|
|
|
|||||
|
لاشك أن هناك علاقة حقيقية كائنة وممكنة ـ دوما ـ بين الرواية والسياسة، وهي العلاقة التي تأسست على هامش التاريخ العام للصراع بين المصالح والطموحات الفردية والفئوية والطبقية، وما يؤطر هذا الصراع ويسنده ويتعالق معه ويساوقه أفقياً في المجتمع، وهو بالضبط ما وسم الكتابة السردية بحضور لازم لهذه الموضوعة منذ الأصول الأولى لكتابة الرواية، وحتى النماذج الروائية العالمية الأكثر معاصرة ورقياً وإشراقاً وتمثيلية (إ. قدري، م. كوينديرا، غ. غ. ماركيز، خ. غويتيصيلو، نجيب محفوظ، صنع الله إبراهيم وآخرون)، مروراً بالمحطات والتجارب الحديثة والفـــارقة، والتي كرست بروز أعلام كبار بصموا التاريخ الروائي بعناوين وتجارب فريدة، ليس من السهل أو الممكن القفز عليها وإهمالها حين يتعلق الأمر بمجرد مسار التجربة،(القرن 19 والمنتصف الأول من القرن 20 على وجه التحديد).
علاقة مثل تلك مألوفة جداً ومجربة بكثرة من قبل الكاتب والقارئ معا، وقد نالت حظوة وافرة من لدن النقاد والدارسين والمتتبعين للأدب الغربي والعربي، وكتبت بصددها مصنفات نقدية عديدة ومتنوعة. غير أن الطريف في هذه العلاقة هو أن يتحول ذلك الاتصال النووي بين الكتابة الروائية والموضوعة السياسية، من مجرد اتصال تخيلي عام يتأطر تحت عنوان: »الرصد الروائي لوقائع وأحداث سياسية في دائرة مكانية معلومة«، إلى ممارسة فعلية منظمة تدفع بالروائي الى تبوؤ المراتب والمواقع العليا ضمن الهيئة الحزبية التي ينتمي إليها، والحظوة بإجماع المنخرطين السياسيين والعاطفيين، وتقلد المسؤولية الأكثر حساسية وخطورة في هرم البناء الحزبي، فيتحول دوره من مجرد كاتب روايات أدبية متخيلة الى كاتب عام لهيئة سياسية أو لحزب وطني. وتلك لعمري مهمة غير يسيرة ولا سهلة أبدا، ما دام أن التفكير في كيفية تدبير الشأن الداخلي للحزب في خضم محطة انتخابية فاصلة، وبرمجة هيئاته وأجهزته للتعبئة الشاملة والمشاركة السياسية، لابد أنهما سيؤثران حقيقة على مسار ومصير الكتابة الأدبية، مادام أن الكاتب سيُجرد حتما من شرط عزلته وحريته واستقلاله، ويُنتزع انتزاعا من فسحة أرضه المفتوحة على مدارج الصمت والتأمل والتخيل والابتكار اللانهائي، ويُجبر كرها على التفرغ لمواجهة المهام الطارئة على حياته وشخصيته اللتين صارتا كيانا عموميا، وتكريس حيز وافر من الوقت والجهد غير المستهان بهما في الأجندة اليومية للمسؤوليــــات »الكبرى« على حساب الكتابة، بل ومحض هذه المهمات الطارئة كامل العنايـــة اللازمة، والجهد الفكري والتخييلي الضروريين، الى الحد الذي يغدو فيه إيقاع الممارسة المنظم والمنتظم للالتزام السياسي عاليا على حيز الانشغال بهم الكتابة الأدبية كمراس يومي وتجربة مستدامة، بل والى الحد الذي تغدو معه التجربة السياسية »كتابة« لرواية هجينة واقعيا، لا تضمن لصاحبها مجدا وتألقا وشهرة مستحقة ودائمة، بل قد تأتي على وضعه المميز، لما قد تحمله من سمــات المغامرة والمخاطرة، وتلتهم رصيده الاعتباري دفعة واحدة، وكأنها فرقعة بركانية مباغتة، نارية الهوى مستعرة المزاج. صحيح أن التاريخ الحديث والمعاصر ما زال يحتفظ لنا ببعض الأسماء الكبرى التي نقشت حضورها الراسخ في الذاكرة الجماعية من خلال الاشتغال على قضايا كبرى، طُرحت إما وطنيا أو قاريا أو دوليا، فلفتت لها انتباه المسؤولين وأقلام الصحافيين المغامرين والباحثين عن الإثارة والفضيحة، بل وخلقت قلقا وحرجا شديدين للساسة ومدبري الشأن العـام (زولا، سارتر، غونتر غراس، خوان غويتيصيلو، خوسي سراماغو... الخ)؛ إلا أن تجربة الكاتب البيروفي مــاريو فارغاس يوسا (الموداد في 28 مارس 1936)، ستظل رغم كل ما سبقها وجُرّب قبلها، تجربة سياسية فريدة وفـارقة ومتميزة تستدعي الدرس والبحث والاستقصاء، لأنها لم تكتــب من خارج اللعبة السياسية (بصيغة اتهام، أو احتجاج، أو جمع توقيعات، أو تظاهر في الشارع العمومي، أو ما شابه ذلك)، وإنما كانت تجربة روائية مكتوبة بوصفة سياسية صرف، بطلها كاتب متوج عالميا يعمل كأستاذ زائر في العديد من الجامعات الإنجليزية والإسبانية والأمريكية والفرنسية والامريكولاتينية، وله رصيد وافر من الجوائز الأدبية المستحقة على منجزه الإبداعي في مجال الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، منها جائزة بيليوتيكا بريفي 1962، جائزة النقد 1963/1966، جائزة روميلو غييغو الدولية للأدب 1967، جائزة ثيرفانتيس 1992، وهو مرشح دائم لجائزة نوبل. لم يكن مشروع الكتابة الأدبية الروائية عند فرغاس يوسا في يوم من الأيام، مجرد ترف إنشائي مسكون باستيهامات فردية هذيانية مفصولة عن مرجعية فكرية وفلسفية ومجتمعية كبرى، وإنما كان صرحا متماسكا محكم البناء يشتغل من منطلق »وظيفي« صرف، ويساهم في فضح ونقد السلطة بمفهومها وأوجهها العامة (أنظر على سبيل المثال رواية: المدينة والكلاب). فمن الوظائف »التي كانت تبدو لي ذات أهمية قصوى في مشروع الكتابة الأدبية مثلما أتصوره ـ يقول يوسا في المذكرات ـ، هي اعتبار الأدب بالضبط شكلا من أشكال مقاومة السلطة، وبالتالي فعّالية من منطلقها تحاكم السلطــة دائما؛ فالأدب لا يكون أدبا جيدا إلا إذا نجح في إظهار نواقص الحياة على الدوام، وأبان عن قصور كل حكم [مهما كان عادلا] عن إرضاء طموحات الناس« (ص 127). لكن على الرغم من اشتغال يوسا المحموم والدائب في مجمل منجزه الأدبي على النواة المضادة للفعل السياسي المتسلط، وعلى كل ما يدور من قريب أو بعيد في فلك مقاومة مظاهر السلطة القهرية الملتبسة والملغزة والمعقدة، بل وعلى الرغم من اهتمامه المحموم بتعرية مظاهر الفساد والسقوط العامين بقسوة لا هوادة فيها ضمن أغلب مقالاته وتحليلاته السياسية ؛ فإنه لم يقتنع بمجرد الكتابة المطلة من الشرفات العالية والبعيدة على المجتمع والناس وحسب، وإنما أراد أن يخوض الممارسة الحقة ومغامرة التجريب المباشرة، من منطلق قناعة تنظيمية حزبية صرف، كــكاتب لم يعد مقتنعا برخاوة الحروف وصفاقة الكلمات وبؤس الإشارات، أمام هول ما كان يعيشه الوطن ويحياه، من أشكال الفقر والبؤس والمعاناة. لذا بعدما يتشبع يوسا في عزلته وقلعة تأملاته الخاصة، بالأفكار والمبادئ الليبرالية الكبرى في مرحلة من مراحل نضجه العمري (ر. آرون Aron، ك. بوبر Popper، هاييك Hayek، نوزيك Nozik)، سيخرج للناس على حين غرة، من مكتبه المتنقل بين العواصم الغربية المعزولة عن صخب وعنف وضوضاء الشارع البيروفي، حيث يعشش الاستبداد والدسيسة والمؤامرة السياسية وأصناف الجريمة والفقر والضياع وأنواع العنف والتمزق العرقي واللغوي والحضاري، ليصـدح دفعة واحدة ــ وكأنه دونكيشوت وقته الحقيقي، الذي لم يعد في حاجة الى خـوذة ودراع حديديين، ولا إلى رفقة حامل سلاحه سانشو أو إلى ركوب الجواد الضامر روسينانتي! ــ برغبته فـي أن يصبح المخلص الأكبر للبيرو، ورئيس دولتها المنتخب ديموقراطيا، وذلك حتى يتسنى له قيادة المجتمع إلى نهضة نوعية وحداثة ليبرالية حقيقية، لا تقيم في بستان الأوراق الرسمية، ولا في الخطب البلاغية الطنانة، ولا في البيانات المطرزة والجمل المنمقة المزوقة، وإنما تُتَرجم إلى وقائع ملموسة وحقائق محسوسة ومؤشرات محسوبة، تأخذ نتائجُها شكلَ رموز رياضية واضحة ومحددة في نسبة النمو العام، مثلما تسجلها سندات خزينة الدولة، ويثبتها الأرشيف المركزي للأبناك، ورواتب الموظفين، والدخل القومي لأغلب المواطنين البيروفيين الذين يعيشون تحت عتبة الفقر والبؤس. عاش الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا إذن، أطوار هذه »البطولة« السياسية لفترة لا يستهان بها من حياته الخاصة (ما بين صيف 1987 وربيع 1990)، بكل ما أوتي من طاقة على الحلم والأمل والطموح حينا، ومن الشعور بالآلام الممضة والإحباطات الكاسفة والخيبات الثقيلة أحياناً أخرى، وقد انقطع كلية عن عالم الكتابة وطقسها المتوحد بالعزلة والصمت والتأمل، إلا ما كان يتعلق منها بصياغة خُطب رسمية، وكلمات توجيهية لا مناص منها، تُوجّه إما الى جمهور محدود العدد في أروقة مكاتـب وصالات ضيقة، أو موسع ومختلف وغير متجانس أو متآلف، وذلك بحسب تنوع طبيعة وثقافات الأقاليم والجهات في دولة البيرو. أثناء هذه اللحظات »الروائية« الغريبة الأطوار والإطار، ظل يوسا مادة إخبارية عمومية تستهلكها إما الصحافة الوطنية أوالدولية في مراسلاتها ونشراتها الرسمية، أو تلوكها ألسنة العاطفين المنافحين عن مشروعه وبرنامجه السياسي، أو تنهشها وتفتك بها أنياب الحاقدين المبكّتين المترصدين للرجل، وهو يتنقل بين محافل التجمعات وبنايات المكاتب والفروع التابعة للحزب (الجبهة الديمقراطية)، موزعا حضوره وخطبه ووعوده على الجماهير المحتشدة في الملاعب والساحات العمومية وقارعات الطرق، أو مسافرا بين طوكيو ولندن للقاء مع الساسة والمستثمرين هناك، للتباحث معهم حول آفاق التعاون والتشاور ونقل الخبرة الممكنة، لجعل البيرو بلدا ليبراليا منفتحا على المستقبل وعلى الخارج. ليس من الممكن أبدا تفسير الأسباب الكامنة وراء كل تلك العوامل والحوافز التي ساهمت بشكل أو بآخر، في تسريع وتيرة انقطاع يوسا عن الكتابة الأدبية، والابتعاد به مؤقتا عن حوضها المائي، بمجرد الإسهاب في الحديث عن الالتزام الأخلاقي للكاتب ورغبته الذاتية فـي الظهور والتواجد والحضور حيثما ينبغي له ـ أدبيا وأخلاقيا ـ أن يكون موجودا وفاعلا ومؤثرا بشكل موضوعي ومباشر ؛ وإنما يعود سبب ذلك بشكل أساسي ورئيسي وأولي الى تلك الروح القتالية الفردية التي تنشّأ عليها الكاتب منذ مرحلة الطفولة والشباب، وأصّلها لديه بحكم الملازمة والدربة والمراس، وهي ما كان يدفعه ويتوق له على الدوام، الى ركوب المغامرة وارتقاء مسالك التجريب والتمسك بالرهان المتمنع الصعب، أي باختصار ذلك التحدي المتوفز بشكل ذاتي صرف، والذي رافق يوسا منذ إشراقات الطفولة واليفوعة والشباب الأولى، الى التماعات الكهولة والنضج التي ساوقها وتوجها تأسيس مشروع كاتب عالمي واسع الانتشار. يقول يوسا في المذكرات: »كلما سُئلتُ عن الأسباب التي جعلتني أتهيأ للتنازل عن موهبتي الأدبية ـ ككاتب ـ لفائدة السياسة، أجبت: بأن مردّ ذلك علّة أخلاقية محضة. ثم سرعان ما يغمرني الانتشاء، فأضيف: بأن بعض الصروف والظروف العامة هي التي هيأتني كي أتواجد ضمن وضعية الزعيم السياسي، في فترة عصيبة من حياة بلادي. ولأنه بدا لي آنذاك، بأن ثمة فرصة سانحة ـ متى ما تمكنتُ طبعا من إيجاد الدعم المطلوب ديمقراطيا، من أغلبية البيروفيين ـ لإجراء مجموعة من الإصلاحات الليبرالية التي كنت أطري عليها في فترة السبعينيات، في معظم مقالاتي وسجالاتي السياسية، والتي كنت أعتبرها ضرورية جدا من أجل إنقاذ البيرو (...). غير أن من كان يعرفني حق المعرفة، أكثر مما كنت أنا نفسي أعرف ذاتي ـ وأخص بالذكر هنا بالضبط، زوجتي باتريسيا ـ كان لها رأي آخر. لقد أقرّتْ باتريسيا: بأن الالتزام الأخلاقي لم يكن حاسما عندي يومذاك، في تحديد الموقف بقدر ما كان يدفعني نداء المغامرة، والأمل في عيش تجربة ملأى بالاستثارة والمخاطرة. أي بقدر ما كنت واقعا تحت سحر الرغبة في كتابة الرواية الأكبر والأعظم في مسيرتي الأدبية، لكن ضمن سياق الحياة الحقيقية الواقعية... ولربما كانت باتريسيا على حق. ذلك أنه من المؤكد حتما، أنه لــو لم تكن رئاسة دولة البيرو ـ مثلما صرحت لأحد الصحفييـن وأنا أمزح ـ المهنةَ الأشدَّ خطورة في العالـــم، لما تقدمت يومها الى الانتخابات مطلقا. فلو لم يجعل الانهيار الـعام للبلاد والتفقير الشامل للشعب والإرهاب المستبد ببعض الأحزاب والأزمات الخانقة في مختلف مؤسسات الدولة، من التنافس على الحكم تحديا شبه مستحيل في بلد بئيس وفقير كالبيرو، لما كنت قد شغلت نفسي بمهمة مثل هذه أبدا. لقد اعتقدت دوما، بأن كتابة الروايات تمثل في حالـتي الخاصة، شكلا من أشكال العيش في متن حيوات عدة ـ وضربا من اقتحام تجارب مختلفة ـ كنت طبعا أرغب فيها؛ لذا لا أستطيع هنا الآن، أن أقصي من تلك المنقطة المظلمة والمعتمة من ذهني ــ حيث تنحبك الإثارات الأكثر سرية في أفعالنا وتصرفاتنا ــ بأن إغراء وسحر اقتحام المغامرة قد حركاني معا، في اتجاه الاحتراف السياسي، أكثر مما حركتني أية نزعة غيرية أخرى« (في ص 63 / 64). تمتد تجربة الانتظام الحزبي للكاتب في المكان والزمان معا، لتنفتح على فجوات وثغور وبياضات مربكة ومفاجئة تمنحه فرصة جديدة ليطل منها على تضاريس البؤس والفقر والجهل والتخلف والعنف والدسيسة والغدر والحقد في وطن يستبد به عشقه وهواه. ثم بعد انكسار الحلم على صخر الشاطئ العنيد، وتفشل المغامرة الروائية التي اختار صاحبها أن يلعب متنها دور »البطل« الدونكيشوتي المنحى، يعود يوسا مضرجا بالخيبة والأسى والأسف الكسيف، إلى مياه الكتابة الصافية كي يغوص فيها حتى الامتلاء والحبور والفرح وكأنه سمكة مهاجرة، اضطرتها قساوة الفصول وتقلباتها الفجائعية إلى أن تترك حوضها الأثير مكرهة مرغمة بعض الوقت، لتخرج إلى أقاصي ومناف موزعة على جغرافيا جهات وأمكنة بشعة، لم تكن من قبل قد استأنست بها إلا عبوراً وعَرضاً. دُشّن هذا الخروج الاستثنائي في حياة يوسا السياسية، بصرخة احتجاج تلقائية وعفوية [ هي استعاريا ورمزيا شبيهة بصرخة الوليد التي يؤشر بها على بداية حـياته الأرضية!]، أعلن فيها الكاتب غداة إنصاته لخطاب الرئيس ألان غارسيا Alan Garcia من راديو ترانزيستور، عن احتجاجه الصاخب إزاء سياسة تأميم الدولة للمنشآت الاقتصادية المتراجعة عن مكتسبات الفترة الليبرالية للبلاد، وهو مستلقى شبه عار [ تماما كجنين حديث العهد بالولادة !] فوق رمال شاطئ شبه معزول عن المدن والناس بشمال البيرو في يوليو سنة1979. بهذه الصرخة الاحتجاجية يتم تدشين المسار الجديد من حياة الكاتب، حيث يبدأ بانتقاد مباشر للرئيس في مقر الرئاسة على هامش استقبال خُصّ به، لينفتح بعد ذلك عهد مشاورات ومناقشات موسعة مع أقطاب المعارضة الديمقراطية في أفق تشكيل جبهة وطنية يلحم بين سداها التمثل الليبرالي المفتوح على اقتصاديات السوق والمبادرة الفردية. هكذا وبشكل مفاجئ للغاية، يجد الروائي نفسه وقد تحول بسرعة، الى زعيم سياسي يقود قبيلة عريضة من مؤيديه ومناصريه المنتمين الى الفئة الوسطى، مخترقاً بها على التو ساحة معركة سياسية متخلفة، لا تستخدم فيها أسلحة العقل، ولا المنطق، ولا التحليل العلمي الرصين للواقع المادي، ولا نبل وشرف القصد، ولا الوفاء لمبادئ المحاورة السامية، وإنما تسودها وتتحكم فيها وتخترقها أساليب الخسة، وأشكال المناورة المبنية على القذارة والرداءة والانحطاط، وضروب العنف والإقصاء ومصادرة الحق في الوجود. في هذه الساحة ستكبر معرفة يوسا بنفسه أولا، وببلاده وأفراد شعبه بعد ذلك، وستتحول معرفته المبنية من مجموع الأنساق والنظم العامة التي تكونت عنده بعد قراءات متنوعة للكتب والكراريس المعدة سلفا، من قِبَل بعض المؤرخين والأنثروبولوجيين وعلماء الاجتماع في فترة محددة من تاريخه الشخصي، الى معرفة حقيقية مباشرة ملموسة ومحسوسة يزداد كمها كل يوم، ويكبر مردودها وحجمها كل لحظة وحين، بانفتاح قافلة الحملة الانتخابية على جهات ونواح متفردة ومتفرقة من أرض البيرو المتنوعة التضاريس والثقافات وأشكال الوجود ؛ لكن لينتهي هذا كله بتجربة إخفاق حاسرة ومريرة، هي حصيلة مؤامرة اشترك في نسج خيوطها المنحطة ـ وبإيعاز من القصر الرئاسي طبعا ـ نخبة سياسوية هجينة التكوين والأهداف والمصلحة (منها وإن بشكل غير مباشر، المعارضة اليسارية المسلحة الدرب المضيء!). وإذ يجهض في المهد حلم يوسا السياسي، وتوقه الى تشييد وطن ديمقراطي وليبرالي فتي يكون بديلا واعدا عن جغرافية البؤس والشقاء العامين فـوق أرض البيرو الجرداء، ينبعث الروائي فجأة من بقايا تفاصيل حلمه المترمد وكأنه طائر أسطوري بأجنحة خرافية، لم تقو لطخة الإخفاق أبدا على أن تحول بينها وبين التحليق الدائب في سماء أوسع وأفسح من جحيم السياسة والسياسيين. يتعلم يوسا الشيء الكثير من هذه التجربة / المغامرة. فيها يتعرف أولا، على سذاجته التي هي محصلة أوهام ويوتوبيات كبرى، تكونت لديه بفعل معرفته العالمة لواقع متمنع عن المعرفة الستاتيكية الجامدة، ومانع لها في الآن ذاته. أو ليس القبول بدور الزعامة السياسية ضرب من الانفلات الساذج والمتهور لدى يوسا ؟! أو لم يحذره أوكتــافـيو باث«Octavio Pa ـ صديقه الرصين الذي سيغيــر من رأيه بعد تورط يوسا في دور الزعامة ـ وهما في لندن، منذ سنتيــن خلتا على تاريخ الحملة الانتخابية، من مغبة »المشاركة في أي فعل سياسي«، معددا مجموعة من العناصر السلبية التي لا تساير طموح أي كاتب يشتغل ضمن حقل معرفي أسمى وأنبل، بما في ذلك أن الـعمل السيـاسي »غير المنسجم مع العمل الفكري، فيه مضيعة لاستقلالية الكاتب، وفيه خبث وتلاعب الساسة المحترفين، وينتج عنه بعد ذلك وعلى امتداد وقت طويل، شعور بالكبت والحرمان وبضياع سنوات من العمر في التفاهة« (ص590)؟! في خضم الحملة الهائجة والمسعورة التي قادها أنصار الرئيس ألان غارسيا ضد شعبية يوسا وبرنامجه الليبرالي الطموح، اشتعلت في البيرو خلال الحملة الانتخابية، حرب شعواء قذرة لم يستخدم فيها القذف بالحجارة والقمامة والإطارات المشتعلة وصواريخ الآر. بي. جي التي استهدفت قافلة الروائي وهو يجوب البلاد طولا وعرضا قصد اللقاء بالناس والسماع لهم والتعرف على أوضاعهم المعيشية في القرب وحسب؛ وإنما استخدمت فيها أسلحة الإشاعة المغرضة والوشاية الكاذبة والتأويل السخيف لبعض النصوص الأدبية بالاستناد طبعا، الى بعض »الدارسين والمحللين« المدججين ببعض الأسلحة المقولاتية والمفاهيمية الرائجة في حقل العلوم الإنسانية، للنيل من ماضي وحاضر يوسا كإنسان، ومن شعبيته ومقبوليته كمشروع رئيس له كامل الكفاءة السياسية لحكم البلاد، ومن وضعه الاعتباري وسمعته عامة ككاتب روائي فذ واستثنائي. فقد اعتبرته وزارة المالية الرسمية مناورا ينْصب على الدولة ويتهرب من أداء بعض المستحقات الضريبية، فنصّبت ضده أعتى المحامين وأمكرهم في العاصمة ليما، لرفع دعوى قضائية تدينه بالتملص الضريبي فيما يتعلق بمداخيل كتبه الروائية والأدبية عامة، في حين أنها لم تكن تنشر أو تترجم في البيرو على الإطلاق، وإنما يتم ذلك خارج البلاد، وبالضبط في بعض الدول الأوروبيـة! بعد ذلك نُعت يوسا بالكاتب الخلاعي الأول المنحل والمنحرف أخلاقيا، والذي يعاني من خلل سيكولوجي دفين، يعود عهده الى الطفولة الأولى غير المتوازنة والمستقرة، وجيء ببعض النقاد الموالين لحاشية الرئيس ألان غارسيا في حلقات تلفزيونية »جادة«، لتشريح كـتابـاته الـروائـية تـشريــــحا »علميا«، والاستدلال على اختلال صاحبها من الداخل، بالاستناد الى مقــولات فرويدية (يتعلق الأمر برواية »مديح الخالة« على الخصوص!). ثم جاء دور الرشق بتهمة الإلحاد والفجور الدينيين للكاتب، واللذين يظهران بشكل ملموس انطلاقا من قراءة بعض كتبه ومقالاته! وبتهمة التوجه اللاوطني لديه، والناجم عن نزعته المناهضة للتوجه العسكري المؤسساتي! بعد فشل وانتهاء أوار هذه التجربة القاسية، يُرفع عهد الحجر والحصار الاضطراريين المضروبين على ديــار الألفة، ثم ما يلبث الكاتب أن يعود مغموراً بالشوق والحنين إلى حوضه المعلوم، ليغوص في مياهه مغلقاً خلفه الأبواب ورتاج النوافذ وسماعة التلفون، وقد خلد إلى نفسه معاوداً الجلوس إلى طاولته وأقلامه ليروي سيرة هذا الغياب كتابة، ويقاسمنا نحن القراء غنيمة فتحه الجديد، من خلال مذكرات تحتفي باستعارة الماء وتعمق دلالة الامتلاء والنشوة الريانة، ضد عهد النار والظمأ والسعار، وهو ما يؤشر عليه العنوان الأصلي للكتاب: ».El pez en el agua «. يقع كتاب »السمكة في الماء« بترجمته الفرنسية الموفقة التي قام بها ألبير بنسوسان، في ما يربو عن سبعمائة صفحة من الحجم الصغير، مكتوبة بخط طباعي دقيق، وقد كتبه يوسا مباشرة بعد هزيمته الانتخابية الرئاسية التي فاز بها غريمه الياباني الأصل ألبيرتو فوجيموري ضمن ظروف وملابسات مدهشة وشديدة الغرابة، خصوصاً وأن هذا الأخير ــ وقبيل انطلاق الحملة وما تلاها من سباق وتنافس بين الروائي (الذي رشحته كل الدوائر المحلية والعالمية للفوز) من جهة، والرئيس الحاكم آنذاك ألان غارسيا من جهة أخرى ــ كان اسماً مغموراً جداً لم يحظ في استطلاعات الرأي، بأية نسبة مئوية مهمة بإمكانها أن ترشحه لأن يكون منافساً قوياً وحقيقياً لماريو فرغاس يوسا، مثلما كان شأن الرئيس الأسبق. إلا أن لعبة التحالفات والتحايلات والمناورات الكولسية في السياسة العالمثالثية غير الديمقراطية، انتصرت للمهندس فوجيموري الذي لم يكن له حضور قوي في المشهد السياسي قبل تاريخ الانتخابات، مثلما لم يكن له برنامج متكامل وواضح بما فيه الكفاية، وهزمت كاتب الرواية الذي اعتبرته جهات ليبرالية عالمية وازنة (اليابان وانجلترا على وجه الخصوص)، رجل المستقبل في دولة البيرو الفتية والباحثة عن مخرج جاد لأزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العامة. غير أن الهزيمة السياسية لماريو فرغاس يوسا لم تكن سوى انتصار فعلي وحقيقي للكتابة الروائية وللأدب عامة، لأنها حررت الكاتب ــ باعتباره أنا جمعياً لا يمثل مجرد شخصه فقط، بقدر ما يعكس طموح جماعة وسطى متنورة ــ من بعض الأوهام والأحلام الكبرى، وطهرته من يوتوبيات كبرى غير مأمونة النتائج والعواقب كان يلح على تجريبها وخوضها رغم معارضة بعض الأصدقاء والمقربين له (زوجته باتريسيا وصديقه أوكثافيو باث، خاصة في بداية مرحلة الإعلان عن الترشيح للانتخابات، مثلما تقدم آنفا)، كما أنها ساهمت في إغناء المكتبة العالمية بسفر ثري يختزل خبرة فريدة، وتجربة استثنائية جديدة في علاقة الاحتكاك والتنافس المباشرين، فيما بين السياسي الداهية الذي يكرس مشروع حياته للدسيسة والمؤامرة والتحالف الكوْلسي البرغماتي من جهة، وبين المثقف الحامل لمشروع مدينة فاضلة ولأحلام ويوتوبيات وأوهام كبرى. ولا تقتصر مذكرات يوسا على مجرد سرد الوقائع والأحداث المرتبطة بتجربة الانتخابات، وإنما هي تنفتح على مسربين سرديين متراوحين يساهمان في رفد الحكي الاسترجاعي للكتاب، من خلال أصداء نابعة من عهد الطفولة الأولى وما تلاها من لحظات اليفوعة والشباب، ومن الوقائع والأحداث المنبثقة من عمق التجربة السياسية الحديثة التي كللت لحظات الكهولة والنضج في تجربة حياة الكاتب. إنها مراوحة تجمع بين الماضي الشخصي لماريو فرغاس يوسا بكل ما يستتبعه ذلك من نبش وحفر في الذاكرة الموشومة لذلك الطفل والشاب اللذين كانهما يوسا، لتتبع أهم المحطات التي ساهمت في تكوينه وبصمت شخصيته ومرجعيته في الكتابة والإبداع الأدبيين، وبين الماضي القريب جداً الى زمن كتابة المذكرات، حيث يتم التركيز على الحوادث والوقائع المهمة والمشدودة إلى حمى التنافس الانتخابي بين أرجاء وطن ممزق ومنهار ينبغي في نظر الكاتب ومن معه، إنقاذه على وجه السرعة قبل السكتة القلبية التي تعني اندحار الكثير من الأماني والآمال على صخر الهزيمة الجماعية للأمة البيروفية ؛ وهي مناسبة منحت الكاتب فرصة لمعاودة التعرف على البلاد والعباد، وفتح العينين واسعتين على المعاناة والآلام الحقيقية التي تقاسيها فئات الشعب المسحوقة بالفقر والدمار والعنف. وهكذا تتوالى فصول الكتاب الشيق في نسق مطرد يتمرأى الذاتي فيه، من خلف حجاب الموضوعي وستاره الصلد والفجائعي، ويجد ضمنه الشأن العام للوطن بعض خلفياته وعناصر الإجابة عنه من داخل سياق التجربة الشخصية لذات الكاتب الخاصة. وكأن يوسا يردد على قومه من خلال سرد مسار تكوينه الذاتي لنفسه، البيت العربي المشهور لأمية بن أبي الصلت: »أضاعوني وأي فتى أضاعوا / ليوم كريهة وسداد ثغر« ! أو كأنه ينبه قارئه الى أنه لا ينبغي الاطمئنان أو الاستكانة الى عامل واحد / أوحد في تحليل الأحداث الموضوعية القريبة وفهمها والتعليق عليها، وإنما قد يتم ذلك من خلال استرجاع اللحظات الذاتية والوقائع الفردية المنفلتة والمتفتتة في مفازة الذاكرة. أفلا تحلّ في التفسير الموضوعي عوامل ذاتية ؟! أو لا يستند الذاتي الصرف الى قيم وأحكام موضوعية عامة؟ ومهما يكن الأمر، فإن كتاب »السمكة في الماء« سَفر فيه ماء وطلاوة وحلاوة، يسبر أغوار الأنا والآخر، الفرد والجماعة، المواطن والوطن، الأسرة والقبيلة، الثقافة والسلطة، بأسلوب سردي ووصفي ممتع ومبتكر، يجتمع فيه التذكر والتحليل والتأمل والبوح. ولأننا معنيون أكثر بمعرفة ماضي الكاتب وحياته الخاصة، فإننا سنهتم في هذا السياق فقط، بالمسرب الاسترجاعي لوقائع حياة يوسا الشخصية، غاضين الطرف عن وقائع الحملة الانتخابية وتفاصيلها، على اعتبار أن مجملها قد سبق تسجيله في المختصر السابق. فمن يكون ماريو فرغاس يوسا؟ وما هي أهم اللحظات الفارقة والمميزة؟ يبتدئ السرد الاسترجاعي المنذور لتتبع مسار الطفولة الأولى للكاتب ـ والتي لا نعرف عنها أي شيء يُذكر قبل سن العاشرة ـ بلحظة اكتشاف صادمة ومؤلمة بقدر ما هي سارة. ففي أواخر العام 1946 وبداية 1947 تقريبا، يتعرف الطفل الصغير يوسا، على السيد إرنيستو خ. فارغاس الذي هو والده الحقيقي، بعد أن عاش عشرة أعوام كاملة على الاعتقاد بأنه يتيم الأب، نتيجة ما ترسخ لديه من اعتقاد بأن والده قد مات وهو طري العود، لما كان يعيش في بيت جده بيدرو (عمدة بلدة بيورا Piura)، وبين أخواله وخالاته الميسورين. كان لقاء التعارف بين دوريتا الأم وإرنيستو الأب ثمرة صدفة عابرة، سرعان ما انتهى بزواج لم يدم سوى فترة قصيرة، عانت خلالها دوريتا من شتى أصناف التعنيف والتقريع والزجر، نتيجة ما اعتبرته أسرتها »بالعقلية السيئة« للزوج وغيرته المرضية، وما أصبح يعتبره فارغاس يوسا في المذكرات: »كنايةً بالمرض الوطني الذي يصيب كافة فئات وأسر البلاد، ويترك في كل مكان أثراً يؤدي الى نشر السموم في حياة البيروفيين: سموم الغل والعقد الاجتماعية«، للتمايز الاجتماعي بين الأصل المعدم الذي ينحدر منه الأب، والطبقة الميسورة نسبيا للأم. بعد خمسة أشهر ونصف فقط، ينسحب إرنيستو من حياة الزوجة الحامل ويتيه في البيرو وخارجها باحثا عن مستقر ومورد جديدين، »أفضل وأكرم« من بيت آل يوسا حيث كان يقيم مع دوريتا، تاركا ماريو الصغير لكفالة وعناية الجد الفائقة، والذي سيضطر للانتقال الى البادية، هربا من وطأة الخزي والعار التي حلت بالعائلة على إثر مقاطعة إرنيستو المفاجئة للزوجة الصغيرة التي لم تكمل بعد عامها العشرين، بعد خمسة أشهر ونصف وحسب من الحياة الزوجية. كانت لحظة اكتشاف الصغير ماريو للأب العائد فجأة للعيش مع زوجته وابنه، صادمة ومؤلمة في الآن نفـسه. ذلك أن ظهور إرنيستو خ. فارغاس »هذا السيد الذي كان والدي ـ مثلما كتب ماريو في المذكرات ـ (..) والذي لم يكن يشبه البتة، ذلك الذي اعتقدت في موته« (ص41)، كان بمثابة بداية لمرحلة قاسية وعنيفة جدا في حياة الطفل، دفعت به الى العزلة والانطواء على الذات والغوص في عالم القراءة وحلم اليقظة، كتعويض عن الخروج الاضطراري من فردوس الجد، والشعور الغائر بفقد الأم لاستفراد هذا »السيد« الغامض والملتبس والغريب الأطوار والسريع الغضب بها ـ منذ اليوم الأول ـ وانفصال / فصل الصغير القسري عنها في غرفة معزولة في بيت الزوجية الجديد (وهي التي كان حضنها من قبل، مرعى حنونا ودافئا نذرته لأحلام ماريو واستيهاماته الصغيرة، في بيت الجد والخالات حيث تسود الوداعة والوئام والمحبة)، بالإضافة الى الفظاظة والقسوة المفرطة وخشونة التعامل مع الطفل منذ البداية، كرد فعل مقصود ضداً على كل ما تلقاه الصبي في كنف آل يوسا، من تربية وعناية والتفافات طافحة بالرقة والرهافة والنبل، ظل الأب يعتقد أنها محض أخلاق بورجوازية مدللة من شأنها أن تفسد »رجولة« الابن وتؤدي به أوتوماتيكيا الى الميوعة وربما الى الشذوذ الجنسي ؛ كل ذلك كرّس جفوة عاطفية كبيرة لا يمكن ملؤها ولا رتقها بين الأب القاسي والابن الخائف دائما وغير المطمئن أبدا، وهي الجفوة / الهوة العاطفية والوجدانية التي تحكمت لسنوات طويلة في علاقة ماريو فارغاس يوسا بوالده إرنيستو، وظلت تحول على الدوام بين المودة والتلاؤم والتفاهم بينهما، منذ سن العاشرة إلى أن بلغ ماريو مرحلة الشباب وأضحت اختياراته مفروضة فرضا ضد مشيئة الأب ورغبته المستبدة (التشبث بقراءة الكتب الأدبية والكتابة، والإصرار على الدراسة خارج المؤسسة العسكرية رمز الفحولة والرجولة والقوة في نظر الأب، وفرض الأمر الواقع من خلال الزواج مع الخالة جوليا التي تكبر ماريو سناً وتجربة). كانت السنوات الثلاث التي قضاها ماريو في بيت العائلة الجديد برفقة والده، قبل الالتحاق بداخلية الثانوية العسكرية، كافية لبصم شخصيته من جديد والتأثير عليها بشدة وعنف. يتذكر فرغاس يوسا تلك الحقبة وأثرها عليه، فيكتب (في ص 139):»بَخّرت السنوات التي قضيتها مع والدي الى حدود 1950، سنةَ دخولي ثانوية ليونسيو برادو (العسكرية)، براءتي وكذا نظرتي الساذجة للعالم، والتي رسخها عندي كل من أمي، وجدي، وأخوالي وخالاتي. لقد اكتشفت في هذه السنوات الثلاث، الفظاعة والخوف وكذلك الضغينة، وهي البعد المراوغ والعنيف الذي يعوّض دوما، بشكل أو بآخر، عن جوانب الحياة الطيبة، وعن حسنات القدر. إذ من غير ازدراء والدي للأدب، فمن المؤكد أني سوف لن أتشبث باستماتة وإصرار بما كان حينئذ مجرد لهو ولعب، غير أنه سوف يغدو بعناد أكثر منه إلحاحا: موهبة. فلو أني طيلة تلك السنوات (التي جمعتني بالوالد)، لم أقاس الأمرّين ولم أحس في قرارة نفسي، بأن هذا بالضبط ما قد يحبطه ويخيب آماله (في ابنه)، ما صرت بشكل محتمل الآن، كاتبا«. في سنة 1950، يُلحق ماريو بالثانوية العسكرية مدفوعا برغبة الأب في أن يصير الابن »المائع« دفعة واحدة، رجلا قوياً صلباً وخشنا. إلا أن السنتين اللتين قضاهما يوسا في هذه المؤسسة الإكراهية، لم تفلحا في غسل دماغه وتهيئه لأن يغدو مشروع ضابط عسكري لا يلين ولا يعصى الأوامر أبدا، وإنما شحذتا موهبته ووجّهتاه نحو القراءة والكتابة، وأمدتاه بطاقة جبارة للتصدي لمشيئة الوالد، مستثمراً نهايات الأسبوع الطويلة الخالية، وتلك الساعات والليالي الحزينة والكئيبة التي كان يعيشها في عزلة ووحدة وحنين، لمباشرة فعل التحدي الخلاق ضد الأب وضد المؤسسة العسكرية كليهما، بإيقاع اشتغال دفاق وسيال، الى الحد الذي بدأ معه مشروع الكاتب يتأسس فيه (ولو لم يكن يوسا واعيا به كل الوعي، مثلما يصرح هو في المذكرات). وعلى الرغم من صلافة العنف وقتامة التقريع اللتين أجبر ماريو الرقيق والمرهف الحس والإحساس على تحملهما خلال هذه الفترة الدراسية في ليونسيو برادو، فإنه في المقابل قد استفاد الشيء الكثير من هذه المؤسسة العسكرية. إذ عدا فعالية القراءة والكتابة اللتين صارتا فعل هواية شبه يومية في تلك الفترة لدرء السأم ومعاكسة الأب، وعدا عملية الكشف من الداخل التي قام بها ماريو فضحاً لحقيقة وجوهر المؤسسة العسكرية الموبوءة وإماطة اللثام عن قيم العنف والغلظة والقسوة والتوحش التي تتحكم في القائمين عليها، عدا ذلك استطاعت هذه الثانوية أن تفتح عيني اليافع ماريو على حقيقة المجتمع البيروفي الذي كان ممثلا بجميع فئاته وشرائحه الاجتماعية والجهوية والاثنية داخل المؤسسة، وتمنحه قدرة وكفاءة عاليتين من أجل استيعاب تنوع البيرو الأسطوري والثقافي واللغوي ممثلا في تلك العينات الصغيرة التي كانت المؤسسة تتألف منها، وهو ما سيجعله يستفيد كثيرا من كل ذلك الزخم الهائل في كتاباته الروائية، وعلى رأسها روايته الرائعة: »المدينة والكلاب«. يقول يوسا (في ص150): »إن أغلب شخصيات روايتي: المدينة والكلاب، والتي كُتبت انطلاقا من استذكاري لهاتين السنتين اللتين قضيتهما في ليونسيو برادو، هي شخصيات من جهة مقتبسة ومحوّرة بشكل حر انطلاقا من نماذج حقيقية، كما أنها من جهة أخرى مستلهمة من شخصيات متخيلة بشكل كلي«. في العطلة الصيفية لعام 1951 وما تلاها من العطل البينية في العام الدراسي الموالي، يدخل ماريو وهو في سن الخامسة عشرة من عمره التجربة الصحفية، من خلال المساعدة التي كان يقدمها مقابل مبلغ نقدي قار، في مكتب والده (المصلحة الإخبارية العالمية International News Service) الذي كان يشتغل كوكالة إخبارية مستقلة تتلقى عبر جهاز راديو خاص، وصلاتٍ إخبــــاريةً بلـغات أجنبية، يقوم على الفور بعض المختصين بترجمتها الى الإسبانية، وإمـــداد جريدة (CRONICA ) بها من خلال ماريو الذي شغل وظيفة الوسيط بين المؤسستين، وهو الشيء الذي ألهب خياله وجعله يحلم باليوم الذي يصبح فيه صحفيا حقيقيا. في هذه الفترة بالضبط، سيغامر ماريو بكل شيء في سبيل أن يغدو على الفور صحفياً شاباً يحظى بالشهرة والمجد والنجاح، فيندفع حينذاك الى نزع جميع ما ظل يشده بثقل الماضي غير المرغوب فيه، الى زمن الطفولة والمراهقة المرهف. فما أن يبلغ سن السادسة عشرة حتى يقرر من تلقاء نفسه، وفي غياب الوالد المسافر الى أمريكا، العملَ ضمن صحيفة »الكرونيكا«. يقول (في ص193 من المذكرات): »لقد أشرت الى هذه المغامرة المسكونة بالإثارة والتوجس، في روايتي التي تحمل عنوان حديث في الكاتدرائية، وذلك تحت غطاء وحلية تخيليين«. انفتحت خلال هذه المرحلة في حياة الكاتب بالذات، صفحة جديدة من سيرته الخاصة وهي تحديدا، تلك التي ستنكتب بكيفية مليئة بروح مغامرة بوهيمية وحب تجريب واكتشاف (تدخين، إدمان على الشرب، معاشرة للمومسات، قراءة محمومة للتجربة الأدبية الوجودية الفرنسية)، خصوصا بعدما حظي برفقة صحفيين من أشهر الصحفيين في جريدة »الكرونيكا« : الأول كان بيسيريتا Becerrita الخبير في شؤون الجريمة والمسؤول عن الصفحة القانونية ذات الحبكة البوليسية المشوقة، والذي يحفظ خريطة ليما Lima غير الرسمية مع كافة تضاريس عوالمها السفلى المغلقة، في أدق ما كان يتعلق بحياة المواخير والحانات والملاهي والمراقص، والذي له علاقات ممتدة مع الشرطة والمخبرين وأجهزة المحكمة؛ أما الثاني فهو الشاعر الشاب كارليتوس ناي Carlitos Ney الذي عمل مسؤولاً عن الصفحة الثقافية للجريدة، وله يعود الفضل في بلورة وعي ماريو الأدبي والارتقاء بذائقته وموهبته الفنيتين، وذلك لما أسداه له من خدمات جمة في توجيه قراءاته وتأطيرها ضمن مسار يحتفي بتجربة الكتابة الحداثية. يقول الكاتب في لحظة اعتراف خاصة: »إن تربيتي الأدبية مدينة بالشيء الكثير لكارليتوس ناي، أكثر مما هي مدينة لأساتذتي في الثانوية ولأغلب من درّسوني في الكلية. فبفضله تعرفت على بعض الكتب والكتاب الذين سيبصمون بقوة مرحلة شبابي ـ على أندريه مالرو في الوضع الإنساني والأمل مثلا، على روائيي أمريكا الشمالية المنتمين للجيل السابق، وخصوصا على سارتر... وأنا متيقن جداً جداً من أن كارليتوس ناي كان قد حدثني عن شعر إكيران Egurene، وعن المدرسة السوريالية، وعن هذا الإيليس Ulysse الذي جعلتني ترجمته الرديئة.. لا أتمكن من القراءة إلا بالقفز على صفحات كثيرة، من دون فهم أي شيء«(ص202). إلا أن تبدل سيرة ماريو وتغير أحواله العامة (ومنها الصحية بالذات)، نتيجة انفتاح شهيته على حياة السهر واللهو واللقاءات البوهيمية الحارة بين أحضان المومسات في حانات ليما وملاهيها الليلية وهو قاصر لا يزال، عجّل بتدخل أخواله (بيدرو، خوان وخورخي) لدى أبيه قصد كبح اندفاعاته المحمومة والحد منها، وتوفير فرصة هادئة للتفكير بجدية في المستقبل، بعد تمكين ابن الأخت دوريتا من استكمال دراسته الثانوية، مثلما يليق بشاب حيوي وواعد كماريو فرغاس. وهكذا سيتدخل الأب من جديد في حياة ماريو، لكن هذه المرة بشكل هادئ ورصين، ليقترح على ابنه المشروع الذي هيأه الأخوال فيما بينهم، قصد إنقاذه من هذيان ليما المسكون بحميا ليلية كاتمة: أي إمكانية الجمع بين الممارسة الصحفية وبين حياة التمدرس، لكن خارج أجواء ليما وإغراءاتها البوهيمية ! في سنة 1952 يسافر ماريو يوسا الى خاله الأكبر لوتشو Lucho الذي دبّر أمر دراسته باتفاق مع العائلة في ليما ـ حيث لا مقعد شاغر في أي ثانوية بالمرة ـ وأرسل إليه من مدينة بيورا Piura، ساعياً في طلبه. بين أحضان عائلة الخال لوتشو، يتنفس ماريو هواء جديدا ومختلفاً عن الهواء الذي كان يكتنف مجال بيتهم الكئيب والمتزمت في ليما، فتغمره من جراء هذا التبدل الطارئ على حياته النفسية، حماسة وحيوية ذهنيتان كاسحتان، تجعلانه يعيش بإقبال حقيقي على حياة الدراسة والتحصيل، بالموازاة مع العمل الصحفي في »الأندوستريا INDUSTRIA«، وقد استعاد التوازن والثقة المفقودين بالنفس، وصار بفضل ذلك مغمورا بأريحية واعتراف حقيقيين، في البيت والصحيفة والثانوية. في هذه المرحلة يكتب ماريو الشعر والقصة والمقالة في الجريدة، ويدخل على كتابته المسرحية القديمة بعض الرتوش، ويساهم بها في الأنشطة المدرسية الموازية، وهو ما يعطيه حضورا اعتباريا متميزا في المدينة، خصوصا بعدما فازت مسرحيته: »هروب الأنكا« بالجائزة الثانية التي نظمتها وزارة التربية والتعليم آنذاك. بالموازاة مع الكتابة، ينفتح ماريو شيئا فشيئا على عوالم السياسة مخفورا بأسئلة لم تنضج بعد بما فيه الكفاية، حول الاشتراكية والشيوعية والفاشستية والحركة الثورية البيروفية التابعة للحزب الثوري بالبيرو، الشيء الذي يدفع بالخال لوتشو الى التدخل لتحصين هذا القلق بالشرح والتفسير والتأطير، وهي المهمة التي لم تكن تنحصر ضمن ذلك المجال الشائك وحده، وإنما تعدته الى مجال القراءة والكتابة الأدبيتين، خصوصا وأن الخال لوتشو كان قارئا جيدا للكتب الأدبية الرفيعة، وعن طريقه سيكتشف ماريو أسماء استثنائية في الكتابة الروائية، ستطبع ذائقته وتؤثر على مساره الإبداعي في تلك الفترة، أهمها دوستويفسكي. وعلى الرغم من قصر الإقامة التي جمعته بالخال لوتشو وزوجته أولغا (ما بين شهر أبريل وديسمبر من العام 1952)، إلا أن التأثير الإيجابي الكبير لهذه المرحلة كان حاسما في مسار حياته، الى درجة أنها بقيت موشومة وحية في الذاكرة بقوة. »عرفت خلال هذه الحقبة من شبابي حياة وديعة وهادئة، لم يتخللها أي خوف مزمن [إشارة الى ما كان يحس به في وجود الأب]، ولم يشملها أي تكتم أو تقية أوإخفاء إزاء ما كنت أفكر فيه بصراحة، أو أرغب في الحصول عليه، أو أحلم به ؛ وقد ساعدني هذا ـ بالفعل ـ على تنظيم حياتي بطريقة تجعلني أوفق فيما بين استعدادي أو عدم قابليتي من جهة، وبين موهبتي من جهة أخرى. وخلال السنة الموالية، ظل خالي ـ وهو في بيورا ـ يمدني بمساعداته الجمة، من خلال إسدائه النصح لي، وغمري بالتشجيعات الفياضة، والتي كانت رسائله الطويلة تطفح بها وهي تجيب عن الرسائل التي كنت أبعث بها إليه«(ص 820). يعود ماريو الى الدراسة الجامعية في العاصمة ليما بعد حصوله على الشهادة الثانوية العامة في بيورا، ويمكث في بيت الجدين لأن والديه يسافران الى الولايات المتحدة الأمريكية. يلتحق كطالب بالبعثة الفرنسية، ويُجهد نفسه وقتا طويلا لتعلم اللغة الفرنسية قصد التمكن من القراءة المباشرة لبعض النصوص (أ. جيد، أ. كامو، وس. إيكزوبيري). ولتسديد نفقاته الموازية الخاصة (شراء السجائر ودخول السينما)، يعمل ماريو محررا في مجلة »توريزمو Turismo« بأجر هزيل. إلا أن أهم تجربة عاشها الكاتب في هذه المرحلة (ما بين بدايات العام 1953 ومنتصف 1954)، هي انتظامه في خلية طلابية يسارية (تُدعى الكاهويد Cahuide«، كانت إحدى الأنوية المؤسسة للحزب الشيوعي في البيرو، واطلاعه على الأدبيات الماركسية ضمن حلقات سرية للنقاش والتكوين، مع ما يقتضيه ذلك من تأطير وخوض لبعض المعارك النضالية (الإضرابات الطلابية في الجامعة). غير أن ماريو سرعان ما ينتابه القرف والسأم من هذه التجربة، فينسحب بهدوء عائدا الى عزلة الكتابة والقراءة والتحصيل. يقول عن هذه المرحلة : »حينما تركت الخلية في يونيو أو يوليو من العام 1954، كان قد انتابني منذ أمد طويل، شعور بالملل واللاجدوى إزاء الخواء الذي ظل يؤطر حركتنا. كما أني غدوت لا أومن بأي كلمة من الكلام الذي طال تحليلنا الطبقي، وتأويلاتنا المادية الجدلية التي بدت لي ـ رغم أني لم أكاشف رفاقي بذلك بشكل قطعي ونهائي وصريح ـ بأنها صبيانية وسخيفة، محملة بتعاليم وعظية من النوع المسكوك والمتوهم، وبصيغ ــ من قبيل« انتهازية البورجوازية الصغرى«، »النزعة الإصلاحية«، »المصلحة الطبقية«، »الصراع الطبقي« ــ كانت تستعمل كتعليلات للتفسير والدفاع عن الأشياء الأكثر تناقضا في الحياة. لقد تخليت خاصة عن هذه التجربة الخلوية، لوجود عجز كاسر في تهيؤي الكينوني ــ وهو تهيؤ قائم على نزعتي الفردانية، وموهبتي الكتابية النامية، وطبيعتي المتمردة على الدوام ــ والذي كان يحول بيني وبين تجسيد ذلك المناضل الثوري، الصبور، غير القابل لأن يتعب، الطيع، عبدِ التنظيم، والذي يقبل ويمارس المركزية الديمقراطية (...). غير أن ابتعادي عن خلية الكاهويد قد نتج كذلك أيضا، عن الاختلافات الأيديولوجية التي عرضت لي بشكل خاص، بعد قراءة سارتر ومجلة الأزمنة الحديثة Temps modernes، والتي كنت من بين منخرطيها المتحمسين (ص341/342). لكن مع ذلك، ينبغي أن نسجل بأن قراءة يوسا للأدبيات الماركسية في هذه المرحلة التكوينية من حياته الفكرية، تبقى سطحية وتجزيئية مثلما يسجل هو نفسه (في الصفحة 342). فهو لن يقرأ ماركس ولينين وماو بشكل حقيقي وعميق، إلا في الستينيات حينما يكون متواجدا في أوروبا. حينئذ بالضبط، سيعود الى قراءة الكتب الماركسية مدفوعا بحميا الانتصار للثورة الكوبية الناشئة، سواء منها التراث الماركسي الكلاسيكي أو التنويعات والحواشي التي أضافها كل من لوكاش وغرامشي وغولدمان وألتوسير، على ذلك المتن المركزي. بعد عودة الأب من أمريكا في السنة نفسها (1954)، سيتهم ابنه ماريو بالتهاون وفقدان الطموح لقبوله العمل في مجلة »توريزمو« بأجر زهيد جدا، وسيكلمه عن النموذج الفعال من حياة الطلاب في الولايات المتحدة الأمريكية، الذين يجمعون بين العمل المنتج والحقيقي وبين الدراسة الجامعية. ثم يخبره بأنه قام بالتوسط له لدى أحد الأصدقاء، للاشتغال كمستخدم بنكي.»لقد كانت تجربة [العمل البنكي في وكالة لا فيكتوريا دي بانكو] La Victoria Di Banco شديدة الوطأة علي، إذ كانت تستغرق مني جهدا أزيد من ثماني ساعات في اليوم، وتربطني بالمكتب من الاثنين الى يوم الجمعة من كل أسبوع، الى الحد الذي يجعلني عرضة للكوابيس والأحلام المرعبة«(ص344). إلا أنه بعد شهر ونيف من هذه التجربة القاسية، تشاء الظروف مرة أخرى أن تلطف بماريو وتنقده من براثين المال والأعمال، فتعود به الى ماء الكتب وفيض المكتبات السخي، وذلك بتدخل من الأستاذ بوراس بارينيتشيا Porras Barrenechea ـ المؤرخ وأستاذ التاريخ في كلية الآداب ـ الذي اقترح على ماريو العمل معه في مشروع توثيقي يستهدف إنجاز سلسلة تاريخية عن البيرو بطلب من ناشر خاص، بعد وقوع الأستاذ تحت طائلة الإعجاب الشديد بإجابة طالبه في الامتحان النهائي للسنة الأولى الجامعية. غير أن الأب مرة أخرى، سيتدخل في شأن ماريو على الرغم من بلوغه سن الثامنة عشرة، مقرعا وساخرا من »فشل« ابنه ومما يسميه »بغياب الهمة والطموح« لديه، خصوصا أن ترك عمل مضمون في مؤسسة بنكية مهمة في العاصمة ليما، هو في نظر الأب ضرب من التعاسة الفكرية ونوع من القصور الشخصي، ورغبة حياة في التراخي والخمول. في هذه المحطة من سيرته التكوينية، ستتاح ليوسا وهو بالقرب من أستاذه، الفرصة العلمية / التعلمية الكبرى لتعميق اطلاعه على كل ما يمت بصلة من قريب أو بعيد، بتاريخ وجغرافية البيرو حضاريا وفكريا وثقافيا، بالإضافة الى المعرفة بأسرار الحاضر المتخلف والفقير والمنهار. كانت مهمة يوسا تقتصر على قراءة حوليات الغزو الأوروبي للبلاد، وتهيئة جدادات بصدد الأساطير والخرافات والحكايات البيروفية البدائية القديمة التي سادت قبل الغزو. وزاد من تأجيج نار هذا البحث المعرفي الانضباطُ الذي كان يتطلبه العمل مع بارينيتشيا، باعتباره من طينة أولئك الأساتذة الذين يراهنون على مركزيتهم الضرورية في الإشعاع، وهم يحرصون على إحاطة أنفسهم بثلة من المريدين والأشياع المنصاعين والممتثلين، من أجل التأكيد على التفرد والخصوصية. إضافة الى كل ذلك، منحت مناسبة الاحتكاك مع المؤرخ البيروفي المشهور، يوسا الفرصةَ للتقرب من مجموعة هائلة من الجامعيين والكتاب والمثقفين الذين كانت تربطهم ببارينيتشا أواصر فكرية ومعرفية متقاربة. يقول الكاتب: »لقد اشتغلت مع راوول بوراس بارينيتشيا من فبراير/ شباط 1954 الى آخر يوم قبل سفري الى أوربا سنة 1958. لقد مكنتني فعلا الساعات اليومية الثلاث التي كنت أقضيها مع هذا الأستاذ من الثانية بعد الزوال إلى الخامسة مساء، مدة أربع سنوات ونصف، وذلك ابتداء من الاثنين الى يوم الجمعة، [أقول بأن تلك الساعات] مكنتني فعلا من أن أُكوّن نفسي جيدا، ومنحتني معرفة كبيرة وضافية عن البيرو، أكبر بكثير مما تحصّلته من دروس جامعة سان ماركوس San Marcos (...) إن عملي عند بوراس وما اكتسبته من خبرة لديه، شجعاني بشكل كبير. لقد انهمكت أثناء سنة 1954 و1955، على الكتابة ليل نهار، وأنا مقتنع أكثر من أي وقت مضى، بأن الأدب هو موهبتي الحقيقية. لقد حسمت أمري وأنا أقرر بأنه علي أن أتكرّس للكتابة والدراسة. ولسوف تكون حقا، الدراسة الجامعية المكمل الحقيقي لموهبتي، ذلك أن الدروس في الجامعة توفر للطالب وقتا حرا لا يستهان به من أجل تكوين الذات..« (371/382). في هذه الفترة من حياته الأدبية، يتعرف يوسا على بعض المثقفين الشباب، منهم كارلوس زافاليتا Carlos Zavaleta الذي يعد من الأصدقاء الذين سيلعبون بعض الأدوار المهمة في التكوين الأدبي للكاتب، وكذلك لويس لوايزا Luis Loayza الصديق الأهم والمؤثر الرائد في التوجيه القرائي والكتابي لليوسا. فعن طريق الصديق الأول، يكتشف يوسا القارة الروائية الأمريكية الشامخة والمبهرة جدا، من خلال اكتشاف العملاق فولكنر Faulkner أحد أهم وأبرز ممثلي الكتابة السردية في هذه القارة، بعدما ظل يوسا مدمناً على الأدب الفرنسي، وعلى الخصوص كتابات سارتر. Sartre وقد تطلب التعامل مع فولكنر صوغا تفاعليا جديدا لكيفية القراءة، وإعادة نظر جذرية في الاستهلاك الأدبي المتدفق أفقيا، والمكتفي بالتدافع الى الأمام في اتجاه خطي أحادي الاتجاه، والذي دأب عليه الكاتب قبل هذا اللقاء. »لقد كان فولكنر الكاتب الأول الذي قرأته وأنا ممسك القلم بيدي لتدوين بعض النقط ووسم بعض المقاطع الخاصة، من جهة حتى لا آتيه أو أضل بين حيطان متاهاته الجينيالوجية، وبين أرجاء انتقالاته المفاجئة التي يجريها على الأزمنة ووجهات النظر، ومن جهة أخرى حتى أكشف عن أسرار البناء الباروكي الذي ينتظم كل واحدة من قصصه، وأميط اللثام عن خبايا لغته الملتوية، عن تفكك البناء الكرونولوجي لحكاياته، عن السري والملغز فيها، عن العمق، عن لاطمأنينتها الملتبسة، عن الدقة السيكولوجية لهذا الشكل الذي تأخذه القصص«(ص 385). أما لويس لوايزا فيرجع له الفضل في فتح شهية الكاتب ومعرفته على الواقعية السحرية التي تميز أدب أمريكا اللاتينية، وذلك من خلال النماذج الأكثر جدة وتأثيرا.»لقد كان [لوايزا] شابا فارع الطول ودائم الشرود والضجر، يكبرني بسنتين أو ربما ثلاث، مسجل بكلية الحقوق غير أنه لا يهتم سوى بالأدب. قرأ كل الكتب [المهمة]، وكان يحدثني عن كُتّابها الذين كنت أجهل وجودهم، كبورخيس Borges الذي كان يستشهد به على الدوام، أو المكسيكيَيْن: رولفو Rolfo وأرييولا Arreola، وكنت كلما نوّهت ـ وأنا مسكون بحميا الاندفاع والحماسة ـ بسارتر والأدب الملتزم، كان يفتح فمه للتثاؤب كمخبول (...). بفضل لوايزا، قرأت بورخيص ببعض التحفظ في البداية ــ لأن غريزتي كانت تدفع عني كل ما له بشكل خاص الطابع الفكري القح، وهو ما كان يبدو غير مرتبط بأي تجربة مباشرة مع الحياة ــ لكن بدهشة وفضول سيظلان ملازميْن لي في قراءته. وهناك [عدا بورخيص] العديد من الكتاب الأمريكوـ لاتينيين الذين كنت قبل أن أوثق علاقتي مع لوايزا، إما لا أعرفهم، أو لجهلي الخالص بهم كنت أزدريهم.. [وهم من بين آخرين] ألفونسو راييس، أدولفو بيوي كازاريس، خوان خوسي أرييولا، خوان رولفو وأوكتافيو باث..« (399/401). في هذه الفترة، وبعد سلسلة من الاخفاقات المتوالية حالت دون بروز اسم يوسا ككاتب واعد، سواء ضمن حلقة من المثقفين والكتاب التي كان يحضر منتداها مدفوعا بتشجيعات أصدقائه بين الفينة والأخرى، أو بين ظهران كلية آداب سان ماركوس التي لا يزال طالبا فيها؛ ينجح يوسا أخيرا في الفوز بجائزة أدبية، ونشر أول قصة له ضمن مجلة يديرها المؤرخ سيزار باشيكو فيليز«Cézar Pacheco Véle، وهي قصة »الزعماء Caids« المأخوذة وقائعها من ذكرياته الخاصة أثناء مرحلة الدراسة بالمؤسسة العسكرية، وتحمل سمات ومعالم الطريقة التي اختطها واختارها في كتابته فيما بعد، لتتوالى كتابات قصصية أخرى بوتيرة منتظمة، وأفق معرفي محكم التمثل والصوغ. يقول الكاتب عن هذه التجربة في مذكراته: »كانت قصة [الزعماء] المحكي الأول الذي قمت بنشره، وأطلقت عنوانه فيما بعد على أول كتاب صدر لي. إن هذه القصة القصيرة تجسد بشكل جيد، ما قمت به فيما بعد ككاتب روائي: أي اعتماد التجربة الشخصية كنقطة انطلاق من أجل بلوغ المتخيل؛ واستعمال الشكل المتظاهر بالانتماء للواقعية بفضل التحديدات الجغرافية والحضرية ؛ والحصول على [نوع من] الموضوعية من خلال الحوارات واستعمال الوصف من زاوية نظر غير متعينة impersonnel، وطمس آثار الكاتب في النص، ثم أخيرا اعتماد وضعية نقدية إزاء إشكالية محددة تكون هي السياق أو أفق الطرفة/ النادرة »anecdote« ص395). لكن في نهاية صيف عام 1955، بينما يوسا لا يزال طالبا في بداية سنته الثالثة الجامعية، يناقش الأدب مع صديقه الحميم لويس لوليزا، ويناضل سياسيا ضمن صفوف الحركة الديموقراطية المسيحية (على الرغم من عدم إيمانه الديني !)، ويكتب القصص القصيرة بثقة في النفس كبيرة، ويملأ الجدادات لدى أستاذ التاريخ بوراس بارينتشيا ؛ يحل بالعاصمة ليما كائن غاية في التميز والفرادة، ليربك وجود الشاب يوسا ويؤثر عليه بشكل فوري ومباشر، وهو أخت زوجة الخال لوتشو: »الخالة« جوليا.Julia غير أن هذا لا يعني مطلقا، أن يوسا لم يكن في ما مضى، يعرف هذه »الخالة« عن قرب. فجوليا (التي كانت في الأصل مواطنة شيلية / بوليفية / بيروفية، وكانت الى جانب ذلك تكبر يوسا بفارق ثلاث عشرة سنة، وترتبط مع أمه دوريتا وبعض خالاته وأخواله بأواصر صداقة قديمة وحميمة!)، غالبا ما كانت تزور أسرة الجدين في مرحلة طفولة يوسا ــ أي بالضبط، قبل انتقاله هو والأم للعيش مع الوالد بعد خروج وأوبة هذا الأخير فجأة، من بطن الغياب ــ، وتحرص على جعل الجو المحيط بها يشع مرحا وأنسا وحبورا، بفعل انشراحها الدائم وقوة شخصيتها الجذابة والمؤثرة. لهذه الأسباب بالضبط، تعشّقها قلب يوسا وتعلق بها وهو لا يزال ذلك الطالب الشاب والقاصر قانونيا (إذ كانت سن الرشد القانونية يومئذ، تُحدّد في واحد وعشرين سنة، بينما هو لم يبلغ آنئذ سوى التاسعة عشرة من عمره !) ، بعد إقامتها المؤقتة في بيت الخال لوتشو وزوجته أولغا على إثر فشل تجربتها في الزواج . كان يوسا وهو الشاب المقبل على حياة البهجة والسرور »مضطرا« في هذه الأثناء، الى الخروج مع الخالة جوليا الى دور السينما أكثر من مرة واحدة في الأسبوع، للزج بها بقوة وسط أجواء احتفالية سارة تفيدها في الانفلات من شرنقة عزلتها الكاتمة، على إثر الصدمة النفسية الحادة التي ألمت بها. ولأن الحفلات السينمائية الليلية تعددت، ومعها تعددت فرص التعبير عن الإعجاب والتقدير والمحبة، فإن عشقا جارفا كماء السيل قد تملك قلب يوسا، ودفع به الى التفكير الجدي في الزواج من هذه المرأة. وإذا كان موقف الأب معروفا منذ البداية، وقابلا للتنبؤ به بناء على ما سلف من أشكال التوتر واللاتفاهم التي ربطت فيما مضى بينه وبين الابن، فمن العادي إذن أنه لن يسعى البتة الى مباركة هذه الخطوة الجديدة التي أقدم عليها يوسا (على الرغم من تدخل الأستاذ بوراس بارينتشيا هذه المرة بالضبط ـ بطواعية منه ومن دون علم يوسا ـ من أجل حث الأب على التفكير والتصرف بعقل وحكمة وروية في مواجهة هذه النازلة!) ؛ وإنما سيعتبرها ضربا من الحمق والتجاسر الصلف من مائع عديم الطموح والهمة، يختار على الدوام الركون الى الانفلات من المسؤولية الحقة، بركوب موجة الهرب نحو الظل والنعومة. لذا فإن يوسا وهو المدرك لقصوره القانوني، والمقدر في نفس الوقت لقدرة والده على إمكانية التعرض له في أية لحظة، للحيلولة دون إتمام المراسيم الخاصة بالقران نكاية وبطشا وإخصاء له لا غير، كان قد سعى عبر قنوات وطرق ملتوية جد خاصة، لتدبير وحسـم مسألة »قانونية« الزواج من جوليا، بالتحايل على عائق السن من خارج أوساط العاصمة ليما التي كان والده قد سبق الى تأليبها وتأجيجها ضده، وهو الشيء الذي عدّه هذا الأخير تحديا شخصيا له، مما زاد من سَوْرة حقده وغضبه. يقول يوسا في المذكرات: »كانت أياما متعبة وعبثية بعض الشيء. استمررت أنا أؤوب الى بيت الجدّين في المساء، بينما كانت جوليا ـ زوجتي المتألقة التي لم أعد أراها إلا لساعات قليلة فقط، تماما كعهدنا قبل الزواج لما كنت دائب الزيارة لبيت خالي لوتشو ـ تعيش مع الخالة أولغا. وقد ظلت هذه الأخيرة تبدي اتجاهي ودّا ومحبة عاديين، على الرغم من أن وجهها كان قد اصطبغ بقتامة كاسفة، تشبه الى حد ما ظلمة الليل. في حين ظل والدي يبعث لي، عبر والدتي طبعا، برسائل تهديد وتحذير مفادها: أن على جوليا أن تخلي البلاد بسرعة، وإلا فلتنتظر ما هـو أوخم. وأذكر أني كنت في اليوم الثاني أو الثالث الذي تلا زواجنا، قد توصلت منه برسالة لن أنساها. كانت قاسية وشديدة اللهجة وهذيانية، تحدد لجوليا مهلة أيام معدودة كي تنسحب من تلقاء نفسها خارج البلاد وإلا فستلقى مصيرا غير سار. لقد كان والدي قد تعاقد سلفا مع صديق من أصدقائه الوزراء في حكومة أودريا Odria، وطمأنه هذا الأخير بأنها إن لم تمض من محض إرادتها molto proprio ، فإنه سوف يضطر الى إجلائها عن البلاد بدعوى عدم الرغبة في بقائها [باعتبارها ليست من أصل بيروفي!.] وبينما ظل يتوالى على مضمون رسالته الغيظ والسخط، اضطر كي ينهيها الى الاستعانة بمَدَد من الكلمات النابية التي تتوعدني بالقتل ككلب حقير مسعور، إن أنا لم أذعن إليه. ثم أضاف بعــد التوقيع ـ وذلك إما على هيئة ذيل أو حاشية ـ بأنه بمقدوري التماس الحماية من الشرطة، إلا أن هـذا لن يثني عزمه أبدا، عن إطلاق خمس رصاصات في اتجاهي، لتخريم جلدتي. ثم يضيــف توقيعا آخر في الأسفل، ليؤكد على عزمه ويقينه التامين« (ص451 / 452). بعد هذا السيل العارم وغير العادي من التهديد والوعيد المسكونين بحمى الانتقام، يضطر الزوجان الى الافتراق المؤقت حتى إشعار آخر: جوليا تسافر الى بيت والديها بالشيلي، بينما يوسا يظل لدى جَدّيه وقتا إضافيا آخر حتى يتمكن من ترتيب أموره الخاصة المتعلقة بالمواءمة بين شؤون الدراسة الجامعية من جهة، ومن جهة أخرى القيام بأعمال إضافية بمقدورها لاشك، أن توفـــر له الاستقلالية المالية الضرورية التي قد تجعله يعيش مع زوجته ـ في حالة العودةـ، في منأى نسبي عن أي حاجة قد تشوش أو تؤثر على استقرارهما المعنوي والنفسي، وذلك من خلال الزيادة في حصة الدخل الشهري القار والثابت الذي كان يتقاضاه. لذا يزداد حماس يوسا ويتقوى إقباله على البحث عن أعمال إضافية، وهو يتعاطى في نفس الوقت الى الكتابة في الصحف وبعض الدوريات الأدبية وغير الأدبية، حتى لتضيق أجندته بتوزّع وقته اليومي بين قاعات الدراسة، ومقرات الجرائد والصحف السيارة، ومكتبة النادي الوطني التي صار قيّما عليها، ومحطة للراديو حيث صار يعمل منشطا ثقافيا ناجحا. هذه المعركة التي خاضها الشاب يوسا من أجل إثبات الذات وتحقيق الاستقلال والاستقرار، نجد أنه سيكون لها تأثير قوي الإيجابية ليس على حياته الخاصة وحدها، ولا على عشه الزوجي فقط، ولكن حتى على المحيط العائلي الممتد كذلك. يقول يوسا: »في ظرف شهرين، حصلت على ستّ مهنِ (بينما ستأتيني السابعة بعد انصرام عام ونصف عن هذا التاريخ أي حوالي سنة 1957، باشتغالي في محطة إذاعة راديو باناميريكانا Panamericana، وهو ما مكنني من مضاعفة دخلي الشهري لخمس مرات(...). وبعد مضي أربعة أو خمسة أسابيع على سفر جوليا باتجاه الشيلي، اتصلت هاتفياً بوالدي لأحدد معه موعدا لمقابلته في المكتب، علما بأني لم أره ولم أرد على رسالته التهديدية، منذ عهد زواجنا. في غاية من القلق والاضطراب والغضب كنت، وأنا أجتاز عتبة مكتبه ذلك الصباح. ولأول مرة في حياتي، حسمت أمري وقررت أن أطلب منه ـ إن شاء له الهوى ـ تصويبَ مسدسه في اتجاهي وإطلاقَ رصاصاته علي من دون أي شعور بالرحمة أو الشفقة، ذلك أنني الآن وقد أمّنْت دخلي وسُبل عيشي، لن أمكث هكذا منفصلا عن زوجتي الى الأبد (...). غير أنني للغرابة الشديدة، وجدته ذلك الصباح رائق المزاج ومتزنا ! إذ تبين لي بناء على بعض ما ذكره وبعض ما لم يذكره لسبب أو لآخر، أن حديثه مع الأستاذ والمؤرخ بوراس برينتشيا (..) قد فعل فعله فيه، وساهم في جعل قناته تسلس، الى حد أنه أذعن بتلقائية غير معهودة فيه، لهذا الزواج الذي لم يباركه أصلا في حينه (...). وقتها لم يتهمني بأي شيء أبدا. إنما حدثني بالأحرى بلغة تقنية محضة وكأنه محام محترف، لغة كان قد خبرها من ذي قبل، وبنوع من الدقة والتفصيل المريبين. كان بحوزته نسخة من تصريح أقررت فيه لرجال الأمن خلال جلسة استنطاق سابقة، بأني تزوجت فعلا وأنا ابن التسعة عشر عاما، عرضها علي فتبين لي أنها كانت معلمة كلها، بمدادِ قلمٍ أحمر جاف. وكان كفيلا بهذا التصريح الذي وقعت عليه، إن حدث أن رفعه في قضية ضدي، أن يكسب إلغاء قانونيا لهذا الزواج. غير أنه لم يحاول القيام بشيء من هذا القبيل أبدا، إذ على الرغم من كوني قد ارتكبت ـ في عينيه ـ حماقة كبيرة بدخول غمار الزواج قبل الوقت وبتلك الطريقة المتحايلة والمتهورة، إلا أنه اعتبر الأمر شأنا رجوليا صرفا، ومحض سلوك لا يقبل عليه سوى فحل حقيقي. بعد ذلك، نصحني وهو يجهد نفسه بالكامل كي تصدر عنه نبرة متسامحة لم أكن قد عهدتها فيه من قبل، بأن أركز على دراستي وأهتم بها اهتماما كليا وأوليا، وأن لا أنقطع عنها لأية أسباب مهما كانت أبدا، وبأن لا أترك لهذا الزواج أي فرصة من شأنها إفلاس مستقبلي. لقد كان متأكدا بأنني أستطيع أن أمضي قُدما الى الأمام، شريطة تجنبي ارتكاب أية حماقات أخرى. وأضاف أنه إن كان يبدو دائما قاسيا وغليظا معي، فلأنه كان يضطر الى القيام بذلك من أجل مصلحتي التي يعرفها هو أكثر مني، وأنه بالضبط يستهدف تقويم ما كان آل يوسا [أي عائلة أمي]، قد ساهموا في اعوجاجه باستعمالهم حنانا مفرطا وزائدا عن اللزوم، أسأت أنا فهمه..« (ص: 456/457/458). كانت هذه الواقعة لحظة صفاء أساسية في حياة يوسا، جعلته يشعر نسبيا بتحرر شامل من رقابة الأب، ويسعى في طموح وهمة الى الخروج من ربقة هذه السلطة الكابسة من أجل تأكيد الذات داخل وخارج البيرو. إلا أنها مع ذلك، لم تكن لحظة حاسمة نهائيا في فظ النزاعات والمشاكل بينه وبين الأب. إذ على الرغم من انفصال بعضهما عن البعض منذ سنة 1958، بخروج يوسا وزوجته الى أوربا واستقرارهما هناك، وهجرة الأب والأم الى الولايات المتحدة الأمريكية، واضطرارهما معا الى الاشتغال في أعمال تتطلب جهدا يدويا كبيرا لضمان إمكانية العيش، إلا أن سوء الفهم والتفاهم ظل مع ذلك قيمة مهيمنة على العلاقة بين الابن والأب، الى لحظة موت هذا الأخير. وقبل أن يسترسل يوسا في سرد تفاصيل أخرى من سيرته الذاتية التي كانت سابقة على الخروج الى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، يضطر الى فتح قوس كبير من ثلاث صفحات يبرز فيه ما طرأ على علاقته بأبيه من صفاء نسبي، لكنه غير طبيعي ولا حقيقي، على خلفية الواقعة المذكورة أعلاه. يقول: »أشّرَت هذه المحادثة التي تعود الى منتصف أو ربما الى نهاية شهر أغسطس 1955، على تحرري النهائي من الوالد.. إذ [منذ ذلك التاريخ وحتى موته سنة 1979]، لم يحدث أبدا أن نشأ بيننا خلاف واحد، على الأقل بشكل مباشر.. لقد كنّا في الحقيقة، لا نرى بعضنا البعض إلا نادرا. وسواء خلال السنوات التي قضيناها معاً في البيرو ـ الى حدود العام 1958 حين سافرت الى أوروبا، وهاجر هو مع والدتي الى لوس أنجلوس ـ أو تلك التي كنّا نلتقي فيها بالعاصمة ليما على هامش العطل السنوية، أو حتى حينما أزوره بعض الأوقات في الولايات المتحدة، فإنه كان غالبا ما يتصرف تصرفا معينا، أو يصرح بأقوال، أو يتحين الفرص والمناسبات للمبادرة بالقيام بأشياء تستهدف تقليص المسافات التي فصلت فيما بيننا لسنوات خلت، ومحو الذكريات السيئة الذكر التي تكونت لي عنه، من أجل ترسيخ علاقة آصرة وثيقة وعاطفية للغاية، لم تكن أبدا قائمة. غير أني أنا ابنه في النهاية، لم أكن أعرف البتة كيف ينبغي لي أن أرد على انتظاراته، بل وحتى حين أكون معه لبقاً ولطيفا، فإني لا أشعر اتجاهه بأي حنان عاطفي يذكر(...)، ذلك أنه كلما اجتمعنا لرؤية بعضنا البعض ـ لأيام معدودة، بعد سنتين أو ثلاث من الغياب ـ فإن علاقتنا تظل لبقة ولطيفة، غير أنها على الدوام باردة وجليدية.. ومن الأشياء التي بقيت غير مستساغة ولا مفهومة عنده أبدا، هي أني تمكنت من أن أحظى بالشهرة بفضل مؤلفاتي، الى حد ظهور صورتي في جريدتي التايم Time ولوس أنجلوس تايم Los Angelos Time؛ كان هذا لا شك يطريه، إلا أنه كان يزعجه ويربكه، أضف الى ذلك أننا لم نكن مطلقا نتكلم عن الروايات التي كتبتها، الى حين ظهور خلاف أخير دار بيننا ـ وشوش علينا الى حين موته في شهر يناير من سنة 1979 ـ على إثر صدور رواية: الخالة جوليا والكاتب، التي تضمنت بعض الحلقات المرتبطة بسيرتي الذاتية، حيث يظهر والد السارد ويتصرف بنفس الطريقة التي لاقيتها منه حينما أقدمت على الزواج من جوليا. إذ بعدما صدرت الرواية بشهور معدودة ـ وكنت حينها أعيش في انجلترا، وبالضبط في كامبريدج ـ، وصلتني منه رسالة عجيبة يشكرني فيها على أني اعترفت [في الرواية] بقسوته معي، مضيفا أنه ما كان ليقوم بردة الفعل القاسية تلك، إلا لمصلحتي الخاصة التي يعرفها أكثر مني، و»لأنه يكنّ لي على الدوام، حباً كبيرا«. غير أني لم أرد على رسالته... وبعد مضي مدة على ذلك التاريخ، بلغتني منه رسالة أخرى تصفني بالحقود، وتتهمني بالافتراء، وتُبكّت علي لعدم إيماني بالرب، وتدعو علي كي يلحقني من الرب غضب ماحق. وفي النهاية، حذرني من أنه سيبعث بنسخة من هذه الرسالة الى كافة معارفي وأصدقائي [ لإبلاغهم بهذه الحقائق غير المعروفة عني.] وقد علمت أثناء الشهور والسنين التي تلت ذلك التاريخ، أنه أرسل بالفعل عشرات، بل مئات من النسخ الى كل من أقاربي وأصدقائي ومعارفي في البيرو.. (ص459 /460 /461). بعد غلق هذا القوس المفتوح على الأسى والألم الغائرين في ذاكرة الكاتب الموشومة بقسوة الأب، يعود يوسا الى المرحلة الأولى من حياته الزوجية مستعيدا أجمل المحطات التي كانت فيها جوليا، بنضجها الكبير وتجربتها الرصينة وتضحيتها الإنسانية العميمة الى جانبه، تحرص على إسعاده وتخفيف وطأة الحياة عليه، خصوصا ما كان يقتضي منه بذل جهد وعبء عملاقين، لمواجهة الوظائف السبع المطالب بها. »لقد ساعدتني جوليا كثيرا، منذ اليوم الأول. ذلك أنه مـن دون مساعدتها، لم أكن لأقوى إطلاقا على مواجهة الوظائف السبع التي كان علي أن أضطلع بها، وأن أجد بعدها الوقت الكافي لحضور دروس جامعية معينة في سان ماركوس.. وأكتب الى جانب ذلك، ما لا يستهان به من القصص القصيرة..« (ص463). وأهم ما ينبغي تسجيله في هذه الفترة، هو ازدياد شغف يوسا بالكتابة الروائية كتقنيات وأشكال مفتوحة على القدرة الواعية بأصول الابتكار والتجريب، مستثمرا وظيفته كصحفي متعاون ليقترب بانشغالاته وأسئلته الأدبية القلقة التي نماها وطورها عنده انفتاحه على نصوص فولكنر وبورخيص ورولفو وآخرين، من بعض كتاب الرواية البارزين في البيرو، محاورا تصوراتهم وتجاربهم الخاصة وأعمالهم الأدبية. »عشت في هذه الفترة التي كنت فيها مفتونا بأعمال فولكنر الأدبية، تحت سحر التقنية الروائية، فكنت أقرأ كل ما كان يقع بين يدي بعينين فاحصتين، منشدا الى كيفية اشتغال زاوية النظر، والى تنظيم الزمن، والوظيفة المتناغمة للسارد، أو إن كان اللاتناغم والأخطاء التقنية ـ كاستعمال غير النعوت نعوتا مثلا ـ تحطم (وتَحول دون) قيام المحتمل الأدبي. لقد حاورت كل الروائيين والكتاب حول الشكل السردي، حول الانشغال الخاص بالتقنية، وكنت أصاب دوما بخيبة أمـل عارمة من جراء أجوبة أغلب هؤلاء المستخفة بهذه »النزوعات الشكلية«. البعض يضيف أنها: نزوعات كوسموبوليتانية أوروبية الهوى والميل، والبعض الآخر يضغط بقـوة لاستبدالها بما هو »أرضي Tellurique« قائـلا: إن المهم بالنسبة لي، ليس هو الشكل وإنما الحياة نفسها؛ وإنني أغذي أدبي بالجوهر البيروفي الخالص... ومنذ ذلك التاريخ، صرت أكره لفظة »أرضي« التي كان يلوّح بها في ذلك العهد أكثر من كاتب وناقد، على اعتبار أنها فضيلة أدبية كبرى، وواجب [وطني] على كل كاتب ينتمي الى أرض البيرو أن يلتزم به. وكان يعني كونك أرضيا، كتابة أدب متجذر في جوف الأرض، منغرس في المنظر الطبيعي المترع بالألوان، والمرتبط بالأحرى بجبال الأنديز، والمناوئ للزعامات السياسية الرسمية وللنزوع الفيودالي في السييرا، وفي السيلفا، أو في الشاطئ، مع سرد طرائف ونوادر فظة يكون محورها بعض البيض mistis، الذين يغالون في إنهاك طاقة الفلاحين، أو تدور حول بعض الأعيان المدمنين على السكر والسرقة، أو حول بعض رجال الدين المتعصبين الذيـن ينصحون الهنود ويحظونهم على التنازل والاستسلام. إن أولئك الذين يكتبون ويؤسسون لهذا الأدب »الأرضي« لا يعون بالمرة، بأن أدبهم على عكس نواياهم، كان من أكثر الآداب العالمية خضوعا ومألوفية، وأنه مجرد تكديس وتجميع لأسماء أمكنة عامة، بطريقة ميكانيكية صرفة، حيث تسود لغة فولكلورية مبحوث عنها بقصدية وذات حضور كاريكاتوري، وحيث الإهمال الذي يشكو منه بناء الحكايات يفسد بشكل كلي من الشهادة النقدية / التاريخية، التي يبرر بها هؤلاء خطوتهم (...). لقد صارت لفظة »أرضي« تعني بالنسبة لي، رمزا للتوجه البدوي والمتخلف في الحقل الأدبي، أي ذلك التحول البدائي والمتكلف في موهبة الكاتب الساذج الذي يعتقد أنه في مقدورنا كتابة روايات جيدة باختراع »موضوعات« جيدة، من دون أن يعلم هذا المغفل بعد بأن الرواية الناجحة هي خلاصة إجراء فكري شاق، وأنها اشتغال على اللغة، وخلق لنظام سردي، ولتنظيم للزمن، وللحركية، وللإخبارات ولحظات الصمت، والتي يرتهن بها كلها نجاح الرواية، أكثر مما هو رهين بحكاية تكون إما حقيقية أو غير حقيقية، مؤثرة أو مثيرة للسخرية، جادة أو بليدة. إنني لم أكن أعلم بأنني سأصير في يوم ما كاتبا، لكني خلال هذه السنوات بالضبط، كنت أعرف أني سوف لن أكون أبدا كاتبا أرضيا (ص467/468). على الرغم من ضيق وانحسار البرنامج اليومي الذي اختطه يوسا في هذه الفترة من حياته، لسد حاجياته المعرفية والمادية معا من خلال القدرة على تدبير أمر استقلاله وحماية حياته الخاصة، وجعلها في منأى عن كل ضائقة من شأنها إن انتصبت وبرزت فجأة، أن تؤثر لاشك على عشه الزوجي وعلى مساره التعليمي/ التعلمي الذي أراده معبرا ملكيا الى فرنسا حيث الموعد مع المجد والشهرة الأدبيين ؛ فإن يوسا استطاع أن يوفر مع ذلك كله، وقتا لا يستهان به لتعلم اللغة الفرنسية وإتقانها إتقانا جيدا ضمن البعثة الفرنسية في ليما، ثم العودة مرة أخرى الى الشأن السياسي قصد تجديد الانخراط ضمن صفوف الحزب الديمقراطي المسيحي، في وقت استثنائي من مسار البيرو الانعطافي، حيث شرعت الحياة الديمقراطية خلال صيف سنة ٦٥٩١ تتنفس هواء مختلفا عن العهد البائد، وهو الشيء الذي منح المثقفين والشباب خاصة، فرصة حلم نادرة تحركها الرغبة في المشاركة لبناء صرح تجربة سياسية ديموقراطية ذات خصوصية، قد تقوم على أنقاض ديكتاتورية الحكم الرسمي لأودريا. Odria لذلك يتحمس يوسا وينخرط في مكتب الحملة الانتخابية لهيرناندو دي لا فال ــ الشخصية السياسية البارزة التي حظيت بتقدير واحترام العديد من المثقفين والشباب ــ مدافعا عن برنامجه الرئاسي، ومتتبعا سَيْر حملته الانتخابية بكل ما كان يتطلبه ذلك من تفرغ وصبر ويقظة. غير أن عمر الحملة والأحلام التي واكبتها وملأتها سرعان ما انقضت وانجلت كسحاب ذلك الصيف المختلف من سنة 1956، ليجد يوسا نفسه في النهاية مشرفا على فقد التوازن المالي بفقد وظيفتين كانتا في الأصل مرتبطتين بمرشحه دي لا فال الذي خسر الانتخابات. يستوعب يوسا درس الهزيمة السياسية بسرعة، فيتمسك بالأدب وعلى الخصوص بالصحافة التي تعوضه على ما ضـاع منه، من خلال الاشتغال في مجلة إيكسترا Extra، التي راح يكتب فيها متابعات ونقودا ثقافية وفنية. إلا أن أهم عنصر للتوازن النفسي الداعم والذي كان يحتاج إليه يوسا سندا على الدوام في لحظات الضيق والضجر وانسداد الأفق ـ بالإضافة الى زوجته جوليا ـ هو صداقة لويس لوايزا وأبيلاردو أوكيندو ولوتشو التي بقيت راسخة، تتغذى وتعيش بالأدب وللأدب. ولأن ذوق هؤلاء صار يتشكل خارج مملكة الأدب البيروفي الموبوءة، منفتحا على قارات أدبية راسخة ورصينة تمتد من الأرجنتين والمكسيك وكوبا، لتعرج على أمريكا وبعدها أوروبا، ضمن جغرافية من الأسماء والأزمنة المتراكب بعضها إزاء/ فوق بعض، ضمن أفق مفتوح على معرفة أدبية مختلفة تتوج البحث عن التكنيك الشكلي المرصع بإمكانات تخيلية هائلة وسحرية ؛ فإن هؤلاء الأصدقاء سيسعون معا الى تأسيس فعل ثقافي سيشهد على نضج حساسيتهم الأدبية الجديدة، وذلك من خلال منبر صحفي تكون مهمته المرحلية هي الصدح بصداقة أدبية لها أبعاد كشفية مستقبلية. يقول يوسا عن هذه التجربة/ الذكرى: »كنا نحلم طبعا، بنشر مجلة أدبية تكون منبراً لنا ودليلا حيا على صداقتنا. وفي يوم من الأيام الجميلة تلك، صرح لنا لوتشو بأنه سوف يمول إصدار العدد الأول من المجلة، براتبه الشهري الذي كان يتقاضاه من مكتب الأستاذ ليدغارد المحامي. وبذلك ولدت مجلة الآداب Literatura، التي لن يظهر منها سوى ثلاثة أعداد« (ص526). في حمأة هذه الصداقة الأدبية الحالمة / الحاملة لبدائل أكبر وأغنى وأوسع من صنــــم النزعــــة »الأرضية« البئيسة التي استبدت بالكتابة السردية في البيرو، الى أن خنقتها وحجرتها وكأنـها قــدر أسطوري لا يمكن رده ؛ يحرص يوسا على عدم التنازل الكلي والمطلق عن الحضور لـدروسـه الجامعية، والانضباط في تحصيلها وإنجازها، في أفق التمكن من الفوز المستحق بمنحة خافيير برادو Javier Prado، التي تكافئ بها جامعة سان ماركوز طلبتها المتفوقين النجباء، لتمكينهم من تحضير شهادات الدكتوراه بأوربا. لقد كان يوسا متيقنا من أن »شفاء« الأدب البيروفي، واستعادته للعافية والمكانة المأمول فيها كونيا، رهين بحركة الانفتاح على العالــم البعيد عن السييرا والسيلفا مؤقتا، والتمكن من الاستفادة الضرورية التي لا مندوحة عنها، من تجارب أدبية كونية متنوعة ومتعددة، لا يحققها سوى الخروج والسفر بمعنييهما الرمزي والحقيقي. يقول يوسا في مذكراته: »لقد بقيت فكرة السفر الى أوروبا راسخة في ذهني خلال هذه السنوات، بل وحتى في خضم تلك الفترات الممتلئة التي غمرني فيها فرح كبير وأنا أعيش محتكا بالآخر، إما بفضل الحب أو بحكم علاقات الصداقة. لشدّ ما تسربت الى رأسي في تلك اللحظات، دويدة الضمير الصاحي لتوخزني بهذا السؤال المؤلم: ألا تود أن تغدو كاتبا ؟ متى ستشرع إذن، في إنجاز ذلك ؟ إذ على الرغم من المقالات والقصص القصيرة التي سبق لي أن نشرتها في الملحق الثقافي لجريدة Elcomercio، في Cultura Peruana، أو في Mercurio Percuano، والتي كانت تعطي للحظة من اللحظات الانطباع بأني صرت كاتبا، إلا أنني بقيت واضحــا وصريحا مع نفسي. وكنت أردد دائما في لحظة صفاء ذهني رائق: لا، لا، أنا لم أعد كاتبا بعد. لأن تلك النصوص المكتوبة بشكل متسرع، وأثناء فجوات استراحة لاهثة تطلبها وقت مشغول بوظائف واهتمامات أخرى، هي نصوص تنتمي لنسْخ كـاتب ممكن. وقد أخرج من النسخة يوما، لأصير حقا ذلك الكاتب الممكن، إن أنا انكببت فعليا على الكتابة صباحا وظهرا ومساء، مضيفا لهذه العملية كل الطاقة التي كنت حينئذ، أبددها في أعمال أخرى غير ذات جدوى. وماذا لو ألقيت بنفسي في يـم يكـتنفه غلاف هواء مختلف ومحفز، مكان لا تبدو الكتابة بين ظهرانه مجرد ممارسة شاذة وهامشية، وتلك لعمري هي الفرصة التي لا تضمنها البلاد التي أعيش فيها ؟! بالنسبة لي كان لهذا الغلاف الهوائي اسم علم محدد وبارز. فهل يا ترى قد يحدث في يوم من الأيام ، أن أسافر للعيش بباريس؟ غير أن حالة من الاكتئاب الرهيبة سرعان ما كانت تتلبّسني وتستبد بي وتجمد عظامي، كلما افترضت أنه قد لا أتمكن من التفوق والحصول على منحة خافيير برادو، التي من شأنها أن تقذف بي في اتجاه أوروبا، وأنني لن أبلغ أبدا أرض فرنسا على الإطلاق، الشيء الذي قد يترتب عليه البقاء رهين محبس هذه البلاد للتفسخ والتحلل المجانييْن فوق أرضها الكابسة، كبقية البيروفيين الذين لم تتجاوز مواهبهم بعد، مرحلة التخلق والتنشؤ الأولى« (ص 542 / 543). إلا أن يوسا سيحقق حلمه، ويطير كلقلق مهاجر يحلق باتجاه عاصمة الحلم والنور باريـــس مرتين: مرة حينما فاز سنة 1957 بجائزة القصة القصيرة التي نظمتها مجــلة La revue française، حيث قضى شهرا بأتمه متنقلا بين الصالونات الأدبية لهذه المدينة العريقــــــة، ومتاحفها الفنية الكبرى ومؤسساتها الثقــافية المشهورة، ملتقيا بأهم كتابها البارزين ذوي الصيت العالمي (وعلى رأسهم ألبير كامو)، أو أولئك الذين اختاروها مقاما للعبور نحو العالمية (خوليو كورثزار مثلا)؛ بينما تحققت الزيارة الثانية التي اتخذت صفة الديمومة والاستمرار، نهاية سنة 1958 بعد أن حصل يوسا على منحة خافيير برادو، وسارع الى التخلص من أثاث البيت وتهيئ زوجته جوليا للسفر والإقامة ببــاريز، وبذلك تنتهي رحلة السرد الاسترجاعي في كتاب يوسا. وبالجملة، فإن كتاب »السمكة في الماء« رحلة في سيرة المكان والزمان والإنسان، مكتوبة بأسلوب شيق ورشيق وممتع، مترع بطلاوة وحلاوة رائقتين، في ثناياها يندغم السرد بالوصف، الـتأمل بالبوح، التحليل بالتعليل، الحفر بالتعليق والتحقيق. إنها رحلة تعبر الأنا والآخر، الفرد والجماعة، المواطن والوطن، الأسرة ومؤسسات المجتمع، الثقافة والسلطة، الرواية والواقع، كتبها ماريو فرغاس يوسا كقصيدة في تمجيد طاقات الفرد الذاتية، وفي مديح الكتابة الإبداعية الحرة والمفتوحة على إمكانات المحتمل غير النهائية. رحلة جديرة بالقراءة.
٭ ماريو فارغاس يوسا: »السمكة في الماء«، الترجمة من الإسبانية الى الفرنسية لألبير بنسوسان، دار النشر غاليمار Gallimar الطبعة الأولى، سنة 1995. |
|||||
|
|||||