|
|||||||
|
قالت لي المناوبة في الفندق: ـ لا يوجد إلا مكان واحد، ولكن مع جار مريض. لم يكن لدي مخرج فاضطررت أن أوافق. ولكن قد يعترض المريض؟ فطلبت من المناوبة أن تتصل به هاتفيا وتسأله. ثم نظرت إلى ورقة أمام المناوبة. كانت ورقة عادية اقتطعت من دفتر مدرسي ذي مربعات، وفي كل مربع إشارة صليب بقلم أحمر. ومعنى ذلك أن الحجرة مشغولة. أما في الفندق فالوضع خلاف ذلك، إذ يمكن أن يتعايش في الحجرة الواحدة شخصان أو ثلاثة أو أربعة. لا أعرف لماذا خطر لي ذلك. كلمته المناوبة بالهاتف. ـ يقول: تفضل، بل سأكون سعيدا، ـ كان صوتها مشوبا بالشك، ـ اصعد الى الطابق الثاني، الحجرة الثامنة. تبين أن جاري رجل طاعن في السن، وربما يناهز السبعين من العمر. قال: ـ آ، ا، ها أنت جئت، اعذرني لأني مريض. ـ ماذا تقول، فأنا من يجب عليه أن يعتذر، ولكن لم يكن لدي مخرج آخر... وضعت الحقيبة قرب الخزانة وتناولت المحفظة. سألني: ـ هل ستخرج؟ ـ قالت الممرضة انك صحفي. أهذا صحيح؟ قلت له: ـ أشتغل في جريدة، أأحضر لك شيئا؟ لبنا أو ماء معدنيا، مثلا؟ ـ أشكرك. خرجت إلى الشارع. كان علي أن أقابل في مكتبة المدينة يرانوهي فوسكاتيان. فقد أقلقتني رسالتها التي استلمناها منها في هيئة التحرير. تبدو وكأنها قصة عادية. اثنان يربط بينهما الحب والصداقة ويلتقيان. ولكن الشاب قال لها مرة: »لن نلتقي بعد الآن«. وماذا، إن ذلك كثيرا ما يحدث... ولكن عبارة واحدة في رسالتها أقلقتني: » إنني أكره العالم كله،أكره الجميع. من أصدق بعد هذا؟ لم أعد أصدق أحدا أو شيئا «. ها هي المكتبة. ـ أتريد يرانوهي؟ ـ ردت فتاة كانت جالسة في الغرفة الأولى، ـ أأنت من الجريدة؟ ذهبت الفتاة إلى الغرفة الثانية، وبعد قليل انفتح الباب مرة أخرى وخرج من هناك أربع فتيات أو خمس. ـ أنا يرانوهي، ـ قالت واحدة كانت أصغرهن وربما أجملهن. بادلتها السلام. ـ وبخه كما ينبغي، ـ قالت إحدى الفتيات، ـ لا تبخل بالكلام. فهو يستحق. ـ هنّ يعرفن كل شيء، ـ قالت يرانوهي، ـ لقد انتهى عملنا اليوم، اجلس. ـ ربما تأتينني إلى الفندق. ـ قلت، ـ في الحقيقة، ان جاري في الحجرة مريض، ولكنه مسن ولن يضايقنا. لاحظت أن الفتيات تبادلن النظرات بأسف، فقلت: ـ إذا دعت الضرورة فسأتحدث معهن أيضا. ـ كما تشاء، ـ قالت يرانوهي، ـ أأحضر الرسائل معي؟ ـ أية رسائل؟ ـ رسائله... نظرت إليها. الرسائل... أي تلك الرسائل التي كتبها لها، والتي ربما كان فيها اعترافات بالحب، وعواطف وأسرار... خيّل إليّ أن التعجب أصاب أيضا حتى الكتب المتراصة جنبا إلى جنب قرب الجدار، ولكنها اعتصمت بالصمت، شأنها شأني. ـ الرسائل فيما بعد، ـ قلت لها، ـ إذا اقتضى الأمر... ـ سأجيء، ـ قالت يرانوهي. جاءت. قليل ما أضافته إلى مضمون رسالتها. بل وأنا أيضا استمعت اليها بقليل من الاهتمام. كان ثمة فكرة ما تنضج في داخلي بإلحاح ولا تستطيع أن تجد لنفسها اسما. وبينما كنت أطرح الأسئلة كان دماغي مشغولا بالعثور على تلك الفكرة البالغة الأهمية. ـ أحقا هو إنسان سيّئ؟ ـ سألتها أخيرا. ـ سيّئ؟ ـ قالت الفتاة، ـ ما في ذلك شك. ـ ولكن كيف أحببته، إذن؟ ـ لا أعرف. ربما لم أميز. فالناس يكذبون. جميعهم يكذبون... ـ جميعهم؟ ـ لماذا تتعجب؟ ـ ونظرت يرانوهي إليّ بتهكم وكأنها تشفق على من لا يفهم هذه الحقائق البسيطة. ـ أخته، أصدقاؤه، أصدقائي، الأقرباء، الجميع ! تململ العجوز في مكانه، وسعل ثم تناول عن الطاولة كأس ماء وشرب. التفت إليه، لعله بحاجة إلى شيء؟ ـ تحدثا، تحدثا، ـ قال العجوز ردا على نظرتي المتسائلة. لم تنظر الفتاة صوبه. كانت تبحث عن شيء في حقيبتها. لاحظت أن أصابعها ترتجف، واكتشفت أنني مسرور بذلك. كانت نظرتها مرتدة إلى أعماقها، وربما لهذا السبب مضى وقت طويل دون أن تتمكن من العثور على ضالتها. خطر لي أنها كانت مولعة بالشاب، فحاولت أن أجد في هذا تفسيرا لما سمعته منها للتو، ورغبت في أن أتصور ذلك الشاب وأنظر في عينيه... أشعلت سيجارة. فأنت عندما لا تستطيع قول شيء، عندما لا تجد كلاما تتابع به الحديث يكون إشعال سيجارة أفضل حل. حينئذ تتجمع أفكارك وقد تجد الكلمة المبتغاة بالذات، أو واحدة من تلك الكلمات تحديدا. سألت العجوز: ـ ألا تدخن؟ هز رأسه بالنفي. أخيرا وجدت الفتاة ما كانت تبحث عنه فمدّت يدها إليّ بصورة فوتوغرافية قائلة: ـ ها هو. نظرت إلى الصورة. كانا معا في أرجوحة دوارة. وكانت هي راكبة على نمر. ـ آه، أنت شبيهة بنازار الشجاع. ـ حاولت أن أمزح، ـ انك جعلت من النمر حصانا! ـ نمر من ورق، ـ قالت الفتاة، ـ رسمه أحد معارفنا. لقد ضحكنا كثيرا في ذلك اليوم. ولا يزال ذلك الضحك يرن في أذني. ولكنني أعرف الآن أنه منافق. فحتى في الضحك كان ينافق... أعدت النظر إلى الصورة. بالطبع لم يكن ضحك الشاب يترامى إلى سمعي من الصورة الفوتوغرافية. ولكن خيل إليّ أن ثمة بسمة تبعث الدفء في هذه الصورة. بسمة شاب. فهل البسمة المنافقة تدفئ أيضا؟ لا أدري. نظرت إلى الفتاة بحزن. فلماذا تريد أن تحذف من حياتها يوما كاملا؟ لقد كان على ما يبدو يوما سعيدا. كم هي في هذه الصورة خالية البال ومسرورة...إلا أن يرانوهي لم تكن تسمع أفكاري، مثلما لم أكن أسمع الضحك في الصورة. تابعت قائلة: ـ كان طفلا، طفلا كبيرا.كان يستلم مرتبا ضخما ويوزعه كيفما اتفق. وحين كانوا لا يعيدون له الديون لم يكن يسأل أو يطالب بإعادتها. وبسبب الشقة ذهبت أنا إلى المصنع، أوضحت أننا على وشك... فأعطوني شقة. لم يكونوا يعرفون شيئا عني إطلاقا. ولكنه انزعج لأنني ذهبت إلى المصنع. لماذا؟ لا أدري... تكلم العجوز فجأة.كنت أظنه غافيا وهو مستلق مغمض العينين. إذن. كان يستمع. ـ...انه نسخة طبق الأصل عن صديقي آكوب رفائيليان. فهو أيضا كان ينسى استرجاع الديون. لقد توفي في نوفمبر الماضي. كان معاشه التقاعدي كبيرا . كان يقول: » كم أحب تقديم الديون للناس السيئين ! لأنـهم بعد ذلـك يتجنبون مقابلتي ظنا منهم أنني سأطالبهم بالتسديد «. قال ذلك وانخرط بالضحك. ـ كان إنسانا غريب الأطوار ! إنسانا طيبا كان. ضحكت يرانوهي أيضا.ولكن العجوز أغمض عينيه مرة أخرى. كانت الصورة الفوتوغرافية لا تزال على الطاولة. لم تكن الأرجوحة تدور. وبدت بسمة الشاب الآن كئيبة. ـ وماذا بعد؟ وسرعان ما عثرت الفتاة على سلسلة الحديث المقطوعة. ـ آه، بخصوص الشقة. قل لي: هل كان في تصرفي ما يسيء؟ هل أغضبته؟ ليتنا تخاصمنا، ليتني على الأقل عرفت... لم أقل شيئا. بدا العجوز غارقا في النوم. كان يشبه رسما على ورق شفاف وضعه أحد على وسادة بغية تعليقه على الجدار فيما بعد. ـ إنني أستمع، ـ قلت ليرانوهي. ـ يحب أبي رواية هذه القصة: وثب ذئب إلى كتفي إنسان وقال له: إذا أخذتني إلى مكان يرد فيه الإنسان على المعروف بالمعروف أخليت سبيلك. ـ حسنا، ـ قال الإنسان. وانطلقا في الطريق. ولا يزالان على هذه الحال، لم يصلا إلى ذلك المكان حتى الآن. ثلاثة آلاف عام والإنسان يحمل الذئب على كتفيه. في الماضي لم أكن أصدق أبي. كنت أناقشه. ولكنني الآن أرى أنه على حق... تألق بصيص ما في عيني العجوز، بل وحاول أن يجلس في السرير وهو يقول: ـ غبية هذه القصة. إياك أن ترويها في مكان آخر ! ـ سأرويها، ـ لم تتراجع الفتاة، ـ وسأسوق قدر ما ينبغي من البراهين عليها ! أتريد؟ ـ لا أريد ! ـ وخبا البصيص في عيني العجوز. ـ لا أريد. كان المطر يهطل في الشارع. وخيم الظلام. ـ ربما نخرج؟ ـ قلت للفتاة. ظننت أن العجوز يريد أن يبقى وحده. ـ إنني مولع برذاذ المطر. وأنت؟ ـ لقد حملت ممطري حيطة، ـ قالت يرانوهي، ـ فلنخرج إذا شئت. كان المطر قد طرد من الشارع عددا كبيرا من الناس ولم يبق إلا من يرتدي المماطر وبضعة »مجانين« مثلي. وبفرح لمحت اثنين أو ثلاثة من أولئك »المجانين«. كانوا حاسري الرؤوس، يرتدون جاكيتات خفيفة واقفين في محطة الحافلة يتناقشون ويقهقهون. نظرت يرانوهي إليهم باستنكار قائلة: ـ ممسوسون! ـ أنا أيضا دون ممطر ! ـ عفوا... ـ لا، لا بأس! كل ما في الأمر أنني أحب هؤلاء »الممسوسين«. وهل كان نيرسيس يحب المطر؟ ـ كنا جالسين في السيارة، ـ قالت الفتاة، ـ هل تعرف ماذا كان يقول؟ يجب ألا يكون لدى الإنسان إلا بذلتان وزوجان من الأحذية و... ديون. ولا شيء آخر. ويجب أن يتجول في العالم قدر ما يستطيع. أليس ممسوسا؟ ضحكت. فنظرت هي إلى السماء وضحكت أيضا. صدقا، خيل إلي فجأة أن خيوط عجين رفيعة تتدلى من السماء، ملايين الخيوط ! وفجأة تذكرت قريتي وأمي التي كانت تعلق تلك الخيوط على حبال الغسيل مقابل الشبابيك، فأظل بضعة أيام أرى العالم من خلال الفراغات الضيقة المتكونة بين أشرطة العجين تلك. ثم شبّ في داخلي شيء بالغ الدفء ورغبت في أن أشاطر يرانوهي هذه الذكرى، لكنني عدلت عن ذلك خشية أن تضحك مني. ـ هل رجعتما؟ـ سأل العجوز. كنت قد دخلت الغرفة على أصابع قدمي ظنا مني أنه نائم، إذ لاحظت وأنا في الشارع أن الضوء مطفأ في نافذتنا. ـ كيف حالك؟ ـ سألته. ـ جيد. ثمة طعام على الطاولة جبن رائع. أشعلت النور. كان على الطاولة زجاجتان فيهما ماء معدني. نظرت إلى العجوز بشيء من الحرج. فقال: ـ لقد طلبته من المناوبة. فلتأكل. إنه جبن لذيذ للغاية. أعرف أن الصحفي إنسان شرود ينسى نفسه، ـ وضحك ثم قال: ـ هناك لبن أيضا. ـ هل جئت من يريفان؟ ـ سألته. ـ بل من كراسنودار. قررت أن أرى وطني لآخر مرة، ـ كان في صوته رنة كآبة، ثم ضحك، ـ إنني أمزح، طبعا. كل ما في الأمر أنني اشتقت إلى مناطقنا... صمت، وأطال الصمت ثم سأل: ـ كيف الفتاة؟ هل تابعتما الحديث؟ ـ كان المطر يهطل. لاحظت أن العجوز ينظر إلي بتمعن، وتهيأ لي أنني أخطأت. فقد تبدت في عينيه الزرقاوين كآبة لا تلتقط. ـ هل ستطول إقامتك هنا؟ ـ سألته. ـ ريثما أتعافى. ـ إذن فأنت ولدت هنا... ـ وأردت أن أسأله أيضا لماذا نزل فندقا وهل لديه في المدينة أقرباء حقا، إلا أنني عدلت عن السؤال. ـ مدينة جيدة، ـ قلت. ـ جدا. لم أزرها منذ خمس سنوات. (أغمض العجوز عينيه. خيل لي أنه يسمع ذلك الحديث من جديد: ـ ماذا قال أبوك أيضا؟ ـ لم أسترسل في الأسئلة. قال إنهم حددوا له معاشا تقاعديا ، ستين روبلا. يريد أن يقيم تمثالا على ضريح والدتي. قال إنه اشتاق إلى المدينة... ـ بأية أموال سيقيم التمثال؟ ـ رفعت الكنة صوتها. ـ أبمعاشه التقاعدي ستين روبلا؟ علام يعتمد؟ ـ علام يجب أن يعتمد؟ ـ أن نعيش في غرفتين، أربعتنا ! لم يستمع إلى بقية الحديث، ولم يكن به رغبة للاستماع. ولم ينتبه ابنه وكنته إلى أنه في الحمام يغتسل...) فتح العجوز عينيه ونظر إلي بشيء من الخوف. لعله ظن أنني أنا أيضا سمعت ما كان يسمعه.إلا أنني لم أكن أسمع شيئا. ما إن لاحظ أنه أطال الصمت حتى فتح عينيه، وقال: ـ جبن جيد، أليس كذلك؟ ـ جدا. ـ قبل ثلاثة أيام التقيت بصديق قديم. كنا ندرس معا ذات يوم. قادني إلى المقبرة وقال: »ها هم رفاقنا. كلهم يرقدون هنا الآن!« نظرت إلى شواهد القبور، قرأت الأسماء. لم أحضر موت أي منهم، فكان يصعب عليّ أن أصدق أنهم راقدون تحت تلك الشواهد. كم تقدر عمري؟ ـ ستون، خمس وستون... ـ أربع وسبعون. دققت النظر بالعجوز. في تلك اللحظة كان يمكن تقدير عمره بمائة سنة. ـ هل ستكتب عن هذه القصة؟ ـ لا أعرف، سأتحدث مع الشاب. ولكنه ليس موجودا في المدينة. لا أعرف... ـ ما تلك الحماقة التي روتها عن الإنسان والذئب؟ ( صباحا وهو يغادر البيت حاملا حقيبة بيده سأله ابنه: ـ إلى أين؟ ـ أريد أن أحل ضيفا على صديقي القديم آليك. فقد ألح علي بالرجاء. سأعود، أبقى عنده يومين، ثم... أشد الرحال! ـ ولكنك قلت إنك قد... ـ وهل صدقتم؟ فمن يتركني أتقاعد؟نظر ابنه إليه بريبة، فيما قالت الكنة: ـ أبوك رجل قوي، وبوسعه أن يعمل عشر سنوات أخرى... جاء إلى الفندق. وفي المساء أصيب بجلطة. قال الأطباء إن الجلطة شديدة الخطر، وإذا لم يتعرض لجلطة ثالثة فلا داعي للخوف. بل وسمحوا له بالنهوض أحيانا. فقد أصابته الجلطة الأولى في العام الماضي /. تذكرت فجأة أنني لم أتعرف على اسمه بعد. ـ مراد فاردابيتيان، ـ قال. ـ ولكنني أفضل أن تناديني باسمي الأول »مراد« فقط. ابتسمت. إنه يكبرني بأربعين عاما، وطيلة الأعوام الأربعة والثلاثين الباقية لم نتعارف. فكيف لي أن أناديه باسمه الأول مجردا »مراد«؟ صباحا التقيت يرانوهي في المكتبة وقد أحضرت الرسائل وعددا من القصاصات. ولسبب ما قررت أن أقرأ القصاصات تحديدا. »يرانوهي، أرجوك ألا تنزعجي.مساء، بعد العمل سأذهب إلى فريج لإصلاح السطح. قريبا سنتزوج /ضحك، تصفيق/. اذهبي إلى المسرح مع أختي، حسنا؟« »واأسفاه! لماذا تخاصمت يا يرانوهي مع أختي آربيك؟جئت ولم أجدك. إنني مستعجل. علينا أن نجيء بالطبيب من يريفان لوالدة فردان. أ نتركه يذهب وحده؟ سأراك غدا، حسنا..؟« لم أقرأ الرسائل. فجأة خيل إلي أنني أنظر من ثقب القفل إلى نفس لا أعرفها. ـ يبدو أنه شاب جيد. نظرت الفتاة إلي متعجبة. فأردفت قائلا: ـ لا أعرف. ربما لو تعرفت عليه لغيرت رأيي به. ولكنها، صدقا، رسائل جيدة ! ـ لاحظت أن الفتاة ما زالت تنظر إلي متعجبة. ـ وأنت، أما كنت ذهبت لمساعدة صديقتك؟ ـ طبعا، كنت ذهبت. لو كان لدي وقت فراغ. فالجميع يتصرفون على هذا النحو. ـ الجميع؟.. ـ الناس الأذكياء. ـ وإذا كان صديقك بحاجة إلى مساعدتك عندما تكونين مشغولة بالضبط، ولست في مزاج رائق؟.. ـ على الصديق أن يفهم أنني لا أستطيع. ـ وإذا كانت الحاجة ماسة؟.. ـ لقد انتظرته حوالي عشر مرات في ثياب الخروج ولم يأت. كان يمكن إصلاح السطح يوم الأحد. أما المسرح... ـ كان يمكن إصلاح السطح يوم الأحد، ـ أجبت آليا، ـ ولكن بعض الأشياء ربما لا يمكن... لمحت كآبة في عيني يرانوهي. وقد أكون أنا من اختلقت ذلك،رغبة مني في أن تحدثني المزيد عن كآبتها... لو كان لي لأصدرت أمرا يمنع التحدث عن حب مضى، ويمنع قراءة رسائل مضى عهدها والاحتفاظ بصور فوتوغرافية فات زمانها. فبعد سنوات من القطيعة يصبح كل شيء كذبا، ويبدأ المرء نفسه يسرق ماضيه. »لو أننا تخاصمنا، أو لو أنني أزعجته مرة واحدة...«. لماذا يا يرانوهي؟ أكان ذلك سيصبح سببا؟ إذ لا يمكن لسبب أن يكون مقبولا لدى اثنين، لأنه لا يوجد في الدنيا اثنان متشابهان... ـ أنت أيضا رجل، ومن الواضح أنك ستدافع عنه. هل كانت طيلة هذا الوقت مكتفية بالصمت، أم كانت تفكر بالجدران غير المطلية في المكتبة؟ أو ربما بالجرابات النايلون، أو بأيام البرد التي ستحل قريبا، بألف شيء وشيء... إلا أن كآبة عينيها، وأصابعها التي ترتعش وهي دون طلاء... ـ أدافع؟ كلا. بل أحاول الفهم والتوضيح،ربما... ـ هيهات أن تقنعني. ثم ما الذي سيتغير في المحصلة؟ العالم كله؟ مدينتنا؟ الناس؟ أم تراه سيعود؟ كل ذلك كلام فارغ !أنا أيضا أردت أن أقنع والدي، فماذا كانت النتيجة؟ من منا كان على حق؟ مرة أخرى تغلبت على الكآبة التي توترت في أصابعها، في شرايينها، في حنجرتها. إنني محاسب، ـ قال العجوز. ـ عمل ممل ، أليس صحيحا؟ أمارسه منذ أربعين عاما. شدّ ما أفرح عندما يكف أحد عن دفع ضريبة العقم. إذن لقد ولد طفل. ودائما أقدم له 100 غرام من المشروب. عندنا مهندس.اسمه تيموفي يغوريتش. يقول لي: كان يجب أن تكون شاعرا ! أي شاعر أنا !أما تيريان... كان العجوز يتحدث وأنا أنظر عبر النافذة في الظلام. كان جالسا في سريره،مدليا ساقيه، مستندا بظهره إلى الجدار.رأيت في زجاج النافذة خياله مختلطا بالشارع، بغرفتنا، بضوء النجوم...وفي النافذة نفسها رأيت فجأة كيف ضغط العجوز بيده على صدره وحاول أن يستلقي... فقفزت. قال لي شيئا لم أفهمه. وبسرعة أرقدته بأقصى ما أمكن من الحذر. قال لي بصوت متقطع: »أشكرك«. لم يتسنّ للمناوبة أن تتصل بالإسعاف. لم ينتظر العجوز الأطباء. لقد مات. كانت تلك ثالث جلطة تصيبه. ـ سأتصل هاتفيا بابنه، ـ قالت المناوبة. ـ ابنه؟ ابن من؟ ـ ابنه هو. ـ أ عنده ابن في المدينة؟ ـ نعم. غطت المناوبة العجوز بشرشف، ولكنني ظللت لا أستطيع النظر ناحيته. لم أصدق ما حدث. لم أشأ أن أصدق. كانت الأضواء ما تزال تنعكس في زجاج النافذة، أضواء الشوارع، غرفتنا، النجوم، ولكن وجه العجوز لم يكن موجودا. لم يكن ثمة إلا شرشف أبيض، ولا شيء آخر. لا أعرف كم مضى من الوقت. دخل إلى الغرفة رجال ونساء. يبدو أن أحدهم كان ابن العجوز،وأحدهم كان الكنة. خرجت إلى الممر، أشعلت سيجارة. اقتربت مني المناوبة. كانت ما بين الأربعين والخامسة والأربعين، يبدو عليها القلق الشديد. وهنا في الممر روت لي كل ما سمعه العجوز وما لم يقله بصوت عال،فدونته بين أقواس. لم ألتفت حتى عندما كانوا يحملون جثة العجوز على نقالة هابطين، وقالت المناوبة: ـ يا له من إنسان مسكين. ها هم يأخذونه... وفجأة تذكرت أن هذا العجوز الذي تلقى الإساءة من أقرب إنسان إليه،لم ينس أن يشكرني قبل دقائق من وفاته وأنا أخلع الشبشب من قدميه... تذكرت أيضا أنه خلال هذه الأيام لم يعرب مرة ولو بكلمة واحدة عن السخط على هذا العالم، على الناس. دخلت حجرتي. كان على الطاولة عشاء ولم يتسنّ لي وإياه أن نأكله. عدت في الصباح إلى يريفان. لم أتمكن من مشاهدة ابنه و لا كنته اللذين سيبكيان على قبره طبعا. ولم أتمكن أيضا من رؤية يرانوهي التي كانت ستذكرني مرة ثانية بقصة الذئب والإنسان، تلك القصة الأكثر كذبا بين جميع ما سمعت يوما من قصص. |
|||||||
|
|||||||