|
|||||||
|
لا أريدكم. اخرجوا. اتركوني وحيداً لأعيش. اطفئوا الأنوار. سيشتعلُ دمي.. سخرتم مني. بعيدون أنتم.. بعيدون مذ مددتُ يدي. تتمرغون بالألوان كلها وأنا لم أرد إلا اللون الأخضر. أود الغناء وتنقصني الخضرة. أنتم لا تصلحون إلا لبيع الخضروات على الشارع العام بين مسقط و نزوى.. انزوى قلبي في أقصى صدري حين رأيتها. وحيدة تمشي في الدرب. راقبتُ خطواتها الرشيقة. ترتدي ثياباً حمراء عليها فصوص لامعة. لم أرها من عشر سنين. كانت تزور أمي مرة في الأسبوع. تدخل كل غرف البيت بحجة المساعدة في الترتيب. حين تأتي للسرير الكبير وسط غرفة النوم الخاصة بوالدي تدفن رأسها فيه. تتدثر برائحته. تنغرس أظافرها. تبكي ثم تسحبني بعنف وتتحسس تفاصيل وجهي قبل تقبيلي. تعوّدتُ على قبلتها. دخل عليّ والدي مرة فرآني أدفن رأسي في السرير وأتشمم الرائحة. ضربني بعنف على شفتي. ومرّ الزمن واختفت المرأة الجميلة. سألتُ عنها فقالوا: »ماتت..«. ها هي حية ترزق ولم تتغير. ناديتها: »قفي يا جميلة. أريد قبلة «. استدارت وابتسمت لي فاتحة ذراعيها. ركضتُ يشدّني العطر. وحين اقتربت تعثّرت على الأرض. اقتربت وقبّلتني نفس القبلة القديمة متسائلة: »لماذا سقطت؟!« سقطتُ في الصف الأول لأن معلّمتي كانت وقحة جدا.. لكنها جميلة. اسمها سامية. بيضاء. كانت تضربني دون البقية وتصرُّ على وقوفي في طرف الصف بحجة أني لا أحفظ السور القرآنية المطلوبة.شعرت أنها تتعمد إيذائي دون البقية. أنا الأسمر الوحيد في الصف لكن أسناني ناصعة البياض وثيابي دائماً مكوية ومعطرة. لم تكن تضع عطراً لكن رائحة جسدها تعجبني دائما. كلّما جاءت حصة الدين قالت: »اخرج إلى السبورة وسمعني السورة«. أنا لم أحفظ في الصف الأول إلا سورتي الفاتحة والنصر.. وفي كل مرة تسألني عن أيٍّ من قصار السور المقررة اختار إحدى السورتين وأقرأ دون اكتراث. في إحدى الحصص أمرتني : »سمّعني سورة الكوثر«. فأغمضت عيني و كتفتُ يدي وقلت: »بسم الله الرحمن الرحيم.. إذا جاء نصر الله والفتح...« ولم أشعر إلا بالعصا تضربني على رأسي. في آخر الشهر أعطتني الشهادة ليوقعها أبي. كانت برتقالية اللون و فيها الدرجات. كانت الدرجة النهائية في كل مادة من ٠٥ درجة. وحدد النجاح في كل مادة ٠٢ درجة باسثناء الدين والعربي درجة النجاح فيهما ٥٢ درجة. وأعطتني في الدين ١٢ درجة وأحاطت الدرجة بدائرة حمراء.في طريق العودة للبيت كنا محشورين في ظهر سيارة بيك آب بيضاء. حشرنا السائق »خليفوه ولد مراد« وكان يسرع دائماً حتى لا تلحق به سيارة البيك آب الحمراء للمياسي... وحين كنا نريد استثارته نصرخ: »المياسي لحق بك يا خليفوه«.. فيطير بنا. كنا أولاداً وبناتا معاً في نفس السيارة. طلبت مني إحدى الفتيات رؤية شهادتي. كانت فتاة سمراء بالغة ضخمة الجسم و تدرس في الصف الأول. ونحن بسبب هذه المواصفات نطلق عليها اسم : »الشاحوف«. وكان خليفوه يضعها على طرف البيك آب ( الكريل) لتمنع سقوطنا. رفضتُ تسليم الشهادة فانتزعتها مني عنوة وشاهدت الدائرة الحمراء وصرخت: »بنات.. تعالن شوفن الدوّوحة..«. مررت الشهادة على كل الفتيات وضحكن ثم بدأن بالغناء: »طماطة.. طماطة.. طماطة«. في تلك الليلة ضربني أبي، وصلبني إلى إحدى اسطوانات البيت، ثم طلب مني حمل زجاجة مياه ( مسافي) ممتلئة فوق رأسي الصغير وسط ( الحوش) لمدة ساعة. في الغد أخذني للمعلّمة وقال لها: »علّميه كما تشتهين.كسّريه من الضرب.. لك كل الجسم، لكن سلّمي عينيه !!!«. أخبرني فيما بعد: »معلمتك جميلة جدا. اسألها: »هل متزوجة؟. زوجها هنا؟. لكن لا تخبر أمك«. في الغد قلت لها بصوت عالٍ في الصف: »أبلة.. أبي يقول: هل عندك زوج؟!«. فضربتني. أخبرت أمي بكل السالفة. في الليل سمعتُ نزاعاً شديداً بينهما وسمعته يقول: »تصدقين هذا الفاشل؟!!... شهادته كلّها دوّوحات«. سألته بعد أيام: »ما الخطأ في وجود دوّوحة وسط شهادتي؟!«. قال: »ماذا تقول؟!. خطأ وأكبر خطأ. لا تكررها وإلا لن أشتري لك دراجة في نهاية السنة. إذا حصلت على دوّوحات أخرى لن أشتريها. هذا شرطي...« أكره الشرطي..أكره الشرطة وأبغضهم كثيرا. أشتهي لو يخلو الكون منهم. هؤلاء الذين يعتقدون أنهم ملكوا العالم لمجرّد لبس هذا الزي الغريب. سألت أحدهم: »لماذا تنفخون صدوركم هكذا حينما تكونون في دورية؟!«. قال: »القوة يا رجل. تمشي في الدورية فترى السيارات تفسحُ الطريق لك دون أن تطلب ذلك. تمشي الهوينا فيمر عليك متهور ينطلق بسرعة مجنونة وبمجرد لمح ظل الدورية تراه يخفف سرعته.يغيّر كل خططه ويظل يمشي بسرعة أقل حتى يختفي عن ناظريك. هذا كله وأنت صامت.. فكيف لو أشعلت الوميض الأزرق أو الصوت المزعج المعروف؟.. ترى الأطفال يؤشرون عليك، ويحترمك المارة. وإذا أوقفت شخصاً ولفّقت له مخالفة.. وهو متأكد أنه لم يخطيء سيقبّل رأسك كي تعفو عنه. تمرّ على دكاكين البقالة وتطلبهم مشروباً بارداً فيأتون به ويرفضون أخذ الثمن. تخرج أوّل الصباح في الدورية وأنت مهموم بديونك الكثيرة ولا تعرف كيف توزّع راتبك الزهيد وتعود في نهاية الدوام وأنت بشوش، ضاحك، منتفخ، مؤمن بأنك أقوى رجل في هذه البلد... ألا يستحق ذلك نفخ الصدر هكذا؟«. أوقفني شرطي في ظهيرة حزيرانية تشتعل بالحر والرطوبة. أوقفتُ سيارتي لكني لم أنزل منها، ولم أتحرّك. انتظرني خمس دقائق ثم أتى غاضبا: »لماذا لم تنزل؟!«. خفضت صوت المسجّل و قلت له بثقة: »وظيفتك أن تأتي إلي. أنت الذي أوقفتني ولك حاجة بي. أنا لست محتاجاً لأقف لك !. وليس في القانون بند واحد يطالبني بالنـزول من سيارتي والركض تجاهك«. احمرّ وجهه.طلب الرخصة والملكية. قال بعد تفكّر: »لقد ارتكبت مخالفتين: تتحدث بجهازك النقال أثناء القيادة، ولم تضع حزام الأمان«. كان جهازي مغلقاً مذ ركبت سيارتي قبل ساعة لنفاد التعبئة، وحزام الأمان على صدري أمام الشرطي وواضح أني أرتديه لأي أحمق. قلت له: »والمطلوب الآن؟!«. قال بفرح كأنه وجد مخرجا: »سأحرر مخالفتين بقيمة ستين ريالاً«. قلت له: »تفضل«. اغتاظ و بدأ يكتب المخالفتين ويوم تأكدت أنه وصل إلى المنتصف قلت له دون اكتراث: »أرجو أن تكتب اسمك ورقمك العسكري بوضوح. سنحتاجهما«. توقّف. ونظر إلي مشدوها. راح يطالع اسمي مجددا.. يتأكد من كل الأسماء المحظور مخالفتها في ذاكرته فلم يجد علاقة بيني وبينها. قلت له: »واصل الكتابة لو سمحت.. وكما اخبرتك لا تنس اسمك ورقمك«. مزّق المخالفة وأعطاني الرخصة والملكية وقال: »أعتذر. بإمكانك مواصلة سيرك وسامحنا على إزعاجك«..انطلقت مسرعاً أرفع من صوت الأغنية: »جفنه علّم الغزل..« غزل جدي النسيج بعناية فائقة محاولاً إرضاء التاجر. كان جدي فقيراً هاجر إلى هذه الأرض حفاظاً على حياته وأولاده. لم يملك طوال حياته إلا المنول المأخوذ من ذلك التاجر الجشع مقابل ثمنٍ باهظ. في المساء يأتي التاجر ويصرخ في وجه أبي: »أين هذا البائس؟. هل غزل شيئاً اليوم؟!«. يأخذ حصيلة العمل قائلا: »حسناً سآخذ هذا للوفاء بثمن المنول«. مات جدي ولم يسدد قيمة المنول كاملة. لم يعرف أحد قيمته الحقيقية لأن جدي لم يكن يعرف شيئاً في الحساب... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. ارتكبتُ ذنوباً عظيمة ولم أفكر يوماً في محاسبة نفسي كما يفعل الملتزمون. سألني أخي: »العمر قصير وسريع. فلماذا لا تحاسب نفسك؟«. قلت: »لن أحاسبها. سنقضي أياماً طويلة يوم القيامة لإنهاء ذلك.. دع الحساب ليومه«. وكان يهتم بمراقبة أعماله ومحاسبة نفسه يوميا. يقول للمستفهمين: »لن تكفي أيام ما بعد التقاعد لمحاسبة نفسي على كل ما فعلت في حياتي.. من الأفضل البدء الآن لآخذ قدراً من الراحة في آخر العمر«. اشترى دفتر جيب وأخذ يسجّل فيه معظم أعمال النهار. وفي الليل يخرج عصا الخيزران ويقرأ الدفتر. يضرب نفسه بعنف إذا اكتشف قيامه بخطأ كان يمكن تداركه.افترضتُ أنه من أهل الجنة، وصرت أتخيّل أنه سيرتاح فعلاً بعد التقاعد بينما سأعاني كثيرا. لكن دهسته شاحنة فمات ولم يتمم الخامسة والعشرين وأنا مازلت حيّا أرزق. وحلمتُ به يخبرني أنه لم يدخل النار، لكن محاسبته اليومية لنفسه لم توصله الجنة بعد.. ومازال ينتظرُ في الأعراف... هذه الأعراف المجنونة لا تعجبني. لا أحب القيود التي يصنعها البشر للبشر. كلّما قررتُ فعل شيء عدتُ ووضعت الفعل في ميزان أعرافكم الموبوءة. تعبت. كنتُ و زوجتي على البحر. نتأمل اتساع السماء. قلت: »انثري شعرك في رمل الغياب ونامي.. طالما حلمتُ بنومكِ وأنا أحرسك«. تلفّتت يمنة ويسرة. بدت مترددة. سألتها: - ألم تحلمي بذلك يوما؟! - حلمت.. - فلِم لا تلوّنين الحلم بالواقع؟ - خائفة من الغرباء.. - أي نهم؟!. - قد يأتون ويروننا على هذه الحال. - لكنك زوجتي.. - لكنّا نعيش بينهم ويجب أن نعترف بما يعترفون، وننكر ما ينكرون لم أنبس ببنت شفة بعد ذلك. جلسنا نتأمل السماء، وتلعب أصابعنا - منفرديْن - بالرمل. بعد ساعة من صمتنا مرّت سيارة مسرعة وتوقّفت حين رأتنا. نزل منها شابٌ وأسرع تجاهنا كأنه يهمّ بالقبض علينا.. كان يصرخ: - ماذا تفعلان هنا.. - من أنت؟ - أتسألني من أنا؟. أنت من؟ وماذا تفعل معها على البحر في هذا الوقت؟ كل ما فعلته أنّي باغته بقبضة يدي وسط عينه اليمني بكل ما أوتيتُ من قوة. وقبل أن يصرخ بتلقائية كنت قد كرّرتُ الفعل ذاته مع عينه اليسرى.. امتلأت أصابعي بالدم، وبدأت زوجتي بالصراخ واختلط ذلك بآهات الشاب. أمسكتُ بعنقه ورحت أدفن رأسه في الرمل مرة واثنتين وثلاث ثم صرت أدوسه بقدمي. تركته ملقى على الأرض وأخذت زوجتي ومضيت. تبّاً لكم وللأعراف... تبّاً لكم.. تبّاً لكم.. »تبي تعرف بقلبي وش مكانك.. تبي تعرف وش اعمل كل ليلة..«. |
|||||||
|
|||||||