|
|||||||
|
السابعة والنصف صباح السبت بداية الحكاية، حينما دخلت سحابة بيضاء أسفل ذلك القوس ذي الواجهة الزجاجية لمقر الوزارة. أحس زيد بن عبيد أن يومه سيكون شبيه أمسه وربما غده أيضاً. السحابة البشرية هي نفسها تدخل وتخرج بنفس ذلك الإيقاع من السبت حتى الأربعاء دون أدنى شك، أو امتعاض بتغيير تلك العادة، حيث لا جديد يطرأ ويتغير، فقد حافظ زيد على هيئته ككائن وظيفي مطيع، طبعت الأيام أحافيرها عليه، ثوب أبيض يلبسه كل يوم، عمامة تحط على رأسه دون التزام بلون معين. حكاية عادية، لموظف عادي، حياته على ذلك الحبل تتأرجح بين بيته ومقر عمله. فالحكاية، لا تخص زيد بن عبيد وحده، وإن ارتكزت على شخصيته، فزيد هو واحد من تلك السحابة التي توأب ذلك القوس الوظيفي كل يوم، تبدو الحكاية حتى الآن مكررة ومعادة.. وقائل- منكم - ما هذا، هل هذا استعراض كلمات. صدقوني: لست بهلوان كلمات، كما وقد قيل عن جاك بريفير. فالحكاية ببساطتها مسرودة وانسكب فيها القول الكثير، لكني قلت أدونها، فهي تعبر شاشة الحياة يوميا، وأيضا يومياً كنت »أطنشها«، بل أنني أعرف أن بعضكم مر بتجربة مماثلة أو سمعتم وعشتم بما قد يفوق ما سأقوله. فألف ليلة وليلة، هي ليلة واحدة طويلة كما يقال على تنوعها وغناها. ففي هذه اللحظة التي تقرأون فيها هذه الحكاية كنت قد أمسكت بيد زيد متتبعاً هواجسه وقلقه وخطاه بين البيت والعمل. لا جديد في جعبة زيد، كما قال لي، لكن زيد، ككل الناس، يخفي ما يريد قوله، مردداً »ما شي خبار.. ما شي علوم« عندما يسأل كعادة العمانيين أول اللقاء، ثم يدْلُق اللسـان بمرارته. أعرف أن زيد كالقنينة لا تنسكب منه قطرات الكلام عندما يكون حزيناً، لكن، ما لدى زيد لن يبقى في فمه، فما يعيشه سيخبرنا به بالتأكيد. فزيد هذا ليس صديق عمرو الذي لاكته الألسن، راكب الجمل وكابدت أقدامه الرمضاء. زيد هذا يركب السيارة، ويعمل موظفاً بوزارة، تحاصره وساوس الراتب الشهري، أقساط البنوك والسلفيات الصغيرة هنا وهناك. قلق وتشوهات عديدة تحاصره كموظف، لكن إحساسه باقتراب سنوات تقاعده، سيطرت على مُجمل يومه، تمنى في خاطره لو أن هذه الأفكار أجلت حضورها على قائمة أولوياته الى وقت الإجازة السنوية، حتى يستطيع أن يتدبر أمرها بالمعالجات والحلول، لكنه الآن وجهاً لوجه أمام زملائه في العمل، واذا لم »ينكشهم« بإبرة لسانه السليط لن يتركوه في حاله، بل، ان ألسنتهم وعيونهم ستتقاذفه بالقول والنظرات المريبة. هكذا، هو منذ ثلاثة وعشرين عاماً ما زال يردد ذلك القول الشائع حتى مساء أمسه، مع تغيير طفيف للدعابة لا غير كما يقول: »اذا لم تكن جحشاً أكلتك الجحوش«. فاليوم بالنسبة له غير البارحة. صباح صامت بدأ به يومه. دهشة أدارت رؤوس زملائه في المكتب، أخرستهم حتى عن الكلام غير المباح عنه، نظروا إليه بريبة وشكٍ، وقالوا بصوت خفيض لكنه مسموع، يا الله.. هل هو هذا، لا شك ان في الأمر ريبة. لمعت أمام ذهنه أفكار عديدة أراد ان ينفّس بها عن نفسه، لكنه تردد، حار، ربما، خاف. فهو لا يعرف ماذا يفعل الآن. رغم أن إعصار صرخة تشكلت في فمه، »أيها المحكومون بعبودية الوظيفة...« حاول أن ينطق لكن شفتيه تزدادان انطباقاً، كلما همّ بأن يطلق تلك الصرخة، بل، راوده إحساس ان فمه مخاط وأن صرخته لن يسمعها أحد. وحين تأكد من ذلك فتح درج مكتبه، تناول مرآته الصغيرة، أدخل وجهه في فضتها، وقال: عليّ ان أخرج جسدي من دهليز الوظيفة، فقد جعلتني أبدوا أكبر من سني الحقيقي. تأمل وجهه وعمامته جيداً، لامس بأنامله أمواج جلدة وجهه، وداعب بشكل متفحص طبقات ذلك الجلد، وشعر ان وجهه »غالج« أكثر من المعتاد، وبدأ يلعب بجلدة وجهه كمن ينتف شعراً نبت على عجالة، لكنه، وقف بناظريه طويلاً أمام عمامته، التي تراءت له على غير صورتها فيما مضى في أيام سابقة. دعك رأسه بيديه للتأكد من حقيقته، لكنه اطمأن ان رأسه حقيقي، كما كان يراه كل يوم أربع مرات في تلك المرآة. وكما بدأت يده تتلاعب بتعرجات جلده وجهه، انشغل الآن بتعرجات عمامته وتدرجاتها متتبعاً خيوطها وتشكلاتها اللونية، مسترجعاً بشكل غير إرادي المكان الكشميري والأنامل التي حاكتها بتلك الدقة والصنعة الحسنة، فاحصاً بعناية المجرّب ما تشكل واستدار على رأسه من تلك العمائم التي طوقته منذ زمن بعيد. لا ، بل ان زيدا يضع العمامة حسب الحالة والظرف فعندما يكون مزاجه »تمام التمام« يضع تلك العمامة التي حاكتها أنامل نسوية شابة، أما إذا كان المزاج متقلباً فأنامل الغلمان التي حاكتها لها نصيب التتويج، أما اذا كان المزاج متعكّراً فلا هذه ولا تلك »الكمة« لها نصيب الرأس. يمازح زيد بن عبيد أصدقاءه الخاصين بأنه يعرف ضربات الأيدي التي تحيك تلك العمائم من نظرة خاطفة، أثارت دهشة العديدين من الناس. فحين تكون الخيوط متشابكة والعمل غير متقن، تكون الحائكة قد اضطربت أناملها بسبب دورتها الشهرية أو مراهقتها المتفجرة، حينها تتشابك خيوط العمامة كاللوحة الباهتة. وعند انتهائه من تلك الاستعادات الكشميرية، أحس لحظتها ان عمامته قد ضغطت على الرأس بأكثر مما يحتمل، وان وجعاً انتشر فوق »صحلة« رأسه. بيديه الواثقتين، رفع عمامته بهدوء وتأنٍ حتى لا تنبعج، كأنه يرفع شحنة متفجرة من قذيفة، واضعاً تلك العمامة أمام ناظريه على الطاولة، متفحصاً جبهته وقد ارتسمت عليها لوحة فنية مشوهة التفاصيل. ــــــــــــــ - غالج: ذابل. - الكمة: غطاء للرأس. - صحلة: إناء من المعدن |
|||||||
|
|||||||