|
|||||||
|
»إلى الصديق القاص يحيى سلام المنذري... سلام سلام سلام« ابتسم العامل في محل النظارات وهو يناولني علبة نظارتي الجديدة. خبأت العلبة وخرجت مندفعا إلى الشارع كمن يهرب ببضاعة ممنوعة. أخيرا أصبحت بحوزتي، وعليّ أن أحظى بأول تجربة بعيدا عن الأعين. تقدمت في الزحام حاشدا كل انتباهي على العلبة المستقرة في جيبي الأيمن، وكان خفقان قلبي يتجاوب مع أية لمسة تصيبها من أجساد الناس. تركت الشارع إلى ممر بين عمارتين فأرخيت ظهري على الحائط ثم أدخلت يدي في جيبي الأيمن. أخبرني العامل الهندي بأنني أشبه المهاتما. مرآة له. أقنعني بعدها باختيار إطار دائري، مُقسما بأن شيئاً آخر غيره لن يليق بوجهي. نظرت حولي ثم سحبت النظارة وأعدت العلبة إلى جيبي. كان الممر شبه معتم ولمعة ضوء وحيدة أخذت تومئ من النافذة المقابلة. أمسكت مصافحا مقبضي النظارة وأغمضت عيني قبل أن أوسدها أنفي. استعدت للحظات موقف عامل المحل وحرصه الشديد على بيعي الإطار الدائري. قدم خصما كبيرا على السعر وأهداني ابتسامة عريضة قبل مغادرتي. رفعت جفوني ببطء، فانتشرت على العدستين شبكة مضيئة ترسلها النافذة المقابلة، فيما أخذت بقعة سوداء تتشكل في الوسط وتدنو شيئا فشيئاً من بؤبؤ عيني. ومض رأس يقف أمامي. هالة ضوء أذابت إكليلا حول الرأس، وخلته للحظة يحاول أن ينفذ إلى عيني. انتابني الفزع وبالكاد تغلبت على بلبلتي لأسحب خطواتي هاربا من المكان. في الشارع تفرع تفكيري إلى جهتين: جهة ترتكز على علبة النظارة في جيبي وجهة تعود بي إلى الممر وتستعيد الوجه الذي انبثق من ضوء النافذة. طفت أبحث عنه بين الوجوه وأحترز من أنه قد خرج ورائي. أخيرا استأنست بحقيقة ضعف نظري ما حجب عني رؤيته أول مرة، فنفضت عني هاجس الخوف وقررت المضي في البحث عن ركن آخر. لم يكتف عامل المحل بمنحي خصماً غير متوقع، إذ ناولني شريط فيلم غاندي الشهير على أن أعيده حالما تجهز النظارة، أردف بعدها بعربية جيدة متمنيا لي مشاهدة طيبة. انكمشت يدي على الجيب الأيمن وأنا أعبر الطريق إلى الخلف من محطة الحافلات. كانت المساحة الممتدة أمامي مكباً شاسعاً للقمامة، وكانت الشمس آنذاك ترمي بشال أحمر غطى أجزاء المكان. ألقيت برأسي إلى حائط مكتب المحطة ولم استطع مقاومة مشاهد من الفيلم أخذت تنهال على خلفية الغسق. وفيما كنت أرفع النظارة، استقرت في الخط الدامي للغروب صورة المذبحة التي أمر بها الضابط الإنكليزي في حق التظاهرة الصامتة... »لعلع صوت الرصاص وانطلق من بنادق العسس المأجورين ليخترق عمامات اخوتهم الهنود الصامتين وساري الهنديات الرافضات. وعندما وصلت نوافير الدم إلى أعلى الأسوار، عندها فقط هدأ روع الضابط وأنزل يده إشارة لوضع السلاح«. عاودت ما قمت به في الممر وبدأت بفتح جفوني فتشرب بصري حزمة من شعاع الشمس الغاربة. ومن بين أكوام القمامة برق وجهه منطلقا كالسهم إلى عيني. أشحت بوجهي اتقاء منه وعدوت إلى خارج المحطة ثم اتخذت الشارع الرئيسي الذي بدأ يخفت من أقدام الناس. لم أتوقف عن الجري ولم ألق بالا للهاثي ولا للأعين المخطوفة في محاجر المارة. أيقنت بأنه يتعقب أثري ولن يتركني قبل أن ينهي مهمته الغامضة. واصلت الجري من شارع إلى آخر وكان يهمهم في بدني فزع المهمة الغامضة. عندما وصلت مسكني وأوصدت الباب خلفي، كنت بالكاد قادراً على ملاحقة أنفاسي المتقطعة. بقيت ساعة كاملة في وضع ترقب. تارة يزيد من حدته وتارة يخفضها. كنت أنتظر أن يدلي بوجهه في أية لحظة ومن أية فجوة ضوء، فآثرت أن أبقي على الأنوار مطفأة. تمددت على السرير فتوافدت عليّ صور من أحداث اليوم وهي تجري مع صور أخرى من شريط غاندي: رأيته يجلس أمام مغزله اليدوي ينسج قماش »السيتان« الذي أراده ستارا أبيض يقي شعبه بنادق الإنكليز. ظهر بين الصور وجه عامل المحل بابتسامته العذبة وهو يناولني علبة النظارة. فجأة بزغ وجه مُطاردي ليحتل واجهة الصور. كانت طلعته مختلفة هذه المرة. نظر إليّ من خلف نظارته وقد فاضت النداوة من عينيه ونعمت على قسمات وجهه. وجه هزيل بعوينات دائرية، مع ذلك أراه يقود حشودا من الجماهير ويشدها بصمت إلى الأمام. قطع رنين الهاتف مجرى الصور فتوجهت إلى زر الضوء ورفعت السماعة. جاء صوت المتحدث هادئا وكأنه يقرأ من ورقة. بداية ناداني باسمي مشفوعا باسم غاندي، ثم اعتذر أنه يستغل رقم هاتفي المسجل على فاتورة النظارة ويزعجني في وقت متأخر. أردف بأنه لن ينام ما لم يطلعني على أمر يؤنب ضميره. - سيدي العزيز. فيما أنا أجهز نظارتك كنت أستأنس بملصق شفاف لوجه غاندي وضعته على العدسات. وبقصد أو بغيره ناولتك النظارة وعليها الملصق. لا أعرف إن كنت قد انتبهت إلى ذلك على الفور أم أنه سبب لك شيئاً من الإزعاج؟ عموما، وإذا لم تفعل ذلك بعد، فإن في العلبة ورقة معقمة بمحلول مطهر بإمكانك أن تزيل بها الوجه من غير أن تخدش الزجاج. أعتذر ثانية وتصبح على خير. وضعت السماعة وتقدمت إلى العلبة. كان الأمر مثلما قال الرجل إذ رأيت الوجه الذي ظل يطاردني لاصقا في كلا العدستين. سحبت ورقة المحلول من بطن العلبة، وقبل أن أبدأ بإزالة الوجه، قرأت عبارتين سطرتا على ظهر الورقة: »افتحوا أعينكم واحذروا ألاعيبهم. سوف لن يتركوكم قبل أن يغرقوا الأسوار بالدماء« |
|||||||
|
|||||||