|
|
|
|||||
|
هناك قصدية واضحة في ثنايا عرض مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« تتمثل في نقل هذه الشخصية التاريخية الواقعية في سيرتها الى عالم متخيل درامي. حفز جواد الأسدي على إعادة تشكيلها وفق استراتيجية نصية أعطت لملامح هذه الشخصية أبعادا معاصرة من خلال الكتابة الجديدة في واقع جديد اتخذ من أحمد بن ماجد قناعا للواقع الذي أراد الكاتب نقله الى عوالم كتابة النص. فأحمد بن ماجد الذي توفي عام 1498، كان بحارا من الخليج من جلفار (رأس الخيمة حالياً)، عرف أسرار البحر، وخبر ألغازه ومداراته وأسراره، عرف بأنه »أسد البحر«، فرض هيبته ومعرفته بالبحر على سفرياته ومرافقيه وهو يمخر عباب البحر وأمواجه بأشرعة سخرها بحكمة رصينة في اللحظات الحرجة أثناء ضراوة العواصف وجبروتها للخروج من مأزق هذه اللحظات، عرف جغرافية البحر والسماء والأفلاك والنفس البشرية، واكتشف المصائر والمدن، وتعرف على عادات الشعوب والأمم، وقدم هذه المعارف والتجارب في كتاب: »الفوائد في أصول علم البحر والقواعد«.
إن أحمد بن ماجد شخصية إشكالية، لا تقدم كتب التاريخ تفاصيلها وجزئيات سيرتها الخاصة، لكنها وعلى الرغم من شح المعلومات حولها، يمكن أن تصير علامة درامية في المكون الدرامي داخل الكتابة المسرحية المتخيلة، لأن كثيرا من القصص التي حيكت حولها بالذاكرة الشعبية الخليجية، والمرويات المتخيلة والاشارات لمحت الى أنه رافق فاسكو دي جاما الى الهند، وهو ما دفع الدكتور عبدالله ابراهيم غلوم الى كتابة مسرحية جمعت بين الواقعي والمتخيل في سيرة أحمد بن ماجد عنونها بـ»عذابات أحمد بن ماجد«، وكتب علي أبوالريش مسرحية موسومة بعنوان: »ابن ماجد يحاكم متهميه«. أما الدكتور جواد الأسدي فوجد أن »أحمد بن ماجد« (رجل تمثل البحر وشرب البحر وشربه)، فأراد تحويله الى شكل حداثي بكتابة معاصرة حيوية يخلق بها نوعا مسرحيا جديدا بمسرح شامل، بتحويل نص ليالي أحمد بن ماجد الى ضربات فنية بمجاديف شعرية تنهض مع الجموع البشرية لفرقة »أنانا« برفقة راقصيها وجموح جهاد مفلح الذي يركب لها المراكب، كل ذلك مرفوعا على تفجيرات رعد خلف الموسيقية المشتعلة، ولمسات مصممة الأزياء سهى حيدر الرهيفة).(1) والكتابة عن أحمد بن ماجد، معناها الاقتراب من شخصية تراثية متوازنة ومميزة هي مفخرة الخليج العربي، شخصية عاشت عصرها في البر وفي البحر، وعاشت ألم الفراق، ورعشة اللقاء، والخوف من المؤامرات والدسائس، عشق أحمد بن ماجد حبيبته ورد، وعشق الوطن والبحث في معنى الوجود لأنه صاحب علم وإيمان بهما أراد أن ينزل منزلا مباركا في قلوب الناس. إن هذه الشخصية المنتمية الى التاريخ، يمكن أن تصير بالكتابة الدرامية منتمية الى المسرح، والى انفعال الكاتب وتفاعله مع تجليات وآراء هذه الشخصية، أي تصير جزءا من شعوره ولا شعوره، وتصير منتمية الى ذاكرته المعاصرة والى رؤيته ونظرته الى مخاضات وتحولات العالم المعاصر، حيث من هذا التمازج الروحي بين الدراما والذاكرة المفكرة في هذه الشخصية، والتزاوج بين الذات الكاتبة وما يريد الكاتب أن يكتب، انكتب هذا النص وفق ما اختاره جواد الأسدي ليؤثث عالم أحمد بن ماجد داخل طقوسية الشيء ونقيضه، أي ثنائيات الرحيل والعودة، الحب والكراهية، الميلاد والموت، الأنوثة والرجولة، الوفاء والخيانة، الجشع والقناعة، والكفاف والعفاف والطمع، وكل هذه الثنائيات كانت أحلام كاتب أراد أن يبني بأحلامه وهواجسه مسرحا أو رؤية مسرحية في عالم تراجيدي يختصر به مواجعه وآلامه وقلقه وعذاباته، لأنه يحمل بين جوانحه آلام الرحيل ومغادرة الوطن والغربة والضياع الأبدي، إنها رؤية بها أحب الكاتب العودة للوطن بمعاناة أوصلته لحد التمزق، وأراد العودة من الضياع والغربة بشعور أوصله لحد العودة بلا عودة، وهو ما جعله يضع اختياراته الجمالية وفق هذه الثنائيات في عرض مسرحي بناه جماليا بالصورة أكثر ما بناه بحوار الكلام. وهذا ما حدد به مكونات هذا العرض قائلا: (يحاول هذا النص الشعري، الموسيقي الدرامي، الذهاب الى ما هو أبعد من رحلة وحياة البحار والشاعر أحمد بن ماجد الذي اخترق مجهول البحار والمدن والأمكنة ليبني لنفسه ومدينته بفتوحات بحرية شعرية ليؤسس منصة سماوية لحركة النجوم وانفلاتات المراكب. النص هنا، يثير سؤال معنى إعادة كتابة الموروث بمتخيل جمالي، فنتازي، يتجنب الوقوع في فخ السيرة الذاتية الفوتوغرافية، وصولا الى شخصيات شغوفة بالمعرفة والحب).(2) وهذا التصور الذي يندرج في نص »أحمد بن ماجد« بهذه المكونات، لم يؤسس معنى الصورة- فقط- ولم يكون معنى المشهد أو المشاهد، ولكنه أسس معنى الحوارات والصورة والمواقف والحالات الجديدة في هذه الحوارات بالصورة المعبرة بالحركة، حيث يحضر النبض المرهف للجملة الشعرية وقد تدثرت بصور تكمل دلالاتها، أو أن هذه الصور تصبح هي حاملة الدلالات في المواقف وأشكال الصراع بشكل مكثف تضيق فيه العبارات لتتسع معاني الصور لتجعل كل شخصية تنقذ كلام الكاتب من الضياع في زحمة الصور، وتفصح عن كلام نقيضه في كل الحالات والمواقف والصراعات، وما اختيار شخصية أحمد بن ماجد، كبطل إشكالي لواقع إشكالي، سوى بهدف التركيز على الرحلة والرحيل كمنشطين حيويين دفعا بجواد الأسدي كي يتذكر منسياته، ويزرع كلامه في كلام أحمد بن ماجد، وهو في كلام النص لا يريد أن يبكي، ولا يريد أن يصمت، ولا يريد أن يمحو تاريخه الخاص وتاريخ مجتمعه، ولا تاريخ الناس حوله، ولكنه يريد أن يتكلم، وينيب من يتكلم عوضا عنه في النص ليسمي كل الثنائيات بأسمائها بعد أن يكون قد أسقط عليها أحلامه وهو يحكي عما ضيعه، أو عمن ضيعوه. يقول: (هذا النص المسرحي المتخيل الذي يغرف من الموروث الخليجي، يريد أن يؤسس لكتابة تنزاح عن التفسير الأحادي، وتنطلق من حرية الحرية في تفسيرات مختلفة ومتباينة. هذه التجربة جديدة لمسيرتي المسرحية، وربما تؤسس مستقبلا لمسرح درامي موسيقي كنت، وما زلت، أحلم بتكوينه)(3) وعندما تنطرح قضايا التجربة الجديدة، ومسألة الاصرار على تأسيس مستقبل درامي موسيقي، فهذا يعني، حتما، الانتقال من النص المقروء بخصوصياته الأدبية والدرامية المنطوقة، والدخول الى زمن العرض الذي يحلم به جواد الأسدي ضمن مشروعه الفني، به يتخلص من تجربته الماضية، أو على الأقل يتخلص من بعض ثوابتها، ليعترف أن ما هو آت هو المشروع المحلوم به لتجربته، ولرؤيته، ولمساره الفني، وهي عودة الى جواد الأسدي الآخر الذي يريد أن يغادر قرينه الكاتب، ليقدم الصيغة المثلى في الاخراج المسرحي استقبالا مع جواد الأسدي المخرج الكاتب. إلا أن مشروعا- كهذا- لا يعني التنكر لكل التراكم الذي حققه جواد الأسدي عبر سنوات الجمر في زمن التأسيس المسرحي في إخراجه المسرحي، لأن سياق الحديث الآن عن هذه الشخصية التاريخية الإشكالية التي حركها بمتخيله في النص المكتوب، هو حديث يريد به أن يصعد من حدة الفعل المسرحي في هذا التأسيس الجديد، في نص عرض أثار عنده كثيرا من الاشكالات النقدية التي ولدها هذا المشروع ضمن إنتاج مسرحي درامي موسيقي بالتصور الذي قدمه وفق الاختيارات التي حددها سلفا في خطابه حول مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد«. والسؤال هو ماذا أضاف هذا النص الى تجربة هذا المخرج؟ (إن هذا العمل أضاف الى المشهد الإماراتي الشيء الكثير، وحقق حضورا مهما لشخصية تاريخية خليجية، وبغض النظر عن الحقائق والتناقضات التي تحفل بها شخصية ابن ماجد، أو كما يطلق عليه »ماجلان العرب« إلا أنه يعتبر شخصية تاريخية مهمة اتكأ عليها المخرج والمؤلف جواد الأسدي في صياغة نص لعب الخيال فيها دورا غير قليل في تكوين هذه الفرجة المسرحية والفكرية التي تقوم على الصرخة المدوية المتمثلة في نصائح الأب »ماجد« (إننا شعوب تحتفي بإنسانيتها، ونعيش في أفق وسلام واستقرار).(4) هل نعتبر عرض مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« حدا فاصلا بين ما قدمه جواد الأسدي في عروضه السابقة وهذا العرض؟ وهل الاستعانة بوسائط فنية أخرى كالموسيقى والرقص والظواهر المسرحية الاحتفالية الاماراتية والعربية في هذا النص يعني القطيعة بين ما مضى وبين ما هو في طريق التشكل بمسرح شامل؟ الأسئلة - هنا - تعني الدعوة الى تفكيك هذا النص المسرحي في العرض المسرحي، والتعرف على مكونات هذا المسرح الشامل بكل الوسائط الفنية التي أغنت حيوية العرض بالإيحاء، وأعطته اختلافه الابداعي ليخالف التجارب السابقة، إنه عرض جديد أسس به جواد الأسدي (لرؤية مشهدية غير مطروقة قبل الآن، على الأقل في أعماله المسرحية التي يعرفها المشاهد له، مثل الحفارة، ومغامرة رأس المملوك جابر، العائلة توت، تقاسيم على العنبر، الآنسة جوليا، الخادمتان، نساء في الحرب، الاغتصاب، جنون في الاسطبل، أي تقنية الافادة من أداء الجسد في عرض مسرحي لا تغيب فيه نكهة الحوار المقتضب والمعبر، ولا يغيب عنه بريق الصورة وألقها، وهذا يشكل عنصر الجذب فيه).(5) الأكيد أن تفكيك مكونات نص »ليالي أحمد بن ماجد« ستقربنا من معنى هذا المسرح الشامل الذي عاش راهنية اللحظات المأساوية للشخصية التراجيدية لأحمد بن ماجد، وسيجعلنا نفهم الأبعاد الفنية في إيحاءات النص لنعيد تمثلها في خطاب نقدي يراعي التحليل والفهم، بجانب المفاهيم وأشكال التلقي عند عينة من المتلقين لهذا الاحتفال المسرحي. فضاءات بدون حدود في احتفال »ليالي أحمد بن ماجد« كل عرض مسرحي مكتمل البناء، ومتراص البنيان، إلا ويتوفر على خصوصياته الشعرية في شعرية بناء المشاهد والحالات والدلالات، وهو عرض لا يمكن قراءته كفعل متخيل في بناء متخيل زمن كتابة العرض الذي يثير اهتمام المتلقي، ويحفزه على الكشف عن لذة تلقي العرض المسرحي إلا بالمقاربة النقدية التي تعرف كيف تشكل هذا العرض بخصوصيات الدراما والاخراج والمسرحة. هذا العرض لا يمكنه أن يستجيب لأفق المتلقي، إلا إذا كان موصولا الى مرجعيات معرفية، ومهارات، واتقان في صياغة زمن الكتابة دراميا أو ملحميا، وإعطاء حياة الكلمات والصور المتلاحقة حيويتها بكل المعاني التي تتولد من المعاناة والمخاضات التي تقدم الرؤية التراجيدية للعالم والرؤية التراجيدية للذات في الكون. ويسعى المخرج العراقي جواد الأسدي الى تحقيق إنجاز عروضه وبنائها وتجميلها برؤية شاعرة تجمع بين الذات المتشظية، والرؤية التي تعبر عن أشكال السقوط في الكون بعد أن تحمل كل أشكال المعاناة التي ارتسمت في جغرافية الذكريات والعلاقات التي عاشها، وهو ما قدمته كل مسرحياته التي حاول فيها تكثيف الحالات وأشكال المعاناة لكتابة سيرة ذاتية تقدم حياة المبدع في الابداع، وتفصح عن مكنون هذه الحياة في خطاب هذه المسرحيات أثناء تعامله مع تشيخوف وسعد الله ونوس ومعين بسيسو، وما كتبه هو نفسه ليجعل المسرح يتحدث بخطابه ويتحدث عن الذات. وفي هذا السياق، تندرج مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« كاحتفال مسرحي في فضاءات بلا حدود، مرة تتكلم بخطابات غير مباشرة، ومرة تعبر بشكل مباشر. الخطابات غير المباشرة تجري في أزمنة مطلقة لا يعطيها معناها سوى الشخصية المركزية »أحمد بن ماجد« وهو يحيا كل الاحتفالات الخليجية في عرض يعيش أزمنته في هذه الفضاءات المشرعة على كل الاحتمالات والتأويلات والمعاني حسب ما يطرحه النص المكتوب كمنطلق حقيقي للعرض، لأن للنص قيمته في بناء حواراته وأحداثه بلغته الخاصة، أما العرض فيصبح مركز الصور والفضاءات التي تصير علامات دالة على ما يريد الكاتب قوله في هذه الصور. ان النص عند جواد الأسدي، في البدء وفي الختام، بنية صغرى تدخل في علاقات جديدة مع بنية كبرى هي العرض، ويصير هذا النص ظلا لكلامه ضمن كلام المشاهد والصور والاحتفالات التي تكمل ما لا تستطيع اللغة المنطوقة إيصاله في الزمن الافتراضي لحياة الفرجة، وهذا ما جعل جواد الأسدي في كل تجاربه الإخراجية يقول: (إن النص، أي نص بالنسبة لي هو هيكل الاخراج).(6) هذا هو منهج الإخراج المسرحي، في هذه المسرحية، وهذا هو الاعتراف الصريح حول علاقة النص المكتوب للقراءة بنص العرض، ومثل هذه العلاقة بين النص المكتوب، ونص العرض، هي علاقة هدفها توليد المعنى الجديد للفضاء، وبناء جماليات خاصة بهذه الفضاءات، أثناء تحريك المجموعات وبناء المشاهد واللوحات الفنية لضبط ايقاعات الاحتفال في فضاءات مفتوحة على الحركة والضوء والنور والظلمة والحلم لضبط كل مكونات الفرجة اعتمادا على التجريدات التي هندس بها جواد الأسدي »ليالي أحمد بن ماجد«، والتي أفصح فيها كمخرج عن مكنون تجريبه المسرحي حين تكون سلطة المخرج هي المتحكمة في هيكل النص وبنائه أو إعادة تقطيعه وفق منهج اخراجي واضح المعالم. وهذا ليس ببعيد عن مفهوم ووظيفة المخرج في رأي جواد الأسدي الذي يقول: (إن المخرج المعاصر هو المهندس الأول للبيئة، وهو العاشق الحقيقي لعمق الفضاء، ومداه، لهذا فإن عقله وخياله أن يوصل الفضاء المسرحي الى صيرورة الاستجابة للجذب الواقعي، أو ينفي هذه الصيرورة فيؤسس لنا تجريدات عامة).(7) ومسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« تقترب اكثر من هذه التجريدات ببرنامج سردي كان فاطرا للغة الدرامية كي تخرج ما في رحمها من صور وحالات عبر المشاهد الحية للاحتفال، وهذا لم يكن سوى منهج جواد الأسدي في اخراج هذه المسرحية، لأن همه الأول والأخير هو جعل هذه التجريدات حية في حيز الفضاء المسرحي بمجازات تختصر العالم، وتقدم صورة بطل كبر على جراحه، أو أن هذه التجريدات تصبح ببلاغة الرؤية العميقة متدفقة بعذوبة كلام النص وصوره وهي تكبر بهذا الكبير. بهذا العمل المسرحي كان جواد الأسدي يريد أن يضع حلمه الفني على محك التجربة والتجريب، وأن يكون متأملا في فضاءات يريدها أن تكون فضاء لنص ليالي أحمد بن ماجد، ويكون متمعنا في خصوبة ما يعطيه هذا الدفق من الايحاءات والتوريات التي ينقل بها تراجديديا الواقع الى تراجيديا العرض دون محاكاة للواقع، أو ما هو مكتوب حول هذه الشخصية، ودون التماهي مع خلل الحياة وغموضها وسوادها وأفراحها المتكلفة، إنه بمسرحه في هذه المسرحية، يريد أن يكون مخرجا معاصرا يستمد معاصرته من الاختيارات التي وقعها قبل إنجاز أكثر من تجربة مسرحية، وحديثه عن المخرج المعاصر يقدم قناعاته بجدوى الوظائف التي يقوم بها هذا المخرج والتي حددها في قوله كالتالي: (المخرج المعاصر وحده القادر على خلق فضاءات مادية ملموسة يصب فيها هدفه السياسي الاجتماعي، وهو المؤهل لتفكيك فضاء الواقع »المحيط به« وإعادة تشكيله بما يناسب الصياغة المستقبلية لدور الفضاء، إن الفضاء المسرحي عابر... ميت... عليل.. أجرد... وفانتازيا المخرج الافتراضية عليها أن توقظ الميت، وتعطي للفضاء وجودا »حسيا«، »ماديا«، »حيا« ينبض بالحياة، أي أن المخرج صانع وجود وليس مقلدا للطبيعة).(8) وجواد الأسدي حين يتجنب عن وعي محاكاة كل ما هو موجود سلفا، أو يتجنب تقليد نموذج ماثل أمامه، فإنه يحول المحاكاة الى حلم، ويحول الحلم الى وقع مبني على زمن الحلم، وهو بهذا يعلن عن ميلاد زمن العرض في فضاء افتراضي لا حدود له ولا لون ولا دلالة إلا الدلالة التي ستتعدد بعد ميلاد العرض، والبداية ستكون بالصوت المنطلق من سديمية الدخان الكثيف المتصاعد من كل جنبات الركح، وقرع الطبول يزيح الصمت وموت الفضاء، ويكون التداخل بين الأصوات فتحا للمجال أمام كل الصور المرئية كي تحتوي حلم الألوان وحلم المحمولات الدلالية التي تشكل في انبعاثها اللامتوقع وغير المنتظر الملامح والقسمات الأولى لصورة العرض بأشكال وأصوات تأتي خارج المألوف وخارج رتابة الحياة ووحشة الأماكن العادية المألوفة. إن حلم الجماعة يتشكل بهبوط الأجساد ونزولها، كل جسد له فضاؤه الخاص، وكل فضاء خاص للجسد هو بالضرورة مكون أساس لفضاءات باقي الأجساد داخل المجموعات حين تلتئم وتتجمع في إيقاع عنيف وصاخب يمثل جمالية البدايات بهبوط ونزول هذه الأجساد وهي تنتقل من صراع الى صراع، ومن حيز الى حيز، وابن ماجد يتراجع ويتقدم لتتقدم المجموعة مع أمواج البحر وهديره، وهذه الأجساد المنكسرة بحركاتها تمشيا مع المؤثرات الصوتية يجعلها المخرج رئة الفضاءات المجردة كأن النص مع بداية التشكل الأول للصور في العرض كائن يعيش حالة الشهيق والزفير، التنفس واحتباس الأنفاس، أو أنه يعيش مخاض الولادة الأولى لتحديد دلالات الفضاءات المجردة، الكل يقول لا مع بدايات العرض، والمجموعة تقول لا بعد الغرق، بعد النحيب، والموسيقى الجنائزية موصولة الى هيبة الفضاءات والملبوسات البيضاء للرجال، واللباس المخطط للنساء، ودلالة اللون يرسم للنزيف نزيفه مع الشريط الأحمر الذي يعبر الركح من اليمين الى يسار المسرح كأنه تاريخ يكتب تاريخه في النص البصري المتعدد بهذا الدم المنساب في زمن العرض، وتعدد الصور في هذا التاريخ يبرره جواد الأسدي، ليس في هذا العمل ولكن في جل أعماله، يقول: (لماذا أنص على مسرح البصريات؟ ألأنه يمنح الفرصة للشكلانية التجريدية كما يسميها البعض؟ أو لأن البصر »الصورة« هي أصل المسرح؟ لماذا نلح على العين أكثر من الأذن؟ ماذا سيتبقى من شكسبير لو أننا نقلنا نصه وقدمنا له قراءة سمعية فقط؟ هل من دور للمخرج في تعامله مع الكلمة خارج وجودها في النص؟ ما هي مهمة الاخراج؟ كيف ينظر الإخراج الى مدلول الكلمة؟).(9) الجواب نجده في زمن عرض »ليالي أحمد بن ماجد« كزمن للصور المتلاحقة في كل العرض، وهو زمن المشاهد وزمن الليالي التي كان ينطق بها الحوار، أما تشكيل الاحتفال فهو الاختيار الأول والأخير لجواد الأسدي وهو يفعل النص المكتوب في نص العرض ليكمل وظائف نصوص أخرى قامت بأدوارها الفنية لخلق التكامل الدلالي بين كل النصوص المنطوقة والبصرية وقد نحت أحيانا نحو الايقاعات الصامتة العنيفة، وأحيانا أخرى نحت نحو اللين والرقة واللحظات الهامسة بالرأفة والحلم والحب والصبابة بين أحمد بن ماجد وبين ورد. إلا أن اتخاذ الصورة وسيطا بين النص المكتوب ونص العرض تبقى موصولة الى تأويل النص بالصورة، وتأويل الصورة برؤية المخرج للنص، وفي هذا يدافع جواد الأسدي عن هذا التوجه الذي ينضد به العلاقات بين مكونات العملية المسرحية والرؤية الفنية للعمل المسرحي قائلا: (إن الفضاء المسرحي هو الصورة، والكلمة تأتي في الصف الثاني، أو أن الكلمة هي المستوى الأول في طاقتها التفجيرية التي إما أن يجرجرها المخرج الى بعدها الأصلي، »الصورة« أو يرجعها إلى الأدب، أي إلى الكتاب والاكتفاء بالدلالة الحرفية).(10) وبهذه الفضاءات المجازية بكل صورها التي شكلت العرض، كان جواد الأسدي يصر على جعل الاحتفال بـ»ليالي أحمد بن ماجد« سفينة للحلم والرؤية التراجيدية للعالم بهذه الطاقة التفجيرية، ويبث في كل الصور، وفي كل فضاء في الاحتفال قناعته أن أحمد بن ماجد، ليس هو ابن ماجد التاريخ، أو ابن ماجد الذي حكى عنه الحكواتيون، ولكن ابن ماجد عنده هو الذي كتبه هو، والذي كان يحلم به هو، كما يحلم بفردوس حقيقي لوطن خال من كوابيس العصف المرعب للانسان إلى جحيم الواقع السعيري، وهو يرى أن تغيير الواقع المختل والقاسي لا يغيره إلا الحب، لأن »الحب هو شراع سفينة البلاد«. ولجعل الصور تحتل الدرجة العليا في علامات النص فقد اشتغل المخرج على جسد الممثل كعلامة في الصورة، واشتغل على شكل لعبه، وكان الاشتغال على الممثلين وعلى الجماعات اشتغالا تحدده الوظائف الموكولة الى كل أشكال التشخيص والرقص والتمثيل والتعبير الحركي والرقصات والغناء والانتقال من بقعة إلى أخرى، فالممثلون والراقصون كانوا يكسرون الجدران الوهمية لفضاء الركح، وكانوا ينتقلون من فضاء الى فضاء، وكأنهم ينتقلون من زمن الى زمان، بحثا عن تعبير وتشكيل جماليين ينهضان به ذاكرة المتلقي ليدلف الى حلم يتوقع به نهوض مجتمع مدني حقيقي يهبهم مبادئ العدل وحالات الفرح والصدق في هذا النهوض، وكانت الوصلة الواصلة بين كل الحركات وكل الألوان القاتمة والبهية والربيعية والخريفية والمأتمية هو صوت النهام وهو يعلن عن فاتحة البداية لمفردات النص وكأنه يمهد السبيل لدخول الطقوس الاحتفالية الخليجية والعربية الى زمن العرض، لأنه هو نفسه ينتمي الى هذا التراث كخزان حقيقي لذاكرة الشعوب، لكن أثناء التعامل معه ابداعيا يصير محملا بدلالات فنية في أزمنة عرض كانت أهم خصوصياته في الفضاء هي: 1 - ان الركح لا يأخذ معناه ودلالاته إلا بفراغه الذي يصير امتلاء بالأحداث الدالة. 2 - ان الضباب الاصطناعي يشكل المطلق في فضاءات العرض. 3 - ان الفراغ والمطلق هما حلم في فانتازيا العرض وفي متخيله، بهما سيتحدد حوار النص بالطقوس الاحتفالية. 4 - ان ما يعطي للفراغ والمطلق معناهما هي تلك الاجساد التي تقترب من معاناة الشخصية التراجيدية أحمد بن ماجد، فتدنيه من معناته كي تتكلم المجموعة بأجسادها في كينونته تعبيرا عن كينونة الجماعة او الجماعات المختلفة في ليالي ابن ماجد. ان احتمالات هذا النص قائمة على التناص، على المستوى البصري، حيث تتداخل نصوص استعراضية بصرية في المكونات السردية في كل البنيات المتحكمة في العرض، فكان الوعي المعاصر في هذا التناص يعيد تشكيل الماضي في الحاضر لنقل بلاغة الاحتفالات الخليجية والعربية الى شعرية الصورة الفنية اعتمادا على الحفريات التي قام بها المخرج في الذاكرة الفردية والجماعية لتركيب أشكال التناغم فنيا بين هذه المكونات، وتركيب أشكال التناقض بين المواقف والحالات التي وضعت أحمد بن ماجد في صور تحتفل بإيقاع كل الاحتمالات التي تبزغ في مدينة جلفار التي تحكمها هذه الاحتمالات. أحمد بن ماجد في احتفال كل الاحتمالات تتعدد مظاهر الاحتفال في مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« في نص معد بعناية واتقان ومهارة كي يتمكن من الغوص في الخلافات التي تعيشها مدينة جلفار، بعض هذه المظاهر مستمد من بيئة الخليج العربي، ومنها ما هو مستمد من التاريخ العربي كالطقوس الكربلائية التي لونت سماء العرض بألوان قزحية شكلت معنى الصوت العميق لهذه المظاهر بعد أن أوجدت لها مهارة المخرج كل الصلات والعلائق وأشكال الوجود البصري الممتع بفنون العرض. وقد أخذ طقس الختان ومراسيمه موقعا هاما في زمن العرض حتى صار لافتا للنظر يكاد طول تشخيصه يأخذ بالأبصار والألباب، ومنها ما هو مستمد من البحر والبحارة والغوص، أو مستمد من حياة الناس في البر وهم يعيشون حفل الميلاد او الموت، أو يحيون الرحلة والغناء الذي يلون بايقاعاته ومقطوعاته زمن هذه المظاهر في العرض المسرحي، حيث النهمات والأغنيات، وأغاني إقلاع السفن والأدعية، والفلامنكو ممزوجة بروح عربية والدبكات الشعبية ورقصة الدراويش الصوفية، والألحان الجنائزية واللطم العراقي، والتعبير عن الندب، والأجساد الراقصة المتشحة بالسواد، والمواويل تشع صوتيا بدلالات الاحتفال تهليلا وترحيبا، وداعا وتعزية. هل كان حفل الختان - فعلا- مقحما في العرض- كما رأى بعض النقاد؟ وهل كانت تفاصيله المركبة في صيرورة المشاهد غير مبررة فنيا لتوافق شروط التوازنات بين كل النصوص المكونة للعرض ككل؟ في هذا يقول عبده وازن: (ولم ينس الأسدي الختان، وهو على رغم جماليته المشهدية، بدا مفتعلا أو مركبا وخصوصا عبر ارتباطاته بلحظة قتل الأب).(11) معنى التركيب والاطالة في حفل الختان، والتركيب المتداخل بين الأحداث المتناقضة، لا يعني سوى التاريخ للحظة الموت والحياة في لحظة الانتقال من الطفولة بمعناها البريء، وولوج زمن الرجولة بمعنى الفحولة والنضج واليفاعة والمسؤولية واستمرار الميت في الحي، واستمرار ماجد في أحمد، وتجدد خلافة ماجد في خلافة وولاية نسل أحمد، ونقل خبرة الأب وحكمته الى وريث سره وخليفته أحمد. هذا الانتقال كان منطلقه حوار النص، وكانت ترجمة الارشادات المسرحية الى هذه الاحتفالية الختانية معناه تلاقي لحظة الختان بلحظة القتل الذي غيب الأب، لكنه لم يغيب نصائحه وتوجيهاته وقناعاته لابنه. هذا نجده- فقط- في الارشادات المسرحية، ونجده في حوار النص كالتالي: (الختان يسن شفرته، وأحمد يجلس على الكرسي كما لو كان رجلا يافعا. يتقدم ماجد ويجلس على الكرسي بجانب أحمد). ماجد: (يغني) تبقى بعدي تحمل ذاكرتي. (خلفية هذا المونولوج عزف موسيقي متصاعد) تدفع أشرعتي تحمي سفينتي موسيقى تجر توابيتي من بعدي يصير جسدك صديق الموج حليف المراكب من بعدي كن أسمع من فرس أنوم من فهد موسيقى أكرم من ديك أعلم من نمل أشرب من نمل أحذر من غراب أحلى من عسل أمر من الصبر أقسى من الهجر أمر من الفراق أرحب من طعنة أكرم من حاتم أهيب من القطا أطول من رمح موسيقى أسرع من برق وسهم وطرف أفصح من قس بن ساعدة أرحم من رحم الأم كن راية).(12) والماقبل، والمابعد، واستعمال صيغة التفضيل في الزمن الفاصل بين هذه القبلية والبعدية، معناه بناء شخصية أحمد بكل نصائح الأب، ليصير عالما بالبحر، جوادا في خصاله، حذرا متيقظا وفصيحا ورحيما وحلوا ومهيبا. وهذه شروط اساسية للدخول الى عالم المسؤولية، لانه بهذه الشروط سيصير رمزا للوطن حين أمره ماجد قائلا »كن راية«، وهذا لا يتأتى ولا يتحقق، إلا بالخلاص من فتوة الطفولة، والتطهير من رومانسية الصبا، وذلك بالختان الذي سيجعل أحمد واقعيا وأكثر تعقلا وعقلانية، وهذا دفع به كل يسأل اباه عن الهدية التي سيقدمها إليه، فكان جوابه »الختان«. (أحمد: أين هديتي يا أبي؟ ماجد: هديتك سأعطيها لك يوم ختانك. الأم: ومتى يكون ختانه ان شاء الله. ماجد: بأقرب وقت ممكن. الأم: أسمعت؟ أبوك يريد لك حفلة ختان. أحمد: لا ، لا أريد. ماجد: كيف لا تريد لن تكون رجلا بحق إلا بعد الختان).(13) إن الاحتفال بالختان، هو احتفال بذكورية أحمد بن ماجد وذلك في لوحات ممهورة بكل فنون العرض المسرحي، بها أراد المخرج أن يسحر عين المتلقي بفنون الخليج العربي لتأخذه رعشة الاحتفال الى المعنى العميق الذي تقدمه هذه الذكورية من خلال نصائح الأب لابنه والاستفادة من دربته الطويلة وخبرته بالناس وبالحياة والبحار وأسرار الوجود، إنها رعشة التعرف على شخصية الأدب الذي يرى النجوم مسخرات بأمر الله ، ويدعو ربه تضرعا وخفية، يصارع غريمه المجدمي، الذي يفتري عليه كذبا، لأنه مجدمي جحود لا شفيع له إلا مكره، يستكبر ويروج الأكاذيب التي تتهم ماجد، كما سيتهم ابنه ابراهيم أحمد، بخيانة الوطن، وكلاهما لا يخرج إلا نكدا وحقدا وحسدا من نفسية مريضة، وفي خضم الصراع، بدأ ينسج الدسائس، ويدبر المؤامرات لاغتيال ماجد، وهو المصير نفسه الذي سيلقاه أحمد ابن ماجد. ولا عجب أن يكون ابراهيم مثيلا لأبيه، ويكون أحمد شبيها لوالده. وفي سيرورة التفاعل بين الأحداث ، كانت عملية القتل أثناء الصلاة، من اللحظات القوية التي تكشف عن طعنات الغدر التي تم بها في زمن التبتل والضراعة الى الله قتل ماجد وبعده أحمد. وقد حرك هذا القتل المخرج جواد الاسدي كي يبحث عن مفردات مسرحية من التراث العربي لاتمام معنى العرض ليجعل الركح منبرا ومنصة للعالم الذي يعيش فيه، وقد كان من بين المفردات التي حفر عليها المخرج من هذا التراث ومن ذاكرته اللعب الطفولي الذي قال عنه«: (في مرحلة من مراحل البحث عن الذات الفنية، كانت هناك دعوة حقيقية للعب الطفولي في كربلاء، حيث صرت أدرك، وللمرة الأولى قيمة الطقوس، والتقاليد، والعبث الطفولي الذي يؤسس في لا وعيي الطاقة التخييلية. صرت أضع نفسي في نقطة استعادة تلك المشاهد العاشورية والمبارزات والخيول ولذة التشبيه بالآخر).(14) وفي عرض ليالي أحمد بن ماجد تمت استعادة الأزمنة الهاربة من الزمن الحاضر، ليتم توظيفها في جل المشاهد واللوحات والصور المتخيلة موازاة مع حوارات النص أيضا، فزاوج المخرج بينها وركبها في عرضه تركيبا ابداعيا جديدا أعطى به للرمز العاشوري والكربلائي موقعه بشكل ارادي في عملية البحث عن هذه اللذة على اللحظات البكر في المتخيل الدرامي الاحتفالي، فحاور أقسى وأعتى اللحظات المأساوية في هذا اللعب الطفولي الذي صار حقيقة فنية في هذا العرض حين تم وضعه في أنفاس خطابات النص فمنحت للعرض نفس إمكانية التحليق بهذا المتخيل في فضاءات الصور واللعب الفني ذي البهجة الفريدة. بهذا تمازج نص »ليالي أحمد بن ماجد« برقصة العيالة الشعبية الخليجية، ولعبة »الحلة« بهذه الاحتفالات العاشورية والكربلائية، ونطقت فنون وتراث الخليج بخطاب رؤية النص المكتوب، سيما التراث البصري الغني بالايحاءات والدلالات التاريخية والرمزية حتى صار هذا العرض- بامتياز- عرض الصور التي تربط الحوارات في هذا اللعب الفني الموظف وفق دلالات هذا النص ليكون العرض منتميا الى المجتمع الخليجي. والواقع أن كاتب هذا النص وحده يعرف من هو في النص برؤيته للعالم، وهو وحده الذي يعرف موقعه كمخرج في هذا العرض، لأنه اصطفى من ذاكرته ومن تاريخه ما به عاد الى طفولته، فجمع كل المفردات التي تكون عوامل مساعدة في تفاعل النصوص وتوالدها بعد أن وجد أن خرائط الماضي ممزقة، فعاد الى السجايا والأحداث كي يضرب المثال بالنص وهو يسبح في آفاق الفكر والتراث المستمد من الخليج العربي أمثلة ذات بعد تعليمي ووظيفة تعليمية توقظ ذاكرة المتلقي وتدفعه كي يعرف العالم بهذه الطقوس. (وبالتأكيد كان لعاشوراء وطقوسها أثر كبير في امكانية التشبع بمشاهد بصرية ذات جمال متعدد البنى، إذ كنت في تلك الفترة واحدا من مريدي اللعب الجنوني، وتواقا لأن أؤدي بعض الأدوار التي تزدحم بها النصوص العاشورية).(15) ملامح هذا التأكيد موجودة في هذا العرض حيث اعتمد المخرج على الظواهر الاحتفالية في الخليج العربي مكملا فنون العرض في »ليالي أحمد بن ماجد« بما تقدمه فرحته بدخول المواكب والهودج، واحتفالية المولد، وطقوس الميلاد، وطقس توديع البحارة واحتفالية عودتهم بالأعلام الحمراء، وإضاءة زمن الوصول بالألوان البهية، والاعتماد على النداهة وأغاني البحارة، وطقوس الصلاة بعد وصول الغائبين في البحر لأن هناك رجالا يغيبون في البحر ولا يعودون، وهناك من يعود الى بر الأمان ودفء الاسرة، وهناك نساء يمكثن معلقات بأمل عودة وأياب من رحل في البحر وركب أهواله وهو يذرع امتداداته اللامتناهية، وتكون السفينة واحضارها في العرض ودورانها عبر الاتجاهات الأربعة، رمزا للرحلة وللعودة والدوخة والضياع، ورمزا للسفر الغامض المبهم المصير الذي يجعل الناس ينتظرون ما لا ينتظر، ويتوقعون ما لا يكون في الحسبان. وفي العرض - وبكل القرائن الموجودة في الصور البصرية وحوارات النص والشخوص- تحضر تيمة البحر بقوة، النوخذة، المجدمي، البحارة، أناشيد العودة، أغاني التعجيل بعودة من ركب أهوال البحر، وفي كل هذه القرائن والاحتفالات تكون الشخصية المركزية التي لها علاقة بالبطل التراجيدي هي أحمد بن ماجد كبطل تراجيدي تربطه مجموعة من العلائق بهذه القرائن، وتنضاف الى مكونات هذا العرض، أيضا، مفردات أخرى منها تفريش أرضية الركح بالقماش الأبيض، وإنزال الستائر البيضاء الشفافة، ورسم بقع برتقالية اللون، وتلوين الفضاء بالإنارة الملونة بلون الاحتفالات واللحظات المتشظية لتقديم حالات العنف في اللحظات والمشاهد لتصل الى عمق الصراع برمز خيوط الإنارة والمتشابكة في فضاء صار فضاءات تتابع حالات القدوم والرحلة، الحضور والغياب في كل احتفالية او طقس مستمد من تراث الخليج، وهذا ما نجده في الأغنية التي تعجل بعودة الغائبين وهي تردد أغاني البحارة. (المغنية: توب توب. النساء: يا بحر. المغنية: اربعة والخامس دخل، توب، توب. النساء: يا بحر. المغنية: جيبهم جيبهم. النساء: يالله. المغنية: يا للومي، ياللومي. النساء: هاتنا ابن الرومي. المغنية: يا الدانة، يا الدانة. النساء: جري ثملان من آذانه. المغنية: يا الجوهرة، يا الجوهرة. النساء: هاتي حسين من ظهره. المغنية: توب هن يوب. النساء: يا بحر).(16) وفي مسار الاحداث المتراكمة في هذه الاحتفالات، كان الصراع يحتد بين أحمد بن ماجد وبين ابراهيم، وكانت المواقف تتشابك بخيوط هذه الاحتفالات، فترتفع حدة الوقائع بالدسائس التي كانت تحاك ضد هذا البطل التراجيدي الذي يحمل في روحه نبضا لا يريده ان يضيع مع هذه الدسائس. ومن بداية العرض الى نهايته المفتوحة على كل الاحتمالات والتأويلات كانت هذه الأحداث مفردات مضيئة في عرض تشكل بالعصف المرعب للبطل في جحيمية لحظات هذه الدسائس التي أطاحت ببهاء كل الاحتفالات التي كانت تحلم ببناء فردوس للوطن. وقد قوم عبده وازن مسار هذا العرض من بدايته الى ختامه قائلا: (استهل جواد الأسدي العرض أصلا عبر مشهد التشتت المأساوي للجماعة، وما لبث أن وظفها في مراحل متتالية من العرض، فأدت المجموعة في أحيان لوحات زاخرة بالفرح الجماعي كلوحة الختان التي استخدم فيها الأسدي بعض العادات الخليجية رقصا وغناء واحتفالا، وأدت في أحيان أخرى لوحات مأساوية كلوحة قتل الأب، حيث اختلط اللون الأسود »الذي ترتديه النسوة« باللون الأحمر »القماش الأحمر رمز الدم« و»اللون الأبيض« القماش المفروش أرضا رمزا للكفن).(17) وفي كل هذه المشاهد كان الدفاع عن وطنية أحمد بن ماجد يتنامى للدفاع عن مدينة جلفار، لأنها تمثل مشروع المدينة التي يحلم بوجودها الكاتب. مفهوم المدينة يتخذ مفهوم المدينة مفهومه من داخل نص »ليالي أحمد بن ماجد« من أحداث تؤسس ذاتها على خطاب ماجد وابنه أحمد، ويكتمل هذا المفهوم في العرض المسرحي بحلم أحمد بن ماجد وهو يرى مدينة الفرح أمامه، ويرى مدينة القلق، والاحتيال والمؤامرات، والعشق والربع تتعرض للخطر، المدينة التي تضم داخلها الحياة والموت، وتحتوي على النقيض ونقيضه، فيها صراع الخير والشر، والاسم المتداول للمدينة في هذا النص هو »جلفار«، كمدينة حقيقية، لكنها في هذا النص تغدو متخيلة بأحداث متخيلة يمزق النص فيها أقنعة هذه المدينة، ويعبر بواقعها خليج الدهشة ليكشف الحقائق القائمة، وقد كان السؤال الحقيقي في النص لتحديد مفهوم المدينة، هو في ارادة الدخول بالسؤال الى دروبها الموصدة، وأحلامها المكسورة، كما مثل نماذج ذلك ابراهيم سواء في تقربه الماكر من »ورد« لمحاولة استمالتها إليه، أو تفصية أحمد بن ماجد ليخلو له الجو كماكر دساس. السؤال كان سؤال جواد الأسدي كالتالي: (أية مدينة إذن تنشد؟ وأية حرية تريد؟ أية مدينة متحررة من الإرث المحنط الذي يلقي بكل ثقله على المستقبل؟).(18) ومفهوم المدينة في هذا النص مرتبط - أيضا- بما يقدمه نص الحوارات من معلومات حول مصير هذه المدينة التي يتهددها الخطر الزاحف من نوايا ومخططات ابراهيم بن المجدمي للعصف بكل مقوماتها وأخلاقها وثوابتها، وقد تأسس هذا المفهوم من طبيعة الصراع بين رموز تاريخية توجد في خندق الدفاع عن الوطن ورموزه وتاريخه، منها ماجد وأحمد البطل الأساس في النص، بجانب أمه الوفية لحنان الأمومة، وزوجه ورد المخلصة لبيت الطاعة والزوجية والفؤاد، وهناك الطرف المعارض خائن الوطن وخائن الصداقة وخائن حريم ذوي نعمته، وهناك المسخرون كأدوات لاغتيال رموز الوطن، ماجد وابنه، وفي المناداة على أحمد، وطلب الغوث والنجدة منه يتم الافصاح عن المؤامرات التي تحاك ضد هذه المدينة، فإبراهيم يريد أن يسرق دفء الوطن، ودفء علاقة الحب بين أحمد وورد، مهددا هدوء المدينة وأمنها وهو يفكر في اغتيال أحمد: (الرجال: يا أحمد بن ماجد. النساء: يا أحمد. الرجال: جلفار بين يديك. النساء: يا أحمد. الرجال: بحرها بين يديك. النساء: يا أحمد). (19) والاستغاثة في مدينة البر، وامتداد البحر في أفق المدينة، واختيار أحمد بن ماجد كبطل تراجيدي، معناه أن هذه الشخصية هي علة وجود المدينة، وعلة وجود الصراع، وعلة وجود التعبير بكل احتفالات العرض عن الحياة في المدينة، وما يدور فيها من صراع سياسي وطبقي وفكري، فالاحتفال هو الواقع والاحلام والآمال في الخوف الساكن في مدينة يقدم فيها أحمد مشروعه السياسي لبناء مجتمع مدني في مدينة خالية من الانغلاق والأحقاد والطائفيات المدمرة لبنية المدينة، لأن وحدة المدينة هي وحدة الوطن، ووحدة الوطن تكمن في قوته وفي تماسكه وتعاضده وتراص بنيانه، وهو ما تعلمه من التاريخ متمثلا توجيهات وحكم أبيه: (تعلمت من أبي حكمة المواجهة بهدوء، ما زلت أتذكر جملته عن أهل جلفار أن يصيروا جسدا واحدا، وان يسدوا الباب على النعرات والقبليات والتعصب).(20) وهذه النزعة الوطنية في موقف وفي قناعات أحمد بن ماجد ستكون سبب موته واغتياله، أو هي التي افضت به الى حتفه، فهو في مساره السياسي لبناء مشروعه العادل لبناء مدينة الحلم والأمل، كانت هناك عناصر معوقة تحول دون هذا البناء، لأنها طبقة تشعر أن مصالحها مهددة، وحياتها في خطر، ومصيرها مرتبط بالاطاحة بكل صرح ينبني عليه مثل حلم أحمد، ويمثل هذه المعوقات المجدمي، وبعده ابراهيم أقوى العناصر المعوقة لاستمرار هذه المدينة الفردوسية في رؤية ابن ماجد، فكان اتهام أحمد بالخيانة مفتاح الصراع، وكان بداية سقوطه التراجيدي. وهو ما جعله يدافع على نفسه في كل اللحظات الحرجة التي يشتد عليه فيها خناق ابراهيم: (أحمد: »يصرخ صرخة مدوية« اعلم بأن الله نابت في روحي كضمير حي شاهد على خطواتي، وجلفار لا يساوم من أجلها. هذا ما ستثبته لك الأيام).(21) يتكلم أحمد، وقبله ماجد، عن مدينة جلفار، أكثر من الحديث عن البحر، وحتى عندما يعودان الى هذا البحر، فإنهما يستمدان منه الدروس والموعظة والحكمة لتدبير شؤون الناس حتى يسوسانهم بالتي هي أحسن وأقوم حتى يقطعا دابر اللذين كذبا عليهما، او تآمرا عليهما وعلى المدينة، خصوصا المجذمي وبعده ابنه ابراهيم اللذين تخصصا في توجيه التهم لرفيقي العمر في السفر في البر والبحر. إنه الاتهام المبني على الخيانة والاغتناء على حساب الفقراء، وتسخير المصلحة العامة للمصلحة الخاصة حتى صارا طاغيين جبارين يتحكمان في رقاب البحارة والناس بقسوة، وفتح أبواب المدينة أمام كل غريب أو وافد يتطلع الى الاستفادة من خيرات جلفار، ولا يرى ماجد في هذه التهم التي ستلاحق ابنه بعد موته، سوى إدانة له بدون وسائل إثبات، لأنها ترهات وأكاذيب لا تخصه، ولا علاقة له بها، وعن هذه التهم يرد بقوة أمام ابنه أحمد- وهو يحتضر- لتبرئة ذمته من كل التهم: (ماجد: أردت أن أقول لك بعضا مما علمني البحر والبحارة، وهذه الحياة الزاهرة بالحكمة والألم والفراق. أحمد: (صمت). ماجد: أردت في كل حياتي، منذ نعومة أظافري، حتى هذه اللحظة أن أكون خادما لجلفار. أن أمنحها حياتي، وأولادي، ولكني إن استطعت ذلك. دربت نفسي دائما على درء الخطر عنها، وعلى كيفية منع النزاعات بين فتيانها ورجالها. وأن أدافع عنها ضد عدو يتربص بها).(22) وهذه الوطنية هي التي زرعها ماجد في ابنه أحمد، ونقلها جواد الأسدي في خطاب النص، حتى أن الأمر لم يعد مرتبطا بالمال والعرش بقدر ما هو مرتبط بالوطن »إن البلد يا بني أهم من المال والعرش«. ومن هذا الارتباط بالوطن، وتنازع المصالح بين أحمد بن ماجد وابراهيم، يتخذ منحى الصراع في »ليالي أحمد بن ماجد« مسار التقابل بين أحمد وابراهيم، ويلجأ أحمد الى الحديث عن نوعية العلاقة بينه وبين ابراهيم، مبرزا سماحته وحكمته في التعامل مع غريمه، منذ كان الصراع ذاتيا طفوليا الى أن أصبح أعقد وأقسى وأكلم عندما صار الصراع حول السلطة قويا، وحول الاستحواذ على المدينة، بعد التشكيك المدروس في سيرة أحمد لتبقى مدينة جلفار محور كل مستويات الصراع وأشكاله وصوره، ويبقى دفاع أحمد عن نفسه قويا أمام من تربى على الحقد عمن حوله: (أحمد: سقيت طفولة ابراهيم بن المجدمي بيدي هاتين، التقطته من فم الجوع وجحيم العواصف. تقاسمت معه خبر النهار وقلق السماوات، نما جسدي الى جوار جسده، ازدهرت روحي بجانب حديقة روحه. كيف يكلم أهل جلفار عن شبهات لا تخصني؟ كيف يتهمني ويقول عني بأنني حملت الأجانب على متن سفينة، وعبدت لهم طرق البحر لكي يستعمروا خيراتنا. هل جرجرتهم فعلا، وفتحت لهم بوابات الهند وافريقيا والخليج؟ لكي يتوطنوا ويسرقوا الثروات؟).(23) هذا الخطاب هو المادة التي شكلت المشروع السياسي لرؤية جواد الأسدي للواقع مسرحيا، وهو حين يتحدث عن ابن ماجد، فإنه لا يقدمه كما رسمت ملامحه باقتضاب شديد كتب التاريخ وأخبار البحارة، ولكنه يقدمه كرجل سياسة يحمل مشروعا سياسيا لمدينة جلفار، لكنه مشروع سيتعرض للاجهاض المتكرر، الأول مع قتل ماجد، والثاني مع قتل أحمد، وهذه هي مأساوية مدينة تشرب كل لحظة من لحظاتها التاريخية المأساوية النخب المر للمآسي، وتتجرع علقم سقوط كل رمز لا يساوم على وطنه أمام أبطال شريرين لا يعترفون بالخطيئة ولا بذنبهم. ويمثل القتل في المدينة، في رؤية جواد الأسدي، الوجه الآخر للمأساة وسط كل الاحتفالات التي نبتت زمن العرض، لأن اغتيال ماجد، وأحمد، هو اغتيال مشروع مدينة، وتمجيد القتل هو تمجيد فعل إقصاء الحكمة والعدل من المدينة كي تحل ايديولوجيا القتل محل الحوار، لأن القتل إرضاء لمن يتخذ قرارا في هذا الشأن ويبحث عن أدوات التنفيذ. (ابراهيم: سنتخلص من رجل يخون عشيرته وأهله. أليس هو الذي سهل الطرق للأجانب الذين توافدوا على مدننا وسرقوا حكمتنا وميراثنا وقوتنا؟).(24) . . . . . . . . . . (إبراهيم: إنه خائن وسأقتله).(25) إن جواد الأسدي، حين يجعل الثيمة المهيمنة والبارزة في النص، هي موضوعة القتل، فانه يريد من المتلقي لكل أجواء هذه الثيمة أن يستمع الى كلام الصور ببصره، وأن يرى كلمات النص المنطوقة بسمعه وقلبه، ليصل الى معنى البنية العميقة في العرض بكل مداركه وأحاسيسه، لأن كل أشكال العرض خطابات، وكل خطابات الاحتفالات وسائط فنية حملها المخرج المعاني الظاهرة والباطنة في هذه البنية. ويقدم الدكتور ابراهيم عبدالله غلوم قراءته للثيمة المهيمنة في هذا النص، وأكد أن المخرج جواد الأسدي جعل ذاته وسيرته الخاصة أساس بناء عمله، وقد طرح الدكتور غلوم سؤالا لتعميق مجالات هذه القراءة وتساءل » »ليالي أحمد بن ماجد هل يحق للمخرج أن يجعل من الخشبة مساحة شخصية؟) ويجيب قائلا: (لم تكن »ليالي أحمد بن ماجد« في افتتاح الدورة الثامنة للمهرجان المسرحي للفرق الأهلية في الخليج تحكي قصة احمد بن ماجد، وانما قصة جواد الأسدي، وتكاد تسجل سيرته الشخصية).(26) ولم يكتف الدكتور غلوم بتتبع أشكال الصور ودلالاتها في العرض، بل بحث عن منابع الرؤية في هذه الأشكال ليكشف عن المرجعيات المتحكمة في هذه الثيمة وحددها في منبعين أساسيين أوجد بهما المخرج جواد الأسدي وجودا متخيلا بدلالاته ورمزيته في شخصيتي أحمد بن ماجد وابيه. هذان المنبعان حددهما الدكتور غلوم كالتالي: (منابع المسرحي الكلاسيكي، وبخاصة الإغريقي الذي شكل هوية حضور فرقة »أنانا« السورية بصفتها جوقة تلعب أدوارا ووظيفة متعددة من تمثيل أدوار البحارة، الجماعة، الأهالي، أو الشعب، الى تمثيل أدوار الدوافع، والفضاء، والحركة الذهنية الداخلية، وروح الجماعة وحريتها. والثاني: منابع مسرح التعزية الشيعية، التي تشكل جانبا عميقا من ثقافة الأسدي وهويته. واذا كان المصدر الأول أعطى حضورا ابداعيا راقيا وخلاقا لعرض »ليالي أحمد بن ماجد«، فإن المصدر الثاني وضع حضور شخصية ابن ماجد أمام إشكالية صعبة ومحيرة. وحول الأسدي ابن ماجد إلى بطل تراجيدي أولا ليربطه بروح الجوقة أو العكس ليربط الجوقة بروح التراجيديا، وانفتح هذا التحول الى حكاية عريضة، أو سيرة بطل تراجيدي لا يسجلها التاريخ المعروف في حياة ابن ماجد، وإنما يسجلها تاريخ مواز لصاحب التراجيديا الحسينية »نسبة الى الحسين بن علي« المعروفة في الثقافة الشعبية الدينية والتاريخية عند الشيعة).(27) وهذا ما جعل هذه الأشكال والصور تثير قضايا تقبلها واستقبالها. والنقد هنا وقراءة العرض لا يعني سوى سبر أغوار دلالاته والتعرف على مرجعياته، وتتبع آليات اشتغال هذه الدلالات التي أتاحت للمتلقي تأويل معناها المستمد من معان وتراثات وحالات نفسية تفاعلت فيما بينها لتكوين رؤية المخرج التي انطوت على صور هذه المعاني. وهنا نتساءل كيف كان تقبل هذا العرض مباشرة بعد العرض؟ خصوصا وأن النقد الذي عملنا على استحضار بعض نماذجه قائم على التفكير في العرض ببعد زماني فرض نوعا من المسافة بين زمن العرض ولحظة تمحيصه وتفكيك مفرداته. ما هي إذن أشكال تلقي هذا العرض؟ أشكال تلقي عرض ليالي أحمد بن ماجد اختلفت أشكال ومستويات تلقي عرض »ليالي أحمد بن ماجد«، وتباينت الآراء والمقاربات النقدية لشكله ومحتوياته، تراوحت بين النقد الانطباعي والنقد المتفحص المتسائل حول طبيعة هذا العرض. فالنقد الانطباعي نقل آثار خطابات النص كرد فعل أولي لتلقي زمن العرض، وقد أصدر بعض النقاد أحكامهم على شكليات العرض وظاهره وزمن تلقيه، وهناك من المتلقين من عبر عن دهشته ولم يصدر حكما إلا حكم هذه الدهشة المنبهرة بالعرض بعد الخروج من تأثير الجو النفسي الذي ساعد هذا المتلقي على الاندماج مع العرض ومع فانتازيته، وهناك من ركن الى تلمس مواطن القوة الدلالية في ثيمات النص، وعمل على فهم أشكال تركيبها. هذه كلها مستويات ومقاربات واكبت بقراءتها كلام النص في صوره، وواكبت صور النص في عرضه، وهو ما توقعه المخرج جواد الأسدي نفسه وهو يبحث بهذا العمل عن مفردات مسرحية ضائعة أراد بها أن يبني عالمه المسرحي لينزع النص المكتوب أدبيا من سرده، ويحوله الى صور متخيلة تفكك مقدس الكتابة الموجودة، ويعيد إحياء المفكك فيها ليستنبط ويبتكر وسائل أداء حداثية تجد لنفسها حياة خاصة في عمارة وهيكلية عرض »ليالي أحمد بن ماجد«، لكن الخروج من نمطية الشخصية بشكلها الموجود لوضعها في متخيل النص، تبقى أهم اشكالية تلقي هيأة هذه الشخصية. وفي سؤال طرح على جواد الأسدي حول أفق توقعه للآراء التي ستصدر بعد العرض كان جوابه متهيبا من نتائج هذه التجربة الجديدة في مساره الفني.. وقد كان السؤال المطروح كالتالي: »هل تتوقع أن تواجه بآراء ضد العرض، لا سيما أنك تقول إنها شخصية إشكالية على أكثر من صعيد، وربما في منطقة الخليج ككل؟ فكان جوابه: (أتوقع هذا لأن النص المتخيل، ربما يثير العمل جدلا من نوع ما... الشخصية عند بعض الناس مقدسة، وبعضهم يفكرون بطريقة عدم الخوض في المحرمات، ثمة أشخاص قد يعتقدون أن العرض صيغة عدائية للشخصية الأساسية، ولكن عموما، أي حوار حول الشخصية، هو اعادة إحياء لها وللمرحلة، وبحال من الأحوال، هذه واحدة من جماليات المسرح، إثارة الأسئلة وعدم الاستكانة للثوابت).(28) ويوسع عبده وازن من أفق هذا السؤال المطروح بصيغة أخرى جعلته يضع هذا العرض ضمن كرونولوجية الانتاج المسرحي عند جواد الأسدي، وعندما يعدد عبده وازن من صيغة السؤال حول العرض، فإنه يترك الاجابات مفتوحة على كل قراءة يمكن أن تقارن بين الذخيرة المسرحية للأسدي وهذا العرض حتى يتم التعرف على المسافات الموجودة بين ما كان، وبين ما تحقق الآن، يتساءل قائلا: (أي موقع يحتل عرض »ليالي أحمد بن ماجد« في ريبرتوار جواد الأسدي هل أضاف جديدا الى عالمه المتفاوت بين القسوة وبين المأساة والسخرية. هل يكون هذا العرض بداية مرحلة جديدة ينفتح عبرها مسرح الأسدي على الرقص والغناء والموسيقى سعيا الى المسرح الشامل).(29) ثم يضيف سؤالا الى ما سبق صيغته من أسئلة كالتالي: (هل استطاع تأسيس اضافات جديدة في هذا العمل تبلور العملية المسرحية جماليات بصريا وإنسانيا).(30) ويخلص الى النتائج التي نقدمها مجملة، سواء منها تلك التي قاربت الشخصية الأساس في النص، أو تلك التي قاربت شكل الكتابة وبناء المشاهد في علاقتها بأحمد بن ماجد كشخصية درامية مستمدة من التاريخ وتم تقديمها مسرحيا والتي بقيت عبارة عن سيرة مختصرة جدا وطيفية وكانه شخصية بلا ملامح. هذه النتائج هي كالتالي: - ان شخصيات النص جاهزة. - ان المشهدية طغت على انشائية النص بل ربما حررته من وطأته. - ان شخصية أحمد بن ماجد ستظل أقرب الى الشخصية المأساوية المنطوية على ذاتها. - ان مشهد قتل احمد بن ماجد يمثل ذروة الاحتفال المأساوي. وهو ما برره عبده وازن ببعض المبررات التي حملها هذا الناقد بعض الانتقادات لهذا العمل قائلا: (لم يشأ جواد الأسدي في عرضه المسرحي »ليالي أحمد بن ماجد« أن يصنع مسرحا تاريخيا في معناه التقليدي، فانطلق من المعطيات التاريخية ليقيم »احتفالية« مسرحية لا يشكل التاريخ فيها سوى خلفية ضئيلة قوامها العادات والتقاليد التي تؤلف جزءا من الذاكرة الشعبية في الخليج، وعمد الأسدي الى تخطي مزالق التاريخ من خلال المشهدية الصارخة والمواقف الدرامية والمآسي الشخصية التي حفل بها العرض).(31) لقد أراد المخرج جواد الأسدي اصدار بيان سياسي على لسان ماجد وأحمد ابنه ليتحدث عن تراجع المشروع السياسي الذي يتبناه على لسان أبطاله، بعد أن قتل هذين البطلين التراجيديين بعد ان تربص بهما المتربصون، وتآمر عليهما المتآمرون في مدينة تقوم العلاقات فيها على ايديولوجية القتل كجريمة، أما الموت فيبقى حقيقة مطلقة، مقابل الغدر كلعنة أبدية لاحقت ماجد، ثم من بعده ابنه أحمد كبطل تحمل طعنات الغدر والخيانة. طبيعة تلقي مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« هناك مناهج نقدية حديثة صارت تهتم بشكل تلقي العرض المسرحي، وصارت تهتم بالمتلقي كعنصر أساس وفاعل في العملية المسرحية، وفي هذا السياق نقدم نماذج من هذه الشكل من خلال اجوبة عينة من النقاد والمنتمين الى المشهد المسرحي العربي، منهم المؤلف، منهم المخرج، ومنهم المنظر، وذلك للتعرف على التقاطعات- في أجوبتهم- بين مواطن الاختلاف والائتلاف في مقاربة عرض »ليالي أحمد بن ماجد«. لقد كان السؤال الذي قدم الى هؤلاء كالتالي: (أثار عرض مسرحية »أحمد بن ماجد للمخرج العراقي جواد الأسدي جملة من الأسئلة المتعلقة بإخراج النص، وبالاستعراضية، وبتناول شخصية أحمد بن ماجد مسرحيا. ما رأيكم في هذا؟). وقد جاءت الاجابات مختلفة، وقد حافظت على تقديمها كما هي، دون أن أتدخل في تبديلها او تغييرها، لأضعها في سؤال التلقي، أي كيف يفكر المتلقون بالابداع المسرحي أثناء تلقيه؟ وماذا رأوا فيه من معان وصور؟ وما الجوانب المضيئة التي أثارتهم؟ وما هي الخطابات والمشاهد التي لم تساير القيم التي يعيشون في ظل المجتمع الذي يحيون فيه؟ لقد كانت الأجوبة لأثير السادة وهو من النقاد المسرحيين الشباب المتطلع الى اكتساب خبرة ومعرفة في مقاربة المسرح والثقافة العربية، ثم هناك المخرج والممثل العراقي عزيز خيون، وهناك أجوبة الدكتور حسن رشيد من قطر، ومن فرنسا هناك ان طوريس، ومن انجلترا فيليب سادغروف. الساحات = الفارغة وصور الحزن الجماعي انتبه المتفرج مبكرا في مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« على التمظهرات الجمالية للاضاءة التي بدت جزءا متمما للنزعة الاستعراضية التي تأسس عليها العرض وهو يستعيد سيرة الملاح الجدلية... فكثافة حضور الاضاءة كمساحة تعبيرية شاسعة ضمن التكوين الاخراجي بدت لافتة وفاعلة في بنائية المشهد لولا خلوصها الى البهرجة وعدم انسجامها والنظام الايقاعي للعرض في مواقع مختلفة. ينتخب الأسدي في معالجته الدرامية الصراع المحتدم بين النوخذ والمجدمي ليصوغ حكايته التي أبانت عدم التزامه الحرفي بالسيرة التاريخية، ونزوعه الى صياغة شعرية، لتصبح الشخصية بكل التباساتها صدى لرؤية وفلسفة المخرج اكثر من كونها تابعة لصورتها التاريخية. كانت حيوية العرض تتجلى في أداء المسرحيين الاماراتيين: سميرة أحمد، مرعي الحليان، أحمد الجسمي، وابراهيم سالم.. طاقات ابداعية تعرفنا عليها في أفضل الأعمال المسرحية الاماراتية.. كانوا الى جانب العراقية آلاء شاكر وعدد آخر من الممثلين مجالا خصبا لاجتهادات الأسدي.. ثمة تصميم للحركة ساهم في استثمار دقيق لمساحات الفراغ التي ساهمت في تعزيز الاحساس بطقسية العرض المعبأ بطقوس البحارة وصور الحزن الجماعي. عبقرية المخرج في ادارة المجاميع لم تمنع من انزياحها عن دائرة التماس وروح اللحظة المشهدية، وتضاؤل اضافتها الفنية، فيما سقطت في مهب التكرار في عدد من المواقع. هذه الاستراتيجية الاخراجية بكليتها تكتسب قيمتها بقدرتها على التواصل مع الجمهور، من خلال رهانها على متعة الفرجة المتأتية عن الاندهاش بجاذبيات السينوغرافيا والأداء الجماعي الحي، وهو ما يمكن القول ببلوغه الجانب الأكبر من مقاصده على هذا المستوى، بالاستناد الى عبقرية التكنولوجيا أولا واضافات المخرج ثانيا. ويبقى ان صورة الأسدي كما تتجلى في الأذهان تلح في طلب ما هو أفضل وأكثر جاذبية من هذا العرض. جواد الاسدي يغادر مقعد المؤرخ عزيز خيون أثار عرض مسرحية »ليالي أحمد بن ماجد« للمخرج جواد الاسدي جملة من الأسئلة، وهذا بحسب قناعتي شيء جميل، وحصاد خير، لأن أي عرض مسرحي يجب عليه، أولا، ان يفجر نعمة السؤال... فهو في حالته هذه يؤكد ضرورة ولادته، ومشروعية وجوده... ومن جانب آخر، يوفر لنفسه مستوى متميزا من فرحة التلقي... العرض لم يصل الى ذائقة الحضور بشكل قناعات عامة وثابتة، وإنما خلق نوعا من خطوط الاستقبالات المتوازية، والمتعاكسة. أما الاخراج فقد اعتمد الفضاء الأجرد ليشيد فوق أديمه معماره الفني: أحلامه، شكواه، أفراحه القلقة، خوفه، اعياده المربكة والمرتبكة، الرحيل، وجمرة الوداع والفقدان، ثلوج الوحدة، الخيانة، الحسد والغيرة، نار الخيانة والغدر، ومن ثم صهوة المخاطر ولذة الاكتشاف... اضافة الى اعتماده الرئيس على الفعل الموسيقي والتعبيري المصاحب لزمن العرض، وعلى الكتابة الجسدية لفرقة سورية، ليبوح من خلال تلويناتها المؤثرة بالكثير من الهواجس والأوجاع، وعن طريق رسم عدد من الاستعراضات الموحية، التي اختلفت بقدرة وفتنة وبهاء الجسد... وكذلك اعتمد وبشكل رئيسي أيضا على مادة الدخان ليبتكر وليشكل من خلالها، أذرع جمالية أخرى تسند مادته، حكايته، وتجربته الجمالية... ولا يمكن أبدا أن ننسى الغنى الذي حفل به نص الاضاءة، ونص الأزياء، ودور هذين النصين في رسم العرض المؤثر... لكن يبدو لي أن الصدمة الكبرى التي فاجأ بها جواد الأسدي متلقيه هو أنه دمر حالة التوقع لديهم حينما غادر مقعد المؤرخ وكاتب السير، ليحتمي بجلباب المسرح، ويحلق بمقعد الحالم، والباحث الجمالي، وليقدم شخصية أخرى تكتوي بنار المعاصرة، وبنفس الوقت تجمل الكثير من جينات وأحلام وتجليات أسد البحار، ابن ماجد، وفي هذا المسعى، وبحسب قناعتي أيضا فائدة كبيرة، وحياة جديدة للعرض، وانتماء للتجربة المسرحية...) ليالي أحمد بن ماجد هل هو عمل هلامي؟ حسن رشيد (ليالي جواد الاسدي، تلغي من الذاكرة ليالي وأيام أسد البحر أحمد بن ماجد، هكذا أراد المخرج... وهكذا تحملنا بالصبر ونحن نترقب في شكل استعراضي غنائي... اعادة كتابة التاريخ... ولكن بشكل ممسرح... أحمد بن ماجد سيرة رجل من هذه المنطقة حولته الايام الى اسطورة وضاعت الحقيقة.. هل هو بطل اسطوري؟ أم خائن؟ هل هو شاعر وصوفي ومفكر ام أكذوبة... وكما رصد التاريخ تحولات سيرته، حولنا المخرج الى مريدين لا يعرفون الحقيقة. العمل في مجمله هلامي الاطار... نعم هناك استعراضات لفرقة محترفة من سوريا... وهناك تشكيل، ولكن اين الموسيقى؟ الموسيقى الخليجية ذات العمق؟ أين أهازيج البحر؟ حاول المخرج من خلال العيون الأجنبية، وهم فريق العمل ان يقول لنا، هذا أسد البحار، ولكن من خلال جواد الأسدي... الملاحظات اكثر من أن تعد وتحصى. لماذا لم يستعمل المسرح الدوار في الجزء الاول من العرض المسرحي؟ مع امكانية خشبة المسرح، لقد وضع السفينة في الخلفية، وكان التساؤل المطروح هل بالامكان ان يفعلها، وقد فعلها المخرج ولكن مؤخرا. لماذا اختار الأداء الأقرب الى التعازي، من خلال أداء المخرج لايصال الفكرة، هل تحول أحمد بن ماجد الى جواد الاسدي؟ وهل غموض الماضي صورة من غموض الحاضر؟ ولماذا خلق هذا الاطار من الأداء المغاير لمجموعة من المؤدين وعلى رأسهم الفنانة القديرة السيدة سميرة احمد، والفنان مرعي الحليان على وجه الخصوص. هل الاسلام بهذه الصورة؟ هل الدين الاسلامي دين الجريمة والقتل والدمار؟. كيف يقتل والد أحمد بن ماجد وهو يصلي؟ ويقتل أيضا احمد بن ماجد وهو يصلي؟ نحن لا نتحدث عن الواقعة التاريخية لأن احمد بن ماجد لم يقتل. العمل مع الأسف شوه صورة أحمد بن ماجد وتاريخ المنطقة وعلل الأمر المخرج انه لا يقدم التاريخ، ولكن يرتكز على التاريخ، أليس الأجدر أن يقترب قليلا من الواقع، لأن سيرة أحمد بن ماجد سيرة ظاهرة.. ساهم بجهده في ربط العالم. فلولا فكره لما استطاع ان يحتل هذه المكانة عبر السنوات... بين اكثر الربابنة في المنطقة، ولكن هل كان أحمد بن ماجد يختلف فكرا وثقافة.. ومع ذلك فقد تحول الى مسخ وكان »ختانه« اهم بكثير والذي احتل نصف المسرحية، من ابراز صراعه مع فاسكو دي جاما وغيره. الجميل ان المخرج اخترع صلاة جديدة، السجود مرة واحدة في الصلاة. أما كان الاجدر ان يبتعد عن هذا المشهد اذا كان لا يعرف الصلاة. لا يمكن ان نهضم حق فريق العمل، وهم في معظمهم من الاتحاد السوفييتي (سابقا) سواء في الاضاءة او غيرها. ولا يمكن ان نغفر لفرقة »أنان« السورية تجسيدها لرقصات لا رابط لها بفنونها. ألم يكن بمقدورهم الاستعانة بتصور آخر يشكل اضافة لما تم طرحه. ان الاتفاق والاختلاف أجمل شيء في مجال المسرح، ولولا هذا الاختلاف لما كان هناك تعددية في الرؤى ولكن مع كل الملاحظات لا يمكن إنكار الجهد المادي المبذول في اخراج هذا العمل حتى ولو حولت الكتلة الى سواد، وأصبح المسيح يطل علينا في مشهد الصلب. لقد استطاع المخرج ان يطرح رؤيته ووجد الصدى لدى البعض، وهذا كاف ولو بشكل مؤقت). العين الغربية كيف رأت عرض ليالي احمد بن ماجد بمثابة خاتمة من سحر العرض، ومن وضوحه وغموضه وفانتازيته وكثرة مرجعياته في العرض، تولدت أسئلة التلقي والنقد والقراءات المختلفة، وظهرت وجهات نظر تعرفنا منن خلالها على بعدها المعرفي، وعلى شكل تلقي بعض المسرحيين العرب للعرض، وتعرفنا - أيضا- على نظرة بعض المسرحيين الغربيين وكيف ينظرون الى النتاج المسرحي العربي انطلاقا من خلفياتهم ومرجعياتهم الثقافية المختلفة. هذا الاختلاف في تلقي هذا العرض نرده الى ان افق توقع المتلقي، والمسافة بين زمن الابداع، وبين زمن فهمه وتأويل خطاباته، واصدار الأحكام عليه يتم وفق معطيات محكومة بطبيعة الثقافات المتعددة والمختلفة التي اوصلت العرض الى ما وصل إليه من تعالقات بين نصوص وخطابات كثيرة كانت محكومة بنظرة المخرج جواد الأسدي اليها والى طبيعة ووظيفة هذه التعالقات، لانه أراد أن يؤرخ بذاته لذاته من خلال التاريخ المغاير لسيرة أحمد في متخيله الدرامي في النص، وأراد أن يجعل من الوداع المأتمي لأبطاله التراجيديين قوة جذب نحو عمق التراجيديا كما عاشها الكاتب نفسه في عالمه. الأكيد ان جواد الأسدي لم يفرض الموضوع الذي حدد موضوعه في النص على نص العرض، بل عمل على أن يكون خطاب هذا الموضوع منبثقا من النص نفسه ليقيم علاقة عضوية بين كل النصوص التي اشتغلت وتفاعلت وتكاملت في بنية العرض لابراز دلالات هذا العمل الابداعي الكبير. ومن الخلاصات التي استنبطناها من تلقي هذا العرض، واستخرجناها من كلام النقد الذي كتب عن هذا العمل، خلاصات نضع بها خاتمة هذه الدراسة، دون أن تكون هذه الخاتمة متم القراءة، أو تكون محطة الوصول الى المعاني النهائية للنص. الخلاصات هي أحكام ومقاربات مركزة جمعنا فيها كل ما استخلصناه من هذا التلقي، وهي خلاصات كالتالي: - أن عرض »ليالي احمد بن ماجد« كان عرضا باذخا وباهرا باحتفاليته المركبة للكثير من النصوص البصرية. - ان العرض لم يكن كتابة للتاريخ أو تقديما لهذا التاريخ كما كتبه المؤرخون، لأن المؤلف المخرج جعل قناعته تحرك كل الانزياحات عن الثوابت المتداولة حول كتابة النص. - لقد كانت احتفالات النص مستمدة من تراث الخليج، ومستمدة من مخزون الذاكرة التاريخية والشعبية العربية وخاصة بلاد الرافدين. - تميز العرض بعنف المشاهد الدموية وقوتها في مآسي القتل. - ان الشخصية الاساس في النص قدمت وكأنها جاهزة كباقي الشخوص. - ان الهدف من النص هو عصرنة مفردات التراث بحثا عن رؤية معاصرة لمدينة آمنة مستقرة هي مدينة جلفار. واعتمادا على هذه الخلاصات نطرح السؤالين التاليين: - هل »ليالي أحمد بن ماجد« تؤرخ لزمن جديد في الحياة الابداعية لمسار جواد الأسدي الفني. - هل أضاف بهذا الجديد أسئلة جديدة لرؤيته للعالم وفهمه للعالم؟ يكفي القول ان العمل الذي ينتقل من التطهير الى الاسئلة اليقظة حول معنى الوجود، فتصل مستوياتها الى مستوى قلق وحرقة الرؤية في الاسئلة الوجودية، يبقى عملا خارج جاذبية المدارات التي يدور فيها العادي والمالوف، ليدلف بالأسئلة الى التجديد والتغيير، وما فعله جواد الأسدي في »ليالي احمد بن ماجد« يبقى صرخة جمعت أنفاسها في صرخاتها في لحظة تركيب هذه الليالي التي كانت تجديدا للذات في الابداع، وكانت تجديدا للابداع في رؤية الذات مما يجعل الحديث عن هذه الليالي حديثا مفتوحا على الممكن والمحال في احتفال التنوع الدلالي في رؤية جواد الاسدي الاخراجية. المراجع 1 - جواد الأسدي: المهرجان المسرحي الثامن للفرق الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. أبوظبي 21- 28 سبتمبر 2003، وزارة الاعلام- الامارات العربية المتحدة، مطوي مسرحية ليالي احمد بن ماجد. 2 - جواد الأسدي: »ليالي احمد بن ماجد، سلسلة سندباد الجديد، دار السويدي، الامارات العربية المتحدة، الطبعة الاولى 2003. 3 - جواد الاسدي : مطوي (كتيب) مسرحية »ليالي احمد بن ماجد«. 4 - جمال آدم : احمد بن ماجد يعود الى الحياة، المشهد نشرة يومية تصدر عن اللجنة العليا للمهرجان الثامن للفرق الاهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ابوظبي العدد 2، الاثنين 22 سبتمبر 2003 ص11. 5 - المرجع نفسه، ص10. 6 - جواد الاسدي: جمرة الاخراج المسرحي، دولة الامارات العربية المتحدة، وزارة الاعلام والثقافة، ص68. 7 - المرجع نفسه: ص108. 8 - المرجع نفسه. 9 - المرجع نفسه، ص39. 10 - المرجع نفسه: ص111. 11 - عبده وازن: جواد الاسدي يتجاوز مزالق التاريخ عبر المشهدية الصارخة، الحياة، آداب وفنون، السبت 27 ايلول (سبتمبر) 2003 . الموافق 1 شعبان 1424 هجرية، العدد 14796، ص16. 12 - جواد الأسدي: »ليالي احمد بن ماجد«، »مرجع سابق ذكره« ص36- 37. 13 - المرجع نفسه: ص27- 28. 14 - فاتن حمودي: المخرج الفنان جواد الاسدي، أنتمي الى بيت البروفة وأنثر غباره على رأسي، المسرح أجمل من الحياة، المنارة، العدد 6 سبتمبر 2003 ص103. 15- المرجع نفسه : ص101. 16 - جواد الأسدي: »ليالي احمد بن ماجد ص25«. 17 - عبده وازن: »مرجع سبق ذكره« الحياة ص16. 18 - جواد الأسدي: جمرة الاخراج المسرحي، ص2. 19 - جواد الاسدي: »ليالي احمد بن ماجد ص7«. 20 - المرجع نفسه ص49. 21 - المرجع نفسه ص51. 22 - المرجع نفسه ص37. 23 - المرجع نفسه ص37. 24 - المرجع نفسه ص43. 25 - المرجع نفسه. 26 - الدكتور ابراهيم عبدالله غلوم: »ليالي احمد بن ماجد« هل يحق للمخرج ان يجعل من الخشبة مساحة شخصية؟، الحياة: 6-10-2003. 27 - المرجع نفسه. 28 - المرجع نفسه. 29 - عبده وازن »مرجع سبق ذكره«. 30 - المرجع نفسه. 31 - المرجع نفسه. هوامش: اجوبة الاستمارة: - اثير السادة عزيز خيون. - د. حسن رشيد. - - آن طوريس. - فيليب سادغريف. |
|||||
|
|||||