»منامات« جوخة الحارثي
قراءة في البناء والرؤيا

 

وليد محمود خالص (اكاديمي من العراق يعمل بجامعة السلطان قابوس)


تتبنّى جوخة الحارثي النّص السردي في التعبير عن تجربتها، وهي تنحاز لنمط خاص منه في هذا العمل الذي بين أيدينا، فقد أصدرت مجموعة قصصية سنة 2001 تحمل عنوان [مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل]، وها هي تستأنف مشروعها فتصدر [رواية] تحمل عنواناً آخر هو [منامات] فكأنّها أحسَّت أنَّ عنوان المجموعة القصصية قد مسّه شيء من الطول فآثرت للعنوان الجديد كلمة واحدة هي [منامات]، بيد أنَّ الأسلوب، والتقنيات المستخدمة، والأدوات التي عملت بخفاء لإنتاج النّصين ظلّت متقاربة إن لم تكن واحدة ممّا يشي باستقرار من نوع ما على طريقة في الكتابة تعتمد التكثيف، والمفارقة، والانتقال المفاجئ، والغرائبية، وبناء عوالم سحرية، ولم يكن أثر ألف ليلة وليلة ببعيد، بالإضافة إلى مخزون ثقافي واسع - كما سنرى - ممّا حدا بالعملين أن يأخذا السمت المتقارب في البناء والأسلوب معاً.

تدلف جوخة إلى فضائها السردي من خلال عنوان لافت لا يمكن تجاهله هو [منامات]، وهو يستدعي الكثير، وخصوصاً أنَّها قد أثقلت نصّها بجمهرة من المقتطفات، والإحالات من مصادر تراثية آونة، وحديثة آونة أخرى.

إنَّ جوخة بصنيعها هذا ذي الشقّين، أي العنوان، والنصوص المضمّنة قدّمت مفتاحاً بل مفاتيح للقارئ يتمكّن بها من فتح مغاليق النّص، والتعامل معه بحيوية، بما تتيحه له تلك المفاتيح من نجاح في تطبيق بعض المقولات النقدية مثل [النّص المحاذي] في مقابل النّص المتن، وما يسمّى بـ [العبارات التصديرية] التي تنتشر انتشاراً واسعاً في الرواية، وتتلبّس بالنسيج العام لها لتصبح جزءاً متلاحماً معها، وتؤدي أدواراً جوهرية كما سنرى.

هل تتحصّن جوخة بـ [المنامات] لتقول ما تريد قوله؟ وهل تتخذ من [المنامات] حجاباً تتخفّى وراءه لتقول قولاً يصل إلى حدّ البوح الداخلي، والمناجاة الباطنية؟ توالي الأحداث، ولا نقول، تسلسلها يهدي إلى هذا، إذ ليس هناك من ضابط لتلك الأحداث سوى تدفق المنامات واحداً تلو الآخر بما تختزنه تلك المنامات من غرائبية، وبُعد عن المنطق، ودخول إلى عوالم عجيبة، فهي تخلق بيد تلك المنامات عالماً موازياً ليس للكلام فيه حدود أو سدود، ويتساوى فيه المباح مع الممنوع، فكأنّها شهرزاد تروي، والكلام وحده هو الحاجز بين الموت والحياة، الخلاص هنا كما كان هناك بالكلام، فلتظلّ الاثنتان تسردان إذ لا مفرّ، فالنهاية محتومة، غير أنَّ هناك فرقاً بينها - وهو فرق جوهري- إذ إنَّ لشهرزاد حداً تقف عنده هو نهاية الليلة بينما يتلاشى الزمن وما فيه هنا، فلا توقّف، بل سرد متّصل، ولهاث خلف السرد، وهنا مكمن الاختلاف الحقيقي الذي أثّر بدوره على نسيج النّص كلّه.

هذا عن التسلسل والتوالي، أمّا المنام هنا فلا يمكن فهمه بمعزل عن ذلك المناخ الصوفي الذي جلّل [الرواية] وظلّ الصوت المرتفع المتميّز فيها، ونحن نعلم أنّ للمنام والمنامات تاريخاً معرقاً في التراث العربي، إذ نتمكّن من إحصاء عشرين كتاباً ويزيد عن هذا الموضوع، وهي بأقلام مؤلفين مختلفي المشارب، بعيدي التوجّهات، كثير منها لا يزال مخطوطاً، وما يعنينا منها هنا كتابان لاتصالهما الحميم بهذه الرواية، وما تقدّمه من أفكار، أولهما [منامات الوهراني]، تلك المنامات التي نالت من الذمّ والقدح أكثر بكثير ممّا حظيت به من المدح، وكأنيّ أقول إنّ عصر الوهراني وما تلاه وهو القرن السادس الهجري لم يفهم المرامي البعيدة التي أرادها في مناماته فاعتبرها شيئاً أقرب إلى السخف والتندّر، وهي - بلا شك - ليست كذلك، فقد تحصّن خلفها - كما تفعل جوخة - ليقول ما لا يتمكّن من قوله مباشرة بصريح الكلام، وقدّم فيها نقداً لاذعاً للمجتمع، وطبقاته، وإغراق ذلك المجتمع في ملذّاته بعيداً عن هموم العامة، فليس غريباً بعد هذا أن يتناولها المجتمع التقليدي بالكثير من التحفّظ والرفض، أمّا مَنْ استقبلها فهم أولئك الذين نطقت بلسان حالهم، ووصفت سبل عيشهم مع حفنة قليلة من المثقفين الذين كانوا هم بدورهم من [المهمشين]، فكأنَّ المنامات تلامس واقعهم، وما يعانونه من شظف العيش على ما هم عليه من تميّز وفرادة.

أمّا الكتاب الثاني فهو أشدّ تلازماً مع منامات جوخة وهو [روض الأنام في بيان الإجازة في المنام] لعبد الغني النابلسي، وهو لا يزال مخطوطاً، والنابلسي صوفي راسخ في التصوف، ذو مواهب متنوعة واهتمامات كثيرة، والإجازة التي يشرحها في كتابه هي جواز تلقّي المريد خرقة الصوفية من شيخه في المنام على تباعد في الزمان والمكان بينهما، وفي هذا من الطرافة والخيال الخصب في آن واحد ما لا ينكره أحد. فما دام التصوف قد اعتمد في سلوكياته، وأدبياته الحدس و[استقالة العقل] كما يسمّيه د. محمد الجابري، ومادام قد دعم الكرامات من طيران في الهواء، ومشي على الماء، وأكل للجمر، وخرق للعادة والقانون الطبيعي، أقول ما دام قد اعتمد ذلك كلّه فما المانع بعد ذلك أن يلتقي اثنان في المنام وبينهما قرن أو قرنان فيجيز السابق اللاحق، ويمنحه بركته، ويسقيه من كأسه؟

ولا ندري إن كانت جوخة تستدعي ذلك الذي أشرنا إليه، ولكنّها من المؤكد قد اختزنت من خلال قراءتها منزلة المنام في التراث العربي، ومكانته في علم النفس الفرويدي خصوصاً، وبعد هذا عمدت إلى الاختيار، ولم يكن ذلك الاختيار عشوائياً، بل هو اختيار مقصود، يراد له أن يشتغل بفاعلية ضمن جهاز النص، وشبكة العلاقات فيه، وهي بهذا الإجراء قد حقّقت هدفين: الاختيار الواعي، والتوظيف الناجح، وقادها تينك الأمران إلى النهاية التي تودّ أن تبلغها.

ووفق ما تقدّم فقد فعل النّص المحاذي فعله في النّص المتن، وأضفى عليه من دلالاته، وظلاله الشيء الكثير بحيث وجّهه الوجهة التي يريد، وأوصله في النهاية إلى الخاتمة الطبيعية له.

وللعبارات التصديرية خبر آخر، ونعني بها تلك النصوص المقتطفة بحروفها من كتب أخرى سواء أكانت تلك الكتب قديمة أم حديثة، وكأنَّ جوخة تريد أن تختبر بها ثقافة القارئ، وهل يتمكّن من فرز تلك النصوص عن نصّها الخاص، ولا نسترسل في هذا الأمر، فما يهمّنا منه هو مدى فاعلية تلك النصوص، والعبارات التصديرية في إغناء النّص الخاص، وليس هذا الأمر بجديد على النّص الأدبي، ولعلَّ مصطلحات مثل التضمين، والاقتباس، والالتقاط تقترب إلى مدى معين ممّا نحن فيه، ولكنّ الفيصل يظلّ هو مدى قدرة صاحب النّص على التوظيف، والإغناء.

ونحن نواجَه هنا بنصوص لأبي حيان التوحيدي، وجلال الدين الرومي، وأبي مسلم البهلاني، وحسب الشيخ جعفر، ومحمود درويش، ومريد البرغوثي، مع إشارات خاطفة إلى المتنبي، وامرئ القيس، والسيّاب، وعبدالرحمن حنيف، ولكنّنا نسارع فنقول إنَّ هناك خيطاً رفيعاً خفياً يجمع بين أولئك الأعلام على تباعد بينهم في الزمان والمكان، ولا يمكن أن يكون ذلك الخيط سوى التصوف بصوره المختلفة، إذ لا تصطفي من كتبهم، أو نصوصهم إلاّ ما له علاقة وثقى بالتصوف، كأن يكون استبطاناً، أو مناجاة، أو لوماً للنفس، أو تقريعاً لها على ما فرّطت في أمورها، وهو استثمار ناجح لتلك النصوص نفخ في نصّها الخاص حياة جديدة من جهة، وأوثق صلته بالمناخ الصوفي التي تريد بناءه من جهة أخرى.

يبدأ أحد الأقسام ببوح خفيّ لأبي حيان في الإشارات الإلهية هو: »الخوف يقبضني، والرجاء يبسطني، والحقيقة تجمعني، والحق يفرقني، فإذا قبضني الخوف أفناني عني بوجودي، فصانني عنّي، وإذا بسطني الرجاء ردّني عليّ بفقدي، فأمرني بحفظي، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني فدعاني. وإذا فرقني بالحقّ أشهدني غيري فغطاني عني. فنائي بقائي«، وفيه من المصطلح الصوفي، ما يقدّمه من دلالات عميقة ما يغني كثيراً عن الشرح، فهناك القبض، والبسط، والحقيقة، والفَرْق، والحقّ، وذروة النّص، خاتمته: فنائي بقائي، وهي كلّها مصطلحات صوفية أسهبت كتب المصطلح الصوفي في شرحها، وتبيان مراميها البعيدة، وليس هذا بغريب، فهي تقتطع من كتاب مخصوص لأبي حيان هو [الإشارات الإلهية]، وهو كتاب مختلف اختلافاً بيّناً عن كتبه الأخرى كالبصائر والذخائر، والإمتاع والمؤانسة، وأخلاق الوزيرين. فهو كتاب - بما شئنا من المعاني - صوفي بدءاً من عنوانه بحسبان أن التصوف »علم يدور بين إشارات إلهية وعبارات وهمية«، كما يقول أبو حيان نفسه، ويجلّي أبو علي الروذباري هذا الأمر بقوله: »علمُنا هذا - أي التصوف - إشارة فإذا صار عبارة خفي«، ومروراً بموضوعاته ومعانيه، وانتهاءً بمقاصده وخواتيمه، وهو يذكّرنا بطواسين الحلاج، ومواقف النفري، وفتوحات ابن عربي، هو مناجيات، وابتهالات، ونزوع صوفي مستميت للوصول، فليس غريباً بعد هذا أن يأتي وهو مثقل بالمصطلح، والروح الصوفيَّين كليهما، والعبرةُ بعدُ هنا لا بالنص وحده، فالنّص هناك تحويه دفّتا الكتاب، بل العبرة بالاختيار، والتوظيف، ولذلك نرى جوخة تسوق ذلك النّص وكأنّه استمرار في وصف حال [البطلة] الخارجي، والداخلي، وتمزّقها بين أحلامها الوردية الشفّافة، وبين ما تواجهه من تلك الكثافة المعتمة في هذا [الخارج] الكئيب، سواء أكان ذلك الخارج شخصاً، أم مجتمعاً، أم تقاليد، فهي بذلك النص ترمي إلى أمرين أولهما تقرير واقع حال [البطلة]، وثانيهما نزوعها الدائم إلى التخلص من ربقة ذلك الحال، وكسر أغلاله، فإذا كان أبو حيان بلغته الصوفية قد غار إلى العمق في وصف أحوال النفس وهي متقلّبة متغيّرة، بَيْد أنَّه ثابت في مكانه لا يريم بسبب عجزه، وقلّة حيلته، وقسوة ما حوله، فإنَّ جوخة تتّخذ من الجانب الثاني منفذاً بحيث لا تكتفي بالوصف وحده، والثبات وحده، بل تعمد إلى الحركة والاستمرار وهما رمز الحياة، فالبطلة تسمع، وتنتقد ابن العمة، وتعرض الجارات بصورة متنوعة، وتحاول أن تداوي جروح روحها باصطناعها قوة تستمدّها من ذاتها بحيث ينتهي القِسم بقولها: »لقد شفيت تشنجاتي تماماً وسأعود«، لم يكن الشفاء كاملاً وهو ما تشير إليه الكلمات، ويؤدّيه فقه الأحداث، ولكنّه شفاء من نوع خاص على أيّ حال، مع الإلحاح على ذلك الاختلاف البيّن مع التوحيدي الذي آثر القعود والانتظار.

ولصوفي آخر مكان في [المنامات] هو سعدي، وتقتطع جوخة نصّه الآتي: »وإنني لا أرى ماء الروح سجيناً في مستنقع الجسد هذا فلأرفع التراب حتى اتّخذ طريقي إلى البحار«، ومثله أبو مسلم شاعر عُمان المشهور إذ ترافقه جوخة في بيته:

ويـا نـارَ قلبـي مـا لجمـرِكِ كـلّمــا

نضحـتُ عليـه المـاء لا يـتبّــوخ

وبيته الآخر:

هـا قـد ندمـت النـدم الصـريـحــا

علـى حضيـض ذلّـتـي طـريحـا

ولم تكن تلك النصوص - وغيرها كثير - سوى دعائم ثابتة تلاحمت مع النسيج العام للرواية، وغدت جزءاً أصيلاً فيها، عمّقت الموقف، ووسّعت الرؤيا، وأضافت إلى المشاهد أبعاداً جديدة، وأتاحت لجوخة أن تسافر بعيداً في أرواح الشخصيات، وتعود حاملة معها أحلامهم، وذكرياتهم، وخفيّ البوح عندهم، وهو ما لم يكن بمكنتها الوصول إليه لولا تلك المقتطفات أو العبارات التصديرية وهي مغلّفة باختيارها، ومجلّلة بنجاح الانتقاء منها.

ولعلّ ما يتّصل أوثق اتصال بما سبق هو المناخ الصوفي، واللغة الصوفية التي احتلّت مساحة بل مساحات واسعة من فضاء هذه الرواية، وقد قدّم هذا التوجّه طبقات من الثراء للرواية منذ مفتتحها وحتى خاتمتها، فقد نجح في تنويع الأسلوب المستخدم، فهو يتيح لجوخة أن تتنقّل بسهولة بين حوار خارجي بين اثنين أو أكثر، إلى حوار داخلي يقترب من تيار الوعي ينساب كأفعى في مجاهل بعيدة، إلى وصف دقيق غير أنّه مكثّف لحالات متباينة، ولم يكن ليتحقّق ذلك كلّه لولا تلك اللغة الخاصة التي ارتضتها، ونجحت في توظيفها.

ولعلَّ القارئ المدقّق يلحظ أنَّ هناك نوعاً من التدرج في التعامل مع التصوف ولغته الخاصة، فهي تأخذ نصّها أخذاً رفيقاً لتدخله في الوهلة الأولى إلى أجواء روحانية عمودها القرآن الكريم، والحديث النبوي، فإذا رأت أنّها تمكّنت من تثبيت أسس ذلك المناخ بدأت بالغور نحو العمق إذ لم يعد الظاهر، والنّص المباشر كافيين، وهل هناك طريق سوى التصوف يقود الروح والنّص معاً إلى تلك الأعماق التي لا قرار لها، ليس هناك من نهاية لهذا كلّه، فليس هناك إذن سوى الصوفية، وعوالمهم العجيبة، وإشاراتهم الدّالة تصلح لهذا الذي تنوي رسمه، وترحل في فضائه.

القرآن حاضر، إن بالنص وإن بالإشارة، ولا ننسى الإشارة فهو الكهف الذي تأوي الصوفية إليه، وتتلبّس جوخة أسلوبهم لتصل إلى ما تريد، ومع القرآن الحديث، وتكتب: »تخيّلته ينادي في الشوارع بحلّة عمله الأنيقة: لا مساس، لا مساس«، أليست تنظر إلى السامريّ وهو المكتوب عليه أن يظلّ قائلاً لا مساس في قوله تعالى: »قال فاذهب فإنَّ لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعداً لن تخلفه« [طه، 97]، وتكتب: »هذه شفتاي قد علق بهما كلام كثير، وجف دون اطباقتهما، واساقط قشوراً خشنة لم تشفع قط في دنيا الليونة والملاينة«، ومرة أخرى: »فلتساقطي عليّ شهداً جنياً أيتها الهدايا«، وهي تفيء هنا إلى السيدة مريم التي هزّت بجذع النخلة فتساقط عليها الرطب الجني [مريم، 25]، وتكتب: »فخرّ صعقاً في كل فج له رؤيا«، ألا تفيد جوخة هنا من آيتين فتجعلهما في موضع واحد؟ قال تعالى حاكياً عن موسى: »ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال: ربِّ أرني أنظر إليك. قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين«، [الأعراف، 143]، وقال تعالى: »وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق« [الحج، 27]، وتصنع الأمر نفسه حين تكتب: »عيون: عيناه ميزان، عينان نضاحتان، فيهما فاكهة ونخل وأكمام«، فهي تنظر إلى آيتين في سورة الرحمن هما: »فيهما فاكهة والنخل ذات الأكمام«[11]، و»فيهما عينان نضاحتان«[66]، فإذا تيقنت من أنّها قد فرشت أرضية اللوحة، ومهّدتها جاءت تلك اللغة الصوفية التي تستقرّ عليها بعد شقاء وأي شقاء، مع أجواء الصوفية، وعباراتهم التي تستعصي على الفهم الخارجي، فهي تبغي نفساً تتقبّل، وقلباً ذكياً يفهم، وروحاً عطشى ترغب، علّ ذلك الرذاذ يروي شيئاً منها، وهيهات.

لقد غرفت جوخة من بحر واسع، ومدى لا يحدّه البصر، ولعلّي أتكئ هنا على ما قاله الشاعر الكبير الفرزدق حين قيل له: لقد أحسن الكميت في هاشمياته! فقال: لقد وجد آجرّاً وجصّاً فبنى، يريد فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وآل بيته الكرام، وقد وجدت جوخة هي الأخرى أجّراً كثيراً، وجصّاً أكثر فبنت نصّها، ولم يكن ذلك الأجّر والجصّ سوى تراث الصوفية المتّسع، ومعه السلوك العُماني ذو الوجهة المخصوصة الذي نجحت في الانتقاء منه، وتكتب: »... ولم تطفي دموعي ناري، واستعذت، وكنتَ شيطاناً مارداً لا أقوى عليه، فسلمت، وهتفت: راضية بالبلاء يا مولاي«، وتكتب: »... آخر ما يخضد القلب من شوك وما يخترق لحم الأقدام من جمر المشي حافياً على وهم التوحد«، وتكتب: »كنّا نصعد معاً إلى ذرى من التوهج، نكتشف أنفسنا كيف تفنى، وكلّ يوم جديد كان يتفجر بالمزيد، لا آلام إلاّ آلام الحب الخالصة، وشوقه النقيّ الفريد، وسحره الذي ينفي العالم كلّه ويبقينا نحن«، وتكتب: »سمعت صوت عمتي مع توقيع أصابعها على شعر حمد: وإن خلعتِ بدَنكِ؟ إن خلعتِ بدَنكِ مجردة، تكوني حينئذ داخلة في ذاتك، خارجة عن جميع الأشياء مجموعة عليك، مصروفة البال إليك، فترين في ذاتك من النور والبهاء والرفعة والسناء ما تبقين له متعجبة متحيّرة، فتعلمين أنّك جزء من أجزاء الجبروت«. على هذه الشاكلة من التوتر، والتكثيف، والدهشة تتخّذ [الرواية] طريقها، ولا يمكن التعامل معها، أي مع اللغة الخاصة إلاّ بعملية ذي شعبتين: تتمثّل الأولى في [تفكيك] مغاليق الكلمات وردّها إلى أصولها لتستقرّ هناك في حضن الأم الأصل، ووصلها بعد هذا بسياق العبارة نفسها لنكتشف هل تمكنت [الكلمة] من إحداث التغيير الدلالي العميق للعبارة كلّها، بحيث تنقلها من حافتها الظاهرة إلى شفرتها الحادّة الباطنية، أمّا الثانية فتتجلّى في القراءة الشاملة للأجزاء، فالأقسام لنصل إلى المناخ العام الذي أحدثته تلك العبارات، وهي متصلة على هيئة نسق متكامل يشكّل عمود الرواية وبناءها العام، وقد رأينا من خلال ما سقناه آنفاً ذلك الاتصال الحميم بين كلمات مثل: التوحد، والتوهج، والشوق، وخلع البدن، والنور، والجبروت وبين التركيب الذي انزرعت فيه بحيث قدّمت مذاقاً مختلفاً، وأبدعت عالماً غريباً، فإذا ضممنا الجزء إلى جزئه، والإلف إلى إلفه، أشرق النّص متعاضداً يحوم ولا يقع، ويومئ ولا يصرّح.

وقد صمّمت جوخة أن تقطع الشوط إلى نهايته في [لعبة] الحروف والكلمات، ألم نقل سابقاً إنّ لديها الكثير الكثير من الآجر والجّص، فليعمل ذاك عمله، ويشارك في البناء، ولذلك راحت تحفر بعيداً، وتقيم هياكل من تلك الحروف والكلمات، هياكل خاصة بها، غير مسبوقة، وتكتب: »كان لفخّ الفاء في فخره صدأ أراني تآكل سُجف الغد، ولخَور الخاء خوار يكشف خشية التقدّم، وفي وحل الواو غار جبيني، وعلى حدّ الراء المرائية الجهرية تكشّف سري«، وتكتب: »الحياة... مخيفة مخالبها المخبوءة في خبء من السماوات وخبء من الأرض، خائنة خوانة وإن خبت فستخب من رماد الخُب وماء الخوابي، خلا بي فحلبها فخيلّ إليّ أن في خيلائه لخبراً، وحين خبرت ما خفي كان قد أخنى عليّ الدهر«، هذا عن الخاء، أمّا الدال فلها موضع آخر، وتكتب: »أحمل دلوي على رأسي الدنف المتدلّه بالدرب الداني، المنادي بالدنو، وبدلوي الدم الفاسد، يدمدم ليدمغ الدانة، ويدنيها من دبيب الدنس، ويدلي دموعها في دنيا الدنايا«، اثنتان وعشرون دالاً، ماذا تريد خوخة بهذا؟ كان شيخ المعرّة أبو العلاء يلهو في وحدته الطويلة باللغة، فيزخرف، ويلتزم بما لم يلتزم به غيره، ويبحث عن الغريب يضمّنه شعره ونثره، غير أنّي أعتقد أنَّ هذا غير كاف في مقامنا هذا، إذ ينضوي هذا اللعب باللغة والحروف هنا تحت مظلّة التصوف التي وقفنا عندها سابقاً، وللحرف عند الصوفية مقام وأيّ مقام! فإذا اقترن الحرف بالعدد أمكن به تفسير حوادث الدنيا من لدن آدم إلى قيام الساعة، بل إنَّ هناك فرقةً صوفية برأسها قد اتخذت من الحروف عنواناً لها فسمّيت بـ [الحروفية]، وكان قطبها، ومكمن الحركة فيها فضل الله بن عبدالرحمن الحسيني الشاعر المتوفى سنة 804 للهجرة الذي ترك مجموعة من الكتب، غير أنَّ أهمّ جانب فيه هنا هو براعته في تعبير الرؤيا وتأويل المنامات حتى سمّي بصاحب التأويل، وله مع الحروف، والأعداد تاريخ طويل، وكأنَّ جوخة في نزوعها الدائم لاصطناع لغة الإشارة عمدت إلى ذلك اللون من التعبير لتقدّم الحرف وحده هكذا منفرداً بلا قوة تسنده من حرف آخر، فهو وحده كفيل بإحداث الأثر؛ لأنَّ طاقته غير المحدودة مستمّدة من داخله، ولعلَّ قولة ذلك الصوفي توضح لنا شيئاً في هذا الموقف حين أعلن أنّه النقطة التي تحت الباء، فلم يجرؤ أن يكون الباء كلَّها بل عرف مكانته فاكتفى بالنقطة؛ لأنّ إدراك منزلة الباء كلّها أمر عسير، وكذلك هي حين تحرس الشجرة السحرية بحرف الميم، وتكرّر الدال والخاء مرات ومرات، وبمعنى أنّها لم تَرَ شيئاً لدى الصوفية إلاّ وانتفعت به، فإذا رأينا هذا الانتفاع مبتوراً عن السياق العام، لخُيّل إلينا أنّه لعب وزخرفة، غير أنَّ قراءته ضمن النسيج يتيح لنا رؤية أوسع تضع الحرف في مكانه السليم من هيكل التصوف الذي ألّحت عليه.

إنّ ما تقدّم هو من أخصّ خصائص لغة الإشارة التي عشقتها الصوفية، وأخلصت لها، وأتت جوخة فاقتفت أثرهم، وسارت على خطوتهم مع رؤية مختلفة، وموقف معاصر.

ولم يكن عبثاً أن تختتم الفقرة السابقة بالإشارة إلى الرؤية المختلفة، والموقف المعاصر، فلم يكن لجوخة أن تسجن نفسها داخل سجن اللغة، وهي تصرّح أن اللغة مراوغة، تقول ولا تعني في كثير من الأحيان، فهي وإن مالت إلى تلك اللغة الخاصة، وشقيت في ترويضها، وإغناء نصّها لها، وظلّت تلاحقها بالتكثيف، والإشارة، والإيحاء، أقول هي وإن صنعت ذلك كلّه لم يكن لها أن تلقي نصّها هكذا مفرّغاً من كلّ موضوع أو فكرة حتى بالمعنى التقليدي، بل لابدّ من موقف ما، أو فكرة تطغى على العمل كلّه، وتأتي التفاصيل الأخرى لتوضح، أو تعمّق، أو تكمل، ولم تكن تلك الفكرة المسيطرة التي أريد لها أن تملأ فضاء الرواية سوى السطوة الذكورية على المجتمع، ومرافقه كلّها، وهي لم تقل هذا مباشرة، ويحقّ لها هذا، فقد تقع في التسطيح، والمباشرة، وهو ما يخلّ ببناء العمل الأدبي كثيراً، ولكنّها عمدت إلى ما نستطيع تسميته بالمشاهِد المنفصلة التي تنتشر في جنبات الرواية، ولكن عند مقابلة بعضها ببعض تتضح الصورة النهائية، فمقولة الموازنة هي صلب تلك الفكرة، ومن غير الممكن الوصول إلى بغية العمل وهدفه بدونها، كما إنَّ رؤية المشاهد وهي منفصلة يتيح كشف جانب من الصورة فقط، ويلقي بعتمة شديدة على جوانبها الأخرى، وليس هذا في مصلحة الرواية والموقف معاً.

تقدّم جوخة بعناية كبيرة مجموعة من المشاهد وهي تصوّر الذكَر من جهة، وفي مقابلها مشاهد الأنثى، فالذكر كما تكتب: »كان يحوّل الصور الجوية إلى خرائط دقيقة، يستخدم حاسوباً ضخماً معقّداً تتصّل به فتحة تتسع للعين، وحلقة معدنية دوارة لضبط القياسات، وكان يعمل بانتظام كأنما لا يقلق، وكنت أقلق«، وتكتب: »كان واقفاً منحنياً على الطاولة التي افترشتها الصور والخرائط، وبالقلم الرصاص كان يخطّ أرقاماً على بعض الهوامش،... قال فجأة: لعملي علاقة بترسيم الحدود بين الدول«، وتكتب: »سكت هنيهة ثم قال بتردد: عندما أبكي أقول لنفسي: أنا الآن أبكي، كأن شخصاً آخر هو من يبكي وأنا الآن أراقبه... وعندما أرغب أو أكره.. لاحظت أنّه لم يقل: عندما أحبّ أو أكره«. الذكر إذن جادّ، لا همّ له سوى العمل الذي يستغرق وقته كلّه، فتكون النتيجة أن لا وقت لديه للتفكير في أشياء أخرى، وهو سلبيّ إلا حين يتعلّق الأمر بمنزلته عند ذاك يغيّر منهجه وطريقته، ويدافع عن حقوقه المكتسبة على مرّ السنين.

أمّا الأنثى فهي على النقيض من ذلك كلّه الذي مرّ، فبينه وبينها »عوائق العجب، ومحبة الأستار، وولوج الشبهات، وحين رأته أبصرها من علُ، وأبصرته من خلف«، ولن أقدّم نصوصاً أخرى إذ أشعر أن ذلك النص قد اختزل ما تريد جوخة قوله، لقد تمكّن ذلك النّص أن يبوح بألم ما تعجز عنه صفحات كثيرة: الرؤية والإبصار، والـ [علُ] والـ [خلف]، والعوائق، والأستار، كلّ كلمة تشي بسطور عن واقع أليم تعيشه تلك الأنثى النموذج، ولكن هل تستسلم لقدرها، وتترك قيادها في مهبّ الريح؟ تتمرّد [مي] على واقعها، ترفضه، تناقش، وتجادل، »وتؤمن بقضية، بقضايا، وتمشي إليها ككلّ المؤمنين« كما كتبت جوخة، أمّا الأخرى فتلجأ إلى الحلم حيث يحلو لها هناك أن تصنع ما تشاء، تكتب: »وقتلته مراراً في الحلم دون قَوَد«، القتل في الحلم أمره معروف، وأقرب عمل إلينا هو [الخبز الحافي] لمحمد شكري الذي يقتل أباه في الحلم مراراً تخلّصاً من رمز القسوة والتسلّط، أمّا الذي يعنينا هنا هو عبارة [بلا قَوَد] تلك التي قالتها وهي تطفح حقداً أو مرارة، وهي جديدة حتى على الأحلام نفسها، فهذا المقتول لا يستحقّ القتل فقط، بل هو شيء زائد، لا قيمة له، فلا يستأهل حتى القَوَد إذ لا قَوَد لشيء تافه، فكأنَّ جوخة تقدّم كلّ ما تملك من وسائل لتدافع بها عن تلك النماذج المسحوقة، غير أنَّ الأب، والأب وحده يظلّ رمزاً للنقاء، والعذوبة فهي تحيطه بهالة تكاد تصل حدّ القداسة، فهي على النقيض من محمد شكري، ربّما لاختلاف الرؤيا، ولكنّ النتيجة تظلّ متقاربة، فالأب وهذا [الآخر] ذكران على أيّ حال.

اللغة الإشارية المكثّفة، والمضمون المتماهي معها هما أهمّ ما يميّز [منامات] جوخة، وهي تعتمد هذا الأسلوب في مجموعتها القصصية التي سبقت [منامات]، فهي بإصرارها على هذا النمط إنّما تشقّ لنفسها طريقاً تستقرّ عليه، وتتميّز به في آن واحد، وكأنّي أرى أنّها في أعمالها القادمة ستعتمد المزيد من التكثيف، اعتماداً على مقولة النفرّي: كلّما اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارة، فبمرور الوقت سيتّسع الوعي، والإحساس الحادّ بـ (الماحول) وعند ذلك ستلجأ إلى هذا الذي قلناه، لقد قدّمت [منامات] بجلاء من الأدلة على أن التراث العربي، وخصوصاً الصوفي منه قادر بتميّز على أن يمدّ الروائي بما شاء إن في اللغة، وإن في الموضوع إذا أحسِن استغلاله، وتمكّن الكاتب من مدارسته واستخراج دفائنه الثمينة، كما أقنعت [منامات] فضول القارئ من أنَّ القراءة تنبع من النّص نفسه، فهو الذي يوجّه القراءة، ويمنحها سمتها النهائي، وليست المقولات النقدية سوى عوامل مساعدة تقوّي القراءة، وتمنحها آفاقاً جديدة غير أنّها مستمدة من النّص أيضاً، وقد منحت [منامات] أشياء وأشياء لهذه القراءة، ومكنّتها من التفاعل معها، واكتناه ما وراء سطورها بما ألقته من [مفاتيح] بين يديها، وهنا مكمن التلاقي الحق بين النص وقارئه المنشود.


تصميم الحاسب الشامل