|
|||||||
|
خلال سنوات طفولتي، حين لم يكن هناك ما أتشبث به، كنت أتشبث بعالم خيالي. في الأمسيات التي كان صوت أبي ينبعث فيها عالياً، بلسان أثقله خمر »الروم«، ضارباً في الجدران المتقشرة لأي مكان اتفق أن نعيش فيه حينها، كنت أستلقي خلف أريكة او تحت فراش، وأغمض عيني، وأنزلق الى ذلك العالم الخيالي. في بعض الاحيان.. كان أخي يستلقي هناك أيضا، يلتصق بي بقوة ويمص إبهامه، رغم ان أمي كانت تقول له دائماً أنه قد كبُر على فعل ذلك. كانت فقرات ظهره البارزة تكاد تنغرز في صدري، وكنت أشعر بدقات قلبه تضرب في يدي التي أحتضنه بها، كحوافر حصان هارب... مثل قلبي تماماً. وبعد لحظات.. كنت لا أعود أستطيع التمييز بين دقات قلبينا. ربما ذلك ما جعله هو أيضا جزءاً من عالمي الخيالي. في تلك الأيام، كانت أسرتنا دائمة التنقل. ترحال محموم يأخذنا من غُرف مؤجرة.. إلى غرفٍ مؤجرّة أخرى.. أكثر حقارة، في كل مرة يفقد فيها أبي عملاً تلو آخر. لكنه كان ينجح دائما في العثور على عمل جديد،لأنه كان ميكانيكياً ماهراً. وربما كان تيقنه من عدم الفشل في الحصول على عمل جديد جزءا من مشكلته. ولكن كانت كل وظيفة أسوأ مما سبقتها، تهبط بنا درجة في حياتنا التي أصبحت كدوامة. لم نكن نتحدث عن الأمر. لم نكن أسرة تناقش الامور. ولكننا كنا نرى ذلك في وجه أمنا.. في الطريقة التي تتوقف بها عن الكلام فجأة، في منتصف الجملة. وتمد بصرها عبر النافذة، ناسيةً أنني وأخي ننتظر أن تنهي كلامها معنا. تعلّمنا نحن الصغار مهارات خاصة بنا، خلال انتقالنا بين المدن الصناعية الصغيرة، الحارة، في شمال الهند، والتي تحولت بعد فترة - في أعيينا- الى مدينة واحدة.. لها رائحة زيتية ثقيلة.. وغبار كثيف يحرق أنوفنا. تعلمنا كيف نصبح غير مرئيين تقريبا، حين كنا نجلس على المقاعد الخلفية في صفوفنا، نجهل الإجابات.. لأننا لم نتمكن من الحضور للمدرسة لعدة أيام، أو لأننا لم نكن - أصلاً- نمتلك كتباً مدرسية. أو حين كنا نجلس في ركنٍ قصي من مقصف المدرسة ساعة الغداء، لأننا لم نكن نرغب أن يرى الآخرون الخبز البيتي بلونه البنيّ.. الذي كانت أمي تلفه لنا في ورق قديم. كنا ننظر باشتهاء - نظرات جانبية، حتى لا يلحظنا أحد- إلى الملابس المدرسية المنشاة التي يرتديها بقية الاطفال؛ ننظر الى علب الغداء الخاصة بهم.. الملأى بشطائر مصنوعة من خبز تم شراؤه من محلات نظيفة، خبز يبهرك ببياضه الناصع. في كل مرة كان الأطفال يضحكون فيها.. كنا نجفل في خوف. كنت أشد تنورتي الى أسفل، لتغطي الكدمات التي تعلو فخذي.. أو كنا نتأكد من أن أكمام قميصنا لم ترتفع لتظهر الكدمات الأخرى المطبوعة على ذراعينا. هل كانوا يتكلمون عنا؟.. عن أمي.. وطلبها من بائع الخضروات أن نشتري منه »على النوتة«؟ عن أبي الذي احتاج من يسنده ويعيده الى المنزل، بعد أن أمضى وقتاً طويلاً في الحانة حين استلم راتبه آخر مرة؟ كم من الوقت سيحتاجون قبل أن يعرفوا بأمر الصراخ الذي ينبعث من منزلنا في بعض الأحيان؟ تعلّمنا أن نصفف شعرنا بحيث يخفي آثار الجروح الوردية من على جباهنا تحت خصلاته. تعلمنا أن نهرب بنظراتنا بعيداً، وكأننا لا نلحظ نظراتهم الفضولية. تعلمنا ألا نفكر في أمور لا فائدة منها.. ككتاب القصص الذي نسيناه في مكانٍ ما.. في تنقلاتنا الدائمة، أو ذلك الكلب الضالّ.. الأصفر اللون الذي اعتدنا على إطعامه، او شجرة المانجو التي أحببنا تسلقها، أو بعض الصداقات القليلة التي كوّناها.. قبل أن ندرك أنه من الافضل أن نظل بلا أصحاب... »ندرك«.. أتحدث عن أخي كأنني وإياه كائن واحد. هكذا كنا في تلك الايام.. كان أخي جزء مني.. كذراعي.. كساقي.. جزء لا غنى عنه، أحرص على حمايته بالفطرة، كما يحمي الواحد منا وجهه.. اتقاء صفعة. جزءا يخصك.. ولكنه لا يشغل تفكيرك. لم يخطر ببالي أبداً، حين كان يتبعني في صمت (لم يكن كثير الكلام).. انه ربما كان له رأي آخر في حياتنا- تلك الحياة المعقدة.. المشوهة.. ككسرٍ تم تجبيره بطريقة خاطئة- والتي تقبلتها لأنها كانت الحياة الوحيدة التي أعرفها. ربما كان ذلك خطئي الاول. في العام الذي كنت فيه في الحادية عشرة، وكان أخي في الثامنة، انتهى بنا المطاف في »دوليجاره« بلدة تابعة لآسام تقوم على انتاج النفط. بلدة مترهلة.. عديمة الملامح، كصندوق من الورق المقوى.. ترك طويلا في العراء.. تحت المطر. ببلدة تكتظ بالحانات، التي سيكتشفها أبي سريعاً. بلدة من الصعب أن تعثر فيها على محل يقبل البيع »على النوتة«. بلدة قابلنا سكانها منذ اول لحظة بوجوهٍ مكفهرة. لهم كل الحق. كنا أبعد ما نكون عن الأسرة المثالية التي تظهرها الملصقات الكبيرة المتناثرة في كل ركن من البلدة، في إطار الحملة الضخمة لتنظيم الأسرة. أحد تلك الملصقات كان معلقاً على الجدار الخلفي لمدرستنا. أتذكره جيداً، لأنني أمضيت فترات طويلة، ظهيرة كل يوم، أرفع رأسي لأتمعن في الصورة جيداً.. الى أن أشعر بألم في رقبتي. كان عالمي الخيالي يتمحور حول ذلك الملصق تحديداً، في تلك الايام الحارة.. ذات العرق الغزير. عالم خيالي يقودني الى أخطائي الأخرى. يظهر الملصق زوجين شابين يمسك أحدهما بيد الآخر. يبتسمان لبعضهما. تتشابك نظراتهما. ولد وبنت يجريان حولهما. الرجل يحمل حقيبة أوراق جلدية لامعة. المرأة تتحلى بسلسلة ذهبية ترسل بريقاً لامعاً تحت أشعة الشمس. طرف الساري الوردي الذي ترتديه يتطاير حولها. الطفلان يرتديان أحذية جلدية ماركة »باتا«، ذلك النوع الذي أراه في سوق »لال بهادور ماركت«، أحذية لامعة.. كسطح مرآة، كأنما تم تلميعها بلعابهم. »إحنا اثنين.. أولادنا اثنين« هكذا كتب على الملصق. كأنما هي تعويذة للحياة السعيدة.. »إحنا اثنين اولادنا اثنين«. أين اذن يكمن خطأ والديّ؟.. في بعض الأحيان، كنت أظل واقفة أنظر الى الصورة.. الى أن يتغيّر لون السماء، ويصبح مصفراً، معلناً قرب انتهاء فترة الظهيرة، ويأتي أخي ليجرني من ذراعي في غضب : »لنذهب يا أختي. انا جائع. لماذا تضيعين الوقت في البحلقة في تلك الصورة السخيفة؟«. كان يريد أن يذهب ليسقط الثمار الناضجة من أشجار الجوافة المزروعة في البستان المطل على الشارع. وحين كنت أعترض، كان يدفع بذقنه الى الإمام ويقول: »يجب ألا يزرع الناس أشجارهم على الطريق العام، اذا كانوا لا يريدون أن يقطف أحد ثمارها«. كانت الحافلة تفوتنا أحياناً، بسبب تحديقي في ذلك الملصق. وحينها.. كنا نضطر الى العودة للمنزل سيراً على الاقدام، بخطى متثاقلة، في ذلك الجو الحار، وقد التصقت ملابسنا بأجسادنا، وبدا كما لو أن الكتب تزداد ثقلاً مع كل خطوة نخطوها عبر أطراف البلدة. حين كنا نمرّ في سيرنا بالسوق، كنت أحس بأعين الباعة تلاحقنا بنظرات عدائية. فتاة طويلة.. نحيلة، بضفيرتين مشدودتين في إحكام، وصبي تغطيه بقع الفاكهة، تنتأ عظام رسغيه من كميّ قميصه الصغير.. الذي ضاق عليه، يمشي مسرعا في نفاد صبر، سابقاً أخته. هل كانوا يربطون بيننا وأبوينا؟.. بيننا وتلك المرأة التي تأتي الى السوق في آخر النهار، تطوف بين أكوام السمك الموشك على الفساد ، وحبات الفاصوليا الذابلة، بوجهها الجميل الذي استحال الى وردة بيضاء جافة؟ بيننا وذلك الرجل الذي يمشي بطريقة عدائية.. كملاكمٍ يدرك أن سر بقائه هو ألا يمنح ثقته لأحد؟ هل كانوا يعقدون مقارنة بيننا وتلك الاسرة في الملصق؟ كان بيتنا في »آسام« منزلاً من طابق واحد، بُني على الطراز الانجليزي، أحببناه جداً نحن الصغار. كان أول منزل »حقيقي« نعيش فيه. مبنى مستطيل.. بُني خارج البلدة.. لسببٍ مجهول. كان بعيداً جداً عن كل شيء (كان أبي يستغرق ساعة كاملة حتى يصل بدراجته الهوائية الى المصنع، حيث يقوم باختبار آلات الحفر)، ولكن الإيجار كان رخيصاً، ولم يكن حولنا أي جيران يتلصصون علينا. وإذا كانت أمي تشعر بالوحشة عند غيابنا عنها طوال النهار، فإنها لم تشتك أبداً. ربما كانت ممتنة لتوافر بعض الوقت الذي يمكنها من الانفراد بنفسها. ولم تكن تشتكي إلا فيما ندر، من أن المنزل آخذ في الانهيار علينا. شيئا فشيئا. والحقيقة انه كان كذلك فعلاً، فقد كانت رقائق الجير المتساقط تغطي كل شيء. ولم تكن النوافذ تغلق جيداً، ولذلك كانت الحشرات تهجم علينا بقرصاتها اللاذعة.. المحرقة. كما كان السقف مليئاً بثقوب تتسرّب منه المياه، عندما تمطر السماء، وكثيراً ما كانت تفعل. وعندها، كنا نضطر الى السير بحذر حول الدلاء الموزعة في أرجاء المنزل. ولكن، كنا نحن الاطفال نعتقد أنه منزل مثالي.. الرواق الخشبي حيث نلعب بكريّات البلور الصغيرة، حوض الاستحمام بقوائمه الشبيهة بالمخالب.. الذي كانت أمي تصبّ فيه الماء الساخن عند استحمامنا؛ النوافذ.. وقضبانها التي تشبه الرماح، والتي كانت تمنحنا الشعور بأننا نعيش في قلعة من القرون الوسطى. وأكثر ما أحببناه في ذلك المنزل هو الجزء الخاص بالخدم. كوخ صغير.. بعيد، يقع بين أشجار الخيزران المزروعة خلف البيت. كنت وأخي أول من اكتشف هذا الكوخ. حين أخبرنا أمنا عنه، أطلقت ضحكة مريرة غير معتادة، قالت وقد مالت زاويتا فمها الى الأسفل: »جناح للخدم؟.. في بيتنا نحن؟.. يا لها من نكتة!!«. وظلت تلحّ على أبي أن يحاول تأجيره لأي حارسٍ من حراس المصنع. ولكن ذلك لم يحدث. ربما كنا بعيدين جداً عن المصنع. وربما لم يهتم أبي أصلا بسؤال الحراس، لأن ذلك لم يكن من طبعه. أما أخي.. فكان يظن أن الكوخ لن يؤجر لأننا صلينا بحرارة من أجل أن يظلّ خاليا. كان الكوخ يميل الى الظلمة والبرودة، حتى في فترات الظهيرة القاسية في »آسام«، لأنه كان يقع تحت ظلال شجرة ضخمة.. لم أر مثلها أبداً، ذات أوراق كبيرة مستديرة، تبدو كأكفٍ مفتوحة. كانت بيوت العنكبوت تتدلى من السقف، كأنما تحمي المكان من المتسللين ، اكتشفنا باباً سرياً في أرضية الغرفة الداخلية، يتماهى مع ألواح الخشب المتجاورة، تحته مساحة ضيقة تملأها القاذورات. بدا لنا كسجنٍ خيالي، أو كهف سري. لم نخبر أحداً عنه، ولم نستخدمه أبداً. قمنا بتنظيف السرير المصنوع من الحبال، ونفضنا عنه الغبار والاتربة، ثم جررناه ليغطي الباب السري. قمنا بتهريب ملاءة قديمة من المنزل، وفرشناها عليه. كنا نستلقي عليه، بعد عودتنا من المدرسة، في الغرفة شبه المظلمة، وكنت أقص على أخي العديد من الحكايات. هناك.. أخبرت أخي عن عالمي الخيالي. كنت قد احتفظت به في داخلي لفترة طويلة، مدركةً- بالغريزة- أن الأمر ليس للمشاركة؛ إلا أن شيئاً ما في ذلك الكوخ كان يمنحني الإحساس بأنني خفيفة جداً، لا وزن لي، ولا يمكن لاحد أن يمسك بي، كأنني ذرة غبار تتطاير بكسل في شعاع ضوء. وكان هذا الاحساس يتزايد حين كنت أستلقي على السرير وأنظر للأعلى.. كانت اوراق الشجرة تبدو كأيد ممسكة ببعضها، تصنع ظلالاً تحجب عني الجزء الآخر من حياتي. كنت أعتقد أن أخي البراجماتي سيسخر من عالمي الخيالي، ولكن حين قصصت عليه حكايا وأحداث هذا العالم، ارتبط به بشدة.. وأصبحت أجواء هذا العالم هي القصة التي أحكيها له يومياً، قبل رجوعنا الى البيت لمساعدة أمي في الأعمال المنزلية. وهذا هو عالمي الخاصّ: ينتقل أبواي الى مسكن جديد، مرة أخرى، يركبان عربة قديمة محملة بالصناديق والامتعة. ولكننا لسنا معهما. لأنهما نسيانا. نقف خلف أشجار الخيزران، نتابع العربة وهي تبتعد وتتضاءل.. وتختفي. نخرج من بين الاشجار بحذر. نعم.. لقد رحلا فعلاً. نقف مذهولين للحظة. ثم نمسك ببعضنا.. وندور.. وندور.. حتى يتحول العالم الى دوّامة كبيرة من النشوة. لا يخلو عالمي الخيالي من المشاكل. أهمها على الاطلاق: أمي. قبل أن تركب العربة مباشرة، تتلفت حولها في شكّ، كما تفعل الحيوانات حين تتشمم شيئاً في الهواء (لا أقول هذا الجزء لأخي، ولكنني أعرف انه هو أيضاً يراه). أودّ أن أضمها الى عالمي. أن اجعلها ترى ومضة بيضاء- هي قميص أخي- عبر أشجار الخيزران. سيجتاز الأشجار لتكتشف ماهية الشيء الذي رأته، ولن تعود لأبي أبداً. ولكني، في الحقيقة، أعلم جيداً أن ذلك مستحيل الحدوث. حياتهما متشابكة بطريقة أعقد من أن أتمكن من تخليصها منها، ولذلك.. أتركها ترحل وقد غلبني الحزن. نعيش في جناح الخدم. تتحوّل أشجار الخيزران الى اشجار شديدة الكثافة، لدرجةً ينسى معها الناس ان هناك كوخا خلفها. أتولى أنا الطبخ والتنظيف، وأقوم بتعليم أخي كل ما سبق وتعلمته في المدرسة. بينما يقوم هو باصطياد الاسماك من الجدول الذي يقع خلف الكوخ. أسماك كثيرة جداً. نبيع بعضها في السوق، ونشتري بثمنها أرزاً وملحاً وأحذية. يبدأ شكلنا في التحول. نصبح قريبي الشبه من أطفال ملصقات تنظيم الاسرة. حين أصل الى هذه النقطة، يتساءل أخي: »هل تعتقدين أنني سأتمكن من اصطياد كل تلك الكمية؟.. كان يشك في قدرته على الصيد بالصنارة أجيبه مؤكدة: بالطبع. في عالمنا الخيالي.. لا يجرّنا أحد على الممرات الحجرية المتشققة، التي تخدش أحجارها ظهورنا. في المرآب المظلم.. لا يشعل احد أعواد الثقاب ويقربها من وجوهنا، الى أن نحسّ بحرارتها تلسع اجفاننا. في عالمنا الخيالي.. كلمات كثيرة لا وجود لها: خوف.. عظام مكسورة.. غضب.. قاتل.. أب. نواصل الحياة بهذه الطريقة. »ماذا عن حياتنا حين نكبر؟..« يسألني أخي. أجيب: »لن نكبر«. ولكنه غير راضٍ. ولذلك أفكر في نهاية لهذه الحكاية. - في أحد الشتاءات، يتساقط الثلج بغزارة. الكثير جداً من الثلج. - ثلج؟!.. يتساءل أخي. لم ير الثلج من قبل. ولا أنا. ولكني رأيت صوراً في كتاب الجغرافيا لقمم جبال الهملايا وقد علتها الثلوج. أشرح له الأمر. في أحد الشتاءات، يتساقط الثلج بغزارة. الكثير جداً من الثلج. يدخل الثلج من النوافذ والأبواب. يتساقط على السرير حيث ينام الأخ والأخت جنباً الى جنب. - هكذا؟.. يتساءل أخي وهو يضع يده في يدي، ويريح رأسه على كتفي. آثار جرح قديم، لا أذكر سببه، تنحدر على خده. - نعم.. أجيب أخي. الثلج يكوّن غطاء سميكاً على الأخ والأخت. لا يشعران بأي ألم. لا يستيقظان أبداً. ينامان هكذا الى الأبد. يردّد أخي وقد سرح بخياله: »ينامان الى الأبد..«. أصطحبه الى المنزل، وقد اشتدت رطوبة الظهيرة. بدأت بعض الأشياء تختفي من المنزل. في البدء.. كانت أطعمة فقط. أشياء قليلة ما كانت أمي لتلحظها، لولا أن النقود كانت شحيحة: علبة صغيرة من البسكويت، ونصف كيس من السكر. ثم بدأت الملابس تختفي أيضاً: قميص قديم لأخي، قميصي الأخضر الطويل ذو الياقة المهترئة، بطانية قديمة أكل العثّ أغلبها وملأها بالثقوب.. كانت أمي تنوي التخلص منها فور أن نتمكن من شراء أخرى جديدة. - هل أخذتها لتلعبي بها؟.. بادرتني أمي بالسؤال عند دخولي المطبخ لتناول وجبة خفيفة، عقب عودتي من المدرسة. - لا ، لم أفعل.. أجبتها وأنا أشعر بالسعادة، لأنني لم اضطر الى الكذب هذه المرّة. كنت أشعر بالقلق من أن تمطرني بالمزيد من الأسئلة، التي لن أتمكن من تجنبها. ولكنها اكتفت بهزّ رأسها وهي مستغرقة في التفكير، وواصلت عجن الخبز، ثم أضافت بعد برهة: »لا يمكنني تفسير الأمر. ليس عندنا خادمة يمكن ان تسرقنا. والآن كمية الأرز آخذة في التناقص أيضاً..«. حين أسرّت أمي بالأمر الى الخالة »لاكشمي« بائعة البهارات في السوق، صبيحة اليوم التالي، قالت المرأة العجوز: »انها الأرواح. هذا كل ما في الموضوع. أرواح. يقول الناس أن البيت كان يقطنه سيد غني. مهرّب.. كما يقولون. نهايته كانت بشعة. انتحر بتعليق نفسه من سقف حجرة الجلوس. هاكِ خذي حبّات الخردل هذه. احرقيها في آنية حديدية وأنتِ تردّدين اسم الإله »رام«. هذا سيجعل الأرواح الشريرة تفرّ من المنزل«. ظهيرة اليوم التالي، حين عدنا من المدرسة، كانت أمي على وشك تنفيذ تعليمات الخالة »لاكشمي«. ساعدناها في طرد الأرواح الشريرة، رحنا نردّد اسم »رام« ونحن نعطس من الروائح النفاذة المنبعثة من حبات الخردل التي راحت تطقطق في الآنية. لم نخبر أبي شيئا عن الموضوع. لفترة من الوقت.. لم تختف أشياء من المنزل. وحين عاودت الأشياء الاختفاء، لم يشغل ذلك بال أمي كثيراً، فقد كان عليها مواجهة مصاعب أكبر من ذلك بكثير. كان ابي قد بدأ في معاداة رئيس العمّال. لم يكن الأمر غير متوقع. في كل مكانٍ عمل به، كان ينجح في إيجاد شخص يناصبه العداء. شخص - يعتقد هو- انه يحاول إجباره على الوقوع في الخطأ. (تساءل أخي مرّة: »لماذا يصر دائماً على الشجار مع الآخرين؟«. تنهدت أمي وقالت: »انه روح حرة. لا يمكن أن يتقبل أبدا أن يتلقى الأوامر من أحد«..). كان الأمر لا يستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تتحوّل ملاحظة بسيطة ممن حوله الى شجارٍ عنيف ولكمات، وربما أسوأ من ذلك ايضاً. في البلدة الأخيرة، استخدم أبي زجاجة مكسورة في إحداث جرح غائر في ذراع ملاحظ العمّال. وقامت الشرطة بسجنه عدة أيام. وبعد كل مشاجرة، يتوجب علينا أن نجمع أغراضنا، ونراجع مواعيد القطارات، وتقرر ما الذي لن نتمكن من حمله معنا هذه المرة. تناول أبي عشاءه وهو متجهم، وكان يلعن رئيس العمال بصوت منخفض، دون أن يلحظ أيّ نوع من الأطعمة وضعته أميّ أمامه. كان يقبض عنق زجاجة خمر بإحكام، ويرفعها الى فمه عالياً. راحت أمي تمسح ذراعه بكفها. كانت هذه الحركة كفيلة بتهدئته في بعض الأحيان. من مكاننا على المنضدة التي نحلّ عليها واجباتنا المدرسية، أمكننا أن نرى عضلات ظهرها، عبر ثوبها الرقيق، وقد نفرت في توتر. كانت تهمس له: »حاول فقط أن تتجنبه. أرجوك. لماذا لا تطلب نقلك الى مناوبة عمل أخرى؟.. فكر بالأطفال.. لقد بدأوا أخيراً في الاستقرار، وفي متابعة ما فاتهم من دروس. الزمن أصبح سيئاً للغاية. ماذا لو لم تجد وظيفة أخرى؟.. بالإضافة الى أنك لم تعد شاباً..«. في بعض الليالي.. كان يكتفي بهزّ رأسه، ويقول: »أنت على حق يا أمي .. ذلك القوّاد لا يستحق حتى أن أبصق عليه«. في أحيانٍ أخرى، كان يدفع يدها جانباً بقوة ويصرخ: »اتركيني يا ستي.. لا تتدخلي فيما لا تفهمين«.. ولكن.. كانت هناك تلك الليالي الاخرى أيضا، حين يصيح: »يا عاهرة...«، وكنا نذوب من الخوف، »... ها أنا اقتل نفسي لأطعمكم كلكم، وكل ما تفعلينه هو مضايقتي بكلامك الفارغ..«، صوت صفعة.. أوعية يعلو رنين سقوطها على الأرض.. ينسكب ما بداخلها من عدسٍ كان قد أعدّ لغداء اليوم التالي.. أنين مكتوم. كنا نعلم ذلك الإحساس. الكف الممدود الذي يهوي على جانب الرأس بصفعة، وللحظة.. تحيل كل شيء الى اللون الاسود. الركلة التي تتلقاها على أضلعك، والتي تتركك منقبضاً من الألم. كنا نعرف كل ما يتعلق بالألم.. كيف يرتفع كمياهٍ خلف سدّ، سرعان ما ينهار عليك وتغرقك مياهه. أمسكت بيد أخي. خائفين حتى من البكاء. نشعر بالكراهية تجاه أنفسنا، لأننا لم نحاول أن نمنعه من ضربها. حبسنا أنفاسنا، وانطلقنا داخل عالمنا السحري الخاصّ، العالم الذي لم نتكلم عنه قط، العالم الذي يكون فيه أبي ميتاً.. ميتاً.. ميتاً. لم أسأل أمي أبداً عن السبب الذي يجعلها لا تترك أبي. رغم أنني كثيراً ما سألت نفسي عن ذلك. لماذا لا تأخذنا وتهرب بنا الى قرية والديها؟. كانت تصف لنا قريتها أحياناً.. قريتها الهادئة ذات الأكواخ المتقاربة، التي تظللها جميعاً أفرع أشجار جوز الهند، بخضرتها التي تشبه حبات الزمرد. تلك الأفرع التي تملأها الطيور ذات الأصوات العذبة.. (لم أكن أعرف حينها أن أمي كانت قد هربت مع أبي لاتمام زواجهما، وبأنها- وفقاً للتقاليد- قد قضت بذلك على علاقتها بأهلها.. الى الأبد). هل كانت تخاف أن يكتشف أبي مكاننا بقدرته الفائقة على البحث والتنقيب.. كالغول في الأساطير؟ كلا. كان هناك شيء آخر، شيء لا استطيع أن أصفه في كلمات. كان لذلك الشيء علاقة بكتفيّ أبي القويين. بعضلات ساعديه التي تتحرك جيئة وذهاباً، حين يحملنا الى الأعلى، كالثعابين. بالطريقة التي يشعرنا بها بالأمان.. حتى حين يلاعبنا يقذفنا في الهواء. بالطريقة التي يستطيع بها أن يجعلنا ننسى. ربّما كان لذلك علاقة بأشعة الشمس التي تنعكس على شعره الكثيف.. حالك السواد، أو لرائحة الأعشاب في شعره.. حين تغسله له أمي أيام الاجازات. كانت تنتابه حالات غناء.. أحيانا (قالت أمي بأنه كان يأخذ دروساً في الغناء). كان صوته يرتفع بثقة وهو يردد: »محبوبة.. محبوبة.. أغلى الحبايب«.. الى أن يصل الى مقاطع لا يتذكرها من الأغنية، حينها.. كان يرمي بنفسه أمام قدميّ أمي كأبطال الأفلام الهندية، فارداّ ذراعيه، الى أن تجلجل ضحكاتها في المكان. في أحيان أخرى.. كان يعود الى المنزل حاملاً لفة مربوطة بشريط احمر، من ذلك النوع المستخدم في محلات »الساري«. كان يضمها إليه، ثم يلقي باللفة بين يديها. وحين تبدأ أصابعها المترددة في حلّ الشريط، وقد احمر وجهها بشدة (كانت أمي بيضاء بطريقة غير مألوفة، وكانت بشرتها تمتلئ بالكدمات.. بسهولة فائقة)، كان يفاجئها بقبلة على رأسها، أو يداعب أطراف جديلتها الطويلة. استيقظت مرّة في وقت متأخر من الليل، وذهبت الى المطبخ لأشرب، وجدتهما يجلسان الى الطاولة؛ ربما كانت احدى المرات التي كان التيار الكهربائي مقطوعاً فيها عن منزلنا لأننا لم نتمكن من دفع الفواتير، فقد كان قنديل الكيروسين يتوسط الطاولة. كان أبي يتكلم بصوت خفيض.. مختنق: »شانتي.. كل ما استطعت تقديمه لك هو التعاسة. أتمنى أحياناً لو اننا لم نتقابل أبداً، أو لو أموت«. بدا ظلّه المنعكس على الجدار.. ضخماً.. حزيناً، الى جانب ظلها الصغير، كما لو انهما قد خرجا للتو من كتاب »الجميلة والوحش«. وضعت أمي يدها على فمه، وتكلمت هي أيضا بصوت مختنق: »اسكت يا سوابان«. (كانت تلك هي المرة الاولى التي أسمعها فيها تناديه باسمه). »لا تقل ذلك. كيف أستطيع العيش دونك؟«. حاولت أن ابتعد بهدوء، ولكن أبي رآني. حبست أنفاسي في خوف. سيغضب بشدة. لقد أفسدت الأمر. ولكنه مدّ ذراعه تجاهي. وحين اقتربت.. أجلسني على رجليه، وراح يمسد شعري. كانت حركة يده غير مألوفة وغريبة، واشتبكت تشققات أصابعه في خصلات شعري، ولكني لم ارغب أن يتوقف. أسندت أمي رأسها الى كتفه. بدا وجه أمي جميلاً ومنبسطاً في الضوء المرتعش. كانت عيناها مغمضتين بقوة.. كأنما كانت تصلي. رحت استنشق رائحتها. كانت مزيجاً من تبغ »تين باتي«، وصابون »نيم« برائحته الحلوة، الذي تستخدمه أمي. في تلك الليلة تعلّمت شيئاً عن الحبّ.. عن مدى تعقيده.. عن احتياجه الى الإيمان والتصديق. ٭ ٭ ٭ عدنا من المدرسة، لنجد الصندوق الأسود الكبير في حجرتنا. كان غطاؤه مفتوحاً، وقد وضعت أمي بداخله بعض ملابسنا. كانت قطع الملابس تتكوّم في قاع الصندوق. حين نظرتُ إليها.. شعرت برغبة ملحة في البكاء. ذهبنا الى أمي، التي كانت في المطبخ تفرغ الرفّ المعدني من محتوياته من التوابل. قالت: »سنرحل بعد غد«. لم تقدّم لنا أي تفسيرات. ولم نسألها نحن بدورنا. كان وجهها قد امتلأ بالتجاعيد فجأة، وبخاصة حول عينيها وفمها، وكأن أحداً قد أزال بشرة وجهها، ثم قام بتجعيدها قبل أن يعيدها الى مكانها بإهمال. عدنا الى حجرتنا، وقمت بإفراغ الصندوق من محتوياته، لأقوم بترتيبه بالشكل الصحيح: الاحذية والكتب في الأسفل، وفوقها الملابس المطوية في مربعات متماثلة، كما تعلمت في كل مرة ننتقل فيها لمكان جديد. قلت لأخي: تعال وساعدني. ولكنه ظل مستلقياً على المرتبة الخاصة به، محملقاً في شقوق السقف، الى أن حلّ الظلام، وبدأت الحشرات في إطلاق أصواتها الرتيبة. لم ينطق سوى مرة واحدة، عندما حاولت أن أضع ثيابه في الصندوق. قال بحدة، كما لو كان شخصاً كبيراً: »دعي أشيائي ولا تلمسيها«. حين استيقظت في الصباح، كان قد اختفى. صاح أبي للمرة الألف: »أين هو؟«.. اندفع الرذاذ من فمه ليغطي خدي.. جفلت، رغم محاولتي ألا أفعل. قالت أمي بصوت حادّ ومرتفع على غير العادة: »اترك البنت المسكينة في حالها«. كان شعرها مشعثاً، يحيط بوجهها في وحشية، وكان الساري الذي ترتديه مبقعاً بالطين، جراء بحثها عن أخي خلف المنزل، حيث كانت تنادي اسمه. كانت هناك نظرة متوحشة في عينيها، صرخت في وجهه: »طول النهار وهي تقول لك انها لا تعرف. لم لا تركب دراجتك وتذهب الى محطة الباص في السوق وتسأل إذا كان أحد قد رآه أم لا؟..«. احتبست أنفاسي، ووقفت مكاني في ذهول. ولكن ربّما كان أبي قد ذهل مثلي أو أكثر.. اذ ركب دراجته وغادر المكان. كانت الشمس قد بدأت في الغروب، وبدا ظل أبي كخيال أسود يتحرك يمنة ويسرة على دراجته. بمجرد التفاف أبي على زاوية الشارع، انهارت أمي وسقطت على أرضية المطبخ. فعلت ذلك على مراحل، وكأن أكثر من زنبرك كان يتكسر بداخلها.. الواحد تلو الآخر. تكوّمت أمي على أرض المطبخ، وقد أحاطتها أواني الألمنيوم الرخيصة والصحون ذات الحواف المكسورة.. التي تلخص محور حياتها. وضعت وجهها بين يديها، وانخرطت في البكاء. كان صوت بكائها شبيهاً بتمزق قطعة قماش. لم تبك بتلك الطريقة أبداً، حتى حين كسر ذراعها وذهبت الى العيادة لتجبير الكسر. اقتربت منها وأحطتها بذراعي. أحسست بأن صدري- بدوره- يتمزق. كدت اخبرها في تلك اللحظة. نظرت إليّ فجأة، كأنما أحست بأفكاري، وتوقفت عن البكاء. قالت: »أنت تعرفين أين هو. أليس كذلك؟«. أمسكتني من مرفقي: »أرجوك- اخبريني.. أرجوك«. كان صوتها متحشرجاً، وتتحدث بصعوبة فائقة: »أعدك.. لن أدع أباك يؤذيه أبدا«. لم أشأ أن أتسبب في إيلامها أكثر من ذلك، ولكني لم أستطع أن أمنع نفسي من القول: »ولكنك لم تمنعي عنه الأذى من قبل. ما الفرق هذه المرّة؟«. طافت سحابة على وجه أمي.. هل كانت أسى؟.. أم احساساً بالخزي؟ أخذت نفساً طويلاّ وعميقاً، كأنما تستعد للغوص تحت الماء، ثم احاطت وجهي بكفيّها. كانت أظافرها مكسورة وقذرة، ولكن أصابعها الطويلة كان لها ملمس بارد على وجهي. قالت بهدوء: »سأحمي صغيري. اقسم بقبر أمي أنني سأحميه«. حينئذٍ.. صدّقتها. رغم أنها لم تجب على سؤالي. ربما لأنها لم تكن من النوع الذي يعد بسهولة. ربّما لأن وجهها كان يماثل وجه أخي، بحاجبيها المستقيمين، والشامات المتناثرة على خديها. أكثر وجه أحببته.. بعد وجه أخي. أو ربما لأنني مع اقتراب الليل حالك السواد، كنت قد بدأت أقتنع بأن العوالم الخيالية ليس لها مكان في الواقع.. بتاتاً. كان حيث اعتقدت. متكوماً في الركن القصيّ من الكوخ، حيث بحث والدايّ بطريقة سريعة وسطحية.. (ما كانا يتوقعان انه سيختار مكاناً شديد القرب من المنزل كالكوخ.. ليختبئ فيه). حين أزحت السرير، طالعتني عيناه اللامعتان، اللتان تساقط عليهما ضوء المصباح الذي كانت أمي تحمله. كان فمه محاطاً بفتات البسكويت الذي كان يأكله قبل دخولنا. وكان يغطي كتفيه بالبطانية القديمة التي هربها منذ فترة بعيدة، حين صدّق عالمنا الخيالي. انحنيت تجاهه لأساعده على القيام، ولكنه انكمش مبتعداً عن يدي، وقد أثقلت الكراهية ملامح وجهه. قامت أمي بحمل أخي طوال الطريق المؤدي الى المنزل، رغم انه كان أثقل من أن تحمله. كانت تضمّه الى صدرها، كما لو كان رضيعاً. طلبت منيّ أن اسير أمامها وأحمل لها المصباح، ولذلك لم أتمكن من سماع حديثها الهامس له، ولكن كان لحديثها مفعول السحر، إذ استكان في حضنها وتوقف عن مقاومتها، بل وبادلها ابتسامة صغيرة حين أعدّت له صحناً من الأرز المهروس مع الموز والحليب الساخن والسكر، والذي كان طعامه المفضل حين كان صغيراً. كنا قد بدأنا للتو في تناول الأرز .. حين سمعنا صوت أبي. كان يصعد الدرجات القليلة في واجهة المنزل، ببطء، مصدراً ضجيجاً عالياً. وبدا انه اصطدم بالجدار أثناء صعوده. تجمدت وأخي في مكاننا على الطاولة، وقد علقت أيدينا في الهواء.. بما فيها من طعام.. دون أن تصل الى أفواهنا. كانت أمي واقفة تقطع الموز الى شرائح. دخل أبي المطبخ. ركل الباب ركلة قوية، فاصطدم بالجدار محدثا صوتا عاليا. سقط ظله الضخم على الطاولة.. بيني وأخي. كان يصيح بصوت مرتفع جداً، وترددت أصوات كلماته في أذني بقوة، للدرجة التي أحسست معها انهما ستنفجران. أتذكر بقية الأحداث بشكل مبهم.. مجرد مشاهد باللونين الأبيض والأسود، تلحّ عليّ- حتى الآن- دون انذار.. أجدها أمامي.. تجبرني على ترك ما أفعل والالتفات إليها.. »سأقتلك اليوم يا وسخ«.. قرقعة ابزيم حزام يفتح، أخي يجري باتجاه أمي. لابد أنها خبأته خلفها، لأنني لا أراه. أرى يديها.. الأصابع المتشنجة وهي تدفع أبي في صدره. فمها مفتوح.. تصرخ. إنها على الأرض. الحزام يتحرك ببطء.. يصنع قوساً في الهواء.. يتحوّل الى كوبرا تتراقص.. تهاجم. الابزيم الحديدي يضرب أخي على خده، تحت عينه اليسرى مباشرة، مزيلاً قطعة من لحم وجهه. يتفجر الدم. خيط رفيع من الدم يظل يسيل.. ويسيل. »أمي.. لقد وعدتني.. لقد وعدتني.. لقد...« تدفعني لأبتعد عن طريقها. تستند الى حافة الطاولة محاولة الوقوف. تلتف أصابعها على السكين. ويبدأ الصوت في الصراخ ثانية. استمع اليه.. لا أستطيع أن أسيطر عليه أو أمنعه. أكتشف انه صوتي. يلتفت أبي. إبزيم الحزام يشتبك في رسغ أمي. صوت كسر.. كأنما عصا كسرت. أسمع صوت السكين وهي تسقط على الأرض. كل صوتٍ معدني وحدة واحدة.. واضحة.. مختلفة. صوت غريب ينبعث فجأة.. نصف صهيل.. ونصف لهاث.. لابد أنهما على الأرض.. يتصارعان من أجل الاستحواذ على السكين. ولكنيّ لا أستطيع أن أؤكد ما حدث فعلاً هناك، لأنني استدرت ورحت أتابع أخي،الذي راح يركض.. يركض خارجاً من الباب.. يركض متخطياً واجهة المنزل.. ثم أشجار الخيزران. الظلام يخفيه بداخله.. يخفي الذراعين والركبتين ومؤخرة الرأس. وحده قميصه الأبيض الذي يلمع تحت ضوء القمر، كالثلج الذي تخيلناه سوياً. يختفي اللمعان حين يركض في الظلّ، ثم يظهر مرة أخرى حين يبتعد أكثر. الليلة مليئة بحشرات »سراج الليل«.. قطع حادة.. مضيئة.. تومض فجأة.. ثم تختفي ببطء.. ربما كان الاختفاء هو الخيار الأفضل.. إذا لم يقم من حولك بنسيانك. هل كنت أبكي من السعادة لأنه نجح في الهروب، ولو بشكل مؤقت؟.. أم كنت أبكي ندماً لأنني كنت صاحبة تلك الصرخة الحادة (خطئي الأخير) التي انطلقت من فمي كسهم مغطى بالدماء).. أم لأنني كنت أعلم أنني لم أستطيع مشاركته الهروب؟.. وأنني سأضطر بعد لحظة (كوني ابنة أمي التي تحكمها مشاعر الولاء المتذبذبة التي أورثتني إياها) الى الإلتفات الى القابع على أرضية المطبخ- أيّاً كان منهما- غارقاً في دمائه ومحاولاته اليائسة للتنفس.. محاولاً الوقوف؟ كل ما أعرفه هو انني سأظل أتذكر أخي على الصورة التالية: وميض أبيض يتحرك يمنة وسرة (يذوب.. ويذوب).. بين أشجار الخيزران التي تهتزّ ثم تنغلق عليه عقب مروره منها، فيما كانت الحشرات المضيئة تحوم فوقه، بضوئها الضعيف المتقطع. ـــــــــــــــــــــــــ ٭٭ كاتبة هندية، ولدت في الهند، وتعيش في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الامريكية، حيث تقوم بتدريس مادة »الكتابة الابداعية« تكتب الشعر والقصة القصيرة الى جانب الرواية. صاحبة الرواية الشهيرة »سيدة التوابل« التي يجري الاعداد حاليا الى تحويلها الى فيلم سينمائي. فازت مجموعتها القصصية »زواج بالاتفاق« بعدة جوائز، من أعمالها »الشمعة السوداء«، »كرمة الرغبة«، »ملكة الأحلام« و»حياة الغرباء«. |
|||||||
|
|||||||