|
|
|
قصائد |
|
محمود قرني (شاعر من مصر) |
|
شرفات »بولاق«
هذا ما حدث بالضبط هنا في »بولاق«٭ على مقربة من الأدخنة ومكر النساء السمينات أسكنُ غرفة بلا جدران عالية جدا كأنها بنتُ الهواء شفافةً، بالضبط، كزجاجة المحلول لذلك كانت كل عوراتي، تقريبا، في يد الجيران لم أكن حراً حتى في الطريقة التي يمكنني بها الحديث عن هذه العورات ساعتها لم أكنْ أنا الذي يتحدثُ الآن كانت جارتي السمينةُ ذاتُ الردفين الثقيلين يمكنها أن توقظني من النوم بمذراة الرياح بل يُمكنها أن تبُول على مخدتي عندما تشاء |
كانت تبدو كمشفرين حادين
يعلكان الماضي كأنها وثنيةٌ من أبوين وثنيين الأرضُ، تحت مشيتها، مرتجةٌ كعجوزٍ تحرشت بأربعة ثيران لم أكنْ أبداً أجرأ على مقاطعتها المرة الوحيدة التي فعلتُ ذلك كانتْ أمام المرآة مددتُ حبلاً إلى السماء قرعت رأسي بنجمةٍ بعيدةٍ لكن.. لا جواب كانت تؤكد لي: أن الحمار إذا كان باستطاعته أن يأكل امرأة |
|
|
||||||
|
فالمرأةُ أيضا بإمكانها أن تأكل حماراً
وذات مساءٍ أكلتني وهكذا صرْنا شركاء في كل شيء كانت تربتُ على أشيائي بطريقتها وأربتُ على أشيائها بنفس الطريقة عيونُ الجارات كانت ترقبني
تتغامز من خلف ظهري لكنني لم أكن أعبأ كثيراً وعندما كنتُ أتركُ باب البيت مفتوحا أجدُ في الصباح كومةً من البرسيم أمام الباب لم أكن أستطيعُ تفسيرا للأمر سوى بعد أن ألقتْ عليًّ إحداهن غبيطاً من شُرفتها ونصحتني بأن آكل جيدا لكن بلا نهيق لم أكن مريضا ولا محموما لكن بعدها توقف شريانٌ أسفل قلبي ونمتُ وسط خراطيم الهواء لأربعة أيام ويبدو أن نهيقاً متصلا دفع الطبيب إلى منعي من كل شيء ورغم ذلك عدتُ الى الحياة كان عظيماً أن أصبحتُ - تقريبا- بلا عورات لم تكن هناك ثمة أشياء أخجلُ منها |
وأصبحَ يمكنني الوقوف في شرفتي
كما ولدتني أمي ومع ذلك حطمت جارتي باب الغرفة وسحبتْ الممرضة من قفاها حاولت إفهامها أنني ما أزال في سريري أستنشقُ هواء معقما وآكل برسيم الجارات وتحقنني الممرضةُ لما تنامي إليها أنني الخافِت لكن لا شيء هناك هذا ما حدث بالضبط في بولاق رجلٌ مريضٌ بالقلب يدخنُ تبغاً رديئا يشربُ جردلاً من السبرتو ويأكلُ من أسفل قدميه وأحيانا يشربُ الكابتشينو في المطارات التي يذهب إليها بدعواتٍ غامضة يرتدي بزةً ميريةً ويمشي في الأسواق ينشدُ، أحياناً، كلاماً مبهماً جدا ويتذكرُ إخوته وأمه العمياء وفي النهاية يعود إلى هناك حيث الترابُ يأكلُ النمل حيث النملُ يأكلُ الناس حيث الناسُ يتساءلون: أين الآلهة؟!! |
|||||
|
|
||||||
|
هنا بولاق
حيثُ لا فرق بين الهالات الزرقاء وحضانات الأطفال بين نفير العدالة ورائحة الأسْمال حيث يمكنك أن تقذف بمطواتك في الهواء للقفها طفلٌ بفمه دون أن تكون جرَّحت القانون دون أن تكون جرَّحت الهواء هنا في بولاق وقبل عشرين عاما ابتلعت شجرةٌ سمينةٌ ذات ردفين ثقيلين شاباً ريفيا، ساذجاً في أغلب الأحوال، لكنها بعد أن صارت عجوزا أشعل مهندسو البلدية النار في رأسها وباعوا جسدها لتاجر أخشاب وعندما حاولتْ بولاق أن تعيد فتاها إلى ذويه كان قد استحال إلى مقاعد وأسرةٍ وصناديق متعددةِ الأغراض. خديعة بيني وبينها حارسٌ وثمرة |
بيني وبينها كلأ وجدارٌ وينبوع
هذه العالقةُ بأطراف أصابعي لا تتركها ولا تتمنى عليها بيني وبينها قلوبٌ عاريةٌ وأهلٌ وأجراسٌ وحناءٌ وحدائق ناعمة غرابٌ ونعشٌ وخطافٌ وحقيبةٌ ووداع رقيق بيني وبينها عظامٌ وشفاه غليظةٌ ورمحٌ ومعدةٌ متقلصةٌ وإخوةٌ متفرقون بيني وبينها نيرانٌ وأشجار صمغٍ وأشعة زرقاء تتمدد من الضجر بيني وبينها رحلة مربوطة في كلمة ورصاصة مربوطة في حرب وحرب تحاول أن تتجمل في حضرة الموت بيني وبينها مقْعدان سنجلسُ عليهما معاً عندما تتشابكُ الأنهارُ وعندما تعبرُ من مسامها كلماتُ السرِّ وشفراتُ الجنود فالألغازُ دائما هكذا ناعمةٌ وملساءُ وفتاكةٌ أحيانا لكنها ستتركُ لنا طريقةً نعود بها إلى خطايانا |
|||||
|
|
||||||
|
بيني وبينها نصفُ رجلٍ
بينها وبيني نصفُ أنثى وهذا ما أبقتهُ لنا الخديعة والحرائقُ والرصاصات. باليـــــه »ريم«- التي تنخرطُ في الرقص كلما تناهتْ الى سمعها أصواتُ الموسيقى- تكبر يوما بعد يوم. تكبر دون حارسٍ ودون تميمةٍ زرقاء هذه القصيرة قرب الأرضِ تحتاطُ من كل شيء ولا تترك لقبلة أبويها فرصة الحنين أمها وضعتْ إصبعاً أسفل ذقنها وقالت: ستذهبين الى مدرسة الباليه »ريم« القصيرة قرب الأرض ستصبح يوما فراشةً بسروالٍ قصيرٍ أبيض وأغطيةٍ رمزيةٍ جدا ويقبضُ فتى بيده اليسرى على باطن فخذها، يشبُكُ يدهُ اليمنى بوردةٍ حمراء في ميلها القاسي بينما تصنعُ بجسدها نصف دائرةٍ، ثم تقفزُ في بياضها كملاك. على ما يبدو كانت »ريم« نفسها |
بطة »أبسن« البرِّية
أو على الأقل؛ الوردة الحمراء العالقة بمعطف »جُو جول« فقط، ثمة انشغالات تعوقُ ذهنَ جدتها، الجالسة على الموكيت الأزرق في ردهةٍ شبه واسعة تريدُ ان تعرف ما الذي تفعله حفيدتُها. أما أبوها؛ فلم يكن هناك، كانت لديه انشغالاتٌ لتخليص إرثه من أفواه الشياطين كان يدفنً ملابس جدها، المليئة بالحقن الفارغة.. والتصاوير السوداء، كان عليه أن يعود قريته صباح كل خميس ليضعَ أكمامهُ المبتلة على الشاهدِ ويتلُو على رأسِ جدِّها أغنيةً قصيرةً جدا من أجل الموت. أما الجدة- التي ربتت على ظهرها ضاحكةً- فقد أهدتها دجاجةً وقفصاً صغيراً لكنه سرعان ما تحطم. »ريم« الآن أصبحت تؤلفُ مشاهد متصلةً للرقص مع دجاجة. ـــــــــــــــــــ * بولاق : الحي الشعبي الأشهر في القاهرة
|
|||||
|
||||||