|
|||||||
|
يحكي الحاج سعيد الملقب بـ »سعيد دعدع« عن حكاية غريبة حصلت في مطرح بجانب سور المثاعيب العظيم، الذي يسكن قمته الجن والعفاريت والشياطين. أنه فيما كان يمضي إلى المسجد لأداء فريضة الفجر، وكانت الدنيا شتاء مع بدايات شهر كانون الأول، وكانت الدنيا لا تزال تطرد ظلمتها لترحب بالشعاع القادم الذي سيدفئ الحارة، أنه لمح الشيخ »سليمان المعسري« وهو يتبول واقفا على جدار السور دون أن يلتفت لأحد أو يحس به. وحتى حين سلم عليه الحاج (دعدع) لم ينتبه أو حتى يبدي اهتماما. لكن سليمان ألقى على الحاج نظرة سريعة مخيفة. قال »كان الشرر ينفر من مقلتيه«. خاف الحاج وتسارعت خفقات قلبه وخشي مما رآه. ولأول مرة يؤدي فيها صلاته دون خشوع أو إنصات. كان كل فكره منصبا على ما كان يفعله سليمان. كيف حصل ذلك؟ كيف سولت نفسه التبول واقفا ككافر، وكيف يتجرأ على التبول على جدار السور دون أن يخشى من الجن والشياطين الذين يسكنون السور والذين - حسب ما سمعه من أبيه ومن قبله جده - منعوا ومنذ قديم الزمن أن يقترب أحد من السور أو حتى أن يلمسه. »هل جن سليمان ليفعل ذلك« سمعه »منصور« الذي يصلي بجانبه فاستغرب عدم خشوع الحاج في صلاته وهو الذي يؤم بالناس عند غياب الإمام. وحالما أنهوا صلاتهم سأله منصور عما كان يهذي به وسط صلاته، فلم يجب. كان وجهه مكفهرا بشكل غير طبيعي ولم يقم بعد صلاته - كما اعتاد -ليسلم على الإمام ومن حضر الصلاة. المعروف والمتناقل أن سور المثاعيب كان قد التهم اثنين من أبناء الحارة في السابق ممن سولت له نفسه المجازفة لاكتشاف المجهول والمخبأ خلف ذلك السور المتين وبرجه المدور الذي يعتبره الناس مسرح سهرات الشياطين وسكراتهم ولعبهم بالبشر المسحورين الذين تجرأوا فخالفوا القوانين المعروفة وسولت لهم أنفسهم المغامرة الخاسرة. أحدهما سولت له نفسه حضور مأدبة الشياطين في منتصف ليلة مقمرة فدخل البرج المدور ولم يخرج منه منذ ذلك الحين. أما الآخر فقد تجرأ فقط بإلقاء حجر على السور المتين، بدون قصد، فاختفى بعد ذلك الحادث بأيام ولم يعثر له على خبر حتى ساعتنا هذه. حتى الشرطة لم تتجرأ منذ أن وجدت في مطرح من الاقتراب من السور أو حتى لمسه. حتى البلدية التي كان لديها مخطط لشق طريق أوسع للسيارات بدل باب السور الضيق، انسحبت وتركت السور كما هو بعد أن مرض رئيس البلدية بمرض خبيث، لم يشفه منه سوى نذره العظيم الذي خسر فيه كل ما يملك وطلبه السماح من كبار الجن المعروفين في البلاد. »يجب أن تتهيأ الحارة لجنازة سليمان اليوم أو بالكثير غدا«. يقولها (دعدع) في سره دون أن يقوى على التلفظ بها أمام أحد. المعروف كذلك بأنه بين سليمان ودعدع عداوة صغيرة بدأت تنمو منذ فترة بسيطة بعد أن تجرأ الأول على فتح دكان آخر لبيع المواد الغذائية بالقرب من دكان الحاج دعدع، مما أدى إلى تحول بعض المشترين ناحية دكان سليمان وتأثرت الأموال التي كان يجنيها دعدع كل شهر. حين عاد الحاج إلى بيته وقابلته زوجته صالحة برغيف الرخال والحليب الساخن، لاحظت شروده وانزعاجه، لكنها حين سألته عن السبب لم يجب، وظل صامتا كمن ابتلع لسانه. لم يشأ الحاج أن يحكي القصة لأحد، فالنظرة التي أرسلها له سليمان كانت رسالة واضحة جدا »إياك والحديث عما رأيت، وإلا لا تلوم إلا نفسك «. كانت آثار البول ما زالت واضحة بعد شروق الشمس والحاج دعدع يهم بفتح دكانه الملاصق للمسجد. وسليمان صلى بجانب الحاج دعدع صلاتي المغرب والعشاء. يقول الحاج دعدع إن منظر تبول سليمان على جدار السور تكرر ولعشرة صباحات متتالية دون أن يختفي سليمان أو يموت. ويقول الحاج إنه بعد ذلك أصبح على يقين بأن سليمان ما هو من الأنس بل من الجان، وإلا كيف يبقونه حيا حتى الآن برغم تحديه الواضح لهم. ولكن الجان الذين يتبولون واقفين لا يطأون المسجد الطاهر، وأعتقد لبرهة أن لسليمان شبيهين من الإنس والجان. احتار الحاج ولم يكن يقوى ليسأل سليمان عمّا يراه في كل فجر خشية أن يدخله سؤاله في المحظور فلا يعود يرى أولاده ولا يروه. ساءت حالة الحاج بعد ذلك، ونحل جسده. المقربون منه يجزمون بأنه كان يبدو كالمسحور، عيناه محمرتان من قلة النوم، وجسده ناحل من قلة الأكل، ولا يتكلم إلا لماما، ولا يشارك كما اعتاد في أحاديث السمر والفكاهة، صار بعيدا حزينا مكتئبا إلى أن فارق الحياة. الذي لم يذكره الحاج دعدع وذكره بعد موته منصور بأن الحاج في أيامه الأخيرة كان يهذي كثيرا، وكان يلعن في صلاته السور ومن بناه، وكان يدعو بالهلاك كثيرا على رجل ما يقول الحاج بأنه من أولاد الجان. وما لم يذكره الحاج أو منصور ذكره سليمان في إحدى الجلسات، بأنه رأى الحاج (دعدع) يتبول على جدار السور منذ أكثر من شهر وقبل كل صلاة فجر ، وكان يسمعه متحديا لهم - أي الشياطين والجان - أن يصلوا إليه أو ينالون منه. |
|||||||
|
|||||||