|
|
|
|||||
|
رفضتني دور النشر الكبيرة.. وقرائي محدودون حتى بعد نوبل لا يكون هناك أدب إلا عندما يشعر الفرد بضرورة التعبير باسمه يقيم الأديب الصيني الحاصل على جائزة نوبل للعام 2000 غاو شينغجيان في مرسيليا، حيث يعمل بمثابرة على الرسم، والكتابة، وتصوير الافلام. هنا حوار مع كاتب »على طرف العالم«، يمجد فيه أتيقا (أخلاقيات) متجددة للأدب. اذا كان غاو شينغجيان هزيلا، متعبا بسبب مشاكل صحية ولكن أيضا، كما يقول: »بسبب الضغط الكبير لجائزة نوبل«، فان روحه بالمقابل، لم تكن أبدا أقرب من أن تكون »حرة، حرة كليا« كما هي الآن. توقف عن التدخين، وهو يأكل على طريقة النباتيين ويبحث عن السلام قبل أي شيء. وبينما تتجاهله الاحتفالات الرسمية في باريس، فان مارسيليا استضافت بأيد مرحبة صاحب جائزة نوبل سنة 2000. مانحة إياه كل الحرية ليبدع كما يريد، في المجالات التشكيلية كما السينماطوغرافية او المسرحية. هذا الانتاج الفني المتغير الشكل والمزعج، يولد في أتوليي (ورشة) يقع وراء الميناء القديم. من هنا، من قلب موطن ارطو، الذي يحبه كثيرا، يتحدى مؤلف رواية »جبل الروح« التقليدية المعاصرة. كما يقول ذلك بطريقة جيدة صديقه الناشر والكاتب سالفاتور لومباردو، »انه يأخذ التمرد كما يأتي، ليسجله في الغزو الإنسي الجديد للانسان من طرف الانسان«. وهذا يترجمه كتابه »بدون مذهب« المكون من تأملات وتفكيرات حول الأدب، والحرية في وعبر الكتابة، والذي سيصدر قريبا في منشورات لوسوي مع »الباحث عن الموت« وهو كتاب مؤلف من ثلاث مسرحيات. بينما ستنشر منشورات »كاراكتير« »زيارة لغاو شينغجيان ويانغ ليان«، وهو حوار حول المنفى مؤرخ بسنة 1993. في هذه الفترة، احدهما كان مقيما في فرنسا منذ 1988، والآخر كان قد ترك الصين قبل ذلك بأربع سنوات، حوار مع فنان يعرف نفسه قبل أي شيء بمقاومته المتواصلة لكل أشكال الديكتاتورية. ٭٭ لقد شجبت، بمناسبة الملتقى الاخير الذي عقد في مارسيليا حول أعمالك، أولئك الذين يرفضون »الاتيقا والاستطيقا (الاخلاق والجمال) في تشكيل عملهم الابداعي. لماذا تتحامل بداية على الكاتب؟ * إن على الكاتب أن يكون قبل أي شيء آخر، شاهدا على الطبيعة الانسانية، مسؤوليته تكمن في الخضوع لأمر الواقع، خارج كل حكم قيمة. إن هذه الملاحظة وهذا البحث يصبحان الإتيقا العليا للكاتب. فالإنسان هو انسان خارج كل »مذهب«، بينما لا يساهم وضع القواعد إلا في ادخاله في المعيار. الأجدر أن يعود الكاتب لوضع ملاحظ، وان يهتم بالمظاهر الآلف للحياة الانسانية بنظرة باردة، وإذا استطاع، بنفس الطريقة، أن يستسلم لتأمل باطني، فانه سيحقق نوعا من الحرية، أما فيما يخص الملاحظة، فإنه سيتمتع بها ولن يبحث عن تغيير العالم. ٭٭ ما الذي تقصده »بالملاحظة«؟ * أريد أن أتكلم عن حالة ما. عندما نكون كتابا يجب أن نحذر من الحكم. يجب أن ندفع بعيدا حدود الصفاء ثم نمرر هذه الملاحظة في غربال الكتابة مع الابقاء على المسافة الضرورية. أثناء هذه الملاحظة ، يستدعي الحكم الجمالي الذي يحدث نوعا من التذوق، والتحفيز، واليقظة، وهنا تكمن مكافأة الكاتب الذي يكرس نفسه لهذا النوع من الكتابة المتخلصة من كل فائدة واقعية، الأمر الذي إذا فقد فانه يكون صعبا عليه الاستمرار في حماسه والابقاء على برودة أعصابه. ٭٭ إنك لا تقترح في العمق، شيئا آخر إلا إتيقا متجددة للأدب... * بالفعل، القواعد تدخل الأدب في الاطار النظري، وتدرجه في أيديولوجيا خاصة وفي تعليم أخلاقي حتى ترتبط بالنظام الاجتماعي وببنيات السلطة السياسية، وإذا كان للانسان وعي بأنه انسان فذلك بالتأكيد لأن حرية الفرد غير قابلة للتعديل ولا يكون هناك أدب إلا عندما يشعر الفرد بضرورة التعبير باسمه. لنقل وداعا للأيديولوجيا، وللنزعة التاريخية التي تصنف الاحكام الجمالية، وأؤكد ان الاجدى هو العودة الى واقع الانسان، أي العودة الى مشاعره، والى الغريزة، وأن لا نصنع أكاذيب للأيام القادمة. ٭٭ هل يجب العودة الى نوع من النزعة الإنسية المعاصرة مطلقة العنان؟ * أؤكد فيما يتعلق بهذه النقطة ان الوجود المتموج للانسان أكبر من كل شيء، والعذابات والأفراح التي يحدثها، واختلاجات الرغبة والروح لا يمكن قياسها بأي نظام قيم. نحن نعرف منذئذ أن الانسان لا يستطيع أن يغير نفسه، فكيف سيقدر أن يغير الآخرين؟ لنترك الأدب يتحرر من صناعة الأوهام. ولنعطه بالأحرى فرصة أن ينقذنا. ٭٭ هل الديمقراطية هي السبب؟ * ان الديمقراطية في خطر لأنها أتعبت. يجب اعادة زيارتها وان نجد من جديد الحرية الفردية - للتفكير وحيدا، وهذا الامر هو الاصعب لأن وسائل الاعلام لا تهتم بالفكر، إنها تبتسر كل موضوع، وتبسط الأفكار، وتصور في شكل كاريكاتوري أرواحنا، وتنكر قدرتنا على الخيال، وترفض الصمت، ورجال السياسة وكذلك المثقفون لم يعودوا مُستقلين. إننا مُسَلَّمون لـ»نحن« لا يتناسب مع شيء من وجودنا الواقعي. يمكن بالفعل أن نتساءل ما معنى التاريخ بالنظر الى كونه دائما مكتوبا من طرف السلطة. ٭٭ أنت تطلب علانية من الفنانين والكتاب أن ينقذوا العالم! * أنا أعرف فقط أن القلق يتحدى الجميع. بالنسبة لي، وأنا صغير، كنت خائفا مبكرا من الموت. خوف مرعب، مرضي. لم أكن أريد أن أفقد هذا العالم الذي كنت موجودا فيه. وهكذا بدأت الكتابة، والغناء، وإنشاد النصوص بصوت عال وقوي. كان عمري ثماني سنوات. وفي الاطار الايديولوجي القامع والتوتاليتاري الذي كنت أحيا فيه، لم يكن لي إلا أن أبحث، أن أوجد داخليا. وهذا ما حاولت فعله، دون أن أنشغل بمعرفة ما اذا كان عملي هذا ذا معنى بالنسبة للآخرين. وما فهمته بالمقابل، هو الضرورة الملحة بأن أحمي ذاتي لأبدع بكل حرية. والابداع هو أيضا مسؤولية، وواجب. إن وجودنا بحاجة الى أدوار، وإلا لأي شيء؟ ٭٭ لماذا أصبح أكثر صعوبة من الماضي أن يكون الانسان فنانا أو كاتبا اليوم؟ * لسبب بسيط جدا، لأن الأعمال لم تأخذ أبدا شكل منتوجات تجارية مثل اليوم. ومبدعوها هم ضحايا نظام توتاليتاري غير مؤلم يخضع فيه عملهم للموضة (الدرجة)، ولمعايير حكم جماعية، ولمقاسات واستراتيجيات. يجب علينا نحن الكتاب والفنانون ان نتحرر ما أمكن من هذا الميل الغريزي المتواصل للحصول على الاعتراف، لكن الضغط من القوة بحيث أن الكثير يستسلم، لأن السوق تحتاج الى نجوم، الى جمالات تافهة، والى تسليات، لكن بعضنا يستسلم بنوع من الطيبة بما ان العقوبة الإعلامية والتجارية تمنح سجنا ذهبيا كبيرا. يجب أن نسلم نهائيا أنه لا توجد أي علاقة نظامية بين قيمة عمل إبداعي والاعتراف الإعلامي به. وقبل أن تحصل لي هذه الفرصة المدهشة باعتراف أكاديمية ستوكهولم بي في سن الستين، كان القليل من الناس يقرأون لي، ودور النشر الكبيرة رفضتني. لقد رسمت وكتبتُ طويلا دون أن يكون لي جمهور عريض ولا قراء كثيرون. والأمر ما زال صحيحا كذلك اليوم! اذا كنت أحمي نفسي، فهذا فقط لمواصلة الكتابة بشكل جيد، والرسم أو التصوير لأن لي شيئاً ما لأقوله. ألم ما للتعبير عنه. والحظ الذي أملكه، في القدرة على الإبداع ليس ناتجا إلا عن الزهد الذي أفرضه على نفسي، لا عن شيء آخر. ٭٭ هل أنت مرتاح هنا في مارسيليا؟ * عندما اقترح عليّ عمدة المدينة، وصديقي سالفاتور لوامباردو، الكاتب والناشر في مارسيليا ان أعمل لمدة سنة هنا، قبلت لأنهما منحاني الحرية المطلقة وهذا ما كنت في حاجة إليه: اطار عمل لأبدع فضاء تشكيليا- قدمت حتى يوليو 2003 »تيه العصفور« في الفياي شاريطي، وهي جدارية طولها 60 مترا، ومسرحية كتبتها هنا، »الباحث عن الموت« وأنا في هذه الاثناء بصدد إنهاء فيلمي الأول: ورشة سينماطوغرافية متميزة نوعا ما معنونة مؤقتا بـ»الطيف أو الظل«. ٭٭ بماذا يتعلق الأمر؟ * في الواقع ، أحاول أن أكوّن حكاية خرافية معاصرة انطلاقة من الصور. اصور بالطريقة الرقمية فيلما هو في الوقت نفسه شريط وثائقي شعري وتخييل ميتافيزيقي حول السؤال الذي يسكنني: قلق المبدع أمام هذا العالم المعاصر المصنوع من الغرور والهشاشة. هذا المشروع مؤلم، أنه يجعلني مريضا. ٭٭ هل يمكن أن تحدثنا عن الطريقة المتميزة جدا التي تعمل بها في بلاتو التصوير او المسرح؟ * هناك في البداية وقبل كل شيء قضية الممثلين. إن تصوري، المصقول بملاحظة ممثلي المسرح التقليدي الشرقي، يرتكز على اظهار ثلاثة مستويات في اللعبة. هناك »الأنا« (الفرد الحي)، والممثل (صفته) والدور. الأنا والأنت والهو. في المسار الذي يرى الممثل يدخل في دوره، هناك مرحلة وسيطة، أسميها الممثل الحيادي. أثناء العرض او التمثيل، الذي يظهر لا يعود لا الفرد ولا الشخصية الممثلة، ولكن كما في التعليق، الممثل »الحيادي« الذي يقول انظروا كيف أؤدي دوري! في هذه اللحظة، يقتبس هو نفسه لعبه ويجد الراحة والفرح الضروري ليتواصل مع جمهوره. الحق يقال أن الاصعب هو دفع الممثل للتحرر من التعاقدات، ومن نزعة اكاديمية مخربة. أقول للممثلين في بداية اليوم: »دعوا كل شيء! كل شيء!« أحب في نهاية المطاف، العمل مع مواهب شابة. فهم منذ اللحظة التي يكتسبون فيها الثقة يصغون جيدا. ٭٭ ما الذي تستخلصه من هذه التجربة الفنية الجديدة؟ * إكراه اضافي. ولكنه اكراه مقصود، ومرغوب فيه. أريد أن يخدم السند والشوفالييه (الحمالة) والكاميرا، والكتاب او المشهد، الموضوع وليس العكس. ولهذا السبب أحاول في السينما. ولكن يجب أن أقول انه اذا كانت التقنية الرقمية تعطيني بعض المرونة في الصناعة، فإن حساسيتي معاقة بسبب فخاخ الرهانات المالية والادارية والتقنية للانتاج. وهذا لا أستطيع معه شيئا. ٭٭ في نهاية المطاف، الكتابة وحدها تقودك الى حيث تريد!. * بشكل ما، نعم. وهذا ربما لأنني أمارسها بطريقة مختلفة عن الفنون الأخرى. فمثلا، أنا لا أعطي أي اهتمام لعلم اللسان والنحو والتركيب. ما يهمني هو الصوت الداخلي. الذي أسمعه حتى وان كنت لا ألفظ الكلمات. إنني أكتب وأنا أتكلم أمام آلة تسجيل بحيث ان هذه الموسيقى تكلمني بشكل من الأشكال، ثم تساعدني في بناء جملي. إن السؤال الذي يسكنني في العمق هو معرفة ما إذا كانت اللغة تعبيرية بما فيه الكفاية لقول هذا الوعي الباحث عن نفسه. عندما أرسم الأمر يختلف، إذ يجب قبل كل شيء أن انسحب من كل شيء، ووحدها الموسيقى تتيح لي ذلك، وخاصة جون سيباستيان باخ، أو ستيف رايش في هذه الفترة. للصوت إذن وللأصوات اهمية كبرى في تشكيل عملي. ٭٭ ما المعنى الذي يأخذه بالنسبة اليك التعليم الفني الموجه لكل هؤلاء الشباب الذين يريدون، في المدارس او في الجامعة، أن يصبحوا رسامين او ممثلين؟ * ان هذا الأمر يثير خوفي. وأنا أرتاب من تسطيح النفوس، والآلية الجحيمية لطرائق التعليم. إن الامر ملتبس بالكامل بين التعلم والتبليغ الهامين، ومعرفة إذا ما كان للفنان ما يقوله. إذا كان الأمر كذلك، فإن همه الوحيد يجب أن يكون هو البحث، وفي بعض الأحيان بألم جسدي، ومادي، وعاطفي، عن حريته الكاملة. حظ الكاتب في العمق، هو انه لا توجد مدرسة لتصنعه. هناك فقط ناشرون ليجدوا له قراء! ٭٭ انك تقول دائما انك تقف على طرف العالم. هل الأمر ما زال يصدق اليوم؟ * إن هذا ما زال يصدق الآن. فأنا موجود جسديا، وباطنيا، بين الطبيعة والناس، لكنني اشعر أنني أتواصل بسهولة أكبر مع الأولى من تواصلي مع الناس. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٭ المجلة الأدبية الفرنسية، العدد(429)، مارس 2004. |
|||||
|
|||||