أ. ب. يهوشواع »الكراهية الشرقية« للعرب
صورة للعنصرية بين الأقليات في إسرائيل

 

يتسحاك لائور
ترجمة وتقديم: نائل الطوخي
(مترجم من مصر)


يصور عدد كبير من الأدباء الإسرائيليين باعتبارهم دعاة سلام، فهم يشاركون في حركات سلام مثل حركة »السلام الآن« النخبوية الضيقة والتي تحمل بذور استعلائها على العرب والشرق بداخلها، ويحوزون  الأضواء والاهتمام البالغ في الغرب، ويرشح بعضهم لجائزة نوبل. في مقابل هؤلاء، المنتمين إلى ما يسمى اليسار الصهيوني، والذين يعد الأديبان الإسرائيليان أ. ب. يهوشواع وعاموس عوز هما أبرز أوجههم، فإن ثمة تياراً آخر من اليسار الراديكالي في إسرائيل، لا صهيوني ومعاد للصهيونية، يقاطع من السلطة الإسرائيلية والجمهور بشكل واسع بسبب مطالبه الراديكالية من إسرائيل وبسبب عدائه المعلن للصهيونية، وإيمانه بشكل قاطع بحق الفلسطينيين في أرضهم وفي الكفاح لأجل الحصول عليها.

من أبرز وجوه هذا اليسار الراديكالي الشاعر يتسحاك لائور، والذي سجن لرفضه الخدمة العسكرية في السبعينيات كما عارض بشدة اجتياح لبنان في أوائل الثمانينيات، ولا يزال حتى الآن ممنوعا من الكتابة في الصفحة السياسية في الجريدة التي يعمل صحفيا بها، »هاآرتس«، وإنما يكتب في صفحة الثقافة، في مقابل الأديب الإسرائيلي الأشهر من أصول شرقية، مقدسية بالأحرى، أ. ب. يهوشواع، والذي يُقرأ باهتمام في إسرائيل والغرب، بسبب تماهيه المعلن مرارا وتكرارا مع الصهيونية، وبسبب استجاباته الفورية لكل الأوامر الأيديولوجية للدولة الإسرائيلية العنصرية.

في هذه المقالة والمنشورة في العدد الثاني من دورية ميتاعام الإسرائيلية اليسارية والتي يشرف على تحريرها الشاعر الإسرائيلي يتسحاك لائور، يقدم هذا الأخير قراءة لروايات يهوشواع، أجزاء من حواراته، وتصريحاته المعلنة للصحافة والتليفزيون، لكي يحلل عبر هذه القراءة أسباب كراهية جمهور الشرقيين (السفاراديم) في إسرائيل للعرب، ونوعية اندماجهم بالخط الصهيوني السائد، أشكال عنصريتهم، والتي تختلف تماما عن العنصرية الغربية »الإشكنازية« ضدهم، ولكي يقدم تحليلا بالغ الأهمية لأثر الصهيونية على الهوية اليهودية، مدى إضافتها لها أو مدى انتقاصها منها، ومطالب إسرائيل من المهاجرين إليها فيما يخص هويتهم ووطنهم السابق على كونهم »إسرائيليين«، وهذا عبر تحليل لكثير من عبارات  يهوشواع الذي يحتفي كثيرا بالهوية الإسرائيلية العامة، التي تغطي على الهوية السابقة لليهود، وهو ما يراه لائور بلاهة عظمى،  ومحاولة لتحويل »إسرائيل« إلى أسطورة عبقرية، عبر تجاهل السياق الاستعماري الذي نشأت فيه.

مقدمة: قسوة

تمنحنا الشفافية الأيديولوجية التي يمتاز بها أدب أ. ب. يهوشواع، من ناحية، بالإضافة إلى شعبية هذا الأدب بين قراء معينين، من ناحية أخرى،  فرصة دائمة لكي نعرف شيئاً عن الدغل الكبير والمضبب لحياتنا المتخيلة، أي: شيء ما عن الشكل الذي نفسر به لأنفسنا »كيف أننا موجودون هاهنا«. قبل أن أعيد تنسيق أفكاري حول أ. ب. يهوشواع وما يمثله، أريد قراءة جزء من حوار حديث أُجري مع الكاتب في ربيع 2004:

»ربما تندلع حرب مع الفلسطينيين. هذا ليس ضرورياً، وهو ليس مستحيلاً. غير أنه إن اندلعت حرب فلسوف تكون حرباً قصيرة جداً. ربما تستغرق ستة أيام. لأن كل قواعد الحرب سوف تختلف بعد أن نفكك المستوطنات وعندما لا نعود جيش احتلال. سوف نستعمل كامل قوتنا. لن نضطر إلى الركض للبحث عن هذا المخرب أو تلك الشاحنة، وإنما سوف نستعمل كامل قوتنا تجاه مجتمع كامل. سوف نستعمل القوة بشكل كلي.. سوف تكون حرباً أخرى تماماً.. أكثر قسوة بالنسبة للفلسطينيين. إذا أطلقوا صواريخ القسام على عسقلان فلسوف نقطع الكهرباء عن غزة. سوف نقطع الاتصالات في غزة. سوف نمنع عن غزة الوقود. سنستعمل كامل قوتنا كما فعلنا مع المصريين في مدن القناة 1969، وعندئذ، عندما تكون المعاناة الفلسطينية مختلفة كلية، اكثر خطورة بكثير، سوف يقومون هم أنفسهم بتصفية الإرهاب. سوف يقبض الشعب الفلسطيني نفسه على الإرهاب، لن يكون له خيار آخر.. فليوقفوا إطلاق النار. لا يهم إن كانت تلك هي السلطة الفلسطينية أم حماس. من سيتولى المسؤولية عن الوقود والكهرباء والمستشفيات ويرى أن هذه الأشياء لا تعمل، سوف يقوم خلال أيام معدودة بإيقاف صواريخ القسام. سوف يغير الوضع الجديد قواعد اللعبة تماماً.. الحرب غير مرغوب بها غير أنها بالتأكيد تقوم بالتطهير. الحرب التي توضح للفلسطينيين أنهم مستقلون. ستريهم المعاناة التي سوف يعانوها في وضع ما بعد الاحتلال أنهم ملزمون بإيقاف العنف لأنهم مستقلون الآن. لن أرغب في معرفة أسمائهم على الإطلاق منذ اللحظة التي سننسحب فيها. لا أريد أي علاقات شخصية بهم. لن أعود في وضع الاحتلال وحفظ الأمن وفي ظلهما. بل سأقف أمامهما وقفة شعب قبالة شعب. دولة قبالة دولة. لن أذهب لأقوم بجرائم بجرائم حرب ضدهم، غير أني سأقف بكامل قوتي ضدهم. إن أطلقوا النار على عسقلان فلن تعود هناك كهرباء في غزة »ألام يهوشع« لقاء مع أ. ب. يهوشواع »هاآرتس«  (19،3،  2004)

انتبهوا فقط للجملة القصيرة: »لن نضطر إلى الركض للبحث عن هذا المخرب أو تلك الشاحنة«. في مارس 2004، عندما أجري هذا الحوار، وصل القتل المنظم لنشطاء الانتفاضة في الأراضي إلى درجة  الصيد اليومي للبشر، المعتقلات والسجون ملآى، معسكرات الاعتقال تنفجر، وجيش الدفاع الإسرائيلي يقتل بدون تمييز »مخربون في طريقهم لتنفيذ عملية في إسرائيل«. ما حدث في الحقيقة، في حالات كثيرة جدا، كان دخول القناصة لأماكن عامة، المقاهي، الجراجات، وقتل كل من يكون في محيط »المحكوم عليهم بالموت«. غسالة اللغة التي يستعملها يهوشواع هي في الحقيقة شيء ما ليس مجال الإحاطة به هنا، وإنما يمكن فقط الالتفات إليه، داخل السياق الذي سنحتاج لدراسته في مرة أخرى: الانهيار الأخلاقي لحياتنا  حتى أضحت مكاناً لا يمكن التمييز فيه بين الخير والشر. تبرز سهولة القتل في حوار مع يهوشواع في: »هم« يطلقون القسام، و»نحن« نقطع لهم الكهرباء. بأي سهولة تنقطع الكهرباء عن الأطفال الرضع في غزة، بأي سهولة ينفد الوقود في مستشفياتها، في مضخات المياه فيها، انتبهوا لـ»هم« التي يستعملها، وانتبهوا بشكل خاص لتوصيته بتنفيذ جرائم الحرب. أريد أن أوضح شيئاً بخصوصها: الصلة بين »هم« و»نحن« وبين جرائم الحرب كتوصية من كاتب في حوار متعجرف لنهاية الأسبوع.

صحيح، هذا الانحراف يمكننا سماعه على الموقع، في تليفونات المستمعين. لم يخترع يهوشواع هذه السادية ولا حتى المستمعين الذي يتلفنون ويطالبون بـ»قطع المياه »عنهم«، أو بقصف »هم«، أو بقتل »هم« جميعاً. لقد قام جيش الدفاع الإسرائيلي بجرائم مثل تلك، مثل التجويع الجماعي في الانتفاضة السابقة، الإظلام في بيروت وفي مدن القناة وقصف سكان مدنيين. ومع كل هذا، حتى في هذا السياق، ينبغي الالتفات إلى الذروة: »الحرب غير مرغوب بها غير أنها بالتأكيد تقوم بالتطهير. الحرب التي توضح للفلسطينيين أنهم مستقلون«.

من المهم الإحاطة بالموضع الذي يبني فيه يهوشواع هذه الـ»نحن«. فقط هنا، في هذه الـ»نحن«، ثم له »أنا«، غير أن الـ»نحن« تحتاج بالبداهة لـ»هم«، حتى نكون »نحن«، حتى أكون »انا«. لا يملك هو »أنا« إلا بداخل »نحن«.

حاولت سابقاً قراءة أ. ب. يهوشواع كجزء من المنظومة الأيديولوجية للدولة. في هذه المقالة أريد أن أبتعد قليلاً عن هذه الفرضية، وان أصف السمة الإثنية لعنصريته، كجزء خاص من نفس المنظومة: يهوشواع كعَرَض للكراهية »الشرقية« للعرب، أو الكراهية الشرقية للشرق، وهي الكراهية الموجهة بالطبع. فقط مركزية يهوشواع في الحياة الأدبية لإسرائيل، وعدم قدرته على كبح نفسه في الحوارات التي يدلي بها، يمكن لهما أن يساهما بعض الشيء في فهم المنظومة المعقدة لـ»كراهية الشرق في إسرائيل«.

بمفهوم ما فأنا نبي

في 1 سبتمبر 2000، قبل اندلاع الانتفاضة الثانية، أذاع التليفزيون الهولندي حواراً بين يهوشواع وبين الأديبة والسينمائية الفلسطينية من رام الله، ليانة بدر. تم عرض يهوشواع في البرنامج باعتباره »ناشط سلام شبه مضطهد في إسرائيل بسبب يساريته«. حادث يهوشواع ليانة بدر بدرجة متعاظمة من الثقة. شكت ليانة بدر من الأزمة الفلسطينية أيام أوسلو. وأخذ يعظها هو:

»الآن غضبت بالفعل، الآن غضبت بالفعل، لأنك غير عادلة. حدثت هنا انتفاضة، وكل يوم كان ثم فلسطيني يصاب، وكان هناك إسرائيليون يصابون، كانت هناك حرب دائمة. منذ ثلاث سنوات أو أربع (من اتفاقات أوسلو) لم يعد هناك إرهاب. كل شيء هادئ، ليس هناك مظاهرات، ربما تحدث في بعض الأماكن، غير أنها أقل، إذن فلا يمكنك القول بأن هذا هو نفس الوضع. حدث تحسن..

بدر: لكم دولتكم، لكم أمنكم. لكم كل شيء، أما أنا، أعيش هكذا في الهواء.

يهوشواع: »ينفجر« لا، لا، أنت لا...

بدر: ليس لدي دولة، ليس لدي أمن، ومِن حولي يسرقون أرضي طول الوقت..

يهوشواع: لا تدعي انكم مساكين أكثر مما أنتم في الواقع، لديكم مشاكل، ولكن...

بدر: »تحاول عبثاً إكمال جملتها« هذا هو الواقع..

يهوشواع: لديكم شرطة، لديكم نوع ما من الجيش، عندما آتي لرام الله أرى رجال الشرطة الفلسطينيين  يمسكون بيدهم الكلاشينكوفات يجلسون هناك وهكذا، لديكم عرفات الذي يستقبله العالم كله كرئيس وزراء.

بدر: قد يكون بمقدورك الإيمان أن هذه شرطة. أنا لا أؤمن أن هذه شرطة..

يهوشواع: »يحاول مقاطعتها« آمني، آمني..

بدر: ما الذي تفعله الشرطة لأجلي؟ عندما تسرق المستوطنات أرضي طول الوقت..

يهوشواع: »يسكتها«لا، هي لا..«

باختصار، في فترة أوسلو طلب يهوشواع من الفلسطينيين أن يعتبروا الاتفاق الأحادي الجانب اتفاقا ثنائياً، ولكن، منذ أن فشلت »الثنائية«، قام باتهام الضحية. بعد هذا بأربع سنوات تقريباً، في مارس 2004، في حوار لملحق »هاآرتس« قال يهوشواع: »غير أنه صحيح أنه بمفهوم ما فأنا نبي الاتفاق الأحادي الجانب. لم أكن وحدي في هذا. كنا مجوعة صغيرة. رأينا السلوك الفلسطيني في كامب ديفيد ورأينا هذه العمليات الانتحارية ووصلنا لاستنتاج أنه يجب علينا الانفصال. فهمنا أن الصيغة القديمة لليسار، القائلة بالأرض مقابل السلام، لم تعد صالحة«. (ملحق هاآرتس 19، 3،  2004)

هو لم يكن نبياً أبداً، ولا حتى نبياً لـ»الاتفاقات أحادية الجانب«. حتى هنا سار وراء الأغلبية، وعندما »ارتبكت« الأغلبية »ارتبك« يهوشواع كذلك. هكذا، انتمى هو لتلك المجموعة من اليسار الصهيوني، والتي ساهمت في بناء الصيغة الإسرائيلية القائلة: »قدمنا لهم كل شيء، ورفضوه هم«. الحقيقة هي أنه في كامب ديفيد لم يخدع إيهود باراك الفلسطينيين فحسب، بل خدع ايضاً ما كانت ذات يوم حركة السلام الإسرائيلية. قال يهوشواع في »هاآرتس« مع بداية الانتفاضة، في واحد من الحوارات التي شكلت ملحق هاآرتس المسمى بـ»ارتباك اليسار«: »رد الفعل وخيبة الأمل [لدى اليسار الإسرائيلي] مفهومان. جلسنا مع عرفات، كان اقتراح باراك سخيا ولكن عرفات أفسد كل شيء لظنه بأنه فقط عن طريق العنف والضغط الدولي بإمكانه تحقيق إنجازات. هذه هي خيبة الأمل. ارتكب هو خطأ كبيراً،  لأن من كان أمامه كان باراك، ليس شارون او نتنياهو، بل كان باراك ذا الوعي الواسع بضرورة إنهاء الموضوع«. هذا هو الموقف الرسمي لإسرائيل منذئذ وحتى اليوم. لقد تمت صياغته بحرص في مكتب رئيس الوزراء عندئذ.

ولكن بعد شهر واحد، في 17 نوفمبر، وفي تناقض تام لما قاله لليانة بدر »لا تدعي انكم مساكين أكثر مما انتم في الواقع، لديكم مشاكل، ولكن...« وفي تناقض لما قاله لملحق »هاآرتس« مع اندلاع الانتفاضة »من كان أمامه كان باراك، ليس شارون او نتينياهو، بل كان باراك ذا الوعي الواسع بضرورة إنهاء الموضوع«، وقع يهوشواع على عريضة عنوانها »اوقفوا الانهيار«. قيل في الوثيقة من بين ما قيل: »لم تفكك حكومة باراك مستوطنة واحدة. لقد استثمرت أكثر من حكومة نتنياهو في تنمية المستوطنات وفي زيادتها [...] إبقاء المستوطنات على ما هي عليه او توسعتها يمنعان اي احتمال لمد خط حدود منطقي بين إسرائيل وفلسطين. والمعنى الحقيقي لهذا هو تأبيد الصراع«. رجال »السلام الآن« في القدس مسؤولون عن هذه الصياغة. سوف يقال قدحا فيهم انهم سكتوا كثيراً عن الموضوع الذي تحدثت عنه الوثيقة، مثل المثقفين، والذين جعلوهم يوقعون الآن. وسوف يقال مدحاً فيهم أنهم كانوا يعرفون الحقيقة وكانوا يوثقونها طوال سنوات اتفاق أوسلو، وجمعوا الكثير من المعلومات عن الجانب الأحادي الجانب لاستمرار ضم الأراضي والاستعمار. كل من عرف الوضع في الأراضي في فترة أوسلو، حتى وإن لم يكن يقرأ إلا »هاآرتس«، عرف أن هذا كان برميلاً محملاً بالبارود، جحيم الحواجز، مصادرات الاراضي، توسعة المستوطنات، شق طرق العزل العنصري، تحويل الضفة إلى كانتونات كبيرة، شق قطاع غزة بمساعدة ناقلات المستوطنات. لم تحدث هذه الأمور في بلاد الواق واق، وبالأساس، لم يعرض باراك على الفلسطينيين أي شيء جاد. غير أن باراك قد ذهب وجاء مستشاره العسكري، شارون. مرت السنون. تم تجنيد عاموس عوز في الانتخابات الأخيرة لصالح ميرتس، هاجم »شينوي«، هاجم شارون. امتنع يهوشواع عن التدخل في الانتخابات. ظل مع قومويته الظلامية. بعد الانتخابات عبر عن سعادته لنجاح »شينوي«. ما هو العامل الثابت لديه في كل الأحيان؟ كراهيته لعرفات. حتى هنا ليس الحديث هو عن نبي. بينما تحولت الكراهية لتكون عملة رائجة، سمح حتى هو للكراهية بأن تنسكب من فمه.

أنا أكره عرفات شخصياً

منذ أن اعتلى شارون سدة الحكم، تحولت كراهية عرفات إلى استراتيجية إسرائيلية في الحملة الدعائية المنظمة من أعلى. لم تكن هذه الكراهية بالطبع موجهة ضد عرفات وإنما ضد أقلية مقموعة تناضل لأجل حريتها، وبدلاً من التورط في وصف هذا النضال، بدغل انشقاقاته وتوتراته، ومن خلال محاولات لتصفية الفلسطينيين المشاركين في النضال بدنيا، هاجمت إسرائيل الرمز. اتهموا عرفات بأنه ليس ديمقراطياً »عدم الشفافية«، وتوقعوا منه من ناحية ثانية أن يكون شرطياً/ جلاداً/ قاضياً/ سجاناً لكل من تشير إليه إسرائيل، كما فعلوا في فترة اوسلو. لم يكن الاتهام الحقيقي ضد عرفات هو »عدم شفافيته« وإنما عدم فعاليته. لم يقم بدقة بوظيفة المتعاون مع الاحتلال. على ضوء الموقف الرسمي شارك أ. ب. يهوشواع في تسويق هذه الكراهية، مشحوناً بكراهية عميقة ضد العرب بدرجة غير قليلة من الإخلاص. لقد كره عرفات في الحقيقة »مثل الناس«. في لقاء له مع الجريدة العربية الصادرة في الناصرة (كل العرب) في يناير 2004، قال يهوشواع: »أقول بصراحة أنني أكره عرفات شخصياً من أعماق قلبي». لماذا؟ »الحلم الذي أردنا تحقيقه منذ 67 وهو إقامة دولة فلسطينية تعيش بجانب إسرائيل هو اليوم بمثابة خيال«.

من هم نحن الذين »أردنا« في جملة »الحلم الذي أردنا تحقيقه منذ 67 وهو إقامة دولة فلسطينية تعيش بجانب إسرائيل هو اليوم بمثابة خيال«؟ هل يقصد الليكود؟ حزب العمل؟ لقد عارض كلاهما إقامة دولة فلسطينية. هل يقصد مبام؟ للأسف، حتى حزب مبام لم يرغب في دولة فلسطينية في عام 67. ربما يقصد حزب راكاح؟ هو لا يقصد راكاح. يهوشواع يقصد نفسه وبعض المثقفين الآخرين المنتمين لليسار الصهيوني، غير أنه يحادث العرب، في جريدة عربية، ولذا فهو يمثل شعب إسرائيل »أردنا«، لا يخجل هو من قول »أردنا«، لأنه من الشائع القول بأن شعب إسرائيل رغب دوماً في السلام، على الأقل من الشائع ترديد هذا على مسامع العرب.

يقول: »مؤخراً بدأت أتشكك في قدرة عرفات على مواصلة دوره كشريك لإسرائيل«. مؤخراً فقط؟ لا. فقد قال لصحيفة (كلبو) الصادرة في حيفا بعد هذا بعدة أشهر:»لم اكن أحتمله حتى منذ سبعة وثلاثين عاماً«. ومع كل هذا فهو جاهز لأن يشرح لـ(كل العرب) لماذا فقط (مؤخراً) نفد صبره مع عرفات: »هو لا يفكر في مصلحة الشعب الذي يعاني الأمرين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي إيجاد الحلول الفورية لمشاكله، وإنما يفكر في المشكلة الفلسطينية بمفهومها العام، وفي طريقة إعادة اللاجئين«. ها هي وظيفة عرفات إذا أراد أن يكون زعيماً جيداً: أن يمر بالإدارة المدنية، أن يحل مشاكل المجاري في الضفة والقطاع وأن يرضي يهوشواع والحالمين الآخرين. أيها الفلسطينيون الأعزاء، دعونا نهتم بما سيحدث في تاريخكم. نحن اليهود الذين عدنا لتونا إلى التاريخ، مع الولايات المتحدة التي تكتبه، أو تمحوه، سوف نحل مشاكلكم، أما أنتم، فاعتنوا بالمجاري.

يمكنهم البدء في عصيان مدني

الحوار مع (كل العرب) هو حوار عَرَضي، لأن يهوشواع لا يتحرر فيه ولو للحظة من الإحساس بأنه يحادث العرب، ولذا فهو يتحدث باعتباره ممثلا لليهود، ممثلا لدولة إسرائيل: »لو كنت فلسطينياً لبكيت وزعقت أمام العالم بأنني اكره عرفات وكنت لأعارضه«. هكذا بالضبط يخلق الشخصيات الفلسطينية في رواياته، حيث يقولون ما يريده هو (أو انه يفصل لهم لغتهم). هكذا كان نعيم في »العاشق« عندما استشهد بالشاعر حاييم نحمان بياليك. وهكذا كان أبطال الكرتون العرب في »العروس المطلِقة«. هكذا قال يهوشواع لـ(كلبو) في 2002: »لم أتغير، أرائي لم تتغير. ولكن ماذا أفعل. الواقع تغير وأعترف أنا بهذا، أنا لا أفهم، لا أستطيع فهم الفلسطينيين. هذا يصيبني بالجنون، أصبحت موسوساً لغاية. اليوم تناقشت مثلا وبدأت أزعق، وقالت لي زوجتي: ماذا سيفيدك أن صرخت كثيراً. كان معها حق ولكني ظللت في وساوسي. صبي يبلغ سبعة عشر عاماً يحمل معه حزاماً ناسفاً، شابة تبلغ 21 عاماً غير متدينة تفجر نفسها؟« ليس فقط انه ممتلئ بالعدل كرمانة ناضجة، وإنما حتى زوجته تقول له »لماذا متعاطف أنت إلى هذا الحد مع الآخر؟« وهو يواصل »عدم فهمه«، بالضبط مثلما يشرح بطل »الزوجة المطلِقة«، ريفلين المستشرق، إلى أي درجة لا يمكن فهم أعمال القتل الجماعية التي يقوم بها العرب. هكذا يقول في الحوار»لا يمكن تعليق كل شيء في رقبة الاحتلال. لدى الفلسطينيين بدائل غير الانتحار الجماعي. يستطيعون البدء في عصيان مدني، إن سلكوا وسائل المهاتما غاندي«. الآن نصل إلى منطق يهوشواع أو إلى الأمر الأيديولوجي الإسرائيلي: »لو تصرفوا بشكل مختلف، كنا لندعمهم«. هل كان ذلك ليحدث حقاً؟

هل تتذكرون عشرات المتظاهرين الذين قتلوا وأصيبوا جراء عمليات القنص من بعيد أثناء مظاهرات بداية الانتفاضة؟ تكفي قراءة تحقيقات الصحفية عاميرا هاس في »هاآرتس« أثناء هذه الأحداث، لأجل معرفة إلى أي درجة خاف جيش الدفاع الاسرائيلي من الاحتجاج السلمي، إلى أي درجة تعارَض الاحتجاج السلمي في بداية الانتفاضة مع الخطط المزمعة والتي تم التفكير فيها منذ أحداث نفق حائط المبكى، لأجل تحطيم الدولة الفلسطينية المستقبلية. فيما بعد، في التحقيق الشامل الذي أعده بن كسبيت في »معاريف«، في بداية العام 2004، كان يمكن قراءة تقرير مفصل عن الاستفزاز المتواصل الذي قام به جيش الدفاع الإسرائيلي في محاولة لتحويل الاحتجاج الجماعي إلى مواجهة مسلحة، لا يكون للفلسطينيين فيها أية فرصة للانتصار. لأجل الوقوف على مصادر هذه الحقيقة عن أحداث أكتوبر 2000، تكفي قراءة ما كشفه العميد عاموس مالكا في 11 يونيو 2004 في هاآرتس، بشأن إشعال الاحتجاج حتى يصل إلى درجة العنف. ربما لأجل التذكير بفرص الاحتجاج السلمي في النجاح، تجدر بنا الإشارة إلى اسم راشيل كوري، التي داسها بلدوزر حتى ماتت أثناء احتجاج سلمي قامت به. وماذا نقول عن عشرات المظاهرات السلمية في ربيع 2004 حول الجدار؟ ماذا نقول عن إطلاق النار على المتظاهرين السلميين في هاتيك المظاهرات، هل كان ليخطر على بال يهوشواع أن ينضم إلى إضراب سلمي عن الطعام يقوم به الفلسطينيون؟

لم تميز إسرائيل أبداً بين المقاومة العنيفة للاحتلال وبين المقاومة السلمية، وأكثر من هذا، فلقد قمعت إسرائيل دائماً كل تنظيم سياسي في الأراضي المحتلة. لم يكن التحدي الإسرائيلي هو توجيه  النضال إلى طريق النضال السياسي ضد الاحتلال. كان التحدي الإسرائيلي هو إقامة تنظيمات للمتعاونين (اتحادات القرويين« على سبيل المثال) أو توجيه النضال إلى طريق النضال المسلح، لأنه فقط أثناء النضال المسلح يمكننا تلقي الدعم المعنوي من النوع الذي يمنحه أ. ب. يهوشواع وأمثاله.

من الجدير بالذكر أنه على امتداد خريف 2000 لم يعل صوت هذه المجموعة الصغيرة إلا في حالة وحيدة أطلق فيها سكان الناصرة العليا (و ليس قوات الأمن) النار على سكان الناصرة.  أثناء زيارة يهوشواع للأب المكلوم الذي قتل ابنه لتعزيته، بينما ذهب للتضامن مع الفلسطينيين في الأراضي، (هكذا قالت »هاعير«): قال: »الآن دخلتم الوعي الإسرائيلي، فهم قد قرفوا جميعاً من عرفات والفلسطينيين« لماذا مات الصبي؟ لماذا قتلوا المتظاهرين الـ13، وهم مواطنون إسرائيليون، في اكتوبر 2000؟ قبل هذا بشهرين سوق يهوشواع لليانة بدر »الاحترام الوافر الذي يحظى به عرفات« كسلوى لها عن فقدانها أرضها وحريتها. الآن يسوق للأب المكلوم من الناصرة كراهية الإسرائيليين لعرفات، كعزاء عن موت ابنه في  مظاهرة أقيمت تضامناً مع أبناء شعبه في الأراضي. »قرف الإسرائيليون من الفلسطينين« هكذا يقول لأب فلسطيني ناصري مكلوم، عزاء له عن فقدان ابنه.

الأسرلـــــــــة

بعد زيارة الأب بسنة ونصف أصبح لدى يهوشواع موقف متبلور بخصوص قتل المتظاهرين في أكتوبر اياه. فلتذهب إلى الجحيم زيارة العزاء، فليذهب إلى الجحيم ما قاله للأب المتشح بثياب الحداد. قال هو في لقاء لـ(كل العرب) يناير 2002، بخصوص أحداث أكتوبر: »أعتقد أن العرب الإسرائيليين أخطأوا في انتفاضتهم هذه. كان عليهم تقديم مطالبهم للحكومة بدلاً من التظاهر الذي أدى لانتهاك النظام ولموت الكثيرين منهم«. إذن ما أدى إلى موتهم كان هو المظاهرة وليس إطلاق النار عليهم، على عكس مظاهرات اليهود الذين يعودون في النهاية سالمين إلى بيوتهم. من كان يحتاج للجنة أور (1)؟ من كان يحتاج للتحقيق في أي شيء؟ يعرف يهشواع الإجابة ويصيغها على مسامع العرب بأسلوب حاكم عسكري. يتواصل الحوار: »برغم الأسى، لم يفهم العرب، إلا بعد ما حدث، أن عليهم العودة إلى نهج حياتهم السليم، والذي سلكوه على امتداد السنوات الماضية.« على امتداد السنوات الماضية عاش العرب في إسرائيل كما ينبغي لهم أن يعيشوا: مهانين، محظورين، مُبعدين عن أرضهم، غير أن الأهم من كل شيء هو أنهم عاشوا هادئين، حتى بعد عمليات القتل في أكتوبر. ولأنهم لا يفهمون إلا لغة القوة عاود العرب الحياة بشكل جيد. يتم استخلاص الاستنتاج الاستعماري في الحوار بهذه الصيغة: »نحن كيهود في الدولة نواجه مشكلة حقيقية، ألا وهي كيف نؤسرل العرب، وأعتقد أنه على الجميع، يمينا ويسارا وكل ما عداهما، أن يعمل على تحقيق هذا الهدف حتى وإن تم الأمر على مراحل«. الرغبة في عدم وجود عرب بيننا أو الرغبة في ان يصبح العرب جزءاً منا (الأسرلة) يتم تلخيصهما في خوف يهوشواع العظيم من عدم التجانس، هذا الخوف هو المحور الأساسي لـ»العروس المطلِقة« أكثر الروايات العبرية المكتوبة في السنوات الأخيرة عنصرية. سور العزل العنصري في الأراضي، في معتقل غزة، كل هذا يتلقى دعماً مجنوناً في هذه الرواية. العرب الإسرائيليون ليسوا فلسطينيين، وعندما يتصرفون كفلسطينيين يشتبه في كونهم خونة أو متخلفين ذهنياً. يتم عرضهم باعتبارهم فلاحين هادئين ليست لهم دماغ للسياسة. الأمل الصهيوني في العلاقة بهم يقول: اسمحوا لهم بالعيش هنا واسمحوا للفلسطينيين، فيما وراء الجدار، بالعيش هناك. لا أحتاج للقول بأن أحداً ممن كتب عن هذا الكتاب لم يقارب الشكل الاستعماري الذي تم به وصف الفلسطينيين المنتمين إلى هذا الجانب من الجدار، في مقابل الشكل الدموي الذي وصف به الفلسطينيون المنتمون إلى الجانب الآخر من الجدار. غير أنه كلا الجانبين قد وصفا باعتبارهما خطراً.

من مولخو إلى ريفلين

كتب يهوشواع رواية أخرى جيدة، من وجهة نظري، هي (مولخو) »1987«. أكرمه الله، مع حالة الحداد التي عاشها لدى موت أبيه، مع الإحساس بالذنب لتنكره الطويل لأصله، ومع اكتشاف الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي، منذ انتخابات 1981. يقف مولخو في مركز الرواية، وهو سفارادي(2) من القدس، يعيش في حيفا، وهو الآن أرمل. كل التمييزات لديه بين الخير والشر، بين »الأوروبي الإيجابي« (الموسيقى الكلاسيكية بالأساس)، وبين »الشرقي السلبي« (الموسيقى الصاخبة كمثال)، كل هذه التمييزات قد انمحت بعد موت الزوجة الإشكنازية(3)، التي تعمل قاضية. يجول مولخو بين »أوروبا« (الكرمل الألماني وبرلين)، وبين إسرائيل الشرقية، ولا يجد مكانه. ثم في الكتاب دلائل كثيرة على عداء المؤلف للهوية الشرقية، وبشكل خاص عن طريق عيني المرأة المتوفاة »التي فرضت على مولخو استحماماً منتظماً على سبيل المثال«. في مقابل هذه الرواية فرواية »العروس المطلِقة« والمكتوبة بعدها بأكثر من 15 عاماً هي رواية رديئة، يمكننا العثور على كثير من زلات القلم الخاصة بـ»ذات المؤلف« والتي تفضح الصلة بين »مولخو« و»العروس المطلِقة«. هكذا على سبيل المثال ففي مقابل الاستحمام الذي تفرضه زوجة مولخو الإشكنازية على زوجها السفارادي، تفرض امرأة ريفلين على زوجها أن يستحم قبل أن ترضى بالنوم معه، حيث تعلق به رائحة قرية عربية زاراها سوياً في أول الليل. كذلك تظهر الموسيقى الكلاسيكية في (مولخو) كما قلنا من قبل، باعتبارها سمة لثقافة غريبة على  الزوج السفارادي. في (الزوجة المطلِقة) عندما تُظهر »الذات الراوية« وجهاً اشكنازياً تاماً، أي أوروبياً، يوصف الذهاب إلى الحفلة الموسيقية باعتباره جزءاً من الجدول الثقافي له. زلة القلم الأساسية موجودة بداهة في اسم البطل. مولخو اسم مقدسي سفارادي ينتمي للاستيطان القديم، ما قبل الصهيوني، ومثل ماني (4)، كلاهما ينتميان إلى عالم الرموز التي أراد يهوشواع عبرها ان يتعايش مع ماضيه السفارادي أيضاً، ريفلين بطل »العروس المطلقة« هم الاسم الأكثر نموذجية للإشكنازيم المنتمين إلى هذا الاستيطان، المقدسي، ما قبل الصهيوني. أصر يهوشواع على تغيير أصل البطل، وعلى تغيير أصل الذات الراوية معه. في تناقض تام مع تصريحاته التي سوف نتوقف أمامها بعد قليل، فيهوشواع يعرف جيداً، على الأقل منذ »مولخو« أنه ليس هناك تحديد لـ»الهوية الإسرائيلية« والتي لا تتضمن على حد سواء الإشكنازي وغير الإشكنازي. لا تقوم الهوية الإسرائيلية بتحييد الأصل »السابق« وإنما تأخذ الأصل السابق باعتباره نقطة بداية، يعرف يهوشواع هذا. ولا ينجح في العثور على الجمع الذي يمكنه امتلاك »أنا« بداخله. إلا إن كانت »الهوية الإسرائيلية« ستقوم بتصفية كل الأدلة على أجنبيته، هكذا كتب يهوشواع بصراحة في مقدمة الكتاب الأخير لأبيه، والذي رأى النور بعد موت الأب، عن طفولته في القدس الجديدة، عشية قيام الدولة، بين مجموعات الشبيبة (الإشكنازيم) والدراسة في ثانوية رحافيا (الإشكنازية) وبين المكان الذي جاء منه ولم يملك خياراً إلا التنكر له. إن أراد أن يصبح إسرائيلياً:

»السفاراديم القدامى، عجائز العائلة.. إلخ، لم يكونوا إلا جزءاً من كياني ولم يكونوا الجزء الذي يدعو للتعاطف إلى هذه الدرجة. كان لدي في سنوات الإعداد قبل إقامة الدولة أبطال آخرون، تعقبتهم لساعات طويلة من نافذة بيتي في شارع الملك جورج، يتجولون بجوار سينما »تلئور« والهستدروت [....] لم يرتبطوا أبدا بأبي الذي كان يسير بعباءته السوداء في شوارع القدس، وكنت ألتقي به أحياناً في الشارع أثناء سيري مع أصدقائي في »الثانوية العبرية«« كنت أراه مرتبكا وخجولاً بعض الشيء« (أ. ب. يهوشواع »الحائط والجبل«)

ها هي النقطة الأكثر أهمية وجوهرية في هذا المقال: تبدأ كراهية يهوشواع للعرب من موضع آخر، مبكر أكثر، تمت كتابته بعد موت أبيه، أبعد من اي إحساس بالنقد الممكن لكلامه هو، ولهذا فهو واضح ومباشر، هو يعرض فانتازيا عن القياس بين المنفى السفارادي والمنفى الإشكنازي، وهو النموذج الواضح الذي تقدمه الأيديولوجيا الصهيونية لكل أنواع اليهود:

« في النهاية لم أرغب في أن أصبح إشكنازيا وإنما إسرائيلياً، وكان هذا هدفاً أيديولوجياً جيداً، أخلاقيا وسليماً من جميع النواحي، غير أن هذا كان أيضاً - إن أردت أن أكون صريحاً تماماً مع نفسي - مريحاً بشكل ما، بشكل خاص ليتيح لي أن أتميز عن موجات الهجرة من يهود العرب الذين جاءوا في بداية الخمسينيات بكل مشاكلهم.«

بعد ذلك بحوالي ٥١ عاماً، إذا لم نغير الصيغة التي استعملها، في حوار أُجري في مارس 2004 يحاول يهوشواع تطوير صيغة فيما يتعلق بالجرح غير القابل للمداواة، أي: الهوية السفارادية. يشكو هو، رداً على أسئلة محاوره، من »الفرق« بين ما يطلبونه منه وبين ما يطلبونه من الأديب يزهار سميلانسكي (الروسي). على سبيل المثال: »لا احد يسأل يزهار عن الماضي الروسي لعائلته. أي ان  هنا ثم افتراضاً مسبقاً بأنك إن كنت ابناً لأقلية ضعيفة فلا يجب عليك أن تتركها. عليك ألا تخونها. وأنا لا أقبل بهذا. منذ وعيت على نفسي، كان الليبيدو الخاص بي موجهاً على الدوام للهوية الإسرائيلية« (ملحق هاآرتس 19، 3، 2004).

يصر يهوشواع أن يكتب مرارا وتكراراً عن هذا الألم فانتازيا تدول حول الهوية الإسرائيلية منزوعة الجذور، المحايدة، أو بدلا من ذلك عن ما يمكن أن يكتب أن يبدو النقيض المطلق: الهوية الأوروبية، التناقض الوحيد فيها هو بين اليهود وغير اليهود، أو بين اليهود في المنفى واليهود في إسرائيل، كل هذه التوترات كان ينبغي أن تنتج »الهوية الإسرائيلية« منعدمة الاختلافات.

يمر كل مشواره الثقافي عبر إنكار الحاجز بين الشرق والغرب الذي يمر داخل الشعب اليهودي. علينا أن نميز هذه النقطة المدحوضة المؤلمة، والتي وفقاً لها فالكيان الإسرائيلي هو المكان الذي يخلع فيه الجميع هويتهم »السابقة« ويلبسون »هوية جديدة«، علينا أن نميز هذه النقطة باعتبارها نقطة الانطلاق لـ»آلام يهوشواع« حيث يحاول يهوشواع التأكيد هنا على: »لم أعتقد أنه أمامي أية مهمة خاصة ومسؤولية خاصة فيما يتصل بجماعتي الأصلية«، غير أنه بالتأكيد كان يعتقد أن أمامه »مهمة خاصة ومسؤولية خاصة« فيما يتعلق بـ»جماعة الهدف« له. فكل ظهوره العام مشبع برسالة تتصل بجماعة الهدف. أي: الهوية الإسرائيلية،  بجوهر الهوية الإشكنازية التي سوف تغطي على »الماضي المربك«. انتبهوا للإثبات القادم للكينونة الجديدة، والتي تبدو غير شرقية وغير إشكنازية:

»لا أتحدث، لا انا ولا أختي، اللهجة الشرقية. فيما يتحدثها أبي وأمي. إذا فكرت في هذا فسوف يكون هذا أمراً مذهلاً بما يكفي. طفل يبلغ سنة من عمره عليه أن يتبني اللهجة العامة، الإسرائيلية، وليس اللهجة الخاصة، الشرقية. مصدر هويته ليس هو العائلة والبيت وإنما الأغلبية، الأصدقاء والمدرسة. وهذا على المستوى الأولي تماماً. كأن البيت نفسه يقول لي لا تكن مثل البيت، لتكن مثل المدرسين، ولتكن مثل الأطفال في الحديقة، لا تكن كبابا وماما.«

هذا هو المستنقع الذي تنبت بداخله كراهية الذات لدى يهوشواع. لا تنفصل هي للحظة عن التطورات الأيديولوجية التي تدور حوله..  ليس هو الوحيد الذي يجد في المشروع الصهيوني ملجأ غربياً من الأصل الشرقي، ليس هو الوحيد الذي يجد في كراهية العرب فرصة ل»نسيان« الحاجز الإثني، الذي يمر بين اليهود، غير أنه على النقيض من الآخرين، فهو يجعل نفسه البوق الدعائي لعملية الإنكار. حتى في هذا الاقتباس، يلوح هو ب»حداثة« وجوده، »منذ وعيت على نفسي«، بدلاً من فهم ما الذي يقف وراء اللهجة التي تبعد عن حضن الأم وعن لغتها وعن هدهداتها، وبدلاً من فهم الشكل الذي يتم فيه نفي الأطفال بشكل عام، بعيداً عن حديث آبائهم، وبمساعدة آبائهم، او رغماً عن آبائهم، بدلاً من فهم أي شيء مما يحدث لدى من يجد ملجأ بعيداً جداً حتى عن بيت بابا، أسرة الأب، لصالح أب أكثر رمزية، بدلاً من محاولة فهم إن كان الكلام الإسرائيلي هو في الحقيقة (غير إشكنازي) و(غير سفارادي) على حد سواء. بدلاً من كل هذا يصد يهوشواع أي نقد ويدافع عن نفسه، من خلال تنكر لأي إزعاج قليل الذوق. »أنا أدعو للصهيونية« هذا ما يقولوه يهوشواع في الواقع »باسم المصلحة العامة، وإذا سألتموني وماذا عن مصلحة الأقلية، أنا أكره الأقليات، لأنني لا اريد أن أكون أقلية«، قبل أن يصل يهوشواع للهجة المفقودة لأمه بخمسة عشر عاماً، أوضح هذه الكلمات، هذا المنفى، بشكل أكثر تطوراً.

»أثناء طفولتنا ومرحلة نضجنا لم يكن كل الأبطال الذين عرضهم علينا [أبي] هم بالتحديد الربانيم السفاراديم أو وجهاء الطائفة وإنما الموظفين اليهود الكبار في مكاتب حكومة الانتداب البريطاني حيث كان يعمل، مثقفو الجامعة العبرية، حيث أنهى دراسته المتوسطة في بداية العشرينيات، كان هؤلاء هم أحباءه الحقيقيين.. وكان يتحدث عنهم بتأثر«

و بعد هذا على الفور يأتي التفسير المستند إلى السيرة الذاتية، التفسير الذي يمكنه أن يفسر لنا بشكل ما دور المرأة الأوروبية في »مولخو« تلك التي تفرض عليه الاستحمام يومياً، وكذلك بشكل ما الزوجة القاضية في »العروس المطلِقة« التي تفرض على زوجها الاستحمام قبل ممارسة الجنس. هكذا يقول في المقال ذي طابع السيرة الذاتية: »ليس من عجب في أنني ارتبطت بحب امرأة روسية لم تنجذب فحسب إلى الأدب والموسيقى الروسيين وإنما وجهتني كذلك كرادار دقيق صوب الخلفية الروسية لإمرأتي المستقبلية«.

ها هي صدمة يهوشواع - وهي صدمة إسرائيليين كثيرين جداً في إسرائيل - مغطاة بغلافه اللغوي - الأدبي: تنكره (لذاته)، يتم طول الوقت عبر التمييز بين الشرق والغرب، وهو التمييز الذي يمر بإسرائيل، بين اليهود في إسرائيل، داخل الحياة الإسرائيلية. وكما قلنا، لأجل التعايش مع الصدمة، من خلال التماهي المطلق مع الأوامر الأيديوجية للدولة، يماهي يهوشواع نفسه بالغرب، بل ويطلب من جميع اليهود الانتماء إلى الغرب، من خلال تصادم لا يتوقف مع الشرق، ليس فقط كنوع من »الدفاع عن الذات« ضد العرب، بل ومن خلال رغبة في إنتاج »هوية غربية«.

التأكيد على التأكيد

في حوار أجري في مارس 2004 يقول يهوشواع »عاموس [عوز(5)] كان عليه أن يقوم بعمل درامي ضد التصحيحيين وأنا كان علي أن أقوم بعمل درامي ضد الشأن السفارادي وأورباز مع الهولوكست وحاييم بئير مع الدينيين. غير أن فعل »التخلص من الماضي« كان موجوداً لدينا كلنا«. هذه بالطبع بلاهة عظيمة. صحيح أن عاموس عوز ولد لعائلة يمينية، غير أنه نشأ في كيبوتس حولدا وعد من ضمن من أقاموا »من هايسود« وهي إحدى الكيبوتسات الأكثر ابتعاداً عن اليمين الإسرائيلي داخل حركة العمل، في أوائل الستينيات. وإن كان قد تبقى لدى عوز شيء ما »تصحيحي« فهو مرتبط في أساسه بصهيونيته وبأسلوب كتابته المثير للشفقة، وبحبه »الفاجنري« »للعظمة«، غير أن مقارنة يهوشواع تجسد أفضل من أي شيء آخر فعل الإنكار: لدى يهوشواع يعد »تحول المرء إلى الإشكنازية« أمراً صادماً. أما لدى من يجري الحوار، أو لدى ممثلين آخرين للصهيونية فهو جزء من »إنكار التحول إلى الإشكنازية«، كأنما الحديث هو عن تنازل »الجميع« لصالح شيء ما أعظم. »العروس المطلقة« ليهوشواع و»قصة عن الحب والظلمة« لعاموس عوز رأيا النور في وقت متقارب، كتب عوز ما هو بمثابة سيرة ذاتية، كانت بالطبع كذلك سيرة ذاتية للشعب اليهودي في إسرائيل وللصهيونية. كان ملكاً للشعب وكان الشعب ملكاً له، ويا لسعادة الجمهور الواسع الذي تمتع بمداعبة نفسه عن طريق النرجسية العاموس عوزية. أثارت الرواية انفعالاً كبيراً. وجد الجميع أنفسهم فيها، وجدوا فيها علاقتهم أو علاقة الاستيطان بالهولوكست وعلاقتهم ببردشبسكي وعجنون، وكل هذا من خلال الإطار النرجسي للمتخيل، كم أن هذا لم يكن غريباً أثناء الانتفاضة. هل بمقدور يهوشواع كتابة سيرة ذاتية كتلك؟ لا. بالتحديد للأسباب التي تم تحليلها هنا. تضعه سيرته الذاتية قبالة »الأنا الكيبوتسي« أما عاموس عوز فهي تضعه بداخل »الأنا الكيبوتسي«. هل يفتتح يهوشواع شعرية أخرى بسبب عدم قدرته تلك؟ هل هو مستعد لكتابة شيء ما لا يدعو للتماهي النرجسي مع »الكاتب - الشعب«؟ ليس بإمكانه فعل هذا إلا عن طريق استبدال مولخو الشرقي بريفلين المستشرق، وبالطبع، عن طريق إظهار العدوانية تجاه الأقلية العربية.

أن تكون شرقياً في إسرائيل

في البدء لم يكن التقسيم إلى شرقيين وإشكنازيم تقسيماً ثقافياً، في البدء لم يكن تقسيماً إلى ثراء وفقر (على الرغم من أن الشرقيين تحولوا إلى أغلبية وسط اليهود الفقراء في البلاد، وتحولوا إلى أغلبية بين السجناء الجنائيين في البلاد، وتحولوا إلى أغلبية بين البروليتاريا في البلاد)، ولم يكن تقسيماً على أساس اللون او العرق (برغم تعبير »السود«). لم يكن التقسيم بين الشرقيين والغربيين تقسيماً يعتمد على شيء ما »طبيعي« أو »ثقافي«. قبل أي شيء آخر، كان التقسيم سياسياً، أي: قامت به الدولة. لا يمكننا التفكير في هذا التقسيم قبل خلق الدولة اليهودية، وقبل تحقق الصهيونية في هذا الجزء من العالم، قلب الشرق الأوسط. على الرغم من وجود يهود سفاراديم ويهود إشكنازيم في البلاد قبل الصهيونية فلم يكن للعلاقات بينهم أي بعد قومي أو ثقافي أو علاقات تستند إلى »الماضي المشترك« أو »اللغة المشتركة«، بالكثير كانت توجد بينهم علاقات دينية ما، بل وكان هذا البعد إشكالياً من البدء.

في العملية المتواصلة من إقامة الدولة، منذ خلق »الاستيطان« وبشكل أقوى بعد الإقامة الرسمية للدولة في 1948، ولد تصنيف »الشرقي«. ليس هناك أي شيء »طبيعي« أو »ثقافي« يربط كل يهود اليمن بيهود مصر، بل ليس هناك شيء يربط كل يهود مصر بكل يهود العراق، ويهود ليبيا بيهود إيران، ما عدا الرابطة التي عقدتها الدولة بينهم لكونهم من بلدان عربية او إسلامية، ولكون دولتهم يتم تعريفها باعتبارها دولة يهودية (أي تحارب  ضد العرب أو الشرق). من يتم تعريفهم باعتبارهم شرقيين (طوائف الشرق) داخل هذا التجمع الحديث كانوا، حتى مجيئهم، وحتى تحولهم لـ»شرقيين«، جزءاً من المجتمع العربي، و/ أو أقلية دينية داخل مجتمع مسلم، غير أنهم بوضوح لم يكونوا »شرقيين«. في اللحظة التي وصلوا فيها إلى الدولة التي قامت بتعريفهم، في إطار خطاب استعماري قديم، أصبحوا شرقيين، أي جزءاً من التقسييم السائد في العالم الغربي منذ النهضة: الشرق والإسلام في مقابل الغرب (والمسيحية). بكلمات أوضح: منذ ان وضعت الدولة و/أو الصهيونية أمام كل اليهود تحدي القومية، أن يتحولوا من أصحاب ديانة إلى أمة، اضطر اليهود الذين جاءوا من البلدان الآسيوية والأفريقية - سواء كان هذا قد تم عن طريق الإجبار أو الإغواء، بإرادتهم أو لأنه لم يكن لديهم خيار آخر أو حتى في إطار حماس مسيحاني - أن يهاجروا هجرة مزدوجة: من ناحية عليهم التحول لـ»شرقيين«، أي أن يتلقوا سمة مشتركة وهي أنهم »غير إشكنازيم«، وبشكل فوري من ناحية أخرى، وفي نفس العملية، عليهم التنكر لأصلهم وأن يكونوا جزءاً من »الهوية الإسرائيلية«، أي أن يتلقوا هوية جديدة، مناقضة تماماَ لما كان ينتمي لماضيهم، عندما يشكو يهوشواع: »إن كنت أنت بولندياً لا يطلبون منك إخلاصاً للهوية البولندية. لا أحد يسأل يزهار عن ماضيه الروسي«، يصل هو إلى المكان الصحيح، غير أنه كعادة من يتنكرون لذاتهم، سرعان ما يهرب منه.

»الهوية الإسرائيلية« والتي يتحدث عنها يهوشواع بحماس جارف لهذا الحد، ليست موقعاً حديثاً، منقطع الصلة بالماضي أو بالأصل. هذا وهم كبير. بالمناسبة فأي همس إشكنازي معروف من نوع »غير أننا مررنا نحن أيضاً بما مر به السفارديم« لن يكون مفيداً هنا. الإشكنازيم الذين جاءوا هنا لم يمروا بما مر به السفاراديم. اجتاز الإشكنازيم هجرة عنيفة للغاية، بما فيها »المصهر«، بما فيها »إنكار المنفى«، بما فيها »التحديث« وتم إجبارهم في اكثر الحالات سوءاً على التحول إلى نوع جديد من اليهود. في مقابلهم فاليهود القادمون من البلدان العربية والإسلامية اجتازوا هجرتين: واحدة أعيد فيها تعريفهم باعتبارهم »شرقيين«، وفي ذات الوقت أجبروا على أن ينفضوا عن انفسهم كونهم غير إشكنازيم لكي يصبحوا »إسرائيليين«. حطم يهوشواع هذا الوهم في »مولخو« مستخدماً شعرية عظيمة، يبيع يهوشواع هذا الوهم منذ »مولخو« بدرجة آخذة في التعاظم من العجرفة.

لا يمكن التفكير في دولة إسرائيل دون التفكير في الحدود بين الشرق والغرب، والتي يعيشها كل الشرقيين وتتواجد هي في داخلهم، في المطالبات اليومية من قبل التوجه السائد في منظومة التعليم والإذاعة والتليفزيون. فُتح هذا الجرح عبر شكاوى شرقية من التفرقة، عبر الفلولكور المقوض للثقافة السائدة، عبر الشتائم المعادية للإشكنازيم من النوع الأكثر رداءة، عبر ألاف القرارات الثقافية مثل »العودة للتقاليد«، بشكل خاص بين الطبقات الشعبية وغير البرجوازية.. عبر نوع معين من التوبة، أو عبر الحفاظ على »اللكنة الشرقية«. غير أن هذا الجرح، دولة إسرائيل، يقوم بتعريف الشرقيين باعتبارهم أقلية، ليس بسبب تعدادهم بين السكان، وإنما بالتحديد بسبب الأشياء التي يشرحها يهوشواع بشكل بديع لهذه الدرجة في حوار معه، عندما يعلل »الكبت الإيجابي«: لأن الشرقيين دوماً عليهم أن يحافظوا على مستوى عال من الحياة: »عصرنة«، بستنة، موسيقى كلاسيكية، التطوع في الوحدة القتالية، التفوق في الدراسة.

نجح الليكود، مثل أحزاب اخرى تتغذى على الكراهية، في إعطاء جموع الشرقيين في الطبقات الشعبية حدوداً واضحة أكثر مما أعطاهم حزب مباي أو حركة العمل: الحدود بين الشرق والغرب تمر بين اليهود والعرب. صحيح أن هذا بالتحديد هو ما فعله حزب مباي (التعبير الأكثر رمزية لهذا هو توطين آلاف المهاجرين اليهود القادمين من البلدان العربية، بعد 1948، في أحياء وقرى تم تطهيرها للتو من أصحابها الفلسطينيين وبالقرب من خط المواجهة القادمة)، غير أن الليكود متحرر من »شرقنة« المهاجرين، أي من وصفهم باعتبارهم شرقيين،  فحزب مباي قد أتي بهم إلى هنا، مباي قد نفذت عملية »العصرنة«. حاول مباي تغريبهم، أي تحويلهم إلى شرقيين داخل الدولة اليهودية الغربية في العملية البنائية الموصوفة أعلاه. منحهم الليكود، من خلال هذه الصيغة اليمينية الشعبية للتاريخ، إمكانية الهرب من شرقيتهم، وان يكونوا »إسرائيليين«، أي أن يكرهوا العرب. كان حزب مباي هو »الدولة« في هذا البناء، أي الجزء الموجع بين الشرق والغرب. وبهذا المفهوم فقد كان الليكود هو »شعب إسرائيل«، أو الدولة الجديدة، والتي سوف يقيمها يوماً ما، بعد أن يتخلص من العرب، أو من »النخب«، أو من كليهما. هذا هو المسيح الذي يستعد الليكود لبيعه لناخبيه البؤساء، مع تدمير دولة المعونة الاجتماعية في نفس الوقت. طالما تعمق الصراع مع العرب إلى نقطة اللاعودة، توغل الشرق العربي شرقاً، ويستطيع اليهود، كلهم، أن يجدوا أنفسهم في أقصى الغرب.

حتى من هذه الناحية لا يختلف يهوشواع عن الليكود. أي أن كراهيته للعرب لا تتشابه مع كراهية قراءه الإشكنازيم للعرب. هم يكرهون العرب كجزء من الكراهية الاستعمارية لأصحاب الأرض أما هو فيكره العرب كابن أقلية يكره أقلية أخرى. في المحصلة فالكراهية الشرقية لعرب إسرائيل هي كراهية أقلية مضطرة ان تصبح »غير شرقية« أو أن تصبح »إسرائيلية«، أو »غير عربية«. منذ كتب »مولخو« قام يهوشواع بكل جهده لأجل نقل الحدود التي تمر داخل الإسرائيلي غير - الإشكنازي، مولخو خاصته، إلى أماكن أخرى، حتى يصبح اليهود الشرقيون في عالمه المتخيل »غربيين«. »مار ماني« هو محاولة بيولوجية كتلك (مؤداها أن اليهود كانوا دوماً »خليطا« من الإشكنازيم والشرقيين، غير أن الناتج النهائي كان غربياً). »الرحلة إلى اكتمال الألف« هي محاولة »ثقافية« (مؤداها أن اليهود ابتعدوا عن الشرق منذ ألف سنة، مع تقبل التحريم الأوروبي الحديث لتعدد الزوجات، على خلاف المسلمين، وهكذا بني على خلفية باريس خلفية مشابهة، غير تاريخية بامتياز، للتحالف بين المسيحيين واليهود الذين يتمتعون بزوجة واحدة ضد الشرقيين المؤمنين بتعدد الأزواج، أي العرب).

بعد موت عرفات، وفي حوار مع time out قال يهوشواع: »عرفات رمز للاجئين ولحق العودة. كان شخصاً كابوسياً، قائداً بلا أي قوة فعلية، بلا شرطة ولا منظومة قمع، كان يحكم بحكم سلطته الروحية.. فقط كابوس للاجئ الأزلي الذي أدخل شعبه فيه«.  هل تتذكرون لقاءه مع ليانة بدر؟ هل تتذكرون استخدام عرفات كأنما هو زعيم يملك الشرطة ويحظى باحترام في العالم واعتراف برئاسته؟ قوموية يهوشواع هي خلاصة القوموية الإسرائيلية. فقط بداخلها يشعر وكأنه في بيته، كأنما هو صاحب سلطة، كمتحدث مرتفع الصوت. إنها القوموية التي عرفتها أوروبا في القرن التاسع عشر في وسطها وشرقها،  ليست قوموية المدنية أو قوموية »الارتباط بالأرض« وإنما قوموية »صلة الدم«. هو تلميذ مخلص لهذه القوموية، مثل أغلب الصهيونيين. في حوار مع »جيروزاليم بوست« بعد انتخابات 2003 مباشرة، أكد يهوشواع »اليهود في الشتات هم استمناء. أما الأمر الحقيقي فيوجد هنا [في إسرائيل.] حقا«. من هي حنا أرندت أمام دان حالوتس؟ ومن هو ناعوم تشومسكي، بريمو ليفي، جاك دريدا، والحاخام سولوفايتشيك؟ بخلاف سخريتنا وبرغم بلاغته، ليس لدى يهوشواع إلا جدل بن جوريونستي مع يهود المنفى في تنافس حول من الأحق بامتلاك »الروح اليهودية«، تنافس يسعى لسلب الشرعية عن الحياة اليهودية خارج إسرائيل. لدى يهوشواع طاقة جبارة في تجسيم هذه النبوءة، »فليأتوا جميعاً هنا، وليكونوا جزءاً من هذا المكان الذي نتساوى فيه معهم«. لا يستطيع هو احتمال فكرة أن يكون شخصاً ما من الشعب اليهودي، شخص ما من الفسيفساء الكبيرة للتاريخ اليهودي، لا تزال غالبية طاقته  فاعلة »في الخارج«، وليس بالعبرية بالتحديد، ويظل »في الخارج«، أي خارج متناول يد »مصهر« التجنيس، أي »الهوية الإسرائيلية«، والتي أرسلته أمه لها، حتى يذوب فيها. هاجسه هو الخوف أن من يُبقي شخص ما من خارج التاريخ الإسرائيلي على التقسيم إلى »كل أنواع اليهود« بكامل قوته، حيث سيظهر مجدداً التهديد: اليهود »الغربيون« واليهود »غير الغربيين«. ليس هناك منفى يهودي جدي في الشرق، المنفى الذي تبقى هو »البقية الغربية«، وهي بالتحديد الخطر الذي يكتنف »الهوية«. باختصار، الخطر الذي يكتنف الهوية الإسرائيلية لا يأتي فحسب من »الشرق العربي«، وإنما كذلك من »الغرب اليهودي«. كلاهما يذكر يهوشواع بالمكان الذي جاء منه. هو يكره المكان الذي جاء منه، هو يكره الشرق. ينبغي تصفية الشرق بواسطة الغرب، الغرب العام، العالمي، الحديث، المسيحي، ونحن نشاركه بلغتنا القومية الواحدة، بالموسيقى الكلاسيكية (موتيف متكرر في رواياته).

لذا، فأكثر من أي شيء، يحتاج يهوشواع إلى الجدارالفاصل، حيث »الفصل« فقط - أي رسم خط واضح بين »الخارج« و»الداخل« - يمنحه شعوراً بأنه الآن قد خلقت »هوية موحدة«. من يجهد لقراءة »العروس المطلقة« سيجد المستشرق ريفلين يثرثر بفرضية فاسدة عن الحرب الأهلية في الجزائر، والتي يبدو أنها اندلعت بسبب »خليط اللغات« (لأجل دعم مزاعمه، كشف يهوشواع عن أنه استقى الفرضية الأكاديمية المختلقة من مقال فعلي ما لصحفي جزائري، اهتم بـ»وحدة اللغة«). مكنت هذه الرواية العنصرية يهوشواع من الخروج النهائي  من التابوت. هنا نقل الحدود إلى موضعها »النهائي«، بنفس العنف الذي يتحدث به عن الانفصال عن غزة: الشرق هو الفلسطيني، واليهودي إسرائيلي وجزء من الغرب. غير مولخو أصله إلى ريفلين (و تحول من شرقي إلى مستشرق) ما كان يمر سابقاً بداخل مولخو يمر الآن بين إسرائيل وفلسطين، ويشمل الإسرائيليين، باسم الفصل الاستشراقي بين »ثقافة الشرق« (في »العروس المطلق« توصف هذه الثقافة كأنها شيء ما متخلف ومثير للسخرية في هيئة مغنية تفقد وعيها وفي صورة مسابقة مضحكة في الغناء تدور في رام الله)، وبين ثقافتنا (الموسيقى الكلاسيكية). »لن أكون راغباً في معرفة أسمائهم أبداً »مثل الشتيمة اليهودية الأكثر إخافة: »فليمح اسمهم«.

 الهوامش

1) لجنة أقيمت للتحقيق في مقتل عشرة مواطنين من عرب إسرائيل  أثناء مظاهرة أقيمت تضامنا مع انتفاضة الفلسطينيين في سبتمبر 2000.

2) اليهود القادمون من الدول العربية يطلق عليهم في إسرائيل »السفاراد« في مقابل اليهود الآتين من دول أوروبية والذين يطلق عليهم »إشكناز«. ويعاني السفاراديم في الغالب من التفرقة العنصرية ضدهم في إسرائيل من حيث تدني نوعية وظائفهم والنظر إليهم باستعلاء من اليهود الغربيين.

3) اليهود القادمين من بلدان أوروبية.

4) إشارة إلى عنوان رواية أ. ب.يهوشواع »مار ماني« أو »السيد ماني«.

5) كاتب إسرائيلي معاصر شهير، من أعماله »ميخائيلي« و»بلاد ابن آوى« و»قصة عن الحب والظلمة«.

6) شاعر يهودي ينتمي لأوائل القرن الماضي، من رواد حركة التنوير اليهودي، الهسكالاه، في أوروبا.

7) يوسف عجنون،  كاتب إسرائيلي حائز على جائزة نوبل.

ـــــــــــــــــــــ

* عن دورية "ميتاعام" الاسرائيلية الراديكالية.


تصميم الحاسب الشامل