عملية التناص، إذ انه يقوم على تذويب وامتصاص المرجعيات النصية في النص الجديد، بحيث يصبح جزءاً من بنية النص من خلال دمجه واستيعابه فيه، وقد يلجأ الشاعر الى التلميح او الاشارة الى المرجع النصي عندما يقوم تثبيت الاسم او العلاقة في العنوان أو في المتن النصي، لا سيما من خلال الديالوج الذي يظهر مع تلك الشخصيات التي سبق الاشارة إليها أو شخصيات جلجامش وأنكيدو وأوزيريس وسبيتموس سيفيروس وغيرها من الشخصيات الاسطورية الأخرى. والى جانب التناص الأسطوري الاغريقي والفرعوني والبابلي، هناك التناص الديني المسيحي والإسلامي، وهناك التناص اليهودي التوراتي في نصوص الأناشيد التي تحيل في بنيتها الدلالية على نشيد الاناشيد، ومن التناصات الاسلامية هناك التناص القرآني، وتناص القناع الذي يستعير فيه قناع احدى الشخصيات الدينية كشخصية الامام علي وحكايته مع المشركين وفي هذا التناص تكون شخصية القناع هي التي تتكلم: أنا عليّ سريرك والمشركون وراء الباب ومعهم لوح القدر أغمض، وأسمع ضجة الدم الضياء يملأ وجهي، وأنفاسي تؤلمني. (ص133) ويظهر التناص القرآني في نص آخر تكون فيه حركة الخطاب موجهة من الراوي الى المرأة: أنا بستاني حياتك، فلاح جسدك المختلج، وأنت حرثي بسكتي التي حزت الأرض، وفّحت القدم أفتح الجرح وأسرق النار حرثي ولبوسي كتابي الذي كتبتُ والوردة التي هي صمتك راعفاً في كتابي. (ص163) ويشكل الشعر لا سيما الغربي منه احدى المرجعيات النصية التي تحفل نصوصه بها، وقد بدا واضحاً تأثر الشاعر بنصوص ت. س. إليوت واستعادته لمناخات وعوالم الأسطورة الإغريقية، بينما يظهر تناصه مع الشاعر الاسباني لوركا في قصائده التي استوحاها من أغاني الغجر، وفي احدى النصوص يشير الشاعر صراحة الى السطر الأول أو جملة الافتتاح في النص والمأخوذة من نص سابق للشاعر لوركا. ان التناص في هذه التجربة يمتد من الموضوع الى الشكل وبعض التقنيات الفنية كاستعادة صورة العوالم الأسطورية عند الاغريق والمشهدية في المسرح الإغريقي، بالإضافة الى المشهدية السينمائية واستخدام الحوار والمنولوج والسرد والوصف. ملامح أسلوبية/ بنية النص الشعرية: يحمل النص الشعري في هذه التجربة ملامحه الخاصة على مستوى بنية النص الشعرية، وهي ملامح سنحاول التوقف عندها على الرغم من صعوبة عزل هذه السمات المترابطة والمتداخلة في نسيج بنية هذا النص والنابعة من داخل حقل الرؤية الفنية والجمالية التي تحكم هذه التجربة وتعكس ايقاع وتوتر حركة النفس والشعور والحالة الشعرية في تناغمها مع مضمون الرؤية الفكرية، وتواشجها معها. ويأتي في مقدمة هذه السمات التكرار بأنواعه الثلاثة: تكرار الاستهلال الذي يأتي في مطلع النص الشعري أو في بداية كل مقطع، والتكرار العباري الذي يأتي في صلب النص، وتكرار بنية او تكرار حرف، ويعكس الحاح الشاعر على الاستخدام المكثف لأشكال التكرار الثلاثة الأهداف النصية والايقاعية التي يحققها هذا التكرار، حيث يخدم ذلك غنائية النص وبنيته الايقاعية. يهدف التكرار لابراز قيم شعورية معينة، كما يعبر عن إلحاح على جانب محدد في العبارة بهدف تأكيد حضور الموضوع في ذهن المتلقي، وخلق بنية ايقاعية ويتوزع التكرار على تكرار حروف الجر أو الظروف وأشباه الجمل والجملة الاسمية أو الجملة الفعلية، والتقديم والتأخير، وفي نصوص الشاعر من النادر أن نجد نصاً واحداً، يخلو من نوع من أنواع التكرار، ان لم نقل انه يتضمن أنواع التكرار الثلاثة، ويأتي هذا الاستخدام المكثف متفقاً مع البنية الغنائية، يقول الشاعر: حالما أنهض، حالما تعودين من المكتبة حالما أنسى من كنت بالأمس وأول أمس ومن أكون غداً... (ص99) ويقول في قصيدة - جهة الكلمات: في قيظ اليقظة، في سمتها، في الفؤاد الراكض، في الحتف لما يلمع في الآسر، في انكسار الألق، في تفلق الصدفة وهيام الغريق في حسرة اللؤلؤة أحبك أيتها الكلمات. (ص234) ويبلغ الاستخدام المكثف لتكرار الاستهلاك أوجه في قصيدة تنوعية من اجل طفل، إذ يأتي فعل الطلب/ نم/ تكرار استهلاك، وقافية في نهاية الجملة أيضا ما يدل على التنويع في استخدام التكرار اضافة الى انه يأتي تكرار لازمه ايضاً في نهاية كل مقطع، ففي تكرار الاستهلال يأتي استخدام هذا الفعل اكثر من اربعين مرة وفي تكرار القافية ست مرات، أما تكرار لازمة لجملة نم يا حبيبي فيأتي سبع مرات. ويستخدم الشاعر التكرار العباري لحرف النصب أن في قصيدة أنشودة السائر في الليل ثلاث عشرة مرة، وتكرار حرف الفاء سبع عشرة مرة. والى جانب الاستخدام المكثف للتكرار، هناك الاستخدام المتواتر للمعينات الزمانية ممثلة بالمعين الزماني الدال على زمن الحاضر/ الآن/ والمكانية ممثلة باسمي الاشارة هنا للمكان القريب، وهناك للمكان المتوسط (هنا في المحل الذي لا احتاج/ الآن هنا وفي كل مرة/ والآن أقف وأنظر../ فلأنزل هنا.. فلأنزل الآن../ هنا اقتتل الليل/ هنا وفي كل مكان/ لم تعد هناك غرف.. لم تعد هناك أسرة../ هنا مشى انكيدو/ هنا احتسرت كتف جلجامش/ هنا أمسكا الصيحة/ هنا تخطف البرق... الآن وأنت تكسر باب بيتي/ كنت هناك في تمام...) ويهدف استخدام هذه المعينات على المستوى الزماني لاضفاء نوع من الحرارة والحيوية والحركة على المشهد الشعري وكأنه يتحرك أمامنا، وعلى المستوى المكاني للايحاء بالمكان القريب للفعل والصورة الشعرية وكأنها تدل على هنا والآن الذي نقف ونعيش فيه ونتفاعل مع المشهد والحالة الشعرية، أما هناك فيدفع بالخيال الى توليد وتخيل الصورة أو الحالة التي يجري التعبير عنها ما يجعل حركة النص او المشهد او الصورة تتوزع في تشكيلها وحركتها بين مكانين او زمنين، حيث يأتي الفعل بصيغة الماضي والمضارع ليؤكد ذلك. تتعدد ضمائر المتكلم في القصائد، وان كان ضمير المفرد المتكلم او الراوي هو الضمير المهيمن مما يضفي حميمية على علاقة المرسلة بالمرسل، لكن حركة الخطاب الموجهة نحو الضمير المخاطب تتنوع، وقد تنقسم أنا المتكلم في لعبة القناع على ذاتها فيغدو الخطاب من أنا المتكلم الى الذات الاخرى، في حين ان هذه الذات هي الأنا الأخرى للذات التي تتكلم في الخطاب. ومن خلال الاستخدام المكثف لصيغة السؤال التي لا يكاد يخلو منها نص واحد تغدو القصيدة بحثاً عن اجابات معلقة لأسئلة الذات والآخر في اشتباكهما لا سيما على مستوى التجربة الوجودية، وبذلك يتحرر النص من تلك اليقينية ومن كونه اجابة على أسئلة الذات والحياة والوجود، وتفتح هذه الصيغة اسئلة القلق والحيرة والشك على مداها تعبيراً عن قلق الذات الوجودي المستحكم، وعن لوعتها وتوترها وعذابات روحها وهي تواجه شرطها بروح عارية وقلب مطعون بالمسافة وسؤال الحيرة (أي شخص هذا، أي شخص عرفت!/ من أنا الآن بعد ساعتين في أرز(...)/ من كنتُ في الأمس، من كنت في صور الليلة/ لمن هذه السلالم من الكلمات../ متى بدأت حياتي؟ متى اتممت ما بدأت؟/ أأخرج في عراء والقمر يضرب الأرض العالية..) يتحول اللون في نصوص الشاعر الى دال يؤدي دلالة أخرى ذات صيغة وجدانية، وفي أحيان أخرى لا يمكن قراءة هذه الدلالة بمعزل عن فاعلة المخيلة الشعرية ودورها في بناء الاستعارة الجديدة، التي تلغي العلاقات المنطقية بين الأشياء، وتقيم علاقات جديدة بين أشياء غريبة، تنجم في بعضها عن تداخل الحواس كأن نضفي صفة الصوت على حاسة الرؤية، أو نجعل الظلمة والسواد صفة للنور والضوء، ولعل هذا التضاد أو التداخل في بنية الاستعارة يكشف عن دور المخيلة في خلق صور جديدة تولد الغرابة والدهشة عند المتلقي، وهذه الصفة الجديدة للاستعارة تقوم على الانزياح في الصفات، لا سيما بين الصفة والموصوف (ملاك اسود وجناحان برتقاليان/ صوتك حبيبات الضوء على السمرة/ حبك الورقة خضراء وقوية../ حبوب الأشجار/ في دبيب النور../ القمر والموت جنديان أخضران...) ان بنية الاستعارة القائمة على التشخيص وبث الحياة والحركة في الجمادات والاشياء تسهم في نقل هذه الأشياء من طابعها المجرد الى المحسوس، وتجعلها تولد دلالاتها الموحية، التي تعبر عن فاعلية التخييل وأنسنة الأشياء من خلال إضفاء الصفات الانسانية عليها (الثلج يلهب صورتي، والثلج ينهض كي يرى من درفة الشباك/ والكلمات تنهض من طفولة نفسها وتموت/ ونفر الهواء خائفاً/ كانت الأزهار تقصُ والضوء يفكك الممشى بسلام/ من يمشي هناك سأل الظل/ أسمع انفاسي تستحلف أن لا ينقل/ هذا المضجع من هنا/ كان حزيران فتى ماهراً يسبح...). ومن المظاهر الأسلوبية الحشد التراتبي أو استطراد التداعي (سأحب هؤلاء/ أحب دمي المسفوك في السادسة/ كأس الحليب المسمومة/ وزهرة الندم في أعالي النهار... التلال الصغيرة تنتظرك/ السفوح تنحدر وهي تتلفت/ الأرانب في الجحور تنصت وتهرع/ الغابة تلتفّ/ والأوراق تغيب بك/ تتذكر الخصام/ تتذكر الجروح الصغيرة/ في الأكمام، التوسل، البحث عن ماء الاغتسال طفيف/ شبق الخوف/ الرهبة النكران، الفزع، الشفقة، الحب، الحب). ويستخدم الشاعر صيغ المبالغة فعّال وفعيل بشكل لافت، وإذا كانت جملة الاستهلال في نصوص الديوان تتميز بكونها أما جملة اسمية ذات طابع وصفي، او شبه جملة، او جملة استفهام أو تمن فان مايميز الجملة الشعرية هو اقتصادها اللغوي الواضح ما يجعلها تتسم برشاقتها، اضافة الى ان ذلك يخلق إيقاعاً سريعاً، كذلك تبدو السردية واضحة في أغلب هذه النصوص، إلا أن الشاعر يلجأ الى التلوين في صيغ الخطاب فيستخدم المنولوج الذاتي والحوار والوصف الى جانب السرد وتقنية الحلم، وهذا ما يجعل بنية النص اللغوية والنحوية وسماته الأسلوبية تتنوع وتتداخل بحيث يحمل كل نص هويته، وان كان واضحاً ان هناك نصوصاً تعد مشروعاً لنص جديد، حيث يدل ذلك على التعالق النصي للتجربة الشعرية مع ذاتها ويعكس قلق الكتابة، وتناسلها من داخل التجربة التي تبدو أنها مفتوحة على البحث والتجريب، ولكن ليس بمعزل عن كثافتها الحسية والوجدانية وعن قلق الذات ولوعة حضورها في الغياب، وأسئلة الحياة المفتوحة على كينونة الذات في ذهولها وانخطافها وانقسامها على ذاتها وهي توزع وجودها على حياتها الأشبه بجرح في صخرة. |
|||||
|
|||||