|
|||||
|
التشابه بين الذات والتاريخ في الأعمال السردية الجديدة ينبئ بأن هناك تحولا على صعيد الوعي بالكتابة. يتأسس هذا التحول على قاعدة أن الرواية يمكن أن تكون في آن واحد نوعا أو نصا، وأنها لاتتحدد على قاعدة »المادة الحكائية« التي تتخذها أساسا لانبنائها الخطابي يقول عبد الرحمن منيف : »أما »مدن الملح«، فليس سهلا أن نطلق عليها رواية تاريخية، ونكتفي بهذه التسمية، لأن أحداثها وتأثيرات هذه الأحداث لاتزال تجري أمام أنظارنا، أي الآن وعلى امتداد المنطقة العربية« (1). 1. طرح الإشكال: 1. 1. أدى ضعف الاهتمام بنظرية الأجناس الأدبية (في الأدب عموما) ونقص العناية بنظرية الأنواع السردية (في السرد خاصة) إلى تعثر تطور النظرية الأدبية العربية المعاصرة. فكان التركيز في مجال دراسة الرواية مثلا ينصب على تحليل النصوص المفردة تحليلا شاملا أو جزئيا، أو تحليل عدد من الروايات انطلاقا من أحد مكونات العمل الروائي. وفي هذين الضربين من الدراسة لم يكن يحظى البعد النوعي الروائي بانشغالات الباحث أو الناقد، علما أن كل نوع سردي له محدداته التي تميزه عن غيره من الأنواع السردية، وإن كان يلتقي معها جميعا على مستوى الجنس. فكان من خلال تغييب البعد النوعي ضياع الملامح الخاصة به في التحليل السردي من جهة، ومن جهة أخرى، كان ذلك يسهم في تأخير النظرية الجنسية أو النوعية ومن ثمة تعثر تطور النظرية الأدبية. يبدو لنا هذا التأخير في مستواه العام في كون النظرية الأدبية العربية الحديثة لا تزال تعتمد على مستوى نظرية الأجناس الأدبية التقليدية التي هيمنت في أواسط القرن العشرين وهي امتداد لما تبلور في العشرينيات منه بناء على أصداء الترجمات التي كانت تعتمد الدراسات التقليدية الغربية حول نظرية الأجناس الأدبية. كان من آثار هذا التأخر في صياغة نظرية للأنواع السردية أو إيلائها ما تستحق من العناية، والانطلاق مقابل ذلك من تصور يقضي، ضمنا، بعدم أهميتها تحت ذريعة أن »النص« الروائي مفتوح على الأنواع أو الأجناس وبالتالي لا نوع له، أن: ـ ضاعت الحدود والفواصل بين الأنواع الروائية (خصوصا)، والسردية عموما، وصار مفهوم »الرواية« بغض النظر عن أي تصنيف هو التصور السائد لدى المبدع والناقد على السواء. ـ غاب الميثاق النوعي بين القارئ والنص. وصار القارئ يتعامل مع الرواية بدون أي تحديد. فهو ينطلق إلى عالم الرواية، وعليه اكتشاف خصائصها وهو يتعامل معها، ويستدعي هذا المزيد من الجهد لولوج عالم الرواية. وفي أحيان عديدة كان الضياع والخيبة مصير تغييب ميثاق القراءة. ـ غاب تطور النص الروائي. إن أي تطور للنص لايمكن أن يحصل إلا وفق قواعد خاصة بالنوع الذي يكتب في نطاقه، وإلا فإنه سيظل »مفتوحا« على أي شيء بدون أن يتحدد هذا الشيء الذي هو أصلا غير محدد. ولقد أدى هذا الوضع إلى تشابه النصوص في الانفتاح على »قواعد« جديدة بدون أي معيار أو مقياس يمكن بواسطته تمييز قواعد أو ضوابط الكتابة. وظلت القراءات النقدية المختلفة تراوح المكونات نفسها وقد صارت تستقطب الاهتمام بدون أي أفق تنظيري أو نقدي. 1. 2. لاتخفى أهمية الأجناس والأنواع لأن أي كاتب وهو ينطلق من تصور عام للنص يكتب بصورة أو بأخرى تحت جنس أو نوع محدد. وعلى الدرس الأدبي أن يسعى إلى تحديد »جنسية« النص أو »نوعيته« مهما حاول الكاتب اعتماد مبدأ »النص« المفتوح قاعدة لإبداعه. إن أي نص، كيفما كان جنسه، هو نص مفتوح. لكن انفتاح أي نص لايعني عدم »انغلاقه« على جنس أو نوع أو نمط محدد. فالطوابع المهيمنة في النص تمكننا من تلمس انتمائه الجنسي أو النوعي مهما بدا لنا ذلك مستحيلا أو شبه مستحيل، إلا في حالات نادرة جدا. وأرى تبعا لهذا أن فتح الباب لإعادة النظر في قضايا النوع الروائي كفيل بالكشف عما يحدد صلات الروايات واختلافاتها عن بعضها. أما الاكتفاء بإعلان »الانفتاح«، وهو سمة جوهرية في أي نص، فلا يمكن إلا أن يعوق انتباهنا إلى أهمية وضرورة الكشف عن »النوع« في النص، ويحول دون تطور الدراسة السردية وهي ترمي إلى متابعة كل ما يتصل بالسرد من مختلف جوانبه وفي كافة قضاياه ومكوناته. 1. 3. نرمي في هذا السياق إلى التساؤل عن »نوعية« الرواية التاريخية وعن إمكان التوصل الى قواعد عامة تمكننا من رصد مميزاتها والوقوف على أهم الملامح التي تحدد »سردية« النص الروائي وهو ينفتح على »التاريخ« لإنتاج رواية تاريخية. ولا يسعنا في هذا النطاق سوى الإشارة إلى أن تأكيد الحديث عن النوع، وهو يتصل بالخطاب في تصورنا الذي نشتغل به (2) لايعني سوى انفتاح النص عليه بصورة محددة. إن النوع حسب ما يذهب إليه فرانسوا راستيي »هو ما يربط نصا بخطاب« (3)، ولا يدل هذا سوى على أن النص وهو ينتمي نوعيا، من جهة الخطاب، لايتقيد مطلقا بالقواعد العامة للنوع كما هي في التقليد الأدبي. وهنا، بالضبط، مكمن الانفتاح الذي نتحدث عنه. إنه يتحقق داخل النوع ومن خلاله أيضا. لذلك كان من اللازم تدقيق العلاقة على المستوى النظري والعملي بين النص والنوع وعلاقتهما القائمة على التحول والتغير، وليس على السكون والثبات. ومعنى ذلك بتعبير آخر ان الكاتب وهو ينتج نصه، ينطلق من صورة أو هيئة محددة ذات علاقة بالنوع أو بالنص، ولكنه لايتقيد بالأشكال والصور المتحققة قبله بالكيفية نفسها. إنه يتحرر على طريقته في الإبداع، ولكنه في الوقت نفسه يمارس إنتاجه ضمن نوع محدد ولكن بحرية وانفتاح. 2. الزمان، السرد، الخطاب: 2. 1. في البدء كان الخبر: 2. 1. 1. يعيش الناس في كل زمان ومكان حياتهم الخاصة والعادية، لكنهم أيضا يحكون في كل يوم كل ما يتعلق بهذه الحياة. غير أن أحداثا محددة من هذه الحياة المليئة بالتوقعات تستوقف الجميع وتتداولها الألسن ويتم تناقلها في مختلف المجالس. إن الأحداث القابلة للحكي أيا كانت طبيعتها هي موضوع »الخبر« باعتباره نواة أي عمل سردي. لكن ضمن الأحداث القابلة للحكي نجد أيضا ما هو قابل للاستمرار، ومنها ما هو لحظي ينسى بمجرد مرور الزمان. يرتهن تمييزنا إذن، ونحن نحاول الانطلاق من الخبر مقرونا بالحدث، بين صنفين كبيرين: أ. القابل للحكي: وهو كل مادة يمكن أن تحكى في زمان ما لضرورة ما من ضرورات التواصل بين الناس. ب. القابل للاستمرار، وهو كل مادة قابلة للحكي، لكنها تتجاوز الزمان والمكان اللذين أنتجت فيهما، مخترقة بذلك الزمان والمكان. وندرج ضمن هذا الصنف الثاني الأساطير والخرافات والقصص الديني والحكايات الشعبية، والأحداث والوقائع الكبرى التي وقعت في التاريخ الخاص بأمة من الأمم أو في تاريخ البشرية،،، إن المواد الخبرية القابلة للحكي متولدة باستمرار، وهي تتجدد بتجدد الحياة. أما المواد القابلة للاستمرار فهي شبه متعالية ومنتهية في الزمان، وتشكل تبعا لذلك »ذخيرة« حكائية تامة، وشبه مستقلة عن الزمان، ويمكن ترهينها أبدا وفي أي زمان ومكان. يُخطَّب الحدث القابل للاستمرار من خلال الحكي الشفوي المتداول يوميا، كما أن خطابات أخرى توظفه لأهميته في حياة تلك الجماعة في خطابات كالشعر أوالخطابة وغيرهما وهي تستعمل بعض عناصره أو التطورات التي نجمت عنه ما دام يستند إلى حدث جلل له قيمة خاصة بالنسبة إلى الذاكرة الجماعية. ومع مرور الزمان يتحول »الخبر« إلى مادة للخطابات الكائنة والممكنة، وكل يتعامل معه وفق شروطه وقواعده الخاصة. فيتم تحويله من خطاب شفوي إلى آخر كتابي عن طريق التدوين، كما أن خطابا من هذه الخطابات يصبح مصدرا أساسيا للخطابات التي تنقل هذا الخبر وهي تستعمله تبعا لقواعد النوع التي تنتمي إليه، وهكذا دواليك. 2. 1. 2. يلعب الزمان دورا كبيرا في »الخبر« لأنه لايمكن حكيه أو سرده إلا بعد وقوعه. إن هناك مسافة زمانية بين وقوع الخبر وبين الإخبار عنه. ولما كان الخبر نواة أي عمل سردي، كانت هذه هي السمة الأساسية المشتركة بين كل عمل سردي ينهض على قاعدة الخبر: فمادة الخبر سابقة على زمان تجليه في أي خطاب. وكل خطاب يعطي للمادة نفسها أو ما يتصل بها نسقا خاصا يجعله يختلف، رغم السمات المشتركة عن غيره من الخطابات على نحو ما سنبين. إن ناقل الخبر الواحد يعتمد طرائق خاصة في حكيه وسرده إياه. كما أن ناقل مجموعة من الأخبار يلجأ إلى أساليب تراكمية مختلفة لجعل ما ينقله قابلا للاستيعاب والاستقبال وفق الشروط التي يستعمل فيها. هكذا نتبين أن الخبر الواحد مثلا يروى في مجلس ويكون القصد منه التندر، وفي مجلس آخر يروى الخبر نفسه للتدبر، وفي كل مرة يروى بطريقة مختلفة تجعله يتجلى مرة في خطاب النادرة، وفي أخرى خطاب الوعظ، وقس على ذلك. نلاحظ هنا أن المادة واحدة (الحدث)، لكنها تتخذ تجليات خطابية متعددة، ولا حصر لها وكل خطاب يمنحها طابعا »نوعيا« مختلفا عن الطوابع الأخرى التي يمكن أن تعطيها إياها خطابات أخرى. وإذا كانت المادة الحدثية (الحكائية) واحدة، والخطاب يعدد أشكال تجليها، نجد كذلك أن الخبر نفسه وهو يقدم بحسب طبيعة الخطاب ومقاصده أيضا يختلف من خطاب إلى آخر من حيث الصحة والصدق أو غيرهما. هكذا نجد خطابا يحاول تقديم »الخبر« باعتماد مقدار كبير من التدقيق في طبيعة الخبر ومطابقته للواقع وذلك بانتهاج طرق تثبيت الخبر وصحته باللجوء إلى »الروايات« الصحيحة والمعتمدة في تأكيد صحة الخبر. ويمكن للمادة نفسها أن تقدم في خطاب آخر لايتقيد بصدق الخبر أو ملاءمته للواقع، فيتساهل في نقله لخطابه بدون أي تمحيص أو تدقيق، بل إننا نجد من يتقصد تحريف الخبر، وتقديمه بطريقته الخاصة والتي يحافظ فيها على جوانب منه، ولكنه يتزيد في تفصيلاته لأغراض معينة ويضيف ما يحلو له من أشياء من صنع خياله فيصبح الخبر لاصلة له بالمادة كما هي في خطابات أخرى، فنغدو بذلك أمام خطاب مختلف تماما. 2. 1. 3. يتحدد الخبر الذي اتخذناه هنا مثالا باشتراكه من حيث الزمان والسرد: إن زمان السرد لاحق، بينما زمان الخبر سابق. وكل خطاب سردي ينبني على هذه القاعدة حتى وإن كان زمان الخبر مستقبليا كما نجد في رواية الخيال العلمي. لكن الاختلاف يقع على مستوى الخطاب الذي تقدم لنا من خلاله المادة الخبرية. نستنتج مما تقدم أن الخطاب هو موئل الاختلاف بين مختلف الطرائق التي تقدم من خلالها المادة نفسها. وبما انا أشرنا إلى أن السرد مشترك بين مختلف الأشكال التي تقدم من خلالها تلك المادة، نسم هذا الخطاب بالسردي، ونعتبر الخطابات السردية متعددة بتعدد طرائق وقواعد الخطاب الذي تقدم لنا من خلاله تلك المادة القابلة للحكي. وسنحاول تقديم هذه الفكرة بالتمييز بين هذه الخطابات من خلال مثال ملموس يساعدنا على الانتهاء إلى موضوعنا، حول الرواية التاريخية، وهو المتعلق بعلاقة التاريخ بالسيرة الشعبية كخطابين مختلفين رغم أنهما معا ينهضان على المادة الحكائية نفسها. 2. 2. الخبر، التاريخ، السيرة الشعبية: 2. 2. 1. يمكننا ضرب مثال لهذه العلاقة بين السرد والخطاب من خلال علاقة التاريخ بالسيرة الشعبية. فالمؤرخ التقليدي لينجز خطابه التاريخي، وهو سردي من حيث طبيعته، يعتمد نواة السرد في عمله وهي الخبر: إنها مادته الأساسية التي يشتغل بها. يستقصي المؤرخ المواد الخبرية المتصلة بموضوعه فيقوم بصياغتها وفق صيرورة وقوعها محاولا تحري »صحة« الحدث و»صدق« الواقعة، منتقدا المادة التي حصل عليها وممحصا ما يتجمع لديه من أخبار. وبعد الانتهاء من عمله هذا يعمل على »تشكيل« العالم الذي يؤرخ له وفق ما تقدمه من أنساق وطرائق في الكتابة تبعا لقواعد الخطاب التاريخي بحسب ثقافة العصر الذي يعيش فيه (ابن خلدون ليس الطبري). هذا الخطاب بمواصفاته الخاصة التي يضيق المجال عن الوقوف على أهم تجلياتها له تقاليده وأدبياته وطرائقه الخطابية المتميزة التي يتم التعامل معه وفقها. هكذا يتم قراءة هذا الخطاب وتلقيه باعتباره »تاريخا« ينحو نحو مطابقة الحوادث والوقائع كما وقعت في زمان مضى بناء على مطابقة تامة مع الواقع الذي كان وبكيفية »موضوعية«. إن مادة الخطاب التاريخي تقدم باعتبارها تعبيرا عن الحدث كما وقع فهي تمثل »الحقيقة التاريخية« تبعا لذلك. و لاداعي هنا للإشارة إلى النقد التاريخي الذي يمكن أن يوجه إلى أي خطاب تاريخي بقصد إبراز زيف ادعائه التعبير عن الحقيقة التاريخية بتقديم أدلة مخالفة أو معطيات جديدة. 2. 2. 2. أما راوي السيرة الشعبية (كخطاب) فهو مثل المؤرخ التقليدي سواء بسواء. ينطلق بدوره وعلى غراره من المادة نفسها (كل المواد الحكائية في السيرة الشعبية مبنية بصورة عامة على معطيات تاريخية نجدها في مختلف المصادر، وأغلب أبطال السير الشعبية شخصيات تاريخية: عنترة،الملك سيف بن ذي يزن، الملك الظاهر بيبرس،،،) لكنه يشتغل بها وفق نسق خاص ومختلف تماما: إنه حر في التعامل معها، ولا تهمه درجة صحة الأحداث أو صدق الوقائع ومطابقتها لما جرى. إنه يطلق العنان لخياله مازجا بين »الواقعي« و»الخيالي« بدرجة لايبرز فيها أي تباين أو تصارع بينهما. إنهما يتوحدان في الصورة والمآل، وينسجمان بكيفية لا مجال فيها للتباين بين العوالم أو الاختلاف بينها. يقدم لنا الراوي الشعبي أبطاله وأحداث الماضي ووقائعه »التاريخية« محملة بقواعد خطاب السيرة الشعبية حيث »الحدث« التاريخي يأتي بالنسبة إليه من حيث مطابقته للحقيقة التاريخية في الدرجة الثانية. لهذا الاعتبار يتعامل متلقي خطاب السيرة الشعبية (السامع والقارئ) مع هذا الخطاب تعاملا يختلف عن تعامله مع الخطاب التاريخي الذي يجده عند المسعودي والطبري وابن كثير وسواهم. فالميثاق الجنسي أو النوعي بين الخطاب ومتلقيه له دور كبير جدا في تحديد نوعية الخطاب. فكلما كان الخطاب التاريخي يفرض على قارئه التساؤل عن »صحة« ما وقع، كان خطاب السيرة الشعبية يثير لدى المتلقي الشعور ببراعة »الخيال« المتحقق في الخطاب. 2. 2. 2. هذه الصورة المختزلة والمقدمة بصدد النظر إلى »الخبر« في مختلف تجلياته الممكنة هي نفسها التي يمكن البحث فيها من خلال العلاقة بين الرواية والتاريخ إنهما معا ينبنيان على مادة حكائية، قابلة للحكي، غير أن كل خطاب منهما يقدمها لنا بطريقة مختلفة، وذلك ما سنحاول إبرازه من خلال الوقوف على علاقة الرواية بالتاريخ في النقطة التالية. بقي لنا، وقبل الانتقال إلى النقطة التالية، للتشابه الكبير الحاصل بين المادة وخطابها، أن نبين أن العلاقة بين الراوي الشعبي (المجهول الإسم) والمؤرخ التقليدي هي العلاقة نفسها بين الروائي (وقد صار له إسم خاص يعرف به) والمؤرخ الحديث. كما أن علاقة خطاب السيرة الشعبية بالخطاب التاريخي التقليدي هي عين العلاقة بين الرواية والتاريخ، وأن لافرق في النهاية بين أشكال الخطاب في الماضي ونظيرتها في العصر الحاضر إلا ما اتصل منها بكيفية التعامل مع الأشياء وفق منظورات وأنساق تبنى على أساس تطور الزمان، وتختلف باختلاف الثقافة والعصر. 3. الرواية والتاريخ: الواقعي والتاريخي: 3. 1. ماذا يفعل الروائي حين يستقي مكونات »مادته الحكائية« من غير الزمان الذي يعيش فيه؟ 3. 1. 1 هل يكتب رواية تاريخية، باعتبارها خطابا أي نوعا سرديا له خصائصه ومميزاته الطبيعية والوظيفية؟ ولا غضاضة هنا أن يخرج عن قواعد النوع كما هي ممارسة في التقليد الأدبي الذي أسس لها أو كما هو منظر لها في الأدبيات التي اهتمت بالرواية التاريخية. كأن يكتب مثلا رواية تاريخية جديدة لاصلة لها بالرواية الكلاسيكية التي نجدها عند والتر سكوت أو جورجي زيدان،،، ومن سار في هذا الاتجاه. وفي هذه الحالة تظل روايته تاريخية ولكنها تندرج في سياق تطور أو»تاريخ« الرواية التاريخية وقد صار لها تاريخها الخاص شأن كل الأنواع الأدبية؟ 3. 1. 2. أم أنه يكتب »رواية« بغض النظر عن نوعها التاريخي، فيستثمر المادة الحكائية التاريخية مقدما إياها بطريقة خاصة لاتحافظ على »نوعية« الرواية التاريخية كما مارسها كتاب هذا النوع الروائي؟ وهو في خرقه قواعد النوع، يسلك طريقا آخر يجعل »الرواية« تندرج ضمن نوع آخر، لاصلة له بالرواية التاريخية، حتى وإن ظلت المادة التي يشتغل بها تاريخية؟ 3. 2. 1.إننا هنا، في صلب إشكالية »النوع الروائي«. فإذا كنا بحسب السؤال الأول (3. 1. 1) نحدد صلة الرواية بالمادة كإطار لتحديد نوعيتها، فإننا في السؤال الثاني (3. 1. 2) لانقيم للمادة أي أساس، ونعتبر ما يحدد نوعية الرواية ليس مادتها، ولكن خطابها أيا كانت المادة المشتغل بها. 3. 2. 2. ما يدفعنا إلى طرح هذه التساؤلات، يتصل بطبيعة الرواية في حد ذاتها. فإذا كنا في مراحل البدايات الأولى للرواية العربية وحتى الأجنبية أمام تصنيف الرواية التي تتخذ مادتها من التاريخ بأنها رواية تاريخية، بتنا مع ظهور نظريات لاتؤمن بالنوع، وخصوصا منذ السبعينيات من القرن العشرين أمام، مفهوم »النص« بديلا عن الجنس أو النوع. فالروائي يكتب »رواية« بغض النظر عن نوعها وبدون أي فكرة مسبقة عن النوع الذي يمكن أن تندرج فيه. هذه النظريات التي تلغي »الأنواع« وجدنا الكتاب ينتصرون لها، ونرى العديد من الروائيين يكتبون روايات على مواد تاريخية ولكنهم لايقرون بأنهم يكتبون رواية تاريخية. لقد صار بمقتضى هذه التصورات أو كصدى لها يبدو مفهوم »الرواية التاريخية« وكأنه مفهوم قدحي مادم يوحي إلى نوع روائي وليد البدايات الأولى لتشكل الرواية، كما أننا نجد من يعتبرها نوعا هجينا، ويتصل بالكتابة للأحداث: إنها نوع ثانوي وقليل الأهمية (4). 3. 2. 3. يذكرني هذا الوضع المتصل بعلاقة الرواية بالتاريخ بعلاقة الرواية بالذات. فإذا كان الروائيون يكتبون نصوصا سردية يدرجونها تحت إسم »السيرة الذاتية« باعتبارها نوعا يتمحور حول »ذات« الكاتب، وتحت طائلة ما أثاره مفهوم السيرة الذاتية من إحراجات والتباسات مرافقة لصلتها بالأخلاق والحميمية الذاتية التي ما تزال مجتمعاتنا ترفضها ولا تستسيغها، أمام تهرب الروائيين من تحديد نوعية نصوصهم المتمحورة على الذات. وصار مفهوم الرواية حتى وإن تركزت على »ذات« الكاتب هو الرائج في هذا النوع من الكتابات. وكأني بالكاتب ينفر من قبول ترتيب »ذاتيته« السردية في خانة السيرة الذاتية. إنه يكتب رواية وكفى، حتى وإن تمحورت على الذات أو على شذرات منها، لأن الكاتب لم يلتزم بـ»قواعد« السيرة الذاتية. ولا يمكن قراءتها في ضوء السيرة الذاتية وقد اتخذت لبوسا مخالفا لما هو معهود في الكتابات السير ذاتية التقليدية. لقد تم مزج الواقع »الذاتي« بالتخييل الفني. فالذات تمتح من واقع الذات، ولكنها لاتتقيد بقوانين السيرة الذاتية وشروطها التي تتميز بها النصوص التي يدرجها أصحابها في خانة هذا النوع. 3. 2. 4. هذا التشابه بين الذات والتاريخ في الأعمال السردية الجديدة ينبئ بأن هناك تحولا على صعيد الوعي بالكتابة. يتأسس هذا التحول على قاعدة أن الرواية يمكن أن تكون في آن واحد نوعا أو نصا، وأنها لاتتحدد على قاعدة »المادة الحكائية« التي تتخذها أساسا لانبنائها الخطابي. يقول الروائي الذي يستقي مادته من التاريخ إنه يكتب رواية ولا يجب أن يدرج عمله في نطاق الرواية التاريخية. ويقول الكاتب الذي يؤسس نصه السردي على مادة حكائية تنبني على ما يتصل بحياته الشخصية إنه لايكتب سيرة ذاتية. إنهما معا لا يقران بكتابة الرواية التاريخية أو السيرة الذاتية، ولكنهما يكتبان الرواية. لكن هذه المواقف الواعية والمتموقفة ضد النوع تجعل الرواية فوق أي نوع. إنها تتعالى عليه وتأبى أن تصنف في أدراج أي تصنيف أو تنميط. فهل يمكننا التسليم بهذا »النص« المبالغ فيه، وإعادة تصنيف رواية ما في نطاق نوع ما رغم ادعاءات صاحبها؟ ذلك ما سنحاول البحث فيه من خلال التساؤل عن ماهية »الرواية التاريخية«. 3. 3. ما هي الرواية التاريخية؟ كل التعريفات والتحديدات التي تقدمها لنا المعاجم والدراسات المختصة حول الرواية التاريخية (5) وهي تطرح هذا السؤال تكاد تتفق على كون الرواية التاريخية عملا سرديا يرمي إلى إعادة بناء حقبة من الماضي بطريقة تخييلية حيث تتداخل شخصيات تاريخية مع شخصيات متخيلة. إننا في الرواية التاريخية نجد حضورا للمادة التاريخية لكنها مقدمة بطريقة إبداعية وتخييلية. ولهذا السبب نجد كل الذين حاولوا البحث فيها يلجأون إلى المقارنة بين السرد التاريخي والرواية التاريخية مميزين بينهما من جهة الحقيقة والخيال. فكلما كان السرد التاريخي ميالا إلى الحقيقة وسرد الأحداث التي يمكن التحقق من واقعيتها أي مطابقتها للوقائع، كانت الرواية التاريخية ألصق بالتخييل وبالإبداع السردي. إن الرواية التاريخية كما سبقت الإشارة تنهض على أساس مادة تاريخية، لكنها تقدم وفق قواعد الخطاب الروائي (التخييل) وهذا التخييل هو الذي يجعلها مختلفة عن الخطاب التاريخي. فما هي العناصر التي تحدد نوعيتها أي انتماءها إلى نوع محدد هو الرواية التاريخية؟ قبل محاولة تقديم جواب عن هذا السؤال يجدر بنا تدقيق المقصود بالمادة التاريخية في علاقتها بالواقع وبالزمان معا لصلتها الوثيقة بهما، لأن هذا التحديد سيمدنا ببعض عناصر الإجابة التي تمكننا من تدقيق علاقة التاريخي بالواقعي في الرواية إجمالا وفي الرواية التاريخية تحديدا. 3. 3. 1. المسافة الزمانية: تتحدد الرواية التاريخية كما أسلفنا من خلال كونها تعتمد حكي أحداث وقعت في الماضي، الشيء الذي يعني وجود مسافة زمانية جوهرية (تقاس بالعقود والأجيال والقرون) بين زمان الحدث التاريخي المقدم في الرواية، وزمان كتابتها. وإذا كان بعض الروائيين ينكرون وجود هذه المسافة، وذلك بهدف إعادة الحياة إلى الماضي (دوماس) نجد آخرين يبحثون عن تعالقات بين الماضي والحاضر، ويرون أن اعتماد الأحداث الماضية يسمح باستخلاص الدروس التي يمكن تطبيقها على الحاضر. وفي الحالة الثانية تغدو المسافة الزمانية قائمة، الشيء الذي يتيح إمكانية الحكم على الماضي. لكن هذا التمييز القائم على المسافة الزمانية يفرض علينا التساؤل عن حدود هذه المسافة وعلاقتها بالزمان. إنها تمتد لتتسع إلى الماضي البعيد جدا والمقيس بالقرون الغابرة. كما أنها يمكن أن تضيق لتشمل الزمان القريب والممتد في الحاضر والذي يمكن قياسه بسنوات محدودة بين زمان الأحداث المقدمة في الرواية وزمان الكتابة، الشيء الذي يدفعنا للسؤال عن إمكان الحديث عن رواية تاريخية للحاضر؟ لقد عاد نجيب محفوظ، مثلا، إلى مصر القديمة وقدم ثلاث روايات مستمدة من التاريخ الفرعوني. لكنه أيضا كتب ثلاثية تتناول حقبة من »التاريخ« المصري الحديث، حيث هناك مسافة زمانية بين زمان الوقائع والأحداث وزمان الكتابة، فما الذي جعل النقاد يعتبرون الثلاثية الأولى تاريخية، والثانية واقعية؟(6). واضح من خلال هذا التمييز أن المسافة كلما كانت بعيدة جعلتنا ندخل دائرة التاريخ، وكلما كانت قريبة من زمان الكتابة وقع التردد في إدراجها في نطاق التاريخ أو غيره. يبدو لنا ذلك بجلاء في كون العديد من الروائيين وعلى رأسهم بلزاك يعتبر نفسه »مؤرخ« العصر الذي يعيش فيه. وهذا ما دفع بالروائي مالرو إلى صياغة مفهوم »الرواية التاريخية المعاصرة« للدلالة على الروايات التاريخية التي تستمد مادتها الحكائية من العصر الذي تتناوله وتكون المسافة الزمانية فيه مقدرة بسنوات معدودة. وبحسب هذا التصور للرواية التاريخية المعاصرة يمكننا إدراج العديد من الروايات التي تستقي مادتها من »الواقع« الذي تتناوله بغض النظر عن حدود وطبيعة المسافة الزمانية الموجودة بين زمان الأحداث وزمان الكتابة والقراءة. إن عنصر الزمان مكون أساس لتحديد »نوعية« السرد. ولما كان السرد (من خلال الخطاب) يتقدم إلينا عادة بعد وقوع الفعل (الحدث) الذي يسرده، كانت الأفعال المسرودة جميعها داخلة في الماضي (زمان القصة) المختلف عن حاضر النص الروائي الذي يتحقق من جهة في زمان الخطاب ومن جهة ثانية في زمان النص (زمان الكتابة والقراءة). فهل يمكننا تبعا لهذه العلاقة الزمانية بين زمان القصة وزمان النص والتي تلغى فيها المسافة الزمانية، أن نعتبر أي عمل روائي يستمد مادته الحكائية من وقائع الماضي البعيد أو القريب رواية تاريخية؟(7). 3. 3. 2. الحقبة الزمانية: لابد لنا من تدقيق المسافة الزمانية وتحديدها وإلا اعتبرنا أي رواية مادامت تعتمد معطيات تاريخية داخلة في نطاق الرواية التاريخية، ولقلنا تبعا لذلك مع بنسالم حميش: »إن الرواية تاريخ، والتاريخ رواية«، ولأضفنا معه أيضا لتفسير هذه العلاقة أن المؤرخ يروي تماما كالروائي »وهناك في أعمال وإن كانت تاريخية، إرهاصات الحكي الروائي والممارسة السردية مثل نصوص المسعودي والطبري وابن الأثير وابن خلدون والمقريزي«(8). ونجد تأكيدات كثيرة لمثل هذه العلاقة كما تلخصها لنا قولة كَنكور الشهيرة التي يبين من خلالها كون »الروائي مؤرخ الحاضر« أو قوله مميزا بين الرواية والتاريخ بأن »التاريخ رواية ما وقع، وأن الرواية تاريخ ماكان يمكن أن يقع« (9). يدفعنا هذا التدقيق إلى التمييز بين الواقعي والتاريخي وفق تحديد خاص، وإلا أدرجنا كل الروايات التي تكتب أيا كانت في خانة الرواية التاريخية. إن كل الروايات العربية الحديثة نجد فيها أصداء ومواكبة للواقع العربي الحديث من أبسط تجلياته إلى أعقد منعطفاته: فالأحداث الأساسية في التاريخ العربي الحديث تحبل بالوقائع الحقيقية التي يشتغل بها الروائي المعاصر (هزيمة 1967، حرب73،،،) فهل يمكننا إدراج كل الروايات التي تناولت، على سبيل المثال حرب 67 و73 روايات تاريخية مثل الحرب في بر مصر، ويحدث في مصر الآن، وبيروت، بيروت والكرنك وملف الحادثة 67، والوقائع الغريبة وعودة الطائر والزمن الموحش،،، واللائحة طويلة؟ لايمكننا الحديث عن رواية تاريخية »معاصرة« في رأيي لأنه لايكفي اعتبار المسافة الزمانية بين زمان الحدث أو القصة وزمان الكتابة، لابد، والحالة هذه، من إدراج مفهوم »الحقبة الزمانية« الذي يمكن أن ندخل فيه زمان القراءة العام لأن المسافة الزمانية، في متخيل القراءة، تظل قائمة بين الواقع في الحاضر (الآن)، والواقع في الماضي (التاريخ). وبالنسبة إلينا لايمكننا قياس المسافة الزمانية باعتماد العقد أو الجيل أو القرن، ولكن بما يمكن تسميته بالحقبة الزمانية، ونقصد بها المدة التي تشترك بمجموعة من المواصفات المتصلة بالعصر المحدد، وتلتقي في مجموعة من المقومات وعلى المستويات كافة، بحيث تجعلها مباينة للحقبة التي تسبقها أو تليها. هذا التباين بين »الماضي (التاريخ)« و»الحاضر (الواقع«) أساسي للتمييز بين الزمانين لأن بموجبه يمكننا إقامة المسافة التامة بين واقعين مختلفين على مستوى المادة الحكائية والخطاب معا. وفي القولة التي صدرنا بها هذه الدراسة لعبد الرحمن منيف ما يدل دلالة قوية على إحساس الروائي بالزمان، لأن انتهاء القصة في التاريخ يمكن الروائي من التعامل معها وفق منطق مخالف لما يتحتم عليه التصرف به في حال شعوره بأن ما يرويه لا يزال ممتدا في الزمان الحديث. ونجد هذا الإحساس عينه، وبنفس الحدة في قولة محمد فريد أبو حديد الذي يعلن: »هناك مزية جديدة للحادثة التي تؤخذ من التاريخ، هذه المزية هي أنّ المصائر تقررت والحيوات انتهت، والعظات وقعت، والجزاء الطبيعي والحكم التاريخي قد استقر. عندئذٍ يمكن للفنان أن يجد أرضاً ممهّدة ؛ لأنّ التاريخ قد وضع البداية والنهاية لكل قصّة تاريخية. فعلى الكاتب أن يجوس في أناة وتلطف وعمق خلال العلاقات البشرية في التاريخ« (10). إنه تصريح واضح الدلالة على أن الروائي يتعامل مع المادة بشكل مختلف بناء على تحديد موافق لما نتبناه بصدد الحقبة الزمانية. ولا يتعلق الأمر فقط بالكاتب، فحتى القارئ يحس الإحساس نفسه حين يرى المسافة الزمانية المجسدة بين زمان القصة في الرواية والعصر الذي يعيش فيه أكثر بعدا وتمايزا. فكلما كانت الحقبة الزمانية مفارقة، أتاح ذلك إمكانية أبعد في معايشة المصائر المقدمة ومعانقة الوقائع المحكية بطريقة لا تخلو من عمق ومعرفة. وفق هذا الإطار يمكن اعتبار الحقبة الزمانية العربية الحديثة التي نعيشها إلى الآن والتي لم تنته بعد، قد دشنت منذ دخول الاستعمار إلى العالم العربي. لقد حدثت بفعل هذا العامل تحولات جوهرية في الحياة العربية غيرت مسارها، وجعلتها تختلف عن الحقبة السابقة التي عاشها العرب قبيل الاستعمار. إن الرواية العربية التي تتعامل مع حقب لا تتصل بهذه الحقبة الحديثة تدخل، في تصوري، في نطاق التاريخ. أما الروايات التي تستقي مادتها من الحقبة الحديثة والمعاصرة، فلا يمكن إدراجها في النطاق نفسه، ويمكننا تصنيفها وفق ملامحها الخاصة. بهذا التمييز نقيم المسافة الزمانية بين العصر الحديث والعصور القديمة، ونعتبر الروايات التي تستمد مادتها من تلك العصور تاريخية ونظيراتها المتصلة بوقائع العصر الحديث وأحداثه مهما كانت درجة »حقيقيتها« داخلة في نطاق الواقعية أو الحالية أو بحسب الأنواع التي يمكن أن تؤطر في نطاقها. هكذا يمكننا وضع مسافة بين التاريخ (الماضي) والواقع (الحاضر). ونميز بينهما وفق العناصر التالية كما يمكن أن تتقدم إلينا من خلال المتن الروائي العربي الحديث. 3. 4. طبيعة المادة: الوقوع والاحتمال: نميز بين الواقعي والتاريخي من خلال الأحداث والوقائع، فهي في الرواية التاريخية عموما واقعة فعلا، أي أن القارئ يتعامل معها بأنها حوادث »جرت« ويمكن التأكد منها بالرجوع إلى مختلف التدقيقات التي تمدنا بها الخطابات التاريخية، سواء تعلق الأمر بالزمان أو الشخصية أو الفضاء. أما في الرواية غير التاريخية فهي ممكنة الوقوع (الاحتمال) لأن بعدها التخييلي الكامن في نوعية الخطاب ذاته يستدعي من القارئ تأجيل أو إلغاء قبول وقوعها، حتى وإن كانت هناك مؤشرات زمانية أو شخصية لاحصر لها تشي بوقوعها فعلا، لأنها عادة تقع في الخلفية على نقيض الرواية التاريخية التي تتقدم إلى القارئ على أنها تنبني على ما وقع. إن ما وقع يحتل المرتبة الأولى في الخطاب وهو يتجلى من خلال المادة الحكائية التي تفارق ما نتعارف عليه في حياتنا اليومية. 3. 5. المرجعية: يسلم القارئ بتاريخية الأحداث المقدمة إليه في نص ما من خلال مرجعيته: فهي مادية ويمكن التحقق منها على وجه الإجمال، وما لايمكن التأكد منه يظل داخلا في نطاق الزمان (التاريخ) الذي لانعرف كل تفاصيله. أما في »الواقعي« فالمرجعية وهي تزاوج بين المادي الملموس الذي يمكن التثبت منه من خلال بعض المؤشرات الدالة عليه، والتخييلي الذي يمكن أن يثير الالتباس لدى القارئ فيتولد لديه الإحساس بأن ما يقرأ لاعلاقة له بالتاريخ، وأن الإطار الموظف هو فقط ذريعة أو علامات على صلة الحدث بما وقع أو ممكن الوقوع أو محتمل. 3. 6. قانون الكتابة: إن وقوع الفعل أو احتماله والمرجعية التي تتحدد في البعدين الواقعي والتاريخي تتأكدان من خلال ما نسميه بـ»قانون الكتابة« أو المبدأ الذي يعين التواصل بين الكاتب والنص والقارئ، وهو يكمن في مجموعة من الآليات التي تحدد عملية الكتابة والقراءة وتعمل على تعيين الميثاق الذي بمقتضاه يمكننا تحديد النوع في زمان معين. لقد اعتاد القارئ في تعامله مع الرواية التي تكتب عن العصر أو الحقبة التي يعيش فيها (الحاضر) أن يجد ما نسميه قانونا أو مبدأ متضمنا يبعده عن اعتبار علاقة الرواية بـ»ما وقع« فعلا، وإن حضرت فيها أحداث ووقائع كبرى معروفة لديه أو موحية إليه، من خلال مناص إعلاني يوجه القارئ إلى البعد التخييلي للوقائع المقدمة في الرواية. لطالما قرأنا روايات تبتدئ بهذه الصيغة: »إن أي تشابه بين ما يقدم في الرواية والواقع هو مجرد صدفة«. لكن هذا القانون لانجده في الروايات المتصلة بحقبة غير الحقبة التي يكتب فيها الروائي. إننا في »الواقعي« نلغي البعد المرجعي ووقوع الفعل أو الحدث، مهما درجة هذا المرجع ونوعيته، ولذلك تحدثنا عن الاحتمال، لأن كل شيء يقدم على أنه تخييل، وكل ما تتضمنه الرواية لا »يعكس« الواقع، حتى وإن كانت هناك إشارات دالة عليه. إن هناك »مشابهة« بين الرواية والواقع الذي تمثله (قانون المشابهة). أما في الرواية التاريخية، فلا نجد ما يدل على وجود هذا القانون رغم الحضور الكبير للبعد التخييلي فيها. بل على العكس من ذلك، يحضر ما يمكن أن نسمه بـ»قانون المطابقة«. بمقتضى هذا القانون يرمي الروائي إلى الإيحاء، بـ»تاريخية« ما يحكيه، وبأن الأحداث المقدمة تروى وكأنها »جرت« فعلا في الواقع التاريخي على النحو الذي تمثله الرواية. ولو كان للروائي التاريخي مُناص كالذي نجده في الرواية غير التاريخية لكان على الصيغة التالية: »إن هناك مطابقة تامة بين ما تقدمه الرواية والتاريخ وحتى فيما يبدو لك خياليا فثمة درجة عليا من المطابقة«. ونجد مصداق هذه الصيغة في اعتماد المؤشرات التاريخية بكثرة، وفي أقوال عتاة الرواية التاريخية الكلاسيكيين ما يدل على ذلك وهم يبينون علاقتهم بالتاريخ بطريقة مباشرة. يضعنا هذا القانون بصيغتيه (المشابهة والمطابقة)، في ضوء مفهوم المسافة الزمانية والحقبة الزمانية بالمعنى الذي حددناه، بجلاء أمام اختلاف الواقعي عن التاريخي في الرواية، من خلال »مفارقة« إبداعية وتخييلية (سردية) نحدد من خلالها الرواية ونميز ضمنها بين نوعين كبيرين مختلفين: ـ في الأولى نجد أنفسنا أمام »صدفة« واقعية (الرواية اللاتاريخية)، ـ وفي الثانية أمام »قصد« تخييلي (الرواية التاريخية). لقد اعتبرنا هذا التمييز يقوم على »مفارقة«، كي لا نقول مغالطة،، وجعلنا كلا من الصدفة والقصد بين مزدوجتين، وكأن الروائي يريد أن يقول لنا إنه لايرمي إلى تقديم الواقع أو تمثيله. ويبدو ذلك في كونه يوجه مبدأ »المشابهة« بين الرواية والواقع نحو »الصدفة« التي لايتحمل فيها النص الروائي أي مسؤولية. أما في ما يتصل بعلاقة الرواية والتاريخ فيتجلى من خلال الإلحاح الضمني، باعتماد مبدأ »المطابقة«، على »قصد« الكاتب في تقديم »الواقع« التاريخي كما هو حتى وإن تم ذلك بطريقة تخييلية. 3. 7. يمكننا أن نستنتج مما تقدم، ونحن نحاول تقديم الخصوصية النوعية للرواية التاريخية عن غيرها من الروايات بناء على العلاقة القائمة على مستوى الزمان في صلته بالسرد والمادة الحكائية، أن المعادلة التالية تلخص لنا ما نميز به بين »الواقعي« و»التاريخي« على النحو التالي: ـ الواقعي: يستند إلى مبدأ »المشابهة« بين الرواية والواقع، وفي هذه المشابهة إيهام بـ»واقعية« الرواية التي تقدم ليس الواقع، ولكن »المحتمل«. ـ التاريخي: يقوم على مبدأ »المطابقة« بين الرواية والواقع، وفي هذه المطابقة إيهام بـ»تاريخية« الرواية التي تقدم »الواقع« كما جرى فعلا. إن كلا من الإيهامين بالواقعية والتاريخية هو موئل المفارقة التي أومأنا إليها، وهي جوهر الإبداع السردي الذي يتحقق من خلال فعل »التخييل« حيث كل رواية تقدم شيئا، وتوحي لنا بأنها تقدم غيره، وإن حصل وانتبهنا إلى ما يفيد العكس، كان الجواب »الفني«: إن ذلك يعود إلى الصدفة أو القصد. يمكننا تقديم هذا الجواب من خلال هذا الشكل: التخييل(الرواية) الواقع التاريخ الصدفة القصد 4. على سبيل التركيب: عود إلى الخبر: إذا كان الخبر الواحد يقدم لنا في سياقين مختلفين وبطريقتين مباينة إحداهما للأخرى، كانت كل طريقة تقدم لنا نوعا مختلفا عن الآخر. فعندما يحكي لنا راو في مجلس خبرا يقدمه لنا من خلال شخصيات تاريخية معروفة لدينا وفي فترة زمانية محددة بالسنوات وفي مكان معروف جغرافيا وتاريخيا، نكون أمام خبر »تاريخي« يريد من خلاله مرسله التأكيد على »صحة« الخبر ووقوعه فعلا في الزمان. أما عندما يسلب مرسل آخر الخبر بعده التاريخي، ويقدمه غفلا من أي إيحاء إلى زمان مضى، ويرهنه بجعله يجري في زماننا نكون أمام خبر »غير تاريخي« ونتعامل معه بكيفية مختلفة. يجمع بين الخبرين البعد السردي، وطريقة الخطاب التي قدما لنا من خلالها، فيكون ذلك بابا آخر يمكن أن نتلمس فيه الفروقات بين الخطابات من حيث بعدها التخييلي، والوظائف التي تضطلع بها انطلاقا من طبيعة النص، ومختلف ما يعتمل فيه لتحقيق أبعاده الجمالية والمعرفية. وتلك قضايا أخرى يمكن أن تفتح لنا أسئلة أخرى نضطلع بالبحث فيها في دراسات توسعها وتفتحها على النظرية الأدبية عموما، ونظرية الأنواع السردية على نحو خاص. وأولى هذه القضايا يتصل بعلاقة الرواية والتاريخ من خلال المرجع. وسيكون هذا موضوع الفصل القادم. هوامش: 1. نقلا عن فيصل دراج، الرواية وتأويل التاريخ، نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدار البيضاء، 2004، ص.211 2. سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، الزماني، السردي، التبئير، المركز الثقافي العربي، بيروت / الدارالبيضاء، 1989، ط. 1، ص. 38 وما بعدها، وانظر: الكلام والخبر، المركز الثقافي العربي، 1997، ص.188 و218 3. F. Rastier,Sens et textualité, Paris,Hachette, 189,P.40 4.. Caliban , Revue de littérature comparée, nVIII, Université de Toulouse Le Mirail,1990 5. راجعنا في هذا النطاق عدة مصادر منها: Le roman historique,George Lukacs,PBP,1965 - Le roman , Michel Raimond,Armand Colin ,1989,P.35-60. - Le roman historique: Essai de définition,www. Crdp.Toulouse.fr - Pour un approche narratologique du roman historique, in .WWW. fabula. Org واستعنا بمادة الرواية التاريخية وما يتصل بها من خلال المعاجم والموسوعات التالية: - Encyclop?dia Universalis France S.A. 2003, Version 9 - Dictionnaire International des Termes Littéraires, www.ditl.info 6. يبين فيصل دراج أن محمد دكروب ونجيب سرور توقفا عند البعد التاريخي الذي تحاوره الثلاثية وهي تحدد موضوعها »التاريخي« ببدايتها المسجلة في 91 أكتوبر 1917،انظر كتابه:الرواية وتأويل التاريخ،، ص،341 وما يليها. 7. في الملتقى الروائي الثالث الذي عقده المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة خلال الفترة، 42 فبراير و1 مارس 2005، وكان تحت عنوان الرواية والتاريخ، وهو الذي شاركت فيه بمداخلة تحمل عنوان: »الرواية والتاريخ: السرد والمرجع«، قدمت عروض عديدة تتناول روايات معاصرة على أنها روايات تاريخية أو ذات صلة بالتاريخ فقط لأنها تنطلق من وقائع وأحداث مسجلة في الزمان؟ بحيث صارت كل الروايات تاريخية. 8. حوار مع الاديب المغربي بنسالم حميش: الرواية أقدر على تشغيل قيمة الجمال وإشاعتها. 9. نقلا عن أبو بكر حميد، online.com .lahawww 10- . Pierre - Louis Rey, Le roman,Hachette,1992,P. |
|||||
|
|||||