ما زال الجاموس يغطس بسعادة

عماد جنيدي (شاعر من سورية)

سواحل قلبي مقفرةٌ

 تحط عليها وقت الغروب أسرابٌ هائلة

 من طيور الكآبة.

 إلى متى أظل مقتعداً صخرة الدلالة الصماء

 تمزِّق روحي زعانف الوقت الهارب

 لن أعود إلى غرفة الصف

 سأحرق المناهج والمراجع

 سأرسم دائرة من الفراغ

 وأسكنها

 متوهماً أنني مركز الدائرة

 وأضم إليّ أطياري البيضاء

 ما عاد لي حلمٌ أو سنديانة أو أرجوحة

 والقلم أفلت من يدي

 وراح يغرق في بحر روحي الخامدة

 هذا الخواء الرهيب المريرُ من حولي

 أغلق كلّ نافذةٍ للهواء

 فأعيش على متن الهوامش المفقودة.

 أحتاج الى درع سلحفاة

 يطوقني من جميع الجهات.

يتوغل بي داخل كهوف اللذَّة الآثمة

 وأمضي إليها

 آخر كلّ ليل

 أسوق قطيع مفرداتي

 ودفاتر ذكريات العراء

 ما أروعُ جدائل نخل الاغتراب

 وهي تشعل نيرانها

 في سماء الفراغ الأزرق

 ترهلت حديقة الكون

 غادرها الأطفال

 هجرتها عنادل الدهشة

 حلّت ذاكرة التكرار والإيلاف

 ماذا يفعل ذلك السنونو

 داخل قفل الأرزة العجوز.


ولا يزال الجاموس يغطس بسعادة

 داخل أوحاله

 ينبغي أن أهلوس

 أن أنسف جدران الترابط

 ودهاليز الربط المحكم

 ملغياً المصادر والمفاعيل.

 وجموع الأدوات

 ملغياً العطف والإضافة

 إلى متى أمضيّ عمري تحت سنابك خيل اللغة

 لماذا لا ألعب باللغة »الدحلى«

 كما كنت في الطفولة

 وأمازجها بحصى نهر »القش« (١)

 حيث كنا ندير سلال الصيد ونحبكها

 وكأنها قصيدة عمودية

 الصيد كان يأخذنا إليه بشغفٍ سحري

 والعصافير التي كنا نصطادها ونأكلها

 لم نكن لنحسب أنها تموت

 كم كنا مزهوين بالجدِّ وبالسلالة

 وحين كنا نطلق المزامير

 ودويَّ الطبول

 كانت تصغي لنا وتجاوبنا »الزكازيك«

 في أقفال الزيتون الهرمة

 لقد نفد صبري من هذه الإقامة

 عليَّ أن استبدل النفس والمكان

 تاركاً الثعبان المقدّس

ينبض بالرعونة الآثمة

 لقد انقطع حبل الافتراض

 صارت »الايديولوجيا« عجوزاً تتسوّل على أرصفة الغباء.

 وظلَّت »البروليتاريا« في أماكنها

 تراقص أسلاك »التنجستين«.

 بدأ المعدن معدناً للروح

 منذ الخيام والسهروردي وأبي العلاء

 أصبح الآن معدناً لصناعات الحروب

 يصنعها العمال ويقصفون بها

 وهم في غاية النشوة

 تعالوا إذن نصعد سلالم سفينة الوقت المحطمة

 نذرو الحطام

 ونعيد تشكيله ألعاباً للأطفال

 اقترب الآن موعدي مع الكأس السابعة

 حيث أستوي على عرشها المطفأ

 أقطف أقمار الصيرورة

 وزنابق انجيل الحواس

 أسوق بتهور قطاري المعرفي

 المدنف بقيثارات الشوق الأزلي

 كانت الكأس تريك العالم الآخر

 الآن لا تريك إلا الجحيم

 والجثث المعلقة في حضيض- دانتي-

 وفي سقوف كاتدرائيات »دافنشي«

 أيهما الأقوى تمثال موسى


أم اسرائيل؟!

 لأن العراق فشل في التأويل

 وقع في أهوال الإنزال والتنزيل

 انظر كيف رأس- الحجاج- صارت تزرع ملفوفاً

 على امتداد الرافدين

 انظر كيف الآن يقطف هذا الشعب الملفوفُ

 بكل العباءات والقلنسوات

 وتعاد زراعته وفق أساليب التهجين الأمريكية.

 مطلوبٌ من دجلة أن يصبَّ في »المسيسبي«

 مطلوبٌ من النخيل أن يراقص- جونداليزا رايس-

 وزبانيتها في معبد الدماء.

 لا أدري

 إلى أين تمضي بنا هذه الكرة الزرقاء

 وإلى أين نمضي بها ومعها وعليها

 سؤال يحتاج إلى »بنجي« ليجيب عليه

 جاء وقت الكأس العاشرة

 انفصلت رأسي عني نهائياً

 تملكها شغف الأتون.

 أتأبط أحزاني وأمضي

 إلى جهاتٍ مجهولة وخارج التوقع

 أبني مزاراً

لا تهتدي إليه إلا الغربان.

ورؤى زوارق المستحيل.

ما أزال أحتفظ

بالوقت اللائق

لأعيد بناء زوارقي ومفرداتي

انتبه أيها

الوقت الأعمى

أنا حاضرٌ حتى في الغياب

أدفن في صقيع الهاجرة

ملكيتي الخاصة

أدفن أصدقائي

وجثثُ أحلامي

الصديق الذي أفلت

من العنفوان

إلى حضن البرهة

توسَّد غمامة الأرواح الغابرة

حيث الشر بين »نهض بعمائمه الخضراء«.

مستنهضاً رشد السنور

وأي رشد يعلوه عقلي

أية صارية تعلو هزئي من هذا العالم

هذا الدوار المحموم من أجل التصنيع

يا داود اقرأ كتاب سليمان

يا سليمان اقرأ كتاب داود

واقرأ دائماً هذياني يا ابن رشد.

 

ــــــــــــــ

١ - اسم نهر في قريتنا



تصميم الحاسب الشامل