|
|||||
|
عالم من الصور والرموز والأشياء الصغيرة والحكايات البسيطة. اجتمعت لتصنع وطناً، تجسده وتحكيه بل وتحفظه حين تحولت إلى دموع وضحكات وبعض أفراح صغيرة وأحزان دائمة، ما هي سوى أشياء وصور تجسد الماضي والمستقبل في حاضر مؤلم، فمن خلال قصة حب نهيلة ويونس يحكي إلياس خوري فلسطين، يجسدها من خلال البشر وتفاصيلهم الصغيرة، حيث خلع التاريخ قبعته الأكاديمية وركض بين البيوت ينحني ويلتقط الدموع والضحكات ليكتب عن الخوف والقلق والمشاعر الإنسانية ويهرب من المعارك الحربية وخطب الساسة العقيمة، بل وفي أحيان كثيرة يقطف عناقيد الزيتون ويرقص في الأعراس، يحكي تاريخ الأحجار والبيوت ويصنع حيوات خاصة لإناء من الفخار أو مخدة من الريش، فالأشياء جزء لا يتجزأ من الحياة، ولها حكاياتها كما للإنسان أيضاً في ملحمة باب الشمس. ليتجسد الزمن على هيئة مجموعة صور تتداعى بين الموت والحياة. حيث تبدأ الرواية بالموت : (ماتت أم حسن. رأيت الناس يتراكضون في أزقة المخيم، وسمعت أصوات البكاء. كان الناس يخرجون من بيوتهم، ينحنون كي يلتقطوا دموعهم، ويركضون.) وأم حسن هي القابلة التي جاءت من الكويكات إلى المخيم، وهي الذاكرة والراوية والشاهد ومعها يبني إلياس خوري الرواية على شخصيتين: الأولى الفدائي يونس الأسدي من قرية الزيتون والثانية د. خليل أو الجيل الأصغر وتنطلق الأحداث وتعود من خلالهما وهما في مستشفى الجليل، الأول أصيب بالكوما، انفجار في الدماغ نتج عنه عطب دائم والثاني مصاب بانفجار في الذاكرة من العجز والإحباط يحاولان ترتيب الزمن واكتشاف الوطن، غاب الأول عن وعيه بعد نضال دام نصف قرن تقريبا، وانفجر وعي الآخر ولا يملك السيطرة عليه، يحاول إبعاد الموت عن مثله الأعلى (يونس) ولايصدق أنه سيموت بعد أن أكد الطبيب ذلك وأوصى بإعداد الجنازة، يقيم معه ويحكي معه وله ويقول: (هكذا نؤلف حكايتنا ولانترك منفذاً يدخل منه الموت) فالسرد ضد الموت والكلام لاستمرار الحياة، وفي هذه الغرفة تتداعى الصور وتهجم مئات الصور والحكايات على مدى نصف قرن للوطن المفقود.. لتتداعى الصور بين صاحب الوعي المفقود وصاحب الوعي الذي انفجر فالحكايات تمنع الموت والحكايات صور.. يقول خليل ليونس : (أرجوك سوف أذهب إلى بيتك الآن وأجلب الصور وأعلقها على حيطان هذه الغرفة، نترك لوحة اسم الجلالة بالخط الكوفي في الوسط، ونوزع صوركم حولها، صوركم حول الاسم، وأنتم حول يونس، أجلب الصور ونخبر الحكاية كلها سوف تكون الحكاية مختلفة، سوف نغير كل شيء. أعلق كل الصور ونعيش بين الصور، أنزل صورة عن الحائط وأعطيك إياها فتروي حكاية، ثم أنزل صورة أخرى، وتأتي حكاية جديدة وتتوالى الحكايات. هكذا نؤلف حكاياتنا من الأول ولانترك اي منفذ يدخل منه الموت.) فالحكايات تمنع الموت والحكايات صور.. ليتشظى الزمن في هذه الغرفة بين الصور والحكايات، فمن الذي فقد وعيه يونس أم فلسطين، ومن الذي أصيب بانفجارفي الذاكرة خليل أم هذا الجيل، مئات الحكايات تنطلق من هذه الغرف ولا تراعي الترتيب الزمني وكيف يحدث هذا وكلاهما خليل ويونس أصاب العطب وعيهما، وإن كانت الأحداث تقع بين عام 1943 و عام 1994، فلم يعد مفهوم التاريخ كما نعرفه ذا أهمية والحكايات والصور تتكرر وتتأرجح بين الواقعي والمتخيل، ليحتج خليل على يونس الجثة التي لا تتحرك، فهو لا يؤمن أنه جثة.. أو في طريقه للموت فهو يحاوره على مدى خمسمائة صفحة عن حكاية وطن في نصف قرن ويقول له : لم أعد معنياً بالتاريخ، حكايتك معي يا سيدي ليست محاولة لاستعادة التاريخ، أريد أن أفهم لماذا نحن هنا كسجينين في هذا المستشفى، أريد أن أفهم لماذا لم أستطع التحرر منك ومن ذاكرتي. لقد أصبحت رئيساً للممرضين وعدت إلى الوظيفة التي أستحقها، والآن المستشفى لم يعد مستشفى، بل تحول إلى أقل من مستوصف، أم لأنني رأيت فيك صورة موتي فاندفعت إلى الموت أحاوره. وخليل يرى في يونس صورة موته وحياته، ولا يستطيع أن يصدق أن هذا البطل صار جثة، وخليل نفسه ماذا يكون؟ نصف طبيب ونصف فدائي ونصف خائف ونصف سعيد وهو يسأل يونس وكأنه يكلم نفسه والعكس من خلال مئات الحكايات والصور في حوار بين الحياة والموت، وقبل أن أشاهد الفيلم تساءلت كيف يمكن تجسيد مئات الحكايات في أربع ساعات، وكما جاءت الرواية علامة بارزة في تاريخ الرواية العربية وفي التاريخ الفلسطيني، جاء الفيلم توثيقاً درامياً للملحمة الفلسطينية وحدثاً هو الأكبر في تاريخ السينما العربية، ولندخل إلى الفيلم الذي كتب له السيناريو المؤلف والمخرج ومعهما محمد سويد ليجسد هذه الحكايات ويبعث الروح في مئات الشخصيات، لتحمل الصورة أبعد من الحركة.. تجسد الفعل والإحساس والعاطفة، ويبدأ الفيلم ويونس يصعد الدرج إلى أم حسن التي عادت إلى الجليل ومعها فرع برتقال من فلسطين وتلتقط كاميرا سمير بهزان البرتقال.close up . وتبدأ مذبحة البرتقال، يأكل الجميع ويونس يرفض الاحتفاظ به ويقول لخليل الذي أراد أن يحتفظ به كذكرى من الوطن: كان يجب أن تأكله فالوطن يجب أن نأكله لا نتركه يأكلنا، يجب أن نأكل برتقال فلسطين ونأكل الجليل، ثم تبدأ مرحلة ضياع فلسطين وقصة عشق نهيلة ويونس.. لتختلط الحكايات ويتشابك الزمن. حاول السيناريو مراعاة الترتيب الزمني من خلال جزءين (العودة والرحيل) فمن مذبحة البرتقال إلى شتاء ٤٩ في مخيم شاتيلا والأمطار تنهمر على بيروت وفي ثلاث لقطات سريعة لخليل وشمس يمارسان الحب، ثم شمس تقتل سامح أبو دياب ومازالت الأمطار تتساقط، ثم يونس ملقى على الأرض في المستشفى والطبيب يوصى بإعداد الجنازة، واللقطات الثلاث ذات دلالة قوية وهي ثلاثة محاور سوف تشارك في البناء العميق للسناريو (شاتلاوبيروت / شمس وخليل / يونس عراب هذه الرواية) وحين يبدأ السرد تعود كاميرا سمير بهزان إلى الوراء نصف قرن تعبر من بيروت إلى الجليل في عام 1943 ليبدأ الحكي ولا تنسى في طريقها أشجار الزيتون أسطورة فلسطين قبل أن تلتقط البشر.. وتبدأ بالشيخ الأعمى إبراهيم الأسدي لتحكي قصة زواج يونس ونهيلة وتجسد تفاصيل الحياة اليومية لهذه الأسرة في البيت والحقل، ويشعر المشاهد أنه يشاهد ذاكرة هذا الشعب وأن هذه الصور هي الذاكرة ولم يعد الـ Flashe back مجرد التفات إلى الماضي، بل لوحات وصفية بصرية وصوتية.. وتحول السرد القصصي بين خليل ويونس في غرفة مستشفى الجليل إلى أفعال غير مترابطة داخل الزمن تحاول أن تستثمر الزمن/ الماضي الميت في أفعال مدهشة ومؤلمة.. وبعد أن يعيش المشاهد أدق تفاصيل الحياة في قرية الزيتون، وأنا لم أعش فقط بل قفزت من مقعدى إلى الجليل، ليبدأ اليهود في تدمير قرية عين الزيتون وإحراقها ومشاهد التهجير ويلجأ المخرج إلى اللقطات التي تجسد التفاصيل، وكأن الكاميرا تحاول حل رموز الواقع وإبراز دور الأشياء والعلاقات فهى ليست فقط تلتقط وتسجل، ليتأكد إبراز دور هذه الأشياء وقيمتها في الواقع، وكما كان للأشياء دور القوة الفاعلة درامياً في الرواية فهي ليست فقط تحرك الأحداث بل أيضاً المشاعر والعلاقات، فالبرتقال والزيتون وإناء الفخار وبيت أم حسن والمخيم ومصحف الشيخ إبراهيم الأسدي والشجرة الرومية جزء لا يتجزأ من البناء الأساسي للرواية، فما تبقى لهؤلاء بعد أن فقدوا وطنهم فقط أشياء وصور أشياء لها حكايات، وقد أبرز يسري نصرالله هذه العلاقات على مستوى الصورة السينمائية التي تجسد استثمار الأبطال للأشياء استثماراً بصريا، فثمة علاقة عميقة بصرية بينهم وبين هذه الأشياء التي يمتلكون حيازة بصرية لها، وهم في حقول الزيتون ليسوا فقط ينظرون إليها بل يتوحدون معها، وفي نكبة ٨٤ يدخل يونس إلى بيته الذي احترق وتم تدميره ليحفر على ذراعه هذا التاريخ، وتتجول الكاميرا مع عينيه في البيت ليس فقط لكي تصف وتتأمل ويتحسر هو بل التهمت عيناه الجدران المهدمة والأثاث المحترق ليظل بداخله إلى الأبد، وهذه الرؤية تليق بيونس الذي أكد فيما بعد أنه ليس فقط سيأكل برتقال فلسطين بل وفلسطين نفسها، فلا بد أن يؤكل الوطن حتى يحتفظ به داخله، والعديد من الأمثلة التي تجسد هذه العلاقة العميقة بين أبطال الرواية/ الفيلم والأشياء وكأن هؤلاء حين تم تهجيرهم حملوا حيواناتهم وبيوتهم وأشياءهم على أكتافهم، بل وبداخلهم، ففي بداية الجزء الثانى (العودة) تعود أم حسن لزيارة بيتها في الجليل وهي تتأمل إناء الفخار وحين تطلب منها اليهودية أن تأخذه معها ترفض فهو يعيش في بيته، فالأشياء ليست سوى المرجع والواقع يتكلم ويحدث أيضاً من خلال هذه الصور. وفي مشاهد المجاميع وهي تغادر فلسطين تحت وابل من الرصاص ومطاردة اليهود يلجأ المخرج إلى اللقطات الطويلة الحافلة بالتفاصيل والأحداث لتحمل الصورة أبعد من الحركة / وتجسد الإحساس والفعل والعاطفة / وربما رد الفعل المؤلم لهذه المشاهد ليس فقط من أجل قسوتها بل أيضاً من خلال اللقطات الطويلة التي جعلت هذه المشاهد تتوحد مع الأحداث والأبطال.. لينتهي الجزء الأول ونهيلة تعلن أمام الجميع في قرية دير الأسد أنها زوجة المناضل يونس الأسدي وأن هؤلاء أولاده وسط الزغاريد والفرحة ، بعد أن أعتقلها اليهود في محاولة لمعرفة أين زوجها يونس، وفي مشهد من أجمل مشاهد الفيلم حين يسأل المحقق نهيلة كيف أنها حبلى ولاتقابل زوجها ولا تعرف أين هو، لتصمت قليلاً وتصرخ في وجهه : أنا شرموطة.............. حاول السيناريو مراعاة الترتيب الزمني أو الإيضاح متخلياً عن تيار الوعي في الرواية الذي يناسب غيبوبة يونس وإنفجار ذاكرة خليل ولكن في الفيلم انفجرت ذاكرة الصور.. فنحن لانحمل ذاكرة بقدر مانتحرك نحن داخل ذاكرة وجودنا، فبين الواقعي والمتخيل، بين الحاضر والماضي جسدت الصورة في الجزء الأول (الرحيل) الخاص والعام بين تفاصيل البشر وحياتهم مع قراءة سياسية في رؤية فنية غير مباشرة، فربما تكون لشخصية الملازم مهدي الذي أطلق على نفسه الملازم مهدي الدجاج أحد قادة القوات العربية في حرب 48 وانتحاره بعد تأكده من فشل هذه القوات وانسحابها دلالة عميقة على الوضع العربي وحال قواته في ذلك الوقت. ولنتأمل هذه الحكاية من خلال مجموعة من الصور، حين حمل أهالي قرية عين الزيتون الدجاج وصعدوا إلى موقع كتيبة الملازم مهدي يقودهم يونس كان مهدي في ملابس رثة ثائراً محبطاً وأمرهم بالعودة بقفص الدجاج وظل يضحك بجنون.. سوف يذكرني التاريخ أنا والدجاج، فالصورة هنا تستهدف الواقع لحل رموزه، فحين نعود إلى المشهد السابق وكيف جمع هؤلاء الدجاج من أهالي المخيم ويونس يصرخ في وجه إحداهن (وطن بلا دجاج أفضل من دجاج بلا وطن)، والمشهد الساخر الذي أعاد فيه اليهود الأواعي بعد ترتيبها وتصنيفها حسب اللون، وفي غمرة هذه السخرية يطلق مهدي الدجاج الرصاص على نفسه وينتحر، فالصورة ليست نسخة من الواقع ولكنها محاولة لرصد هذا الواقع وإبراز دور الأشياء من خلال حكمة الصورة. وكما بدأ الجزء الأول في شاتيلا مع شتاء وأمطار 1994، يبدأ الجزء الثاني في صيف 1994 في شاتيلا أيضا ولكن مع مظاهرات اللاجئين حول أوسلو حيث اختلفت الصورة ولم تعد الكاميرا إلى الوراء فما زال خليل يدرب ذاكرته ويحاول إبعاد الموت عن يونس بالكلام والقصص، وتعلق أم حسن (نادرة عمران) على ضجيج المظاهرات وتباين الشعارات قائلة : أي شعرة من مؤخرة الخنزير بركة.. ويتخلى نصرالله قليلاً عن الترتيب الزمني ومن أوسلو يعود إلى مشاهد طرد منظمة التحرير الفلسطنية من بيروت 1982 وبينهما مشهد اغتيال شمس وفي الخلفية موسيقى مارسيل خليفة وكلها لقطات طويلة تستهدف الواقع وتجسد علاقاته الواهية وتتعمق في الجزء الثاني فكرة الزمن والصور وما تطرحة الحكايات وتجسده الصور حيث يتزامن الماضي والحاضر والمستقبل، وحسب »الن روب غرييه« (ليس هناك تعاقب للأزمنة التي تمضي بل أن هناك تزامناً لحاضر ماض وحاضر حاضر ولحاضر مستقبل وهذا ما يجعل الزمن رهيباً وغير قابل للتفسير) وحين تجمعت هذه الأزمنة في رأس خليل انفجرت ذاكرته وراح الماضي والحاضر والمستقبل كل منهم يستعيد الآخر ويناقضه ويمحوه، فقط صورة زمن قوية، ويسأل خليل يونس بعد أن زار بيته..(عالم من الصور، عالم غريب، لا أعرف كيف أستطعت النوم داخله كل هذا العمر؟ صرت وكأنني أسبح مع الصور في الظلام اقتربت منهم واحدا واحدا واكتشفت عالمك السحري، عالم من الصور المعلقة على حبال الذاكرة، كانت الصور وكأنها تتحرك وسمعت أصواتاً خافتة تخرج من الحيطان وخفت.. من أين لك هذه الصور؟ هل كنت تذهب حين تذهب من أجل نهيلة أم من أجل الصور؟) وأنا سألت نفسي أيصاً كان يونس يذهب من أجل من؟ ربما كان يذهب من أجل صناعة الصور، حتى أصبحت باب الشمس مقبرة للصور وكل صورة هي صورة لزمن حقيقي لا صورة متحركة على الشاشة أو من قبل سرد حكائي في قصة، فحين قاربت نهيلة على الموت أوصت الأحفاد أن يحملوا الأغراض من مغارة باب الشمس وأوصت بإغلاقها بالحجارة وكان المشهد الأخير في الفيلم، وتم إغلاقها على الزمن والصور التي صنعتها مع يونس هناك. ونهيلة نفسها مجموعة من الصور لامرأة واحدة، فهناك نهيلة الأولى زوجة يونس الصغيرة التي لم يعرفها لأنه كان في الجبال مع المجاهدين، والثانية المرأة الجميلة التي ولدت في مغارة باب الشمس وهي »تدعس« العنب وتتزوج زوجها من جديد والثالثة أم إبراهيم الذي مات، والرابعة أم نور التي التصق بها يونس في المغارة وصار يدعوها أم النور، والخامسة بطلة المأتم التي خرجت من السجن لتعلن موت زوجها، والسادسة أم كل هؤلاء الذين يملأون ساحة دير الأسد، والسابعة امرأة وحيدة فقيرة نهيلة التي تعبت من التعب. هكذا يصفها ويراها يونس مجموعة من الصور في امرأة واحدة صورة لكل زمن، وهي تشعر أنها تعيش في مكان ليس حقيقياً وتصنع صوراً مختلفة ليونس، آخرها إيليا والاسم لا يخلو من دلالة فهو النبي الذي اختطفته عربة ذهبية وصعدت به إلى السماء فهو لم يمت أبدا، ويونس لم يصعد إلى السماء ولكنه صنع حياة من الصور قادرة على البقاء، وفي الوقت الذي يلفظ فيه يونس أنفاسه الأخيرة في مستشفى الجليل بعد أن انتهى السرد ونضب معين الصور، تستوقف سيدة خليل في الطريق وتسأله عن إيليا فهي تحمل له خطاباً من زوجته، وخليل لايعرف إيليا ولايوجد إنسان بهذا الاسم في المخيم وتذهب معه إلى بيته وتصر على البقاء حتى الصباح في مشهد يبدو حلماً يستعير أجواء التوراة، حيث ترتب الغريبة البيت وتطعم صاحبه سمكاً وتمارس معه الحب ثم تتلاشى في الصباح، بعد أن تترك له الخطاب، وفي المستشفى يكون يونس قد مات فهذه آخر الصور، ربما يفهم خليل حكمة الصور التي هي بديل عن غياب البشر، وأيضاً ربما يفهم المشاهد والقارئ هذه الحكمة ودن شك نجح الفيلم ومن قبل الرواية في تجسيد هذه الحكمة، ماتت نهيلة ومات يونس وضاعت فلسطين، ولكن هناك عشرات الأحفاد على اسم نهيلة ويونس صور صغيرة سوف تكبر وتبعث من جديد . لن يستطيع السيناريو على الرغم من مشاركة مؤلف الرواية في كتابته أن يغطي كل الأحداث ونجح دون شك في تقديم قراءة بصرية للأحداث والشخصيات ولكنني افتقدت بشكل ربما شعري نهيلة الثامنة، تلك المرأة التي اشتعل رأسها بياضاً والتي تحمل سلة صغيرة، تضع فيها الزهور إلى جانب وريقات صغيرة تكتب عليها أسماء الذين تحبهم. تمزج الأزهار بالأسماء، وتهدد أحفادها وحفيداتها، بأنها ستضع علامة سوداء إلى جانب من يعذبها. افتقدت هذه الصورة على الشاشة واكتفى الفيلم بصورة أخيرة لنهيلة وهي تبتعد وتتلاشى في مغارة باب الشمس، ربما حاول الفيلم أن يترك مساحة للتخيل، ونأتي إلى فريق الممثلين، فكانت فكرة الاختيار جريئة وذكية من يسرى نصرالله، حيث لم يلجأ إلى النجوم والمشاهير في الوسط السينمائي العربي بل إلى مجموعة حقيقية وصادقة معظمهم من محترفي المسرح، محتسب عارف (الشيخ إبراهيم الأسدي) الأعمى الذي امتنع عن استعمال الماء ولجأ إلى التراب يتوضأ ويتحمم به فقد فسدت المياه كما يعتقد، هو والد يونس الأسدي ومعلم نهيلة زوجته فقد علمها القراءة والكتابة والشعر وحفظ القرآن، حين شاهدته على الشاشة نسيت محتسب الذي أعرفه من فرقة الفوانيس المسرحية في الأردن وتوحدت مع الشيخ الأعمى الذي جسد مأساة الجيل الأول من الشعب الفلسطيني وكان بطلاً حقيقياً للجزء الأول، أما الراوية أو الشاهد الحقيقي على هذه الأحداث أم حسن (نادرة عمران) أيضاً ممثلة مسرحية قديرة استطاعت تجسيد دور القابلة التي جاءت من الكويكات وتحفظ في ذاكرتها الماضي والحاضر والمستقبل، لم تفارقها العصا أو السيجارة مما أضفى عليها طابعاً أسطورياً بالإضافة إلى حدتها والسخرية السوداء التي اعتمدتها أسلوب الأداء، وكانت في إقامتها مع يونس فاقد الذاكرة وخليل في مستشفى الجليل تشبه العراف الاغريقي تيريزياس الذي عانى وتألم من كل المأسي وما زال يتألم مما سوف يحدث في المستقبل، وممثلة مسرحية أخرى هي حنان الحاج على في دور زينب الممرضة العرجاء في مستشفى الجليل، أما عراب هذه الرواية (عروة نيرابية) إبراهيم الأسدي في دورين، المريض فاقد الذاكرة في مستشفى الجليل صامتاً جثة هامدة وكان معبراً ومدهشاً في أداء الصمت وتجسيد الموت بالإضافة الى دور المناضل مع رفيقته نهيلة (ريم تركي) التي كانت براءتها واحساسها الطفولي وراء نجاحها في هذا الدور، واستطاع (باسل خياط) أو الدكتور خليل اقناع المشاهد بأنه نصف مناضل ونصف طبيب ونصف خائف...... وهذا ليس بالأمر اليسير، واستطاعت المجموعة أن تجعل المشاهد لا يشعر بالغربة مع اللهجة الفلسطينية والأداء الذي جسد قسوة المذابح وحياة اللاجئين بالإضافة إلى موسيقى تامر كروان التي جسدت العودة والرحيل وشعرت في أحيان كثيرة وخاصة في مشاد التهجير أن المهاجرين يهرولون إلى هذه الموسيقى وتقاسي هي معهم، وأيضا مراعاة هذه الموسيقى للفلكلور الفلسطيني والاستعانة بالتيمات الشعبية في الأعراس والمآسي، وهذا مافعلته ملابس ناهد نصرالله التي غطت نصف قرن هي زمن أحداث باب الشمس واستطاعت أن ترسم صورة دقيقة لهذه الملابس في مراحل مختلفة تم فيها مراعاة الزمن وتطور الأحداث لتضع هي أيضاً صورة للزمن من خلال ملابس الشعب الفلسطيني في الرحيل والعودة. |
|||||
|
|||||