»الآخر« في الشعر الفلسطيني..
من الوضوح إلى الالتباس

 

المتوكل طه (شاعر وباحث من فلسطين)


بعد عدد كبير من الدواوين والدراسات الأدبية المتميزة، وبعد قرابة خمسة عشر عاماً من حصوله على درجة الماجستير في شعر ابراهيم طوقان وحياته، حصل الشاعر والأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين المتوكل طه على درجة الدكتوراه عن رسالته وموضوعها »التغيرات التي طرأت على القصيدة الفلسطينية في العقد الأخير (1994 - 2004) صورة الآخر نموذجا«، والتي أشرف عليها الأستاذ الدكتور وليد منير وناقشها كلٌ من: الأستاذ الدكتور يوسف نوفل، والأستاذ الدكتور عاطف جودة نصر. وقد افتتح الباحث حديثه عن الآخر بقوله:

»يختلف معنى »الآخر« في فلسطين عنه في أي مكان آخر، ذلك أن »الآخر« هنا ليس مجرد فكرة، أو مجرد نتاج صناعي أو ثقافي، بل هو يوجد في مشروع استيطاني إحلالي مرعب، يستعمل ليس، فقط، تكنولوجيته وإنما أيدلوجيته أيضاً، وهو لا يأتي بذلك منفرداً، بل يأتي معززاً برؤية غيبية وسياسية وفيزيائية غريبة ومدعومة من الغرب، رؤية مسبقة وموتورة ولها أهداف وتستعمل وسائل مجازرية. في الوقت الذي يتم فيه استحسان هذا العمل أو شرعنته من قبل قوى كبرى كشفت فيه عن عطبها البنيوي وعيبها العضوي. وفي فلسطين، لا تتم معرفة الآخر من خلال وسائل المعرفة العادية، وإنما من خلال لغة الدم ورائحة التراب. في فلسطين، يدفع الشعب الفلسطيني دمه من أجل أن »يفهم« هذا »الآخر«.

أما فيما هو خارجها، فنجد أن »الآخر« يتقدم على مستوى الحضور والدبلوماسية والقبول والشرعنة والاندماج في المنطقة والتدخل في شؤونها، ويتحول - عملياً - إلى أهم اللاعبين وأقواهم، بل يتحول - فعلياً - إلى بوابة العبور للراغبين في الدعم الغربي والأمريكي بخاصة.

هذا »الآخر« الغريب، المحتل، يشهد عمليات تحول حقيقية في وجوده وأهدافه وكيفية التعامل معه.

أما في الغرب، فإن تلك المنظومات السياسية والثقافية والاجتماعية التي طالبت بخروجه من بلادها، تقدم له اليوم الأسباب الفكرية والسياسية والعقدية ليمارس الدور ذاته بحقنا. »الآخر« الصهيوني يتحول في الغرب إلى »اليهودي« الجديد المبادر والشجاع الذي من حقه أن يقيم دولة على أرضٍ ليست له، وأن يطلب من العالم كله أن يعترف بها.

يلاحظ الباحث ان هذا »الآخر« المنتصر، استطاع أن يغير إلى حدٍّ ما من صورته، وأن يعمل على تقديم نفسه بطرق مختلفة، واستطاع من خلال فرض سياسة الأمر الواقع وسياسة القوة وسياسة العصا والجزرة أن يبتز مواقف مختلفة من الأطراف العربية المتعددة، وأن يتحول من صورة »المحتل« إلى صورة »الشريك«، ومن دولة »الكيان« إلى الدولة »العبرية«، ومن »العدو« إلى »الصديق«.

والمسألة بحد ذاتها تثير الغضب بقدر ما تثير الحيرة والعجب. فهذا »الآخر« لم يغير من جلده ولم يغير من مصطلحاته ولم يغير من أهدافه ولا من أساليبه، فالذي تغير هو »نحن«. »نحن« هذه تثير الأسئلة أيضاً ؟! فمن هي »نحن« بالضبط ؟! هل هي النخب السياسية الحاكمة ؟! أم هي النخب الثقافية والفكرية المسيطرة !؟ أم هي الصورة العليا التي نعتقدها عن أنفسنا ؟! من هي »نحن« هذه التي تغيرت ورأت في »آخرنا« صديقاً بعد ما كان عدواً ؟! هل هناك عدة أنواع من »نحن« هذه ؟!

يحاول الباحث في رسالته ان يرصد جدال »نحن« مع ذاتها، بمعنى أنها ترصد جدال »الأنا« مع »الأنا« أكثر مما ترصد جدال »الأنا« مع »الآخر«، افتراضا منه أن سياسة »الآخر« وأهدافه وأساليبه معروفة جداً، ولهذا، تتحول الدراسة إلى ردة فعل »الأنا« المختلفة على هذا »الآخر« حسب الزمان والمكان.

ترصد هذه الدراسة جدل »الأنا« الجمعية التي تعبر عنها النخب الثقافية في حوارها مع »آخر« لا يعيرها الاهتمام ولا العناية، بل القتل والطرد والذبح والتفتيت والتغييب.

هذه »الأنا« العربية الفلسطينية التي تعاملت وتفاعلت مع »آخر« لا يشاطرها الآراء أو الأفكار أو المعتقدات أو الأهداف، »آخر« وضع حدوداً ثقافية وإثنية وعرقية وعقدية لا يمكن القفز عنها أو تجاهلها أو عدم اعتبارها، »آخر« نافٍ حاذف أعمى ومنتصر، و»أنا« مضطربة ومترددة ومهزومة.

المسألة لم تتوقف عند الشأن الفلسطيني فقط، فعلاقة »الأنا« بـ»الآخر« كانت جدلية تاريخية أيضاً، إذ أننا نعتقد أن أمتنا العربية ومن ثم العربية الإسلامية المحددة بحدود ثقافية وإثنية تميزها وتفصلها عن الأمم الأخرى تميزت بردود أفعال مختلفة تجاه »الآخر« حسب فترات الضعف والقوة. ففي فترات القوة كانت ثقافة هذه الأمة ماصة بامتياز وإبداع، كما شهدنا في القرن الثاني والثالث والرابع وحتى الخامس الهجري، فيما تميزت هذه الثقافة بامتصاصها الرديء والمقلد والضعيف في فترات الضعف كما شهدنا ذلك في العصور الحديثة (لنقارن مثلاً بين ما كتبه ابن بطوطة أو أحمد بن فضلان عن »الآخر« وما كتبه الطهطاوي عن »الآخر«، لنقارن بين النصين من ناحية أسلوب اللغة وطريقة التناول والإحساس بالتفوق والتميز).

ولهذا، لم تغفل هذه الدراسة المسح الأفقي لرؤية »الآخر« شعرياً خلال العصور المختلفة، وكان من الواضح أن معادلة القوة والضعف هي التي تلعب الدور الأساس في رؤية »الآخر« والتعامل معه.

الثقافة العربية الإسلامية اعترفت بـ»الآخر« المتعدد، وكانت صارمة في تعاملها مع »الآخر« المعتدي، وكان هذا السقف هو الذي حكم العلاقة معه في القرون السابقة واللاحقة. ومن هنا، كان »الاضطراب« في التعامل مع »الآخر« على إطلاقه؛ إذ كيف نوفق بين الإنجليزي المستعمر والإنجليزي الشاعر والمفكر والباحث ؟!

ما بين المطلق والنسبي كانت المراوحة وكانت منطقة الرماد، وما بين »المستحيل« و»الممكن« بلغة السياسيين، وقف الشعر الفلسطيني بالذات يحفر تحت هذا المعنى. إذ كيف نوفق بين ما نعتقده عن أنفسنا وعن ثقافتنا، من جهة، وإمكاناتنا، من جهة أخرى؟ كيف نُوفق بين التاريخ والواقع ؟! وهو سؤال صعب إذا عرفنا أن لغتنا العربية - وهي المحدد الأساس في اختلافنا عن الآخرين- تعطينا نموذجاً عالياً في الأخلاق والمطلقية -وهو ما اعتبره الجابري عيباً في تمثل ثقافتنا بثقافات الآخرين.

من هذه الخلفية، جاءت هذه الدراسة لترصد تحولاً عميقاً في القصيدة الفلسطينية بدأ بالتوقيع على اتفاق أوسلو في العام (1993). الاتفاق الذي ما كان ليتبلور لولا سلسلة الهزائم والزلازل التي حلت بالمنطقة، والذي ما كان ليتم إلا وفلسطين محتلة كلّها.

بعد اتفاق أوسلو رأيت قصيدة جديدة في الشعر الفلسطيني، وصورة ملتبسة لـ »الآخر«. إذ انحلّ هذا المفهوم المطلق ليتحول إلى عدد من السياقات المختلفة. وتفتت »الآخر« - بفعل الهزيمة - إلى عديدين.

وصار المحتل المغتصب يجبرنا على البحث عن إنسانيته، أو نقاط التقاء معه، وإلى جلد ذواتنا، ومحاكمة ثقافتنا، ولعن أجدادنا، وإلى البحث عن أجداد آخرين، والعبث واللاجدوى.

لهذا السبب اخترت أن أرصد القصيدة الفلسطينية بعد هذا التاريخ، وأن أرصد شكل العلاقة مع »الآخر« فلسطينياً على الصعد الإبداعية كافّة.

لهذا السبب أردت أن أحلل المسألة، وأن أراها على حقيقتها، كما هي، عارية وقبيحة ومثيرة للحنق.

»الآخر« هو »الآخر«، لم يتغير.

أما »الأنا« فهي التي انهارت !

ولهذا السبب بدأت أكتب هذا البحث في ظروف صعبة وقاسية، كوني أعيش في مدينة محتلة تُهاجَم في الليل والنهار، ويُعتدى على أبنائها وبناتها بالقتل والاعتقال، وتُغلق مؤسساتها المالية والسياسية والاجتماعية. مدينة تشيّع الشهداء وتنطلق بالمسيرات والتظاهرات. لهذا السبب كان عليّ أن أكتب هذه الدراسة في أجواء مشحونة بالغضب والقهر والهدم والإذلال والتجويع، وهذه هي المشكلة الكبرى التي واجهت هذا البحث، فالكتابة تحت الهدم والقهر كتابة مختلفة.

لذلك كان من الصعب الحصول على ما أريد من مصادر ومراجع، فمن غير السهل الوصول إلى كل المكتبات في الجامعات المختلفة، ومن غير السهل إحضار الكتب من الخارج، ولهذا كان لعون الأصدقاء، من جهة، و»الانترنت« (شبكة المعلومات العالمية)، من جهة أخرى، أكبر الأثر في إنجاز هذه الدراسة. يضاف إلى ذلك نُدرة الدراسات السابقة التي تناولت الموضوع، حيث لم ترصد التحولات البنيوية العميقة في قصيدتنا الفلسطينية بعد هذا الاتفاق، لقلة النقاد وضعف الحركة النقدية في فلسطين، فكان لا بد من الاعتماد على الذات في جمع الشواهد وإلصاق الظواهر المتشابهة بعضها ببعض، ومن ثم استخلاص الأفكار والنتائج. المشكلة الأكثر حضوراً خلال هذه الدراسة كانت الموضوعية والحيادية والحفاظ عليهما، وإذا كان لا بد من التدقيق في هاتين الكلمتين، فإنني أعترف أن موضوعيتي كانت بعيدة عن التساؤل وليس حياديتي، إذ حاولتُ جاهداً أن أتسلح بموضوعية الباحث، لكنني فشلت تماماً في أن أكون محايداً. كانت الظاهرة تفرض نفسها عليّ، لكني لم أكن أقدر على ابتلاعها كما هي. العلم على رغم موضوعيته لا يمكن أن يكون حيادياً، فما هي العلاقة إذاً بين قانون تحول المادة إلى طاقة الذي وضعه آينشتاين والقنبلة الذرية ؟! هذه المشكلة، مشكلة المسافة بين الموضوعية والحيادية، دفعتني في مواضع كثيرة إلى أن أوضح موضوعيتي ومن ثم أتنازل عن حياديتي، لأنني ببساطة أكتوي بنار »الموضوع« تماماً.

منهج البحث الذي اتّبعته في هذه الدراسة تمثل في ذلك المنهج الثقافي الناقد المتمثل في فهم النص أو فهم الظاهرة الأدبية أو السياق الإبداعي من خلال جميع المداخل المؤدية إليه، التاريخية والاجتماعية والنفسية، لتذوّقه وتفكيكه وتحليله. إن اعتبار النص الإبداعي حجراً أُخِذ من مقلع بعيد وغامض ثم استخدم في بناء جديد آخر، له علاقات جديدة كلياً مع الأحجار الأخرى، فيه دقة كبيرة وإغراء كبير، أيضاً، لمحاولة فهم مصدر الحجر، وكيف تم صقله وتهذيبه، وكيف تم ترتيبه وتنسيقه مع الأحجار الأخرى لبناء بيت آخر، ومن ثم النظر إليه في موقعه الجديد ومقارنته بموقعه في المقلع الأصلي، ليشكل لنا رغبة هائلة في تحليل هذه العملية الطويلة والمعقدة والغامضة بكل الحمولة الثقافية والمعرفية والتذوقية والجمالية لفهم كل ذلك. هذا ما فعلناه فيما درسناه من ظواهر ونصوص، وما تذوقناه من جماليات مختلفة.

النقد الثقافي كان يعني استخدام كل المعارف السابقة والانتباه إلى تداخل النصوص وتوالدها وعلاقاتها الداخلية والخارجية وسياقاتها »المقامية« (تاريخية النص) و»المقالية« (شبكة علاقاته الداخلية)، من خلال معرفة تاريخ النص وإيقاعاته الداخلية.

وعلى هذا الأساس، حاولت أن أفيد من كل جهد نقدي علمي منهجي قدَّم مساهمة ما قد تساعد في التعرف إلى النص وفهم مغاليقه وإدراك مراميه. لم أنبهر بالغربي ولم أنحز للمحلي، بل حاولت أن أعيد الأمر لذوقي الشخصي، وإلى واقعنا المحلي الذي أعتقد أن حاجتنا ماسة - ولا نزال ندعو - إلى ميلاد منهاج نقدي فلسطيني عربي يتعامل مع الظاهرة الأدبية الفلسطينية لخصوصيتها الشديدة.

وأضاف الباحث أنه لا يمكن التعرف على ماهية »الأنا« من دون المرور بعمليات المقارنة والمقايسة مع»الآخر«. فكرة »الأنا« التي تتضمن المعرفية والقيمية، معاً، تتطلب في الوقت ذاته إطلاق الأحكام والتعريفات المحددة، ووضع فواصل وحواجز بين الماهيات. ويبرز في هذا الصدد مبدآن هما: المبدأ الحواري والمبدأ التناحري. وبما أن طغيان مبدأ على مبدأ مشروط بالظروف الموضوعية والتاريخية، فإن إشكالية العلاقة بين »الأنا« الجمعية (العربية ومن ثم العربية الإسلامية) و»الآخر« على إطلاقه ظلت تراوح بين هذين المبدأين منذ الجاهلية وحتى يومنا هذا.

إلى ذلك ، فإن النظرة إلى »الأنا« ليست مطلقة ولا مقدسة ولا نهائية، فهي متحركة ودائبة التغير إلى حدّ كبير، فـ »الأنا« ليست ما تعتقده الجماعة عن نفسها، وإنما تتأثر هذه النظرة بما تعتقده الجماعات الأخرى عنها، وتتأثر كذلك بمجريات تاريخ الجماعة وإنجازاتها ومقارنة ذلك بما فعلته أو أنجزته الجماعات الأخرى. و»الأنا« كذلك، كثيراً ما تتصدع وتتشقق على المستوى التاريخي والاجتماعي والنفسي والفلسفي، أيضاً.

»الأنا« - وبغض النظر عن مدى الحقائق أو الأوهام التي تكوّنها وتعمل على إنجازها في صورتها النهائية - هي تراكم للخبرات والتجارب والاجتهادات التي تحددها مجموعة عوامل زمانية ومكانية، ومن هنا، فإن »الأنا« مكان أيضاً، وبالتالي هي لغة. »الأنا« تحتاج إلى ما يبررها ويثبت وجودها على المستوى الداخلي النفسي، والخارجي الذي يتخذ صفة الرموز والأشكال.

ولهذا، فإن حماية »الأنا« والحفاظ على حدودها ومقوماتها وعواملها جزء من عملية معقدة وطويلة ومستمرة، وتتخذ أشكالاً عديدة ومتنوعة، وهي عملية ضرورية جداً على المستويين العقدي والسيكولوجي تدخل في عملية الاستقرار النفسي والجمعي على حدّ سواء. إن تعريف »الأنا« عملية مهمة في إنجاز الحضارة وفي الغايات النهائية للفرد والجماعة، ومن هنا يتخذ المنجز الحضاري، مهما كان، معنى نهائياً تحدده الجماعة حسب تعريفها لنفسها.

ويرى الباحث ان هذه المسألة قد تفجرت - في الحالة الفلسطينية- في اللحظة التي انكشف فيها المشروع الصهيوني القائم على فكرة الاقتلاع والتهجير ومن ثم الإحلال الاستيطاني، أي أن هذا المشروع يقوم على النفي والإنكار والإلغاء، وبلغة أخرى، فإن هذا المشروع لم يرَ في الفلسطيني سوى »جثة أو رماد«، الأمر الذي دفع الفلسطيني إلى تبني هذا المفهوم، أيضاً، وهو مفهوم ظل يحكم المشهد حتى هذه اللحظة، على الرغم مما طرأ عليه من تغييرات أو اجتهادات.

علاقة النفي والإنكار والإبعاد هي التي حكمت العلاقة بين »الأنا« الفلسطينية و»الآخر« الصهيوني، ذلك أن كليهما يتنافس للحصول على الأرض، من جهة، وعلى ثقافة الأرض، من جهة أخرى. كلا الطرفين يكتب تاريخاً مختلفاً للمكان ذاته، وبدلاً من أن يشكل المكان الواحد نقطة بداية أو علاقة تشاركية، فقد تحول المكان إلى نقطة الخلاف الأولى والأخيرة.

هذه العلاقة التي تأثرت بظروفها الموضوعية شقت مفهوم »الأنا« إلى »أنوات« عديدة، كما صدعت »الآخر« إلى أقسام ومستويات في محاولة للالتقاط »المشترك« في خضم هذا الصراع، أو في محاولة لرؤية »الإنساني« في هذا الصراع الذي يجد مسوغات التأبيد بكثرة.

إن تقدير »الأنا« أو »الذات« واحترامها يقومان على فكرة الإنجاز بمعانيه كلها، ولهذا، فإننا نجد أن النظرة الجمعية »للأنا« الفلسطينية تعاورتها نظرات تراوحت بين التقديس، من جهة، والجلد، من جهة أخرى، حسب مستويات الإنجاز والتقدم والانتصار.

لقد حاول الباحث في رسالته ملاحقة مفهوم »الآخر« - على تعدد مستوياته - في مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ الشعب الفلسطيني، ونقصد بها تلك الفترة التي تلت اتفاق أوسلو العام (1994) وحتى العام (2004)، حيث كان من المفروض أن تتغير المفاهيم والتنميط والنمذجة، وأن تحدث عمليات على مستوى الوعي تقرب »الآخر« وترمّم »الأنا«، هذا الهدف سحب معه استطرادات وتفاصيل كان لا بد منها لفهم العلاقة مع »الآخر« في مختلف مراحل التاريخ العربي، فكان البحث على النحو التالي:

المدخل: وفيه رصد للتحولات السياسية التي أصابت المجتمع الفلسطيني منذ الخامس من حزيران العام (1967) وحتى العام (2004)، أي منذ لحظة الاحتلال وانهيار مؤسسات المجتمع الفلسطيني الصناعية والتجارية والاقتصادية والسياسية، وتحول أفراده في معظمهم إلى عمال مياومة مرتبطين اقتصادياً بالاقتصاد الإسرائيلي. وفيه كذلك رصد للتحول الكبير في بنية المجتمع الفلسطيني، وتغير مراكز القوى فيه، واختلاف الأولويات السياسية والوجودية، وكذلك تحول التمثيل السياسي والنشاط الكفاحي وانطلاق الثورة المسلحة التي وجدت شكلها الشعبي في الهبات الجماهيرية وذروتها في الانتفاضة الأولى العام (1987)، ثم ما تلا ذلك من مفاوضات انتهت بتوقيع اتفاق أوسلو الذي أدى إلى انسحاب قوات الاحتلال من المدن الفلسطينية الكبرى مع بقاء الاحتلال وهيمنته على ما عدا ذلك، ثم ما كان من أمر السلطة الوطنية الفلسطينية التي رأت في اتفاق أوسلو خطوة على طريق الاستقلال، في الوقت الذي رأت فيه »إسرائيل« أنه اتفاق أمني يحمي »مدنها« و»قراها« و»مواطنيها«. هذا الاختلاف في فهم الاتفاق أدى في نهاية الأمر إلى انفجار انتفاضة أشد وأعنف العام (2000).

هذه التحولات الكبيرة ذات الإيقاع السريع وجدت أصداءها في القصيدة الفلسطينية من حيث تحول هذه القصيدة إلى:

- تصديها اليومي والمباشر لإجراءات الاحتلال وسياساته.

- انفتاحها على الأفكار والأيديولوجيات.

- قيامها بواجبها الثوري والنضالي.

- رؤية الجماعة أو »الأنا« الجمعية كرزمة واحدة من دون الخوض في نقاط الاختلاف أو الإشكالي.

أما بعد اتفاق أوسلو، فقد تخلصت القصيدة من انصياعها للسياسي أو لـ»الجمعي«، وصارت أكثر »ذاتية« أو فردية، ولهذا تميزت هذه القصيدة بما يلي:

1. انفتاحها على الأسئلة الكبيرة واستيعابها السجالات العقدية والفلسفية المختلفة.

2. بروز قضايا وأمور لم تكن من قبل، كالحديث عن الفساد والخراب والانحراف.

3. التميز بروح النقد والاحتجاج.

4. الإشارة إلى ضياع الحلم وانكسار النموذج.

5. وبهذا ظهرت قصيدة مختلفة كلياً تتحدث عن جلد الذات والقسوة عليها وحتى الإشارة إلى الهزيمة.

وبهذا المعنى، فإن القصيدة التي ظهرت بعد اتفاق أوسلو كانت مختلفة إلى حد كبير عما سبقها من قصائد، وسبب ذلك تلك النظرة إلى »الأنا« مقابل »الآخر« الذي انتصر.

الفصل الأول: وفيه تمت متابعة وملاحقة العلاقة مع الآخر كما تم التعبير عنها في الثقافة العربية، إذ أشرنا إلى ما يلي:

1. إن الإسلام أسقط »الآخر« القومي أو أي »آخر« سوى »الآخر« الديني، وهو ما حكم النظرة العربية الإسلامية إلى »الآخر« في كل العصور.

2. على الرغم من ذلك، فإن علاقة »الأنا« الجمعية بـ»الآخر« تميزت بالتعددية والاختلاف والتنوع حسب فترات القوة والازدهار والضعف والضمور.

3. شكّل »الآخر« محرضاً دائماً لردات الفعل العربية الإسلامية، وذلك من خلال الترجمة، مرة، أو الحروب مرة أخرى، أو الاختلاط أو التجارة أو الاحتكاك الإنساني.

أما في الشعر العربي فقد ظهر »الآخر« على النحو التالي:

1. الإعجاب بإنجازات »الآخر«، كما عبر عن ذلك الجاهلي في شعره.

2. ظهور »الآخر« الديني في صدر الإسلام.

3. ظهور »الآخر« الداخلي في العصرين الأموي والعباسي.

4. ظهور »الآخر« الديني القومي في حروب الفرنجة.

5. ظهور »الآخر« الغربي المتفوق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

6. ظهور الإشكالية في العلاقة مع »الآخر« المستعمِر، من جهة، وحامل الحضارة، من جهة أخرى، في القرن العشرين.

الفصل الثاني: يتتبع صورة »الآخر« في الشعر الفلسطيني منذ بداية القرن الماضي وحتى تاريخ البحث، وفيه ظهر أن »الآخر« بالنسبة للفلسطيني كان الصهيوني، وقد تم التعبير عن ذلك شعرياً على النحو التالي:

أ- ظهرت صورة »الآخر« على أنه اليهودي وصاحب الصفات الكريهة، كما تم التعبير عنها في الإرث الشعبي والديني، وكان هناك رفض كامل وشامل لهذه الصورة.

ب- هناك من حاول التفريق بين اليهودي والصهيوني، وأن الصهيونية تخدع اليهود وتوردهم موارد الهلاك، وتم تصوير الصهيوني على أنه مرتبط بالاستعمار.

ت- بعد العام (1948)، اختلفت صورة اليهودي حسب مكان وجود الفلسطينيين، فصار »الآخر« الصهيوني يهودياً حقيراً، أو استعمارياً ليس إلاّ، أو مجرد مخدوع من طغمة حاكمة تأخذه إلى الهاوية.

ث- بعد هزيمة (1967) واحتلال كامل الأراضي الفلسطينية، ظهرت بوادر ومؤشرات تصوير اليهودي على أنه مثلنا؛ يرغب في السلام والتعايش، وصُوّر من الجانب »الإنساني« فيه، وتمت بعد هذا التاريخ انقلابات حقيقية في صورة اليهودي.

ج- تعززت الاتجاهات التي ترى في اليهودي شريكاً وليس نقيضاً، وقد قاد هذا الاتجاه محمود درويش بالذات، وهكذا صُوّر اليهودي على أنه تائه وبكّاء ويبحث عن ميناء ويريد أن يفهم ويُفهم.

ح- بعد اتفاق أوسلو العام (1993)، تعددت صورة »الآخر« تماماً. فلم يعد »الآخر« النقيض فقط الذي اختلفت صورته وانتقل من مرتبة إلى مرتبة، بل هناك »آخرون« كثر هم »الآخر« الذاتي والفلسفي و»الآخر« السياسي و»الآخر« صاحب السلطة و»الآخر« الاجتماعي والفكري.

خ- وعليه، فإن »الآخر« الذي كان مرفوضاً على الإطلاق بداية القرن الماضي أصبح في بداية الألفية الثالثة ملتبساً - على أهون الفروض وأبسطها -، وقد تم ذلك من جهتين: الجهة الأولى: تشقق »الأنا« وتبخيسها ذاتها، أما الجهة الثانية: فقد كان هناك ارتباك واضطراب واختلاف في التعامل مع »الآخر« والنظر إليه، والذي صار يراوح بين منزلتين: النقيض أو الشريك.

د- ولكن على الرغم من هذا الالتباس أو الارتباك، فإن النظرة النمطية للمحتل ظلت هي النظرة الأكثر قبولاً وحتى الأكثر انتشاراً. وعلى الرغم من أن قصيدة الشعر بعد اتفاق أوسلو تميزت بأسئلتها المحرجة - دليل الحوار الداخلي -، فإن صورة »الآخر« النقيض ظلت تشكل الخلفية الكبرى لهذا الحوار.

الفصل الثالث: وفيه تم التطرق إلى جماليات القصيدة وأساليب الأداء الفني وكيفياته، إذ ظهر أن تلك القصيدة - وبسبب من وظائفها الاجتماعية والتاريخية - قد تعددت أشكالها، وتم الانتقال من الغنائي إلى المسرحي، ومن الفردي إلى الأوركسترالي، وظهرت هناك أشكال مختلفة تراوحت بين الومضة والقصيدة التي تشمل الديوان كله، هذا بالإضافة إلى انفتاح القصيدة لغة وصورة وموسيقى على ما لحق بالقصيدة العربية والعالمية من تغيرات وذائقة.

وقد استفاد الشاعر الفلسطيني من التيارات الحديثة والأساليب الجديدة في كتابة قصيدته من حيث الإيقاع والموسيقى والتفعيلة، ويمكن القول في هذا الصدد إن القصيدة الفلسطينية بعد أوسلو تماثل ما تم إنتاجه في العالم، إذ صار بين أيدينا قصيدة حديثة بكل المقاييس، بإيقاعها المتعدد.. النثري والموسيقي، وكذلك بتعلقها بطموحات فنية كتحويل القصائد إلى كيان لغوي جمالي، تراد لذاتها وليس لأهدافها.

وأخيراً يوجز الباحث ما خلص إليه في بحثه فيما يلي:

1. الظاهرة الشعرية الفلسطينية ظاهرة خاصة تتعلق بتعدد الأمكنة، وتعدد الأصوات، وتعدد المرجعيات، وعدم ثبات المجتمع أو بنيته الأساسية. ولهذا، فقد اعتمدت الرسالة النقدَ الثقافي الذي يستفيد من كامل الحمولة الثقافية المعرفية لفك مغاليق النص الشعري ومقاربته وإدراك أهدافه وجمالياته. مع الإشارة في كثير من المواقع إلى ضرورة »ميلاد« نقد خاص يناسب فهم الشعر الفلسطيني من منطلق أن النص يخلق نظريته، وليس العكس.

2. يشكل »الآخر« على إطلاقه المحرض »للأنا« الجمعية العربية الإسلامية على الرد والمبادرة منذ الجاهلية وحتى اليوم.

3. يرى الباحث أن الإسلام وحده هو الذي حدد »آخرنا« الديني، فيما لعبت التقاليد والأعراف واللغة العربية »الآخر« العرقي والقومي.

4. كما يرى أن فهم »الآخر« أو الحوار معه كان من مميزات عصور القوة والنصر، فيما كان الميل إلى الانغلاق وعدم الحوار معه في عصور الضعف والانكماش وأن الحوار مع »الآخر« كان شكلاً من أشكال الحوار مع الذات، وهو ما عبر عنه بعض الرحالة مثل ابن جبير، وبعض الفلاسفة مثل ابن رشد، وبعض كبار المثقفين مثل الجاحظ.

5. وبالنسبة للفلسطينيين، فإن »الآخر« كان دائماً هو »الآخر« الصهيوني الذي صُوِّر طيلة الوقت على أنه المحتل والغاصب.

6. فرّق الفلسطينيون بعمق ونضج ومسؤولية بين اليهودية والصهيونية، ولم يقعوا في أحابيل ما يسمى كراهية اليهود الأبدية أو اللاسامية. رأى الفلسطينيون في »الآخر« الصهيوني مجرد خادم للاستعمار الأوروبي. ولكن هذا لم يمنع من الاستفادة من التراث الديني والشعبي في النظرة العامة لليهودي كخادم للمال وتاجر للجنس.

7. عبّر الشعر الفلسطيني بكفاءة عالية عن مجمل الاتجاهات الوجدانية الشعبية والفكرية والعقدية المتعلقة بالنظرة إلى »الآخر« اليهودي والصهيوني. وعلى هذا، فقد اختلف الشعراء الفلسطينيون في طريقة رؤيتهم لهذا »الآخر«؛ فهو محتل، وهو مخدوع، وهو ظالم ومظلوم، وهو إنسان يمكن الوصول معه إلى نوع من الاتفاق.

8. يرى الباحث أنه بسبب من الهزائم المتكررة والانهيارات الهائلة التي لحقت بالأمة، تحولت صورة »الآخر« شعرياً، من كونها نقيضاً إلى شريك محتمل، من خلال النفاذ إليه من عملية البحث والتنقيب عن المشترك الحضاري والإنساني والديني.

9. كما يرى أن اختفاء المكان أو غيابه جعل من القصيدة الفلسطينية متعددة الاتجاهات والمستويات، إذ لم تثبت القصيدة الفلسطينية في مكان »حقيقي«، وإنما في مكان متخيل أو مشتهى، ولهذا، فقد تميزت القصيدة الفلسطينية، عادة، بالحلم والمثال والنموذج. غياب المكان قابله ميلاد مثالي له في القصيدة.

10. لم تتعد القصيدة الفلسطينية طرح الأسئلة وحوار الذات والجرأة في النظر إلى الداخل إلا بعد الهزائم الكبرى، كالخروج من لبنان، وكذلك بعد اتفاق أوسلو، حيث صارت القصيدة الفلسطينية تحاور ذاتها كتعبير عن العلاقة القلقة والمعقدة مع »الآخر« المنتصر.

11. على الرغم من سيادة النظرة النموذجية لـ»الآخر« الصهيوني، فإن هناك اتجاهاً آخر يرى فيه شريكاً يجب التعامل معه بحكم الواقع حسب ما يرى الباحث.

12. ظلت القصيدة الفلسطينية - في الأغلب الأعم - قادرة على التثوير والتعبئة والشحذ، على رغم كل ما لحق بها من أسئلة وإرباك.

13. صارت القصيدة الفلسطينية، وخصوصاً بعد اتفاق أوسلو، دون مركز، وصارت تحتفي بذاتها، وترغب في التنازل عن دورها الأساسي الجماهيري، وأخذت تذهب نحو الهامش والمبتذل والحلمي والكابوسي والإيروتيكي.

14. يرى الباحث أن تعدد موضوعات القصيدة بعد اتفاق أوسلو كان دليل قدرة »الآخر« على فرض أولوياته، من جهة، وعلى ارتباك »الأنا« في تعريف ذاتها في تلك المرحلة، من جهة أخرى.

15. ويرى أن القصيدة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو عبرت عن »أنا« متعددة؛ دليل الحيرة والاضطراب، في الوقت الذي عبرت فيه عن »آخر« متعدد، أيضاً؛ دليل اتساع الرؤية، من جهة، والتباس المشهد وتعقيده، من جهة أخرى.

وأخيراً، يخلص الباحث / الشاعر، بكثير من الأسف، الى أن صورة »الآخر« النقيض، وخلال قرن واحد، تحولت من »آخر« مرفوض جملة وتفصيلاً - بسبب أطماعه - إلى »آخر« يجب البحث عن نقاط التقاء معه من خلال الاعتراف له بحق ما في هذه الأرض. نتيجة مؤسفة لتاريخ يشهد أعمق هزائمنا وأقواها«


تصميم الحاسب الشامل