|
|
|
|||||
|
عرض فيلم سينما باراديزو للمرة الأولى داخل ايطاليا عام 1988 بنسخته الأصلية التي سميت فيما بعد نسخة المخرج. وهي نسخة يستمر عرضها 168 دقيقة. فيما بعد طلب المنتج، فرانكوكستالدي من مخرج الفيلم قطع مجموعة مشاهد ليتمكن من عرضه خارج ايطاليا والاشتراك في مهرجانات مختلفة. وهكذا أصبحت مدة العرض التي شاهدها العالم 118 دقيقة، أي بحذف 50 دقيقة من النسخة الأصلية. لم يكن المخرج سعيداً بهذا الوضع، رغم الجوائز العديدة التي نالها الفيلم من أكثر من مهرجان عالمي. إلاّ أنه كان مديناً لكوستالدي لمنحه فرصة الإخراج الأول لفيلم طويل بعد أن كان قد أخرج فقط فيلماً واحداً محليّاً قصيراً للتلفزيون. عندما قرّرت ترجمة هذا السيناريو، شعرت أنه من حق الفنان تورناتوري علينا أن نقوم بنشر نسخته الأصلية التي أحبها، وإن كانت طويلة. لأن هذا النص هو الذي يتضمن رؤيته الكاملة لتطوّر شخصية سلفاتوري وعلاقتها بالهاجسين المسيطرين عليه: شغفه بالسينما، وحبه لإيلينا. 68- أماكن مختلفة- داخلي/خارجي- نهاراً. يقضي سلفاتوري وإيلينا معاً أجمل لحظات حياتهما وأكثرها حيوية. نزهة في الريف. إنهما يأكلان سلطة شهية مستخدمين أوراق الشجر كأطباق. ملاحقة بينهما عبر حقل لا نهائي من القمح. في غرفة العرض نجد كعكة من الحلوى عليها سبع عشرة شمعة. يقوم سلفاتوري وإيلينا بإطفائها معاً. ثم يقبلان بعضهما. 69- طريق على حدود المدينة- خارجي- نهاراً. يقود سلفاتوري سيارة قديمة اشتراها من مركز لبيع السيارات المتهالكة. تجلس إيلينا إلى جانبه، تعيش أحلى ساعات عمرها. يضحكان من القلب. ترتَجّ السيارة وتتحرك تبعاً لمزاجها وقد هزّتها حفر الطريق وقيادة سلفاتوري السيئة. تقوم هي بملاطفته. إيلينا (ساخرة) : إنّ لك مستقبلا زاهرا كسائق. ما لم يقوموا باعتقالك أولاً!! سلفاتوري: لا علاقة لذلك بالأمر، إنها السيارة التي تعرقلنا.. ما كاد ينتهي من جملته الأخيرة حتى اهتزّت السيارة اهتزازاً عنيفاً. انفجار مدّو، سحابة من الدخان الأبيض تنطلق من المحرّك، ثم تتوقف السيارة ميتة في مكانها. لا تستطيع إيلينا وسلفاتوري كبت ضحكاتهما المتوحشة. يتعانقان. إيلينا : والآن، كيف سنصل إلى المنزل؟ قطع إلى... يقف الإثنان بجانب الطريق الخالية، وعليهما سيماء الملل، بعد أن مر وقت طويل وهما ينتظران مرور أحد ما، سيارة، شاحنة. فجأة تظهر سيارة عند المنحنى، متجهة نحو البلدة. يشير سلفاتوري وإيلينا نحوها. يبطّئ السائق سرعته. يُفتح الباب الخلفي، ويخرج منه رجل. تظهر على وجه إيلينا نظرة مباغتة وذهول، فذلك الرجل هو والدها. تراه وقد سار نحوهما بغضب. كاد أن يصل إلى سلفاتوري الذي حاول أن يكون مهذباً، وأن يستغل هذه الفرصة إلى أبعد الحدود. سلفاتوري: مرحباً، يا دكتور مندوللا... هيم تدفن إيلينا وجهها في يديها، حتي لا ترى شيئاً... 70- سينما باراديزو-داخلي-مساءً. على خد سلفاتوري كدمة وعلى وجهه لاصقان طبيّان. لقد ضرب ضرباً مبرحاً. القاعة مكتظة، كما في المناسبات الخاصة، وعلى وجوه المشاهدين علائم الفضول. ولكن ما يشاهدونه ليس فيلماً، إنه مسلسل من حلقة أو اثنتين. يقف سلفاتوري بالقرب من آلة للعرض التليفزيوني وضعت في الممر الرئيسي للشرفة. إنها آلة تسمح بعرض البرنامج التليفزيوني على الشاشة. يجلس ألفريدو بالقرب منه. ألفريدو (بصوت منخفض) توتو، هل أنت تسخر مني أو شيئ من هذا القبيل؟ كيف يمكن رؤية هذا التليفزيون بدون فيلم؟ سلفاتوري: هكذا كما ترى، يا ألفريدو. فليس هنالك فيلم . وإذا ما اشتريت جهاز تليفزيون، فبإمكانك مشاهدته في المنزل، دون أى عناء... ألفريدو ( متشككاً) ربما... ولكنني لا أحب هذا العمل إنه خال من الحرارة. تجلس إيلينا في إحدى زوايا الشرفة مع والديها.. يجلس بالقرب من والدها مالك دار العرض سيكافيكو الذي يشكره. سيكافيكو(بصوت خفيض) : هل رأيت كم هي فكرة ذكية يا دكتور ميندوللا؟ ولكن دون قرض البنك لما تيسّر لي أن أشتري هذه الآلة. وإذا لم تنتظم هنا في هذا اليوم والعصر، فلسوف نجابه نفس النهاية، مثل برنامج »بونتس وجودي«! إيلينا غير مهتمة بعرض التليفزيون. تختلس النظر نحو سلفاتوري. يتضّح من نظرات وجهيهما أن الأمور لا تسير على ما يرام. يومئ لها برأسه، وكأنما يقول لها إنه يريد رؤيتها وأن عليها أن تجد وسيلة ما! تنحني إيلينا نحو والدتها، تهمس شيئاً في أذنها. 71- سينما باراديزو- الحّمام- داخلي- مساءً. تقف والدة إيلينا تنتظر أمام حّمام السيدات، تحدّق بمايك بونجيورمود عن بعد وهو يقدم البرنامج التليفزيوني. داخل الحّمام، تقف إيلينا على كرسي الحمام هامسة لسلفاتوري الذي يقف علي كرسي حمام الرجال. عيناهما بالكاد تتمكنان من التلصص من فوق علبة السيفون التي أزاحوا غطاءها. إيلينا مضطربة. سلفاتوري : هل يمكن أن لا يعجب والدك العمل الذي أقوم به... وأن عائلتي فقيرة جداً... هل هذا هو الموضوع؟ تهز رأسها بالإيجاب ولكن ببطء كي لا تجرح شعوره الرقيق. يتنهد سلفاتوري. والدة إيلينا (بعيداً عن الشاشة) : إيلينا! إيلينا: حسناً!! (مخاطبة سلفاتوري بهمس ) من الصعب أن نرى بعضنا في الوقت الراهن. فبمجرد إنتهاء المدرسة، سوف نذهب ونقيم مع أصدقاء في توسكاني، سنمكث هناك طوال الصيف... ربما إذا ما استطعت الحضور سوف نلتقي سراً... سلفاتوري (منهاراً): ولكننا سنفتح دار العرض في الصيف، هذا الصيف. ماذا سأفعل طوال هذا الوقت دون أن أراك؟! إيلينا: سأكتب لك كل يوم. لا تضطرب أنا أحبك. سينتهي الصيف وسوف أعود... يقتربان ليقبلا بعضهما. من يعلم متى سيتمكنان من رؤية بعضهما ثانية؟ والدة إيلينا (خارج الشاشة): إيلينا! تنزل إيلينا وتشّد جنزير السيفون، وتسير بعيداً، تاركة سلفاتوري واقفاً هناك على كرسي الحمام. جاء الصيف. مجموعة من الأولاد الحفاة يلاحقون العربات التي تحمل حوائج العائلة التي تسبح على الشاطئ. إنتهى سلفاتوري، يساعده المرشد في دار العرض، من تحميل آلة العرض علي عربة صغيرة متوجهاً إلى دار العرض الصيفية في الهواء الطلق. علّق المرشد إعلانا على سينما باراديزو يقول: » ستتابع العروض في الساحة الملكية«، ثم تسلّق العربة.. يتحرّك الحصان ببطء ووقع أقدامه الرتيب يذكّر سلفاتوري بأن الصيف سوف يكون طويلاً هذا العام، أطول من أي عام آخر.. ينحني على آلة العرض التي تخبُّ وتترنّحُ بسبب حركة الدواليب. عربة تحمل عائلة مرحة صاخبة تتقدم بمحاذاة عربتهما، ها هم رجال المذبح. إنهم يتعرفون على سلفاتوري. رجل المذبح: حسنا، أنظر من هنا!! سيسيل ب دوميل! هيي، توتو!! متى ستأتي لتصوّر فيلماً آخر؟!؟ يضحكون بأفواهم الخالية من الأسنان. لا يشعر سلفاتوري برغبة في الضحك، ولا حتى في الإجابة. ينظر بعيداً، حتى لا يرى نظراتهم الخبيثة. يريد أن يكون لوحده. 73- الشاطئ- والساحة الملكية- خارجي- نهاراً. يكاد الشاطئ أن يكون مهجوراً تتناثر عليه مجموعات متفرقة من المستحمين. العربات والأحصنة مبعثرة في الرمال قرب الساحة الملكية، حيث يقوم بعض العمال بوضع اللمسات النهائية للافتتاح الجديد. تصل العربة ويقوم سلفاتوري، بمساعدة المرشد، في إنزال آلة العرض. 74- الشاطئ-الساحة الملكية-غرفة العرض-خارجي-ليلاً. مساء شديد الحرارة والرطوبة. تتلألأ مصابيح صيادي الأخطبوط على الأفق الحالك. يسمع على البحر شريط صوت فيلم كوميدي. ضحكات الجمهور تختلط بصوت الأمواج المسطّحة وهي تنكسر علي الصخور. تنطلق مجموعة من الصبيان الصغار في قاربٍ بعيداً عن الشاطئ، يلتحقون ببضعة قوارب أخرى تقف في الماء وقد اكتظّت بالصبيان الصغار، وكلهم يوجهون أنظارهم في نفس الاتجاه.. باتجاه شاشة العرض في السينما الصيفية على حافة الماء. هنالك مشهد مضحك. الصبيان الصغار: جميع الأماكن محجوزة! دخول مجاني والدفع عند باب الخروج!! يأخذون بالقهقهة بصوت عال. ضحكاتهم ترسل صداها إلى ضحكات بعيدة أخرى... ضحكات مشاهدي الساحة، موزعين على الكراسي المعدنية. شدّة الضحكات تقلب مشاهدي أحد الصفوف إلى الخلف. صرخات، ضحكات، صفير. غرفة العرض لها باب في الخلف ينفتح على سلالم تؤدي إلى الصخور. يجلس سلفاتوري على الأرض، عاري الصدر، متعباً ومبللاً بالعرق الدبق. إنه يقرأ رسالة من إيلينا مستغرقاً إلى حد أن الكلمات تقرأ على وجهه. صوت إيلينا(خارج الشاشة): سلفاتوري، حبيبي، هنا الأيام لا تنتهي. أجد اسمك في كل مكان، إذا ما قرأت كتاباً، أو قمت بحل كلمات متقاطعة، أو وضعت إصبعي علي صحيفة.. إنك دائماً أمام عيني. اليوم لدي أخبار سيئة إلى حد ما. في نهاية شهر أكتوبر سوف ننتقل إلى المدينة حيث سألتحق بالجامعة. سيكون من الصعب أن نرى بعضنا يومياً. ولكن لا تهتم، ففي الوقت الذي استطيع الهروب سوف آتي راكضة إليك، إلى سينما باراديزو. على شاشة الساحة المزينّة بأصص النباتات وشجر النخيل يعرض مشهد مضحك جداً. ينفجر الجمهور مرة ثانية بالضحك المتوحش، ويضحك أيضاً جمهور الصبيان الصغار في القارب. أحد هؤلاء يضحك حتى تفر الدموع من عينيه. يفقد توازنه ويسقط في الماء. يهلّل الآخرون ضاحكين. يرتفع صوت من العرض الذي تقوم به القوارب. أورشين: يا للعنة! لقد وجدت أخطبوطاً! أخطبووووطاً. يتلاشى الضوء... 75- مواقع مختلفة-داخلي/ خارجي- نهاراً. شمس أغسطس تشتعل ساخنة. على الناس البقاء في الداخل عندما تهب رياح الخماسين. الشوارع خالية، وهنالك سكون عجيب. لاشيء يسمع سوى في مسافة بعيدة. من مكان ما في الريف، أغنية حب يغنيها سائق عربة، يسمعها سلفاتوري أيضاً فيما هو ممدد على أرض غرفته وعيناه تحدقان في السقف حيث أزيز الذباب العصبي. يتقدّم ساعي البريد في الشارع على دراجته، ويتجه نحو سلفاتوري ويسلمه رسالة... يقرأ سلفاتوري الرسالة وهو يجلس في ظل حائط أبيض. يربض بالقرب منه الكلب الذي رافقه الليالي الطوال تحت شباك إيلينا. ينظر إليه وكأنما ينتظر سماع أخبارها. 76- الساحة الملكية-غرفة العرض-خارجي/داخلي-ليلاً. تزدحم الساحة بوجوه لوحتها الشمس، وعلى الشاشة مشاهد من أوليسيس. وعلى رف في غرفة العرض هنالك كومة من الرسائل. سلفاتوري مستهلك. الانتظار حطّمه. يبدو كالمجنون. وبينما يقوم بلفّ أحد أجزاء الفيلم، يكرّر اسمها، الذي سيطر علي كيانه، وهو يتنفس. سلفاتوري: إيلينا.. إيلينا.... إيلينا... يجلس الآن على السلم الخلفي القريب من البحر. هذا المساء أخذ النسيم يهب والأمواج تعلو، وتمكن رؤية قوارب الطفلين المتسللين وهي تتحرك برشاقة ولكن ليس بخطورة. يتمدّد سلفاتوري ويحدّق في السماء الحبرية اللون مخاطباً نفسه بهمس مثلما يفعل رجل مجنون. سلفاتوري: متى سينتهي هذا الصيف القذر؟ (عيناه نصف مغمضتين) لو كان هذا في فيلم لكان انتهى الآن.. (مبتسماً)... فلاشٍ وقطع للمشهد ليتحوّل إلى عاصفة رعدية!!! هاه؟ هذا سيكون رائعاً! يزأر الرعد وينفجر في الهواء، عالياً، مهزوماً. تنفتح عينا سلفاتوري على وسعهما. ينظر مشاهدو الساحة برعب إلى أعلى نحو السماء. وينظر المشاهدون الطفيليون في القوارب أيضاً إلى أعلى باتجاه البرق الذي يمهّد لانفجار رعدي آخر. واحدة من تلك العواصف التي تؤسس لدمار ليالي الصيف المتأخرة. يبتسم سلفاتوري بسعادة بالغة عندما ينسكب انفجار الغيوم في شلال عنيف. فجأة تتجمّع جموع الساحة تصرخ وتعدو منطلقة نحو سطح غرفة العرض الممتد لكي تتظلّل وتتابع مشاهدة الفيلم رغم المطر... وبسرعة يضع الصبيان الصغار في القارب مشمعات واقية على رؤوسهم.. ولكن سلفاتوري لا ينهض. يترك المطر ينهمر عليه ويتابع ضحكه، غير مصدّق بل مذهول، وكأنما معجزة حقيقية قد حدثت. وبينما هو يغمض عينيه ويرفع رأسه عالياً ليهطل المزيد من المطر على وجهه، ويسلّم نفسه لذلك الشعور الرائع بالسعادة، إذ بفم يستريح يشبق على شفتيه، إنها إيلينا.يفتح سلفاتوري عينيه بذهول تام، ويبدو له الأمر كالحلم، هلوسة أخرى خلقها المطر... ولكن كلا، إنها فعلاً هي! سلفاتوري: إيلينا!... ولكن متى... إيلينا: عدت اليوم. لا يمكن أن تتخيل العذر الذي اختلقته لأكون هنا.. شفتا سلفاتوري تقاطعانها. إنها قبلة شديدة التركيز مذهلة. وربما لم يتذوقا من قبل هذه السعادة التي يشعران بها في هذه اللحظة. يتعلقان ببعضهما البعض بينما يستمّر المطر في الانهمار فوق جسديهما، مازجاً شعره بشعرها، محكما رباطهما مع بعضهما إلى الأبد. 77- سينما باراديزو-المدخل-خارجي-نهاراً. جاء الخريف. أخذ الفلاحون يجهزون البراميل التي سيخزنون بها عصير العنب. يجلس ألفريدو أمام سينما باراديزو مع سيكافيكو والمرشد. إنها لحظة هادئة، يتحادثون، بينما يسمع صوت آلة العرض وبكرة صوت الفيلم عبر نافذة الغرفة. يتوقّف ساعي البريد ويعطي سيكافيكو ورقةً مطوية. ساعي البريد: يا سيد شيشيو،هذه لتوتو.أعطه إياها.. ويتابع تحريك دواسات دراجته. ألفريدو: ما هذه؟ يفتح سيكافيكو الورقة ويقرأها ويضرب رأسه بيديه مرعوباً. سيكافيكو: بحق الدم المقدس! الآن ماذا سأفعل؟؟! 78- الجامعة- خارجي- نهاراً. تقف إيلينا منتظرة قرب الجامعة. تخطو بعصبية ذهاباً وإياباً، وتنظر إلى ساعتها. لقد تأخر. تنظر حولها في كافة الاتجاهات فتراه أخيراً. يأتي راكضاً نحوها. يتعانقان... إيلينا: إذن ماذا قالوا؟ سلفاتوري: يقول الجيش أنني لست مضطراً لأن أؤدي الخدمة العسكرية لكوني يتيم حرب. ولكن لا يمكن عمل شيء. إنه خطأ بيروقراطي، وعليّ أن أذهب بعد غدٍ صباحاً. سيرسلونني إلى روما. ولكنهم سيطلقون سراحي بعد عشرة أيام. لنذهب... يأخذ بيدها، ويستدير ذاهباً نحو أحد المقاهي. تتراجع إيلينا. لقد لمحت سيارة والدها تقترب. تستدير إيلينا لتنظر وراءها، وتكشف بصوت خافت عن سبب عصبيتها. إيلينا: كلا يا سلفاتوري. من الأفضل أن تذهب أنت. إنه والدي. سلفاتوري: حسناً، بهذه الطريقة يمكننا أخيراً أن نتكلم. سوف أقنعه هذه المرة. إيلينا: لن يقتنع يا سلفاتوري. لديه مشاريع أخرى لي. سلفاتوري: من ؟ إيلينا: ابن واحد من رفاقه. لا تتصرف على هذا النحو. سوف نتحدث بذلك فيما بعد. أنتظرني يوم الخميس في سينما باراديزو. سوف أحضر بحافلة الساعة الخامسة. ينظر سلفاتوري متشوقاً بينما تنطلق إيلينا مع والدها في السيارة. توجه إيلينا نحوه نظرة ذات معنى عبر النافذة. يبادلها سلفاتوري النظرة ولكنه يقف هناك بلا حراك وعلى وجهه تعبير متجهم، مثل إنسان في مقدوره أن يتحمل صدمات القدر الخائنة. تنطلق السيارة بعيداً وتأخذ معها إيلينا. عيناهما معلقتان على نفس الخيط. خيط الأمل الذي تحوّل الآن إلى خيط الخوف. 79- سينما باراديزو-مدخل-خارجي- صباحاً. ملصقات فيلم »الجريدو« معلقة على لوحة خارج الصالة. يبدّل سيكافيكو ملصق كلمة »الثلاثاء« بكلمة »اليوم«. عاملة النظافة تغسل أرض البهو. يصرخ سيكافيكو منادياً سلفاتوري الموجود في غرفة العرض. يقول سيكافيكو أن سلفاتوري سيغادر غداً وأن اليوم هو يومه الأخير في هذا العمل، وأنه متأسف جداً لذلك. سيكافيكو: توتو، هذا ليس فيلماً للعوام. يوم سيكون أكثر من كاف.. لذلك فأرجوك أن تجهز هذه الليلة فيلم الغد، حتى يجده عامل العرض القادم جاهزاً. سلفاتوري: حسناً.... يتفهّم سيكافيكو حزن سلفاتوري. سيكافيكو: لا تحزن يا توتو. سوف تجدني هنا بانتظارك. لن يأخذ أحد موقعك. لا تخف. 80- الساحة وغرفة العرض- سينما باراديزو- خارجي/ داخلي- نهاراً. توقفت الحافلة في الساحة، ولكن لم تظهر إيلينا بين الركاب الخارجين منها. يقف سلفاتوري بعصبية أعلى الصالة ينظر من شباك غرفة العرض ويحدّق في ساعته. لقد تجاوزت الساعة الخامسة والنصف ومع ذلك لم تحضر. يتفحص جهاز العرض. لقد بدأ الجزء الأول ومازالت البكرة مليئة بالفيلم. والآن الجزء الأول على وشك الانتهاء والبكرة تكاد تكون فارغة، ولم تحضر إيلينا بعد. سلفاتوري في حالة عصبية جدا، مضطرباً، مجروحاً من لقاء والدها. يرى وجه إيلينا وهي تنطلق بعيداً في السيارة. ويعاود التفكير في اعترافاتها الرهيبة. يخطو ذهابا وإياباً كما لو كان في زنزانة سجن يفكر بحلول... أخيراً يضاء نور السلم، ها هي ذي، يندفع سلفاتوري إلى أسفل السلم لملاقاتها. يصل إلى الأسفل حيث الاستدارة الأخيرة للسلم اللولبي فيجد نفسه وجها لوجه مع ألفريدو، الذي يصعد ببطء إلى أعلى بمساعدة عصاه. يتجمدّ سلفاتوري في مكانه. يشعر ألفريدو يخيبة أمله. ألفريدو: لم تكن تتوقع حضوري؟ سلفاتوري (بعصبية) : كلا يا ألفريدو، كنت هابطاً لمساعدتك... ألفريدو (مبتسماً) : كنت تتوقع حضورها؟ هاه؟ ( لا يجيب سلفاتوري . إنه في غاية الإضطراب، ومزاجه متعكر جداً.) .... الانتظار وحيدا أمركريه. ضمن الجماعة الموضوع أفضل. ألا تعتقد ذلك؟.. إذن سوف أذهب. وكالعادة، فإن حلاوة وظرف ألفريدو يريحان سلفاتوري ويوحيان بفكرة قوية وجريئة، فكرة تهدّئ عصبيته فيضع يده على كتف ألفريدو. سلفاتوري: ألفريدو، أنا بحاجة لمساعدتك! 81- الطريق إلى المدينة-خارجي- بعد الظهر. تسرع سيارة سلفاتوري »الباليللا« على قدر استطاعتها باتجاه الطريق المؤدي إلى المدينة، حيث تقطن عائلة إيلينا. يقود سلفاتوري السيارة بحالة من الاضطراب. إن فكرة المغادرة دون رؤية إيلينا تسيطر على حواسّه. وهو يرفض أن تسيطر عليه مثل هذه الفكرة... 82- سينما باراديزو- غرفة العرض- داخلي-بعد الظهر. يبدأ عرض الجزء الثاني والبكرة مازالت ممتلئة. لأول مرة منذ سنوات يقف ألفريدو في غرفة العرض،جالساً أمام آلة العرض وهو يشعر بالعجز. ليس لكونه أعمى ولكن لأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً من أجل سلفاتوري. يسيطر عليه اضطراب غريب وكأنه يخوض نفس اضطراب توتو في تلك اللحظة. في هذه الأثناء الفيلم يدور ومعه يدور الزمن، الدقائق.... 83- مدينة -خارجي- بعد الظهر. وصل سلفاتوري المدينة. يبطىء عند نهاية خط الحافلة. ينظر نحو الناس المنتظرين، ولكنها ليست هناك... يسأل بضع فتيات أمام الجامعة. ولكنهن لم يشاهدنها... يتصل من كشك هاتف. ولكن لا أحد يرد . إرادته القوية تلاشت وتحوّلت إلى خيبة أمل.. 84- سينما باراديزو. غرفة العرض-داخلي-بعد الظهر. علي البكرة تضاءل شريط الفيلم، مثل ساعة الرمل التي تتناقص مع الزمن... 85- منزل إيلينا في المدينة-خارجي/داخلي-بعد الظهر. ينطلق سلفاتوري بسرعة الضوء أمام منزلها. يصرخ عالياً متوقفاً ويندفع مثل البرق. أعصابه متوترة، ورعشة خفيفة تهز جسده كله. يقرع الجرس، ولكن لا أحد يجيب . يفتح الباب الأمامي رجل يعيش في المبنى ويخرج. ينتهز سلفاتوري الفرصة ويصعد نحو الطابق الثالث. يضرب الباب بعصبية جنونية، يكاد يكسر قبضته. ولكن كل هذا بلا فائدة، لا يوجد أحد في المنزل. يصرخ، مذعوراً. سلفاتوري: افتحي!! افتحي! يا إيلينـ نـ نـ ا! في الواقع هنالك أحد في المنزل : والدة إيلينا. تجلس هناك دون أدنى حركة أو أدنى صوت. الضرب على الباب يرسل صدى في الغرفة، ولكنها لا تعبأ، مصممة على تجاهل تلك الرسالة اليائسة. 86- سينما باراديزو-غرفة العرض-داخلي-بعد الظهر. تدور البكرة بسرعة أكبر يكاد الفيلم أن ينتهي. الآن لم يعد هنالك وقت طويل... 87- الطريق إلى البلدة-خارجي-غروب الشمس. ويعود سلفاتوري في طريقه إلى البيت مهزوماً. يقود السيارة بأقصى سرعة ممكنة،وهو في حالة سيئة، لا يستطيع تخيّل ما حدث، ولا يستطيع تفسيره، وهذا ما يجرحه. 88- سينما باراديزو-غرفة العرض-داخلي-غروب الشمس تظهر كلمة »النهاية« على الشاشة... وينتهي الفيلم، تاركاً آلة العرض تدور بلا فائدة. أدرك ألفريدو ذلك. يستطيع أن يسمع نهاية الفيلم ولكنه لا يعرف أين يبدأ. يتلمّس طريقه حول المكان . إنه خائف. مثل طفل صغير ينادي والدته إذا ما تاه في الزحام. هكذا أخذ ألفريدو ينادي سلفاتوري. ألفريدو: توتووووو! توتووووو! يبدأ الجمهور القليل العدد يصفّر متذمراً من الفيلم الذي لم يفهموه. المشاهدون: الأضواء! يا إلهي، يا له من كوم زبالة!! أعيدو لنا أموالنا!! هيييي!! أيها اللصوص!! وآخرون يصرخون مبدين إعجابهم بالفيلم. 89- سينما باراديزو-مدخل-خارجي-غروب الشمس. تتوقف سيارة الباليللا مذعورة أمام باب السينما. ينطلق من داخلها سلفاتوري ويركض نحو السلالم... يضيء سلفاتوري أنوار الصالة ويطفئ آلة العرض، محاولاً تهدئة ألفريدو الذي وقف على قدميه خائفاً. 90- سينما باراديزو غرفة العرض- داخلي- غروب الشمس ألفريدو: ولكن إلى أين ذهبت، يا توتو؟!! سلفاتوري: أنا هنا! إهدأ! إهدأ! (يأخذه بين ذراعيه، مثلما تهدئ صبياً صغيراً عندما يحلم بكابوس. يهمس، ومازال مقطوع الأنفاس): أجلس، أجلس... (يهدأ ألفريدو، ينزله سلفاتوري ليجلس على كرسي، ويسأله السؤال الوحيد الذي يضع عليه الأمل الأخير.) هل جاءت؟ ألفريدو: كلا، لم يأت أحد.(ويعانقه، محاولاً تهدئته في خيبة أمله الكبيرة.) بالنسبة لسلفاتوري إنها النهاية: هي لن تأتي.غداً سوف يغادر دون أن يراها مرة ثانية. تزيل يدا سلفاتوري صور أميديو نازاري وإيلينا من على الحائط، ويسقطها في أحد جيوبه. والآن تقوم اليدان بفتح العلب المعدنية المحتوية على فيلم الغد، يأخذ البكرات ليجهّزها، يلتقط الوصل - الأخير قبل مغادرته- وبنفس الطريقة الميكانيكية، يضعه على مسمار،كالعادة. 91- روما- اماكن مختلفة حياة عسكرية- خارجي/داخلي-نهاراً/ليلاً. مشهد متوحش شديد العنف، موضوع على خلفية الحياة العسكرية... سلفاتوري، في الزي العسكري بشعره المقصوص، يرّد على رئيسه صارخاً: سلفاتوري: عامل الراديو، دي فيتا سلفاتوري! الكتيبة الثالثة، السرية التاسعة، يا سيدي!!! تمارين رماية. يطلق سلفاتوري كل الطلقات التي في الزناد، واحدة تلو الأخرى... يصيح ملازم ثانٍ بنغم نشيد تحت الشمس المحرقة. الملازم الثاني: واحد، اثنين، واحد، اثنين!! استعد! شمالاً در! يخطف سلفاتوري نفسه خارج الصف، ويبتعد قليلا ليسقط رسالة في صندوق البريد ويسرع عائداً إلى مكانه. (على أحد أجهزة الهاتف العمومية في ساحة مربعة في روما سلفاتوري يتصل هاتفيا بإيلينا فلا يرّد أحد. يضع سماعة الهاتف بعنف بينما يقف صف في العسكر الذين ينتظرون دورهم... الزمن- ليلاً. كيس بلاستيكي كبير مملوء بالماء.صوت مدوٍ. ينهض سلفاتوري هلعاً في بحيرة من الماء المثلج. يطلق صرخة مرعوبة بينما يضحك الآخرون محتمين بالظلام. سلفاتوري: آ آ آ آه !سـ ا ا اعدوني!! في قاعة النوم الكبيرة يوزع الملازم البريد. يرمي رزمة رسائل إلى سلفاتوري، إنها رسائله إلى إيلينا وعليها ختم »مجهولة العنوان«. مهمة قذرة. يغسل سلفاتوري الشحوم في بحر من الماء. يغسل مقلاة مليئة بصلصة الطماطم بماء من الصنبور.رذاذ قوي من المياه الحمراء يتطاير في وجهه. دورة تدريب. رسالة أخرى يسقطها سلفاتوري في صندوق البريد... ليلة باردة، ممطرة. يقف سلفاتوري كالعامود أمام مخزن الذخيرة. إنها مهمته الأولى في الحراسة. يقطر عرقاً وعيناه تحدقان باتساع نحو الفضاء الخالي. مكتب الكولونيل. سلفاتوري(بعدائية) : أيها الكولونيل، كان من المفترض أن أقضي عشرة أيام هنا ولقد مرّ عام تقريباً ولم أعد أتحّمل. أطلب، على الأقل، إجازة! يقف سلفاتوري في بيت الحرس. غرفة ضيقة، باردة حالكة الظلام، قذرة. يبدأ يفقد أعصابه. يحني رأسه يائساً. المستشفى. سلفاتوري مجهد، متهالك. المائدة الصغيرة قرب سريره مليئة بالأدوية. يستلقي في السرير بلا حراك. يحدّق في الفضاء الخالي، ويعيد ما يقوله وما يسيطر على تفكيره بصوت منخفض وكانه يحدّث نفسه. سلفاتوري: إيلينا... إيلينا.. إيلينا.. (لقد وصل إلى قمة العذاب، شاب صغير حرم من الحب والعاطفة وحقوقه وحريته. تأتي إليه ممرضة) الممرّضة: دي فيتا سلفاتوري، جهّز نفسك، لقد وصل أمر إطلاق سراحك. سجّل سلفاتوري هذه المعلومة بعينيه وهز برأسه وهو غائب. 92- جيانكالدو-الساحة والشوارع- خارجي- نهاراً. تختفي الحافلة حول المنعطف تاركة سلفاتوري يقف هناك وحيداً. إنه يوم حار ملتهب. تعصف ريح الخماسين ناشرة الغبار الأصفر في جميع الاتجاهات. الساحة خالية، لوحة الإعلانات أمام السينما المغلقة تعلن عن فيلم رعاة بقر. يضع سلفاتوري حقيبته أرضاً، وينظر حوله، كل شيء جامداً على حاله. هنالك مَعْلَم جديد في المقهى »صندوق أغان« حيث تصدح أغنية (estate) تغنيها ميلفا. يستدير سلفاتوري نحو سينما باراديزو. عامل العرض يقف عند نافذة الغرفة يدخّن سيجارة. من يعلم من هو ومن أين أتي. سحابة ساخنة من الغبار. يستدير سلفاتوري ويرى كلباً يقفز حوله، يحرك ذيله. إنه الكلب الذي رافقه في لياليه تحت النافذة. تظهر على سلفاتوري علامات الفرح المفاجئ. يسقط حقيبته وينحني فوقه ليربّت عليه. ثم يعانقه وكأنه صديق قديم. 93- منزل ألفريدو-داخلي-بعد الظهر. يذهب سلفاتوري ليرى ألفريدو. مازال في السرير وقد استيقظ لتوّه .إنه سعيد لسماعه صوت حبيبه توتو. يلمس جبهته، عينيه وخدّيه، وكأنما لكي »يراه«. ألفريدو: لقد هزلت... واضح أنك لم تكن تعامل جيداً. كالعادة، لن تستطيع إخفاء شيء عن ألفريدو. (يحس سلفاتوري بشيء قد تغيّر فيه ولا يستطيع تشخيصه، مثل نوع من التوتر الوحشي داخله.) سلفاتوري: يقولون لي إنك لا تخرج،لا تكلم أحداً. لماذا؟ ألفريدو: توتو، عاجلاً ام آجلاً سيأتي وقت يصبح الكلام والسكوت سيّان. لذلك فمن الأفضل أن نغلق فمنا. (يغير لهجته) المكان حار هنا في الداخل.توتو، خذني إلى الشاطئ. 94- الشاطئ ورصيف البحر-خارجي-بعد الظهر. البحر مضطرب والهواء أقل حرارة، مما يجعل التنفس أسهل. يسير سلفاتوري وألفريدو وببطء على الرصيف الموازي للبحر... يترنح ألفريدو قليلاً ممسكا بسلفاتوري الذي يخبره أشياء مضحكة جداً. سلفاتوري: في حفلة عيد الميلاد يقرص الملازم عجيزة فتاة. تستديرالفتاة: إنها ابنة الضابط المسؤول. يُذعر الملازم بقوّة ويقول: يا آنسة إذا كان قلبك قاسياً كالجزء الذي أمسكت به فلقد انتهى أمري! يضحكان من أعماق قلبهما، ويبدوان كزميلي دراسة قديمين يتبادلان النكات القذرة. يقفان بالقرب من حائط منخفض. يعلم ألفريدو أن هذه الضحكات هي، ببساطة، طريقة الدوران غير المجدي حول الأمور التي لا حصر لها والتي تزعج سلفاتوري. يقوم بكسر الجليد بينما لا يزال سلفاتوري يضحك. ألفريدو (بجدّية): هل رأيتها مرة ثانية؟ (تموت ضحكة سلفاتوري بعد أن هاجمه السؤال المفاجئ. ثم يقوم بإشعال سيجارة.) سلفاتوري: كلا. ولا أحد يعرف أين هي. ألفريدو: ربما كان هذا مخططاً له. كل منّا له نجم عليه أن يتبعه. إذاً ماذا تنوي أن تفعل الآن؟ إنه سؤال مخيف، ولا يوجد لدى سلفاتوري إجابة عنه. في الواقع، يفضّل أن لا يتكلم عنه. يبدّل لهجته، وكأنه لم يسمع ما قيل ويضحك، محاولاً مرة ثانية العودة إلى النكات المضحكة التي سمعها أيام الخدمة العسكرية. سلفاتوري : اسمع هذه.. القائد يقول للملازم: هل تذكر طاحونة الهواء تلك التي كانت هناك؟ نعم يا سيدي، أذكر أن الطاحونة قد ذهبت ولكن الهواء مازال هناك! ( ينفجر في ضحك عصبي. ولكن هذه المرة يبقي ألفريدو بارداً، لا يتحرك، ولا يضحك معه. تدريجيا يصمت سلفاتوري،لا يدري ما يقول. لأول مرة في حياته، لا يدري أي هدف يسعى إليه، لا يدري ما يفعل. سحابة الدخان تتحلّق حول وجهه العصبي، والآن يبدو عليه الاسترخاء، فيهمس): هل تذكر قصة الجندي والأميرة؟ (يهزّ ألفريدو رأسه.) سلفاتوري: الآن فهمت لماذا ذهب الجندي قبل النهاية بقليل. هذا صحيح، ليلة واحدة أخرى وكانت ستصبح الأميرة ملكه. ولكن هي، أيضاً، لم يكن باستطاعتها المحافظة على وعدها. و.... كان ذاك سيكون شيئاً رهيباً، كان سيموت بسببه. ولذلك فبدلاً من هذا المصير كان سيعيش لمدة تسع وتسعين ليلة على الأقل مخدوعاً بأنها كانت تنتظره هناك... ( في هذه المرة كان على سلفاتوري أن يفسّر شيئا لألفريدو. ويدرك ألفريدو شدة مرارة قصته. وأن الصبي الواقف هناك، لم يعد صبياً بعد الآن...) ألفريدو: افعل كما فعل الجندي، يا توتو! اذهب بعيداً! هذه أرض ملعونة. إنهما الآن يتكئان على قارب عند الشاطئ. يتابع ألفريدو الهمس بكلماته.) عندما تكون هنا يومياً تشعر وكأنك في مركز العالم، فيبدو لك أن لا شيء يتغيرّ أبداً. ثم تذهب بعيداً، سنة، اثنتين... وعندما تعود، كل شيء سيكون مختلفاً، انقطع الخيط. لا تعود تجد من كنت تبحث عنهم، أشياؤك لم تعد موجودة. أليست هذه هي القضية؟... عليك ان تذهب بعيداً ولزمن طويل،للعديد العديد من السنين، قبل أن تعود، وتجد أناسك مرة ثانية، الأرض التي ولدت فيها... ولكن ليس الآن، إنه لمن المستحيل.الآن أنت أكثر عمى مني. (كلمات مركزّة، مباشرة من القلب، (وسلفاتوري مذهولاً. يهمس بابتسامة): سلفاتوري: من قال هذا، جاري كوير، جيمس ستيوارث، هنري فوند؟هوه؟ (يبتسم ألفريدو أيضاً ابتسامة لطيفة.) ألفريدو: كلا، يا توتو، لم يقلها أحد . أنا أقولها! الحياة ليست كما تراها في السينما. الحياة.. أقسى من ذلك. (يضع يده على كتف سلفاتوري ويعتصره بشدّة.) أخرج ! ارجع إلى روما . أنت شاب والعالم ملكك! وأنا عجوز... لا أريد أن أسمعك تتكلم بعد ذلك،أريد أن أسمع كلاما عنك. يرتجف سلفاتوري رجفة تجري في صميم روحه. الشمس التي تغيب تستقر بلا لون في الأفق. 95- مشاهد متنوعة- خارجي/داخلي-ليلاً. ليلاً الساحة خالية.. يجلس سلفاتوري على درج الكنيسة رأسه بين يديه. عليه أن يأخذ قراره. يغادر أو يبقى. ولماذا؟ ما القرار الذي يتخذه؟ إنه السؤال الذي يُبقي ألفريدو مستيقظاً في غرفة نومه الحارة المظلمة... والدته ماريا أيضاً لا تستطيع النوم. إنها تعلم وتشعر أن ابنها على حافة تبدّل مهم. ولكن ماذا سيقرّر؟ ماذا سيحدث؟... وشقيقته ليا تشعر بضغط غريب في الهواء.. ولا تنام. ربما هي تتساءل أين سلفاتوري في هذه الساعة.. إنه يجلس على الأرض. ولكن حتى لو أراد أن يذهب إلى السرير فلن ينام. يفرك وجهه بيديه. جرس الكنيسة يقرع مشيراً إلى الرابعة صباحاً. بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً، جرس بعيد آخر يقرع الرابعة صباحاً- مرة ثانية سلفاتوري مستيقظ، إنه يفكر ويده على وجهه، مثل ذلك الوقت تماماً. وعليه أن يأخذ نفس القرار: ماذا يفعل؟ بينما هو ممدّد بجانب امرأة نائمة يتابع تحديقه عبر النافذة في الخارج، لقد مرّت العاصفة. الذكريات البعيدة كادت أن تتلاشى، يبقى شيء وحيد.. صوت قطار يغطي عقله. 96- محطة جينكالدو للسكة الحديد-خارجي-نهاراً. إنه القطار الذي انطلق منذ ثلاثين سنة من محطة بلدته قبل أن يغادر إلى روما. يعانق سلفاتوري والدته وشقيقته. جاء الوقت ليودع ألفريدو. الرجل العجوز متأثر جداً. رجفة تقطع القلب تدخل إلى صوته الحنون. ألفريدو: لا تعد أبداً، لا تفكر بنا، لا تستدر إلى الخلف، لا تكتب، لا تترك نفسك للحنين إلى الماضي. انسنا جميعا. إذا لم تسمع كلامي وعدت، لا تبحث عني، لن أدعك تدخل إلى منزلي، فهمت؟ يعانقان بعضهما بشدّة، وكأنهما يعرفان أنهما لن يلتقيا ثانية... سلفاتوري: شكراً لكل ما فعلته من أجلي. ألفريدو: مهما فعلت، فلتحب الشيء الذي تفعله كما أحببت آلة العرض تلك في باراديزو عندما كنت صغيراً.. (يتحرك القطار الآن. الأيدي تلوّح في الهواء، مبتعدة شيئاً فشيئاً. جاء الكاهن في اللحظة الأخيرة ولوّح مودّعا من بعيد.) الكاهن: (صارخاً) مع السلامة، يا توتـ وووو!!! لقد جئت إلى هنا متأخراً . يا للعار! لم يعد يظهر شكل ألفريدو والآخرين. هنالك في نهاية الممر ضباب بعيد فقط. 97- مضار بونتا رئيس-خارجي - نهاراً. بعد ثلاثين عاماً، طائرة تحلّق فوق صقلية. تهبط في ممر طائرات يبدو وكأنه ينبثق من البحر ويمتدّ باتجاه منحدرات الجبال القاتمة. يظهر وجه سلفاتوري بين السحب منعكساً في إحدى نوافذ الطائرة. ينظر نظرة إثارة، نظرة رجل عاد فجأة إلى بيته بعد أن حملته مغامرة الحياة بعيداً، فأخذ يروم العالم حيث نسي كل شيء. من شباك طائرة إلى شباك آخر... 98- أوتوستراد- داخلي/ خارجي- نهاراً. ... شباك سيارة التاكسي التي تقلُّ سلفاتوري إلى بلدته الأم. المشاهد التي يمر بها على جانبي الطريق تستدعي ذكريات حلوة. أشياء كثيرة تغيرّت ولكن الألوان مازالت كما هي. الأصفر الذي يتراكض في المشهد الطبيعي برمته لا يمكن نسيانه. وكل هذه الطيور السوداء المستقرة في صف واحد على السياج، إنها غربان. يقترب التاكسي من ضواحي بلدة جينكالدو. ولكن لولا وجود اللافتة التي تحمل الاسم، لكان ممكنا اعتبار المكان مكانا آخر مختلفا. 99- منزل والدة سلفاتوري- خارجي/داخلي-نهاراً. المنزل الذي تقطن فيه والدة سلفاتوري جديد أيضاً، أقرب إلى البحر. تجلس السيدة العجوز بمفردها في مقعد ذي ذراعين في الشرفة، تحيك كنزة بيضاء. تتحرك يداها بسرعة تكاد تكون ميكانيكية. يدا سيدة تنتظر. يقرع جرس الباب الأمامي مرتين. تتوقف ماريا لفترة قصيرة. ذاك ماكانت تنتظره. تتمتم متحمسة. ماريا: إنه توتو... أدركت ذلك.. تقف فجأة على قدميها، فيسقط ما تحيكه على الكرسي وتنغرس إحدى الإبر بيد الكرسي. تسرع بعيداً، ناسية أن بكرة الخيوط مازالت في جيب مريلتها فتخرج الحياكة من الإبرة ويبدأ خيطها بالتفكك بسرعة فيما هي تتحرك حول المنزل، هابطة السلالم نحو الباب الأمامي. هنالك يتوقف الخيط بتوقفها فنسمع صوتها المتحمس. صوت ماريا(خارج الشاشة): توتو! صوت سلفاتوري(خارج الشاشة): كيف حالك يا أماه؟.. تتحرك الكاميرا الآن، لنشاهدهما عبر شباك الشرفة، وهما يتعانقان خارج الباب الأمامي. أمام عيني كلب عجوز متململ ينظر بتساؤل. 100- منزل والدة سلفاتوري- داخلي-نهاراً. لم تعد ماريا تلبس المريلة. الأم والابن يجلسان جنباً إلى جنب إلى مائدة المطبخ.. ماريا: ليا ستكون سعيدة جداً برؤيتك، سوف ترى. ولن تعرف الأولاد عندما تراهم، لقد كبرا الآن. سلفاتوري(مبتسماً) : إنهم دائما يكتبون لي ويقولون إنهم سوف يجيئون إلى روما! ينظر سلفاتوري حوله، إنه مكان لم يره من قبل، ومع ذلك فهو منزل والدته.) ماريا: انظر كم هو جميل البيت؟ أعدنا ترتيب كل شيء. (مبتسمة) لولاك ! (تنهض) تعال، عندي مفاجأة لك.. (تأخذه بيده وتقوده باتجاه الصالة. ينظر سلفاتوري إليها ويشعر بوخزة. لقد صغر حجمها، السن يذيب الجسد، لقد أصبحت منحنية قليلاً، شعرها مضموم بربطة خلف رأسها.) لابد أنك متعب. إذا أردت أن تستريح قبل الجنازة لديك الوقت الكافي. سلفاتوري (مقاطعاً إياها): كلا، يا أماه، إنها تستغرق ساعة طيران واحدة، كما تعلمين. ماريا (تبتسم، متهكّمة ) لا يجوز أن تقول لي هذا الآن. بعد كل هذه السنين! (تصل الرسالة إلى سلفاتوري، فيشعر بخطئه. يفكر به، ولا يصدّق أنه لم يأت من قبل. تفتح ماريا الباب، تخطو جانباً ليدخل ابنها، تهمس (:وضعت كل أشياءك هنا. أدخل، أدخل.. يسير سلفاتوري بضع خطوات ويذهل عندما يرى غرفته القديمة وقد أعيد تكوينها والمحافظة عليها.. تبدو وكأنها متحف، متحف من الماضي. رغم وجود السرير والثياب في الخزانة والكتب على الأرفف، فمن الواضح أنه لم يسكنها أحد ولن يسكنها أحد. تشعر ماريا باضطرابه، تظلّ واقفةً في الممر وكأنما لتتركه لوحده... يتّجه سلفاتوري نحو السرير، وينظر متفحصاً آلة التصوير السينمائية » 8مم، آلة العرض، الأفلام الوثائقية، الدراجة المعلقة على الحائط، صور نجومه المفضلين. ولكن ما يشد نظره صورة لها إطار رفيع: الولد الصغير سلفاتوري يقف مع ألفريدو مبتسماً أمام سينما باراديزو . من الغريب، في ذلك الوقت ألفريدو كان أصغر مما هو الآن! كأنه يقف هناك بجانبه للمرة الأخيرة ذلك الشخص المؤثر، طبيعته الطيبة والشديدة في آن تلمس شغاف قلبه. قطع من وجه ألفريدو والمبتسم إلى ... 101- جينكالدو-الشارع الرئيسي والساحة- خارجي-نهاراً. ... التابوت الذي يسجى بداخله صديقه إلى الأبد، والجنازة تشقّ طريقها أسفل الشارع الرئيسي. وعند نقاط التقاطع تقف السيارات تاركة المجال لمرور العربة المحملة بالنعش. يصلّب الناس على صدورهم، ويرفع الشيوخ قبعاتهم. تُنزل أبواب المحلات جزئياً. ثم بعد أن تمر الجنازة، تعود السيارات، فتتحرك ثانية، ويعيد الشيوخ وضع القبعات على رؤوسهم، وترفع أبواب المحلات ثانية إلى أعلى. يقف سلفاتوري في الصف الامامي مع والدته بجانب أرملة ألفريدو. تقول السيدة آنا هامسة، وعيناها مثبتتان على التابوت. آنا: كان سيسعد بمجيئك يا توتو. كان دائما يتكلم عنك، دائماً! حتى النهاية! كان مغرماً بك بصورة لا توصف... (تهطل دموعها، ولا تستطيع متابعة كلامها. يعانقها سلفاتوري، متأثراً جداً بكلماتها.) ترك لك شيئين تعال لرؤيتي قبل أن تغادر. يومئ سلفاتوري برأسه، ويحدّق بشدة بالتابوت المغطي بالزهور. يصيبه الحزن وكأنه خجل لعدم قدومه لرؤية الرجل الذي كان بمثابة أب له ..ولكن لماذا نسيه؟ في المقدمة أمامه يقود الجنازة كاهن شاب مصطحباً معه صبي مذبح، وهذه الشخصيات أيضاً كانت كالأزميل الذي يزيل الصدأ عن روحه، وتعيد إنارة مشاعره القديمة. تصل الجنازة إلى الساحة. يقف الطابور المظلم وقد برز في ضوء بعد الظهر المبكر الذي يبهر العيون. تشير السيدة آنا للسائق فتتوقّف الجنازة.. إنها وداع ألفريدو الأخير إلى المكان الذي قضى فيه أحلى سنوات عمره، سينما باراديزو. يستدير الجميع لينظروا، كذلك يفعل سلفاتوري، فيفاجأ.. لقد تساقطت أشلاء : الأبواب والنوافذ مغلقة بألواح خشبية، الجدران متداعبة، جانب من يافطة الاسم يتدلّى إلى أسفل، نبتت الأعشاب والفطريات في الشقوق وعلى السطح. لقد تغيرّت الساحة كلياً، وهي غير واضحة المعالم، تزحف عليها الأبنية، المحلات التجارية، اليافطات، وطوابير السيارات، ببطء الحلزون وذلك على أنغام الأبواق. أما الساحة الوسطى فقد تحولت إلى الدرجات النارية. يستدير سلفاتوري ببطء لينظر خلفه، باتجاه المجموعة الصغيرة، يذُهل برؤية غير متوقعة لوجوه يتعرّف إليها مباشرة، رغم السنين العديدة التي مرّت: بائع البطاقات، المرشد، الساعي، عاملة التنظيف، ضابط البوليس، وفي الخلف روزا وأنجلو. طائرا الحب اللذان التقيا في دار العرض ثم تزوجا. جميعهم شعرهم أبيض وهم أيضا عرفوه، وحيوّه برؤوسهم وأيديهم. وجه آخر تعرّف إليه: طبعاً ومن المؤكد، أنه سيكافيكو، مالك دار العرض. كم أصبح عجوزاً! هو أيضاً ينظر إلى أعلى وعيناه تلتقيان بعيني سلفاتوري، يحييه برأسه فيشق سلفاتوري طريقه إليه عبر الجموع. يهزان أيديهما من القلب، ودون أي كلام، كلاهما متأثر جداً. تبدأ الجنازة بالتحرّك من جديد. سلفاتوري(بصوت منخفض): منذ متى أقفلت . سيكافيكو: في شهر مايو القادم يكون قد مر عليها ست سنوات. لم يعد أحد يأتي .»أنت تعلم أكثر مني، يا سيد دي فيتا، الأزمة،التليفزيون، الفيديو، الآن أصبحت صناعة السينما حلماً فقط . لقد اشترتها المدينة لتحولها إلى مرآب للسيارات. السبت القادم سوف يقومون بهدمها.. يا للأسف!... سلفاتوري مضطربا وقد أزعجه تسميته بـ » السيد دي فيتا« فضلاً عن أن معرفته بنبأ هدم دار العرض جعلته كئيبا، فبالإضافة إلى كل شيء كانت هذه الدار قطعة من حياته... وكل هذه الوجوه الفضولية تحملق فيه. سلفاتوري: ولكن لم تدعوني السيد دي فيتا؟ لم يكن الأمر بيننا هكذا... سيكافيكو: حسنا، من الصعب أن تدعو شخصاً مهماً باسمه الأول . ولكن إذا كان الأمر يعنيك كثيرا، فسوف أدعوك... (مبتسماً) توتو!... يبتسم سلفاتوري عندئذ. في هذه الأثناء وصلت الجنازة إلى الكنيسة. يستأذن سلفاتوري ويذهب نحو عربة الموتى. ينظر سيكافيكو العجوز نحوه، ثم يقول، وكأنما في سرّه). سيكافيكو: ليباركك الله، يا توتو. تنزل حمولة العربة. طلب سلفاتوري أن يكون أحد حملة التابوت إلى الكنيسة. فيما هو يتحرك ببطء حاملاً على كتفيه ذلك الحمل، يلتقط نظره في ممر الشارع الجانبي امرأة مسنّة تبلغ الستين أو السبعين من العمر، تحمل في يدها كيساً بلاستيكياً. ترسم علامة الصليب بسرعة. يتعَّرف سلفاتوري إليها، إنها السيدة التي مارس معها الحب للمرة الأولى في حياته، تريزا، العاهرة. يحمل التابوت نحو الكنيسة،تتبعه الجنازة الصغيرة. 102- منزل والدة سلفاتوري-خارجي/داخلي-مساءً. يغرق المنزل الصغير في ظلام المساء، بينما تضاء شبابيك الطابق الأول. تُسمع وشوشة البحر. العائلة تتناول العشاء. لقد أعدت المائدة بأفضل أنواع الفضيات والبورسلين الصيني. ليا أيضا هناك مع زوجها الفيو، وولديهما فيلييو، في الخامسة عشرة، وسارة في الثالثة عشرة. التليفزيون مفتوح ولكن الصوت عملياً منخفض إلى أبعد الحدود. وجود سلفاتوري يثير جواً حماسياً خاصا. ينظر الأولاد إلى خالهم نظرة تقدير واحترام، وعلى أي حال هم لا يعرفونه جيداً. سارا( مازحة) أيها الخال، عندما تأتي جدتي في المرة القادمة إلى روما، فسوف أحضر معها. أريد أن أشاهد ما تفعله عندما تعمل... سلفاتوري (مبتسماً): حسنا. ولكنني أحذرك، ليس هنالك كثيرا تشاهديه . أنا أبيع دخاناً أكثر بكثير من النار... يضحك الأولاد. وعند مشاهدتهم يفعلون، تبتسم ليا والفيو وماريا. الفيو(مخاطباً سلفاتوري) : انتبه، لا تتباسط كثيراً مع هذين الاثنين (مشيراً إلى الولدين). إنهما أسوأ من أكلة اللحوم البشرية. سوف يستغلانك. يضحك الجميع ثانية. حتى ماريا تضحك من القلب . ينظر سلفاتوري إليها، لم يرها في حياته تضحك هكذا، مسرورة، في سلام داخلي. فيليبو. هل ستغادرغداً، يا خال؟ لا يدري سلفاتوري ما يقول. يشعر وكأنه سكران. لقد كان يوماً عاصفا بالمتغيرات، سلسلة من المشاعر التي أحاطت به، والآن لا يعرف شيئاً. من ناحية يريد البقاء، ويترك نفسه منساقاً وراء مد الحياة العائلية الحلوة،. تحمله بعيداً امواج ماضيه الملتفة، ومن ناحية أخرى يتمنى لو أنه لم يأت . يفرض على نفسه أن يبتسم ثانية. سلفاتوري: لا أعرف يا فيلييو. لا أعرف... يتابعان الأكل، ولكن سلفاتوري لا يشعر بجوع شديد. يسترق النظر من طرف عينيه إلى ليا وهي تأكل، يشعر بارتباط شديد معها، في شعرها الآن بضع شعيرات بيضاء، ويحدّد وجهها ثنيات قليلة بفعل الزمن. ثم ينظر إلى زوجها، الفيو، بدأ يصلع ولكنه يحاول إخفاء صلعه بمشط ما تبقى من شعره بطريقة معينة. من يعلم كيف كان زواجهما. إنه يتساءل. يعاود النظر إلى ليا، ويبدو أنها أحسّت بذلك، تنظر إلى أعلى، تحاول معرفة طبيعة أفكاره، تتخيل ما يريد أن يستنتجه، يتلوّن خداها باحمرار خفيف وتبتسم. يردّ سلفاتوري بابتسامة مقنعة. يرنّ جرس الهاتف. تستعد سارة للوقوف لتجيبه، ولكن ماريا توقفها بنظرة من عينيها. ماريا (مخاطبة سلفاتوري) لابد أنه لك.. لقد اتصلوا طوال بعد الظهر. يريدون أن يعرفوا إذا كنت مغادراً هذا المساء أم في الغد... الجميع يستدير نحو سلفاتوري بنظرة استفهام، تجعله يشعر باضطراب أكبر وعدم قدرة على القرار. يتابع الهاتف رنينه. 103- سينما باراديزو-خارجي-نهاراً. يحاول رجال شرطة المرور وكسر الباب الأمامي بأكتافهم. مرة، اثنتان، وأخيراً يفتح الباب على مصراعيه بصوت عال مخرجاً وراءه غيمة من الغبار. يدخل سلفاتوري لوحده... 104- سينما باراديزو- غرفة العرض-داخلي-نهاراً صورة سلفاتوري الظلّية ترتسم في الخارج مجابهة الضوء في الباب المفتوح . يشق طريقه علي مهل نحو الصالة الخالية من الجمهور. طبقة سميكة من الغبار تغطي كل شيء. لون رمادي ومظهر غريب. يترافق الضوء المتدفق إلى الداخل من النوافذ العليا مع الغبار فيصبح ضبابيّاً. خيوط العنكبوت تتدلى من السقف وكأنها أحجبة طويلة، يسير سلفاتوري عبر الممر الأوسط. صفوف المقاعد مفككة. ما كان سابقاً دعامة خشبية قد ذاب بفعل الرطوبة. ينظر حوله وكأنه يشير بسبابته إلى ألبوم ذكرياته. الشاشة متدلية في إطارها. أبواب الطوارئ مغلقة بالمسامير. يشعر سلفاتوري، وهو يراقب خواء الصالة، أن باستطاعته سماع الصراخ، والصفير، وأصوات المشاهدين، كما يذكرها. ولكن فقط لبضع دقائق، ثم يعود الصمت. تزحف فأرة على أحد الجدران وتقف أمام كومة من الغبار. ينجذب سلفاتوري نحو ذلك الكائن الرمادي. يذهب نحوها بينما تبتعد هاربة، وينظر عن قرب فيرى شكل نصف رأس أسد مغطى بالغبار. يحركه بقدمه، ثم ينظر نحو غرفة العرض معيداً نفس حركات الأيام الخوالي. ولكن رأس الأسد لم يعد هناك، فقط هيكل صورته على الحائط وخيوط العنكبوت التي ملأت فتحات الغرفة، تلك الفتحات المربعة الصغيرة التي طالما سببت له عذاباً طويلاً عندما كان صبياً صغيراً.... يتسلق سلفاتوري الآن السلم اللولبي، كل خطوة تطرد غيمة من الغبار. الغرفة الصغيرة، المليئة بالأدخنة الصفراء، تظهر أمامه مرة ثانية. والآن تبدو وكأنها مغارة كبيرة خالية. آلة العرض لم تعد هناك، ولا الأدوات. من يعلم أين وضعت كخردة؟ الشيء الوحيد الباقي رزمة من قطع الأفلام مازالت معلقة على الحائط: مقدمات أفلام، نهايات الأجزاء الأولى، إلخ... هناك قّبل إيلينا للمرةالأولى، وقطع أفلام كهذه لوثت وجهيهما بالشحم. الآن جميع هذه القطع محبوسة في ثنيات خيوط العنكبوت. وتبقى المسامير المحملّة بآلاف الوصولات الصفراء حيث كان يقف جهاز إدارة الفيلم. تلك الوصولات لجميع الأفلام التي عرضت في قصر سينما باراديزو. هنالك أيضاً ثلاثة صناديق ملأى بها على الأرض. والشبابيك التي تشرف على الساحة أقفلت بالمزاليج وزجاجها مكسور. يسترق سلفاتوري النظر من أحد الشقوق في الشبابيك، فيرى القرية... والتي أصبحت مدينة. عالم مختلف لم يعد يعرفه. 105- مقهى في الساحة- داخلي/ خارجي- نهاراً. المقهى الموجود في الساحة تمّ تجديده كلياً .المحاسب وساقي البار وجهان غير مألوفين. يحمل سلفاتوري الوصل مع البقشيش. سلفاتوري: ويسكي مضاعف، من فضلك. أولاد مختلفون يجلسون إلى الموائد في المدخل، يتحدثون عن الفتيات.والآخرون يقفون ويلعبون »ألعاب الحرب«، يهتزون حولها بفعل ضربات الأنغام الألكترونية المسيطرة. يتقدم رجل نحو سلفاتوري ويطلب منه توقيعاً. ثم يستدير سلفاتوري نحو الشباك الزجاجي الذي يشرف على الشارع حيث كان نادي العمال سابقاً. ومثل الوميض، يرتجف حتى التجمّد دون أن يتحرك.. على بعد خطوتين منه، يرى من خلال الزجاج ما يسمّره في مكانه ويرميه بعيداً خارج الزمن، ويجمّد دمه: هناك أمام عينيه يرى إيلينا! ولكنها مازالت صغيرة، صغيرة كما كانت فيما مضى! حلوة مشعّة، مغرية، تماماً كما رآها للمرة الأولى في المحطة. إنها تقف مغادرة عبر الشارع تحمل رزمة من الكتب تحت إبطها... ألم تغيرها السنون الماضية؟ أم أن التي يراها ليست سوى هلوسة؟ كلا! إنها حلم! أم أنه قد مات مثل ألفريدو؟ لا يستطيع سلفاتورى تفسير الأمر. يقع فجأة فريسة شعور بالخوف . تسقط نظارته أرضاً... بينما تسير الفتاة بعيداً. 106- جينكالدو- شارع- خارجي-نهاراً. في الخامسة والخمسين، ولا يشعر سلفاتوري بالحرج وهو يجوب شوارع بلدته الأم. متجسساً من بعيد على فتاة في الثامنة عشرة من العمر. لا يستطيع أن يفعل شيئاً تجاه ذلك الموضوع. يحدّق بها مذهولاً كمن يكتشف فجأة أن المعجزات ممكن أن تحدث. أصبح الآن أقرب إليها.كم هي رائعة! إنها هي لا شك في ذلك! تماما! كما كانت. ماعدا اختلاف في تسريحة الشعر وملابس مختلفة. لم تكن إيلينا تلبس بنطلوناً فضفاضاً. تذهب الفتاة إلى دراجة نارية متوقفة. تزيح القفل وتربط كتبها إلى الخلف. يقف سلفاتوري هناك بعيداً بضع خطوات. ودون أن يتوقف ليفكّر، يتحرك مقترباً منها أكثر،باحترام وأدب. سلفاتورى: سامحيني، آنسة... (تستدير لتنظر إليه، بعدم اهتمام، ولكن بصداقة. ينظر إلى عينيها الرائعتي الزرقة.) أنا آسف، ظننت إنك شخص آخر. الفتاة (ترفع أكتافها.): حسناً. لقد أدارت محرك دراجتها. ضغطت على دواسة السرعة وانطلقت بعيداً وشعرها يتطاير في الريح. يتابعها سلفاتورى بعينيه حتى تختفي حول الزاوية. 107- منزل والدة سلفاتوري- داخلي- بعد الظهر. صور إيلينا القديمة وهي تهبط من القطار وتمشي بعيداً، موجهة نظرة فضولية نحو الكاميرا... ينظر سلفاتوري إليها مرة ثانية، وهي تعرض على حائط غرفته الأبيض. وينظر إلى الصور الأخرى لتلك الأيام الحلوة البعيدة. في النزهة، هي على الشاطئ، تبتسم، سعيدة.... ومرة ثانية لا يفهم سلفاتوري، أو أنه لا يريد أن يفهم.ولكن هذه المشاهد كان ممكناً أن تكون قد صوّرت البارحة. لكم تماثل إلينا هذه الفتاة التى رآها في الشارع.. والجرح الذي ظنّه قد شفي منذ سنوات، بدأ ينزف مرة ثانية. العذاب الذي عاناه من جراء قصة رومنسية انتهت دون أن يدري بتاتاً الآم انتهت، والتفسيرات اللانهائية التي قلبّها عقله الصغير، بدأت الآن تنزلق خلال روحه مجدّداً، مثل تلك اللقطات التي تنزلق مرة ثانية من آلة العرض الـ٨ مم. عبر شقوق الباب، ترى ماريا الصور على الحائط وسلفاتوري يهزّ رأسه إلى الأمام وإلى الخلف ببطء. مثلما كان يفعل كولد يبكي وهو صغير. إنها تشعر نوعاً ما بحزنه، ومرارته. تخفض عينيها وتسير بعيداً دون أن تتفوه بكلمة، بينما يظّل المستطيل المضيء على الحائط فارغا، خالياً... يبقى سلفاتوري هناك جالساً يحدّق به، وكأنه يرى مشاهد أخرى لم تسجّلها الكاميرا في فيلم، فقط في ذاكرته. 108- المدرسة الثانوية- شوارع وساحة صغيرة- خارجي- نهاراً طلاب المدرسة الثانوية يخرجون بعد نهاية الدوام المدرسي. وجوه شابة سعيدة. دراجة الفتاة النارية يمكن مشاهدتها في المرآة في مشهد خلفي. يقف سلفاتوري عند عجلة السيارة التي أعارها له الفيو. من الواضح أنه قد تبع هذه الدراجة النارية من قبل. ينتظر بتشوّق كان قد ظن أنه فقده منذ فترة طويلة. يصمّم على أن يفهم، أن يصل إلى جوهر الموضوع، الذي يخيفه، وفي نفس الوقت يسيطر عليه بلا أمل. وها هي قد جاءت. فتحت قفل الدراجة واستعدّت للانطلاق . يدير سلفاتوري المحرك ويتبعها على مسافة قريبة فيما هي تنطلق بعيداً. توجهت الفتاة باتجاه المنطقة السكنية الجديدة في الضواحي. 109- منزل والدة سلفاتوري- داخلي-نهاراً. تُحضّر ماريا المائدة. ليا وعائلتها يتناولون الطعام عندها في هذا اليوم.. يجلس سلفاتوري ثانية يحمل سيجارة مشتعلة، يحدقون جميعهم عبر النافذة باتجاه الشجيرات التي يهزّها الريح والبحر الملتف الأمواج. الريح التي تصفر عبر شقوق النوافذ تضيف ثقلاً على السكون، تماماً مثل النظرة المضطربة المرسومة على وجهه. تحملق ماريا به. ماريا: بماذا تفكّي يا توتو؟ ينظر سلفاتوري نحو وجه العجوز الجميل وعلى شفتيه ابتسامة باهتة. لقد كان دائماً بينهما نوع من القانون الصامت، قانون الصمت، قانون عدم الاعتراف بجريمة مشتركة. والآن يشعران هذه القاعدة يجب أن تخرق. يتكلم بهدوء، وكأنما ليكبح ما يحدثه شعوره بالذنب من اضطراب. سلفاتوري: كنت أفكر... أننا لم نتكلم يا أماه... فعندما كنت صغيراً كنت أراك وكأنك قد كبرت قبل أوانك. ربما يكون هذا حقيقياً بالنسبة لجميع الأولاد... من يدري؟ ( أومأت برأسها، ثم جلست أمامه. أخذ يمسّد يديها العجوزتين، النحيلتين المعروقتين....) ولكن الآن فقط أدرك أنك كنت صغيرة وكنت جميلة، وكانت أمامك الحياة كلها. ولكن كيف... (متنهداً)... كيف كان باستطاعتك العيش وحيدة طيلة ذلك الوقت، دون أن يكون هنالك انسان يهتم بك؟ كان بإمكانك الزواج مرة ثانية . لم لا؟ عندئذ ربما لم أكن لا تفهم الأمر، ولكن بعد ذلك كان باستطاعتي ذلك.. لا تجيب ماريا، ولكنها غير مستاءة . سلام داخلي يضفي عليها تعبيراً حلواً هادئاً. ثم توافق هي على كسر قانون الصمت. ماريا: لم يكن لديّ أحد. إذا كان هذا ما تظنه.. لم أكن أريد أحدا. ظللت مخلصة دوماً. أولاً لأبيك ثم لك ولليا. (رافعة أكتافها)! هذا هو معدني، ولا استطيع أن أفعل شيئاً تجاهه. (مبتسمة) وأنت مثلي، أنت صادق جداً ومرتبط جداً بما تحب.. ولكنني لا أدري إن كان هذا شيئاًحسناً. الاخلاص أحد الاعمال السيئة. إذا كنت مخلصاً، فأنت دائماً وحيداً! (يغوص سلفاتوري في عمق حقيقة هذه الكلمات، ولا يقول شيئاً. يقطع رنين الهاتف حبل الصمت. صوت يهدّد لا يتحملّه سلفاتوري. يعرف أنهم يطلبونه في روما، فيقوم بحركة عصبية، يقف وينزع الفيش ويعود الهدوء، وصفير الريح. تخفض ماريا عينيها.) إنها غلطتي! كان من الأفضل أن لا أستدعيك... يجلس سلفاتوري ثانية منحنيا وأكثر قرباً منها. يضع سيجارته في صحن السجائر الممتلئ باللفائف. سلفاتوري (يهمس) كلا.. الأمر لاعلاقة له بك. إنه فقط خوفي من العودة الآن، بعد كل هذه السنين. ظننت أنني قوي، إنني قد نسيت أشياء كثيرة. بدلا من ذلك، أخذ الأمر يختلف كلياً، كأنني لم أترك يوماً. ومع ذلك، أنظر إلى ليا وأشعر وكأنني لا أعرفها، وأنت، يا أماه.. هجرتك، وهربت كالسارق. لم أفكر سوى بنفسي، ولم أعط أي تفسير... ماريا(تقاطعه) وأنا لم أسألك هذا! ليس لديك ما توضحه. كنت أفكر دائماً أن ما قمت به هو الصحيح، وما كان قد كان. دون أن نلف حول الموضوع... (تبتسم، وتلعب على الألفاظ) تعذبت من شيء واحد: إقفال الباب بالمزلاج قبل الذهاب إلى النوم ليلاً... سلفاتوري : أنت لم تفعلي ذلك أبداً من قبل! تبتسم كفتاة صغيرة على وشك الاعتراف بالعثرات التي تكلمت عنها. ماريا: كلا،كلا.... عندما كنت تعمل في دار العرض، لم أكن أستطيع النوم قبل عودتك إلى المنزل . وعندما تصل أتظاهر بالنوم، ولكنني كنت أسمع كل خطواتك. وبعد أن تنام، أقوم باغلاق الباب بالمزلاج. ثم بعد أن غادرت كنت في كل مرة أفعل ذلك، أشعر وكأنني أترك شخصاً ما خارج المنزل. بعيداً.... يستمع سلفاتوري لكلام والدته، مندهشاً ومأخوذاً بشاعرية أسلوبها في الكلام.) ولكنك كنت محقاً في الذهاب. نجحت في أن تفعل ما تريد.... (متنهدة) عندما أطلبك على الهاتف، تجيبني في كل مرة امرأة مختلفة. أتظاهر بأنني أعرفهن حتى لا يتعرّضن للإحراج من تعريف أنفسهن. (تبتسم) أنا متأكدة من أنهّن يعتبرنني امرأة عجوزاً مجنونة. لكنني حتي الآن لم أسمع صوتاً يحبّك حقاً. كنت سأعرف. ومع ذلك، أريد أن أراك... مستقراً.... واقعاً في الحب.... (تحدّق في عينيه) ولكن حياتك هي هناك. هنا لا توجد سوى الأشباح، انطلق يا توتو، انطلق. قالت هذا وفي صوتها إشارات خفيّة. ويدرك سلفاتوري أنها كانت دائماً تعرف كل شيء ولكنه لا يجيبها. يتبادلان النظرات لوقت طويل دون أن يتكلما. إن قاعدته في التزام الصمت عادت لتلعب مرة ثانية، كما في السابق، وإلى الأبد. إن أسلوبها في التعبير يقول له أن يذهب، أن يأخذ الطائرة ويطير بعيداً.... 110- ساحة صغيرة ومنزل. داخلي/خارجي- مساءً. ولكن سلفاتوري لم يأخذ بنصيحة والدته. لم يغادر المكان. شيء ما هناك يمسك به. يقوده لأن يتابع بحثه عن الأشياء. إن دراجة الفتاة النارية مركونة في الباحة خلف بوابة منزل صغير. إنه يتفحصّها من داخل سيارة واقفة في زاوية ساحة صغيرة قرب أحد المقاهي. بقي هناك لفترة لا بأس بها، لم يصبه الإنتظار بالعصبية، إنه ينتظر هناك بتصميم... أضيئت شبابيك عديدة، ولكنه لا يرى أحداً وراء الستائر. لا شيء سوى أشباح تمرُّ بين الفينة والأخرى. والآن يطفأ النور في إحدى النوافذ ويضاء نور السلالم. يفتح الباب الأمامي وتخرج الفتاة مصطحبة وإياها رجلاً محترما يقارب الخمسين من العمر، طويلا ذا مظهر قوي، يرتدي ملابس أنيقة. إنهما يتحادثان، ولكنه لا يسمع حديثهما بسبب بعد المسافة. يراقبهما سلفاتوري وقد خرجا من البوابة الرئيسية وصعدا إلى سيارة. يبدو أنهما ابنة ووالدها. تنطلق السيارة بعيداً وتمر قربه. ينسكب الضوء من انعكاس أنوار سيارته على وجه ذلك السيد. يتعرف إليه عندئذ من علامة الولادة على صدغه... سلفاتوري (مخاطباً نفسه): بوكيا! تلمع عيناه ببريق غريب، فيدرك الموقف وما يصاحبه من جنون يدفعه للوصول إلى الأعماق، ويتآكل في داخله فيدرك أن لا مجال للتراجع. 111. مقهى - ساحة صغيرة - داخلي/خارجي- مساءً يدا سلفاتوري تبحثان في دليل الهاتف. إنه في المقهى، في الجانب الآخر من الباب الزجاجي الذي يقود إلى الساحة الصغيرة. أصابعه تتابع عامود الأسماء. سلفاتوري (يتمتم) لقد كان اسمه الأخير لوميو، فينسينزو. لقد وضع قطعة معدنية في الفتحة وطلب الرقم وهو ينظر إلى النافذتين المضاءتين أعلى ذلك البيت، حيث قد يكون سر حياته مختبئا. يسمع سلفاتوري الرنين الأول، قلبه أصبح في بلعومه.... يظهر ظل في إحدى النوافذ. وصوت يجيبه. صوت الهاتف: هالو؟ (إنه صوت امرأة. يغلق سلفاتوري عينيه، وهو على وشك أن يتكلم، ولكن الكتلة العالقة في بلعومه تخرسه...) الصوت على التليفون: هالو؟ هالو؟ مازال يتردد، لا يستطيع أن يتفوّه بكلمة واحدة، وكأنه قد فقد صوته أو أنه لا يدري ماذا يقول. يضع السمّاعة، وكذلك يضع الظل الواقف أمام الشباك السّماعة | |||||