|
|||||||
|
1 ــ »الرواية العائلية« مصطلح نفساني وضعه س. فرويد في نص أصدره سنة 1909 تحت عنوان:»رواية العصابيين العائلية«. وتعتبر مارت روبير أول من وظّـف هذا المصطلح النفساني في قراءة الأدب، والرواية أساسا، في كتابها الصادر سنة 1972 تحت عنوان: »رواية الأصول، أصول الرواية«. ولا ينبغي أن نفهم من عمل مارت روبير أن الرواية العائلية لا ترتبط إلا بجنس الرواية في الأدب، فالمقصود هو أن هناك حكاية عائلية أصلية هي منذ القدم نواة كل الخرافات والأساطير والآداب السردية. وهذه الحكاية العائلية حكايتان: حكاية »العالم العائلي المعثور عليه«، وفي هذه الحكاية نجد إعادة صوغ للعائلة الواقعية التي خيّبت الآمال، وتعويضها من خلال عمليات التمثيل بعائلة أخرى ملكية ونبيلة. وحكاية »العالم العائلي المعيش«، وفي هذه الحكاية لا تعوض العائلة الواقعية بأخرى متخيّلة، بل تتمّ فقط مواجهة عنصر غير مرغوب فيه من عناصر هذا العالم المعيش. وتصنيف الأدب إلى أدبين: أدب »العالم العائلي المعثور عليه« وأدب »مواجهة العالم العائلي المعيش« هو من اقتراح مارت روبير، ولكن لاشيء يمنع الأدب السردي من اختراق هذا التصنيف، ومن أن يتركّـب نصّ سرديّ معيّـن من الحكايتين معا. وقيمة محمد زفزاف ليست فقط في كون نصوصه تقول الواقع المعيش وتواجهه، بل في كونها تقوم أيضا بمحاولات من أجل خلق ذلك العالم الآخر، ذلك الفردوس المفقود. والأكثر من ذلك، يمكن القول ان نصوص زفزاف، الروائية والقصصية، هي مسرح صراع بين حكايتين: حكاية تنقل الواقع وتواجهه، وحكاية تصور العالم المتخيّل الذي تريده الذات بديلا عن نسبها العائلي الواقعي والحقيقي. وبعبارة أخرى، نقول إن النص السردي عند محمد زفزاف هو نتاج معاناة واقعية اجتماعية، وبهذا ينتمي إلى »أدب العالم الواقعي المعيش«، ويصحّ أن نسميه أدبا واقعيا اجتماعيا. لكن هذا النص هو في الوقت نفسه نتاج دوافع نفسية ايروسية، وبهذا ينتمي إلى أدب »العالم المعثور عليه«، أدب الفردوس المفقود، ولا يصح أن نختزله في ما يسمى أدبا واقعيا اجتماعيا، بالمعنى المدرسي المتداول في الحقل النقدي. فهو في جانب منه يقول عالما آخر هو الذي تحبّ الذات أن تنتسب إليه، عالم مفقود متخيّـل، عالم قالته الأساطير والخرافات، وتقوله الأحلام والاستيهامات، وقالته الرواية مع سرفانتس. 2 ــ»غجر في الغابة« مجموعة قصصية أصدرها المرحوم محمد زفزاف سنة 1982، وهي تتكون من عشر قصص، تتراوح في الطول والقصر وتندرج أغلب هذه القصص، إن لم يكن كلها، ضمن ما يسمى بالنمط الاجتماعي العائلي،. ويمكن تقسيم نصوص هذه المجموعة إلى نصوص الابن، ونصوص الأمّ، ونصوص الأب. وهي في مجموعها نصوص تقول معاناة الذات في العالم العائلي المعيش، وتكشف خيبة أملها وبحثها عن عالم آخر تراه أجدر بأن تنتسب إليه. تفتتح المجموعة القصصية بقصة»في الغابة«، ومن هذه القصة استمدت المجموعة عنوانها. والراوي في هذه القصة من الشخصيات المحورية، هو طفل مراهق، هو واحد من الأبناء المراهقين الذين ينتمون إلى نفس الوسط الاجتماعي العائلي، ولكل واحد اسمه: حمو، عدي، المختار، ولدلالة النساء، إلا الراوي فلا اسم له، ربما لأنه يعتبر نفسه واحدا من هؤلاء، وما يهمّ هو أن ينقل حكايتهم وهي حكايته أيضا، وأن ينوب عنهم في نقل حكاية تهمّ كل واحد منهم، ولهذا نجده يصدر محكيه بضمير المتكلم الجمع: »علمنا«. تفتتح الحكاية بالخبر الذي نشر الفتنة في وسط الأبناء، المراهقين وحتى الأطفال: »علمنا أن الغجر خيّموا هذه المرّة في الغابة« يقول الراوي. والخبر سيتحوّل إلى موضوع مركزي في حوارات الأبناء، بعدها ستحاول كل مجموعة بطريقتها القيام برحلة إلى ذلك العالم الآخر، عالم الغجر. وبعيدا عن أعين الآباء، وتحديا لرقابتهم، يقوم الأبناء باكتشاف عالم آخر أكثر إغراء وافتانا، أكثر سموا من العالم العائلي الاجتماعي الذي ينتمون إليه. فمن خلال حكايته، يقوم الابن بوصف العائلة التي ينتمي إليها وصفا ساخرا يكشف مقدار الانحطاط الذي وصلت إليه، ويكشف في المقابل ما في العائلة الأخرى، الغجرية، من جمال ونبل وسحر. ولا يخفي الابن رغبته في الانتساب إلى العائلة الأخرى، يقول الراوي:»آه. كم أحب أولئك الغجريات ــ يا ليت لو كنت واحدا منهم.« (ص 8). فالواحدة من نساء العالم العائلي الأصلي لا يمكن أن تكون إلا حافية قرعاء(ص 8)، أما بنات العائلة الأخرى فان الابن الراوي يقول عنهن:»إنهن سمراوات وجميلات وذوات شعر أملس وأسود«(ص 8). تنال المرأة مكانة مهمة في هذه الحكاية، وهذا صلب الموضوع الذي يهمّ الابن المراهق، فما يفتن في الغجر هو نساؤهم، وما يفتن أكثر أن عالمهم عالم الحرية والحب والجنس واللذة. ولا مجال للمقارنة بين امرأة من العالم العائلي الأصلي، وبين امرأة فاتنة لا تظهر إلا مرّة كل سنة وهي دوما في ارتحال، موجودة ومفقودة باستمرار. وتنال الأمّ مكانة مهمة في هذا التعارض بين امرأة العالم الغجري موضوع الحب وامرأة العالم الواقعي المعيش. وأم المختار هي أكثر الصور تعبيرا عن درجة الانحطاط التي بلغتها الأم الواقعية، حتى لم تعد صالحة لتكون موضوع حبّ: »مشت نحو بيتها وهي تزحف. قذرة، حافية، قدماها متسختان... انحسر ثوب قشابتها، فأبان عن ساق عجفاء، مغطاة بالرضوض والكدمات... تقول كلاما قبيحا...«(ص 10). وفي مقابل هذه الأمّ الوسخة القذرة العنيفة، تظهر الأمّ الأخرى، في صورتها المثالية الفاتنة: »جاء غجري صغير وأعطاني نصف برتقالة. كان للبرتقالة طعم خاص، لذيذ بشكل لا يتصور... ركض الغجري الصغير جهة الخيمة. فخرجت أمه، في ثياب مزركشة ومفتوحة عند الصدر يظهر ثدياها وشعرها الأسود الفاحم يكاد يغطي وجهها كله. ومع ذلك ظهر بريق عينيها وابتسامتها الرائعة« (ص 11). يكشف الراوي صور القبح والعنف والانحطاط في عالمه العائلي الاجتماعي الأصلي، ويقوم برحلة إلى العالم الآخر الأكثر إفتانا وإغراء. وتصور الحكاية هذه الرحلة على أنها في حدّ ذاتها مواجهة للعالم الواقعي المعيش وتمرّد على سلطة الآباء الحقيقيين ورقابتهم. فمن خلال صوت الأمّ نسمع خطاب الأب الذي يعلم بهذه الرحلة التي تتكرر كل سنة، ويمنع تكرارها. ومن خلال أوصاف الراوي وخطاب رفاقه نسمع سخرية من أوامر ونواهي الآباء، ومن محاولاتهم تشويه صورة العالم الغجري. يبدو الصراع بين الأبناء والآباء صراعا حول القيم التي ينبغي أن يقوم عليها العالم العائلي الاجتماعي الذي تستحق الذات أن تنتسب إليه. والصورة التي يقدمها الراوي عن العالم الواقعي الأصلي صورة تكشف افتقاره إلى القيم المثلى التي عثر عليها الأبناء في عالم آخر، عالم الغجر. قوة الحكاية في أنها تصور الفردوس المفقود على أنه عالم مادي حقيقي تمّ العثور عليه منذ بدأ الغجر يحطون الرحال في المنطقة التي يقطنها الأبناء. هو عالم موجود ومفقود، يظهر ويختفي، يحكمه الترحال لا الاستقرار، ولا يخضع لنظام اجتماعي ثقافي قاهر كالذي يحكم العالم العائلي الواقعي، هو عالم تنشط فيه قوى الجمال والحب واللذة. والأكثر من ذلك أن هذا العالم العائلي السامي موجود »في الغابة«، أي في عالم طبيعي خال من علامات التمدّن والتحضّر، مع الغجر نعود إلى العالم الطبيعي الأول، عالم يقوم على مبدأ الطبيعة لا على مبادئ الاجتماع والثقافة والسلطة. 2 ــ إذا كانت »في الغابة« حكاية الابن، الطفل المراهق، فان »السجن والحديقة« حكاية المرأة / الأم. فهذه القصة عبارة عن رسائل ـ مذكرات يومية، من خلالها تشكو المرأة / الأم غياب موضوع حبّـها، الحبيب/الأب. هناك انفصال بين أعضاء العائلة الواحدة، فالأب غائب، و الأم وحيدة داخل بيت أشبه بالسجن، والطفل الابن يلعب طيلة الوقت في الحديقة. في كلام المرأة / الأمّ الكثير من اللوم والعتاب والاحتجاج على غياب الحبيب، على العالم الذي تقاسي داخله الوحدة والحرمان من الحب والحياة. في كلامها تستحضر أبطال الحب في الأدب الإنساني: روميو وأدولف... في كلامها هذا النزوع إلى عالم الحب المثالي الذي يقوم بدلا عن عالم واقعي يقوم على الصراعات الاجتماعية والطبقية. لا يهمّ أن تكون هي المرأة بورجوازية طموحة أو أرستقراطية في ثقافتها ونمط عيشها، وأن يكون الحبيب مناضلا شعبيا يحمل ثقافة أخرى. ما يهمّ حقيقة هو أن يستطيعا معا تجاوز هذا العالم الشديد الواقعية إلى عالم يقوم على قيم الحب والحرية والحياة. هي لا تطلب أكثر من الحياة في عالم الطبيعة، لا تطلب أكثر من أن تعيش في حديقة مثل طفلها، لا داخل السجن. ولنلاحظ هنا دلالة العنوان، أولننصت إلى ما تقوله صاحبة الكلام، وهي لا ترى ذاتها إلا من خلال استعارة مصدرها العالم الطبيعي لا العالم الواقعي الاجتماعي: استعارة الزهرة البرية: »ولأنني كنت ــ كما قلت ــ زهرة برية تستحق الإعجاب من بعيد، ومتى كانت الأزهار البرية توضع في زاوية من بيت؟ ألا تعرف أن هذه الأزهار تموت لأنها لا تحتمل هواء مزيفا في بيوت مزيفة؟ إن الأزهار البرية خلقت لتبقى في الحقول ولتحيا وتموت على طريقتها الخاصة« ( ص 37). من خلال خطابها، ترفض المرأة / الأمّ عالم الواقع الذي يوصف باستعارة السجن، وتعيد بناء العالم الذي تريد أن تنتسب إليه في حياتها ومماتها، العالم الطبيعي الخالي من الزيف، عالم الحب واللعب واللذة والحياة. 3 ــ وفي قصة»الهم« نقرأ حكاية الأب، وهي تفتتح بكلام داخلي للأب يكشف من خلاله الهوة التي صارت تفصله عن محيطه: »تعتقد عندما تحكي للناس عن همومك أنهم يتفهمونك.. تبحث عن سند في هذا العالم، لكنه في الحقيقة غير موجود عند أولئك الناس. على العكس بل انهم قد يزيدون في إذكاء جذوة ذلك الهم« ( ص 45). تدور الحكاية حول عائلة تتكون من الأب والأم والطفل. الأب مهموم ويعيش توترات داخلية انضافت إليها التوترات الخارجية بينه وبين الزوجة/ الأم. تقترح الأم الذهاب بالطفل إلى الحديقة، ويرفض الأب باعتبار أن هذا العالم الذي يعيشون فيه يتشابه ولا فرق فيه بين الحديقة وغيرها. وما يثير هنا أيضا أن الأب لا يرفض الحديقة، بل يرفض نوع الحدائق التي توجد في العالم الاجتماعي العائلي الذي ينتمي إليه، فهو لا يتصور الحديقة/ الطبيعة مسيّـجة ومحاصرة بكل هذه الممنوعات، والأب يحتجّ قائلا: »غير ممكن... ممنوع قطف الزهور. ممنوع المشي فوق العشب. ممنوع الاختلاء بأنثى. ممنوع السباحة.« ( ص49). 4 ــ في قصص زفزاف حكاية كل فرد من أفراد العائلة، وهي حكاية واحدة تتكرر وتتشابه: حكاية الذات التي تبحث عن إعادة بناء عالمها العائلي الاجتماعي بعد أن خيّب عالمها الأصلي آمالها وأحلامها. في قصص زفزاف إعادة بناء العالم الاجتماعي العائلي الأصلي واستبداله بعالم جديد قيمه هي قيم العالم الطبيعي، الأول والأصل، عالم ما قبل أسطورة التحضّر والتمدّن. بعيدا عن عالم العنف والقهر والكبت، تستعيد الحياة حريتها، وتستعيد الرغبة قوتها، ويستعيد العالم جماليته. ينتمي أدب محمد زفزاف إلى »أدب العالم الواقعي المعيش«، ولكنه ينتمي أيضا إلى أدب »العالم المعثور عليه«. والعالم الآخر الذي تسعى الذات للانتماء إليه هو عند زفزاف عالم الطبيعة بعيدا عن المدينة والحضارة. نجد كلا من الابن والأب والأمّ يحلم بالانتماء إلى عالم طبيعي بعيدا عن السجن الذي يختنق داخله باسم التحضّر والتمدّن. والأمر لا يهمّ قصص زفزاف فقط بل ورواياته. فإذا أخذنا، على سبيل التمثيل، روايته: »الأفعى والبحر«، سنجد شخصيتها المحورية، سليمان، وهو طالب جامعي، يقرّر أن يغادر الدار البيضاء التي جعلته »عصبيا لا يطيق العالم من حوله«، متوجّها إلى تلك المدينة الصغيرة »حيث البحر على الأقل يستطيع أن يعطي الشعور بالانشراح وعفوية الحياة وبساطتها«. يترك سليمان مدينة الضجيج إلى مدينة البحر، ففي البحر »يشعر بسرور عارم... بانطلاقة غريبة، انطلاقة من عالم جميل رائع إلى حلم، مثل العالم الحالم الذي يقرأ عنه في سلسلة معينة من بعض الكتب، عالم سحري«. يترك سليمان المدينة الكبيرة، الدار البيضاء، الى مدينة صغيرة، الصويرة. وللصويرة مكانة خاصة في أدب المرحوم محمد زفزاف، فهي قد كانت في السبعينات قبلة كل من يرفض أسطورة التمدّن والتحضّر، وخاصة ممّن يسمى بالهيبيين، الرافضين للحياة المدنية الغربية ونمط الحياة الذي تفرضه الحضارة الجديدة. الرحلة إلى الغابة أو إلى البحر أو إلى الصويرة هي، على حدّ تعبير زفزاف في هذه الرواية، »الاستمرار في الرحلة إلى العالم الفسيح«. |
|||||||
|
|||||||