الحافة

 

سمير عبد الفتاح (قاص من اليمن)


في امتداد محاذ للمجرة أرخى نفسه .. أطفأ ما تبقى من أنفاسه وفتح عينيه على امتدادهما ليلم بتفاصيل المجرة التي غادرها قبل قليل.

أخذ يحاول - بنظره - إيجاد المساحة التي كان يشغلها.. نقاط بالغة الصغر كانت أقرب الإجابة إليه.

حرك يده في الفراغ الممتد بينه وبين المجرة في محاولته لرسم إشارة ما تعلن عنه.. لم يحاول تفسير عدم حدوث أي شيء بعد حركة يده، واكتفى بحركة أخرى تعني أنه ما زال ينتظر.

الخدر الذي بدأ بغمر الحيز الأكبر من عقله اجبره على إغلاق عينيه والاكتفاء بما يأتي عبر الأذنين من أصوات باهتة ليعرف أي تغيير قد يحصل حوله يشير إلى اقتراب الضوء الرماد.

فكر بأن يحاول زحزحة جسده بالكامل علّ تلك الحركة تحدث أثراً أكبر من الذي تحدثه يده.. لكن فكرة وجوده على حافة هاوية سحيقة جعلته ينسى محاولة الحركة حتى لا يسقط أبعد مما هو عليه.

حدث نفسه: »على المكان أن يكون قابلاً للتمدد، قابلاً للانحناء.. المكان المغلق أو المكان الذي لا ينثني مع ضغطك إياه يدفعك لمواجهته.. تصطدم به بقوة وتدخل معه في حالة عداء. «

تأمل النقش الغريب في القطعة المعدنية التي يحملها في يده ثم تابع : »المكان الجيد مكان يصلح ليزرع فيه ساكنوه أقدامهم.. لكن علينا أن ندفع ثمن الحصول على مكان جيد.. على الأقل لن يجدوني هنا.. سألتصق بالضوء الرمادي الذي سيحملني إلى مكان جيد.«

استدار ببطء.. افترض أنه ضحك عندما تساءل عن إمكانية زرعه نفسه في هذا الفراغ، ثم عاد لتأمل المجرة الحلزونية بانتظار مرور الضوء الرمادي :

»انتهت سيطرتهم علي.. لم أعد نصف صياد ونصف فريسة.. لقد ابتعدت كثيراً جداً عنهم.. لكن إلى أي مدى يستطيعون تقدير مكاني الآن ؟! ثم هذه الهاوية..؟ لا يهم هذا الآن.. أنا بعيد عنهم بما يكفي للارتخاء أخيرا.. فوران الدم.. الجلد المبلل بالعرق.. العينان البارزتان.. الرئتان اللاهثتان.. كل ما يوحي بالقلق والانفعال الشديد انتهى.. انتهى. «

الصمت والفراغ المظلم وإحساسه بحافة المكان أسفل منه دفعه لإعادة ترتيب نفسه والغوص في تفاصيل أيام سابقة.. وأخذ يستعيد حركته الدائبة من أجل الالتصاق بعالم آخر:

- أريد مكاناً جيدا.. مكاناً يصلح لأزرع قدمي فيه.

- عليك بالغوص داخل الضوء الرمادي.

- ضوء آخر !

- ليس أي ضوء.. إنه الضوء الرمادي.

- كيف أتعرف عليه.. كيف أصل إليه ؟!

يتراجع صاحب الصوت وهو يهم بالإجابة خطوة للوراء، ويمد يديه بحركة دائرية :

- قيل في فراغ مكان أن الضوء الرمادي تلاشى هنا.. قيل أيضاً في نهاية نقطة تلاشت أن للضوء الرمادي عدة درجات تأخذ العينين في متاهة، وقيل لشخص توارى في همجية معتادة أن الضوء الرمادي في أعلى درجاته كان أقل شحوباً من أدنى درجاته، قيل أيضاً في طيف يفترض تلاشيه أن الضوء الرمادي استمد من أحد العيون استدارة غير مكتملة فأصبح كقوس، ومع سؤال متلاش جاءت إجابة أن القوس لم يشبه أبداً قوس قزح، وفي جغرافية النسيان كتب أحدهم أن تضاريس الضوء الرمادي كتلة واحدة يظهر منها خمسة أطراف.. واللون يتدرج داخل درجات اللون الرمادي، وفي ورقة انمحت في أيام المطر كان فيها أن عدد خطوط عرض الضوء الرمادي 180 درجة وخطوط طوله 360 درجة، وثلثيه فراغ أزرق والثلث الباقي فراغ أبيض.

- ذاك هو عالم الضوء الأزرق ؟!

- إذاً أبحث لنفسك عن مكان هناك.

صوت خافت نقل أفكاره إلى نقطة أخرى.. صوت جاف شاحب كأنه لعرافة عجوز :

» الصعود يبدأ من نقطة في القاع... وهذا النقش يفتح باب الضوء الرمادي.«

أحس بصوته مرتعشاً :

- حتمية العثور هنا على تعويذة ما كبيرة.. بالنسبة لي تعويذة صغيرة تكفي.. تعويذة استخدمها لمرة واحدة.

ارتفع الصوت الشاحب مجدداً :

- لتتحرر من القاع يلزمك أن تنـتزع نفسك منه.. الصعود يبدأ من نقطة ما في القاع...

- أريد الصعود للأعلى.. ربما أستطيع الصعود عبر تعويذة سحرية.. قيل لي أن حتمية العثور هنا على تعويذة ما كبيرة...

- أنت في القاع.. و لتتحرر من القاع...

- بحثت عنكِ طويلا.. أبحث عن عرافة تستطيع منحي ما أريد.. وقيل لي أنكِ تساعدين الآخرين.. أريد مكاناً جديداً يصلح لزرع قدمي فيه.. أريد مكاناً قابلاً للتمدد.. أريد الصعود للأعلى...

شعاع صغير ارجواني أنبعث عن المجرة الحلزونية أعاده للتحديق في المجرة وهو يحدث نفسه :

» ربما كان يحمل شيئاً اعرفه أو...«

تراءى له جسد يقبع في المسافة الفاصلة بين الوعي واللاوعي.. جسد يشبهه، في أطرافه عشرة أصابع لليدين وعشرة للقدمين، ويمتد الجسد طولياً وأعلاه رأس نبت عليه الشعر.. رأس بعينين وأنف وفم وأذنين.

» هل أسقطه الضوء الأرجواني هنا ؟! «

مد يده ليلمس حواف الجسد.. فتكثف الجسد أكثر، وانتقلت عبر اللمس اشارات جديدة بتشابهه مع الجسد.. تشابه في حركة القدمين، إشارة اليدين، الصوت المنبعث من الفم، النظرات المرتخية التي تتسلل عبر العينين، ونفس كمية الزفير تنبعث من الأنف.

اقترب من الجسد أكثر ليتأكد من درجة التشابه.. نفس الفكرة تنبع من نفس المنطقة المعتمة في العقل، وتسلك نفس الطريق إلى المنطقة المضاءة.. نفس حركة تقليب الفكرة ونفس التردد قبل اتخاذ قرار.. نفس التردد أيضاً أثناء البدء في تنفيذ القرار.

فكر بالابتعاد عن الجسد حتى لا يفاجأ بأن ذاك الجسد له.. حاول أن ينـزاح باتجاه اللاوعي، لكن نقش على قطعة حديدية تبرز من يد الجسد جعلته يتوقف ويقرأ كلمات النقش :

» بافتراض العالم أكبر من مجرد رقم خافت «

صوت العرافة العجوز في ذاكرته تحول إلى الفحيح والخفوت :

» في المكان الذي تفضل الجلوس فيه.. في نفس المدى الذي تستبقي نظراتك عليه لفترة طويلة.. في نفس فكرتك.. مد يديك وضم قدميك في طريق تحولك إلى نسر...«

حاول مجدداً الإفلات من مدار الجسد.. هز جسده قليلا.. لكن تذكره للحافة أسفل منه دفعه للسكون.. تأمل الجسد مجدداً فتردد صوت يحمل نبرات لا مبالية :

- فقدت أربع أسنان بفعل السقوط.. لم يحدث شيء آخر.. أنت لست نسرا، لن تطير أبدا.

- أريد الابتعاد عن هنا.

- لماذا تريد الابتعاد ؟

- أشعر أن المكان يندفع إليّ ويخنقني.. يحاصرني من الجهات المألوفة.. يسد عليّ المنافذ.. يحيطني بهواء غريب، يسألني وهو يثنيني كقضيب حديدي عن ما أبقاني هنا. هذا المكان كئيب وزاويته تبعث على الصمت، تنسل بدون جدوى على الطرقات.. تتكاسل قدميك عدة مرات لأسباب مختلفة، منها أسباب كثيرة لا تعرفها.. وبدون سبب أيضاً تجد من يصرخ فيك بأن جسدك يتخدر بفعل استمرارك في فعل السواد.

تحولت نبرات الصوت إلى الحدة والقوة :

- لن تستطيع الابتعاد أبدا.. سنلاحقك حتى في العدم.

- لا أريد العيش كمرتزق.. تنبعث رائحتي في الأطراف.. في الأطراف البعيدة.. إحدى عيني لصياد والأخرى لفريسة.. عين تبحث عن فريسة وعين تهرب من صياد.. لا أريد العيش كنصف صياد ونصف فريسة.. أريد زراعة نفسي في مكان آمن.

- لن تجد مكاناً آمنا.

- أريد الابتعاد عن هنا.. أشعر أن الحياة توقفت.. كل ما حولي يفيض بالبرد والسكون. ما تجمعه حواسي عن المكان مملوء أيضاً بالبرد.. أستكين.. أرتخي.. أترك كل الأسئلة جانبا.. أقول لنفسي أن لا مجال اليوم لأي إجابة.. حتى الإجابات السرمدية تمكث بكسل بعيداً عني.. أفكاري التي كثيراً ما أزعجتني ومنحتني الدوار والضيق تلاشت.. لا فكرة تستبقيني هنا.. هاوية سحيقة أخرى في مكان ما تناديني.. هاوية تخبرني أنني سأهدأ فيها.. سأستكين.. سأتسرمد.

- بانتظام.. الخطوات بانتظام... فوران الدم.. الجلد المبلل بالعرق.. العينان البارزتان.. الرئتان اللاهثتان.. كل ما يوحي بالقوة والسرعة...

 - اتقادي سيحملني بعيدا.. اتقاد هائل سيزيل ما بي من ركام.. سأجري إلى آخر المكان.

- بانتظام.. الخطوات بانتظام.. فوران الدم.. الجلد المبلل بالعرق...

 ابتعد قليلاً عن الجسد عندما شعر أن ذاكرة الجسد تحاول احتواءه، لكن الجسد اقترب منه والتصق به:

»هذا الجسد لن يجد مكاناً يزرع نفسه فيه.. التصاقه يدل على قابليته للخضوع.«

حدق في المجرة وهو يفكر في حمل الجسد معه عندما يمر الضوء الرمادي :

»ربما أجد له مكاناً أزرعه فيه.. ربما كان نصفه صياد ونصفه الآخر فريسة، لكنه سيجد مكانا آمنا.. علينا فقط انتظار الضوء الرمادي. «

 افلت من يده القطعة المعدنية التي تحمل النقش وهو يحاول التشبث بالفراغ والضوء الأرجواني - الذي تشكل مجدداً حول الجسد - يغوص ويسحبهما معاً داخل الحافة.


تصميم الحاسب الشامل