أســواق عُمـــان "الأدبية" قبل الإسلام

 

طــــالب المعمــري


أسواق عُمان قبل الاسلام تحتاج الى دراسة خاصة لما لهذا الموضوع من خصوصية كونها كانت موضع اهتمام ورعاية عند العرب. فذكرها يرد بمجموعها (سوق عُمان، سوق صحار، سوق دبا، سوق دما (السيب)، سوق ادم، سوق الشحر)

أوترد عند بعض المؤرخين العرب أسواق (عُمان، صحار، الشحر) كما ترد عند بعض المؤرخين أربع أسواق هي صحار، دبا، أدم، ودما (السيب) وهناك من يذكرها مع اضافة قلهات وصور ورأس الجنز وسمهرم والبليد.

 

والحقيقة ان هناك تضاربا بين الأسواق في ذكر عددها وخصائصها. وقد تكون تلك أسواق حقيقية لكنها تخلو من المنتديات الأدبية وقد تكون هناك ­ ربما­ أربعة اسواق حسب ما تتداوله الذاكرة الشفهية، بانها أسواق تجارية ومنتديات أدبية فيها تلك المسابقات والمساجلات الشعرية.

 

من المعلوم ان أرض عُمان كان لها حضورها في التاريخ، والجغرافيا منذ القدم ومدنها حواضر من حواضر العرب وموانئها معروفة ومشهورة. فالأسواق تقام في الاماكن الحضرية، فلا تقام في اماكن غير معلومة وليس لها مكانة او تاريخ. ومدن وقرى عُمان .بمعناها في ذلك الزمان. كانت محط أنظار العرب. لهذا أولوا عُمان مكانة خاصة في قلوبهم فهي أول بلاد العرب التي تشرق عليها الشمس وهي ثغر تصدى وتعرض لما كان يأتي من البحار مما لا تحمد عقباه. لكن هذه الأرض بقيت عربية اليد واللسان. ومن هذا المنطلق أولى أهلها أهمية خاصة لأسواقهم قبل الاسلام كي يحفظوا لعُمان مكانتها التجارية ولغتها العربية ومعتقدات أهلها من التخالط والنسيان فالأسواق حسب ما هو متداول مكان التجارة .تبادل المنافع. وهي في نفس الوقت ملتقيات أدبية .إن جاز لنا التعبير. فالمساجلات والمسابقات الشعرية نتاج تلك المنتديات في تلك الاسواق التي تجلب وتساق اليها البضائع من جغرافيا اليابسة وجغرافيا البحار.

وهنا يمكن اعتبار أسواق تلك الازمنة ساحات ثلاث هي. ساحة اقتصادية .بالمعنى البسيط. وساحة اللقاء الأدبي .شعر وفكر.، وساحة اللقاء الاجتماعي، وأيضاً بمعناه .الضيق. السياسي .تحالفات وانتماءات وعصبيات..

تلك الأهداف واضحة لمتتبعي حركة تلك الاسواق ويتم ذلك بتداخل عجيب، عرصات القلوب على هوى الشعر والمشاعر وخلجات الروح والتنافس والسجال. وما نشاهده اليوم من الهبطات والأسواق التي تسبق المناسبات الدينية، حالة مصغّرة من ذلك الزمن الغابر.

لم يحالفني الحظ  أن أجد أبياتاً لشاعر عاش على أرض عُمان وصف لنا منتدياتها الشعرية في تلك الاسواق قبل الاسلام.

فشعراء ذلك الزمان وطنهم الجزيرة العربية كلها فعلى وهادها وصحاريها وجبالها كونوا وطنهم الفعلي والشعري. كانت النجوم دليلهم في صحراء الأمكنة، حيث أثثوا المكان بمتخيل وأفق شعري لا تخطئه الذاكرة، حتى أننا الى غدنا لن نستطيع ان نفلت من قبضتهم في الشعر والحكمة، لأنها وليدة الترحال، وليدة حياة غير مستقرة وصعبة، ووليدة روح .فرادنية. الهوى، رغم قبضة العصبيات الموصلة نحو التهلكة في كثير من الأحيان.

وما هذه الأبيات إلا بعض من ذلك الشعر الانساني الخالد.

­ عوى الذئب، فاستأنست بالذئب إذْ عوى

                  وصـــوَت انســــان فكـــدت أطــيـرُ

                                الأحيمر السعدي

­ وهل أنا إلا من غُزيَّة، إن، غوت

                غويــت.. وإن تُرشــد غُزيَّة أرشـــــدِ

                                دريد بن الصمة

­ أضاعوني وأي فتى أضاعوا

                ليوم كريهة وسداد ثغر

                        أمية بين أبي الصلت

 

 

الحياة مدن.. وعندما نذكر المدن نذكر تلك التفاصيل الأساسية والهامشية لمدن لصيقة بالحياة بتنوعها، غناها وفقرها.

والمدن ­ ربما ­ لا تموت .نهائيا. حتى لو اندثرت معالمها، لأن للمدن ترابا، وتلك الأتربة لها روائح وذكرى .ملاعب طفولة وشقاء. فالمعالم تبقى بما يحفظ لها وجودها من تعمير او تذهب أدراج الانطفاء. وعندما نذكر مدناً يشدنا الحنين الى تلك المدن بما سمعناه عنها وقرأناه بالكثير من الصحة او المبالغة والتضخيم.

وبما ان حديثنا عن المدن فان جزءا كبيرا من ذاكرتنا يذهب نحو ما حفظ لها من مكانة في الذاكرتين المدونة والشفوية، شعراً ونثراً.

وقول الرسول .صلى. في الشعر .لا تدع العرب الشعر حتى تدع الابل حنينها. دليل على مكانة الشعر في النفوس وتأثيره البليغ وتأكيداً على أن  الشعر ديوان العرب.

فالأسواق العربية ومنتدياتها الأدبية ولنقل .مجازاً. مدن الشعر العربية وبالأخص الاسواق العُمانية قبل الاسلام كانت محط أنظار العرب وإلا لما حصلت على تلك المكانة والشهرة.

فالاسواق العربية قبل الاسلام تنقسم الى قسمين.

. ثابتة تقام في المدن والقرى وأماكن السكن.

. موسمية وتعقد في مواسم معينة وتقع في أماكن متناثرة من جزيرة العرب. وكان بعض هذه الأسواق مقتصراً على ما يجاوره من القرى الصغيرة كسوق هجر وحجر اليمامة والشحْر وغيرها.(1)

ومنها ما كان عاماً يفد إليه الناس من أطراف الجزيرة العربية كلها مثل سوق عكاظ.

فلم يقتصر النشاط الثقافي على المساجلات والمسابقات الشعرية، بل تمت الاستفادة من اللقاءات لتقريب وجهات النظر والمصالحة وتوثيق الصلات ووشائج القربى وانبرى الكثير من المصلحين كقس بن ساعدة الأيادي يبثون فكر التوحيد ونشر الأخلاق الفاضلة بين العرب وخطبه مشهورة في هذا المجال.(2)

وتشير المصادر التاريخية الى ان أهم الحكام هو النابغة الذبياني حيث انه كان أشهر من يفصلون بين المتنافسين وكانت تضرب له قبة من أدَم فيحكم بين الشعراء.

وهناك أيضا حكام آخرون مثل أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة والاقرع بن حابس وهم من قبيلة تميم ومن قبيلة قريش كان هناك عامر بن الظَّرب وعبدالمطلب وأبوطالب وصفوان بن أمية.(3)

والأسواق الأكثر شهرة حتى ظهور الاسلام هي أسواق. عكاظ، ذي المجاز، مَجنَّة، وهي من تلك الأسواق الثابتة التي أشرنا اليها آنفاً.

أما الأسواق الموسمية فأشهرها. سوق دومة الجندل، سوق المشقر، سوق هَجَر، سوق عُمان، سوق حَباشة، سوق صحار، سوق الشحِّرْ، سوق عدن، سوق صنعاء، وسوق حضرموت.(4)

وبتخصيص الحديث عن الأسواق العُمانية اشير الى أنني عانيت من شح المصادر، بل ندرتها كما أن وجود تلك الأسواق العُمانية في المراجع يزيد أو ينقص، بل انني أجد أحياناً تحديد مكان سوق الشحْر بهذا التعريف .سوق الشَّحْر. هو الساحل الجنوبي بين عدن وعُمان، وهي مقصد تجار البحر والبر، وتقصد في النصف من شعبان.(5)

وهل المقصود هنا بسوق الشحْر، هو موقع مدينة الشحْر اليمنية والتي تقع على ساحل البحر العربي الى الشرق من مدينة المكلا.

وهـي حسـب القـراءات مشهـورة بالســوق وبالمـدينـة معاً. أمْ ان الأمر يهم منطقة .إيشحَر. احدى مناطق ولاية سدح شرق محافظة ظفار، القريبة من ولاية مرباط المشهورة بمكانتها التاريخية.

وإيشحَرْ. الهمزة للتعريف­ الياء منقلبة عن الميم. مِشَحر. تطلق على العلامات البيضاء في الصخور على شكل خطوط أو مساحات مستقيمة؛ ولطبيعة الصخور ذات الخطوط والمساحات البيضاء على نحو العلامات فانها سميت بهذه التسمية الشَّحر. مجرى الماء، وقيل مجرى الوادي.(6) حيث ان ميناء سدح مشهور بتصدير اجود أنواع اللبان.

وليس بخاف على أحد اشكالية البحث ضمن عدم وثوقية وشح المراجع، وهنا، سنجد بعض الباحثين سيضيف مدنا لها مكانتها مثل قلهات، سمائل، نزوى، عبري، البريمي، الرستاق وربما، مدينة إزكي. وإشكالية البحث في المكان العُماني ترجع في أساس كبير الى عدم توفر المرجع الذي يسمح بمعرفة مدونات المدن العُمانية وتزامن تراتبية الحقب التي توالت عليها وهذا يقود الى ان جزءاً كبيراً من التاريخ العُماني غير معروف. هنا، فقط يمكن معرفة وتلمس المخلفات الأثرية واللقى وبعض المقابر والخزفيات والنحاسيات والبيوت المطمورة والرسوم على الصخور دليل على ان هناك حضارة أقيمت هنا وهناك.

ولست هنا لأستعرض تاريخ عُمان وعراقته. فعُمان استحوذت على قرابة ربع أسواق العرب في الجاهلية.

ولندرة المراجع العُمانية، اعتمدنا على مراجع عربية والتي تقسم الاسواق العُمانية الى أسواق موسمية رغم ما تشير إليه من أهمية، خصوصاً سوقي عُمان وصحار، والمعروف ان سوق صحار هو سوق قار، ثابت، يجعلنا نرجح مكانته العريقة كسوق ثابت وليس كسوق موسمي مع أن بعض الدارسين يؤكدون على موسمية هذا السوق .هذه الأسواق مؤتمرات موسمية على مستوى قبائل الجزيرة العربية، بل مؤتمرات للاعلام. (7)

هناك اشكالية ثانية واجهتني حول مسمى "سوق عُمان" هل هو اسم لمكان معين (في ذلك الزمان) أم تعميم لمكان أكبر. وحسب اجتهاد شخصي، فحينما نقول، نحن القاطنين على الساحل بأننا ذاهبون الى عُمان (أو .. عُمان الداخل) فنشير بذلك الى العمق العُماني كالمنطقة الداخلية، مثال على ذلك نزوى وما يحيط بها من ولايات.

وربما، كان هناك أيضاً مكان بهذا الاسم حسبما أشارت إليه بعض المصادر، وفي تضارب أقوالها بأن اسم "عُمانا" هو في موقع صحار وبعضهم أبعده عنها.

وهنا نذهب الى قول الرسول صلى الله عليه وسلم حول دخول أهل عُمان الاسلام وقولته المشهورة في ذلك "رحم الله أهل الغبيراء آمنوا بي ولم يروني" والقصـد بالغبيراء هنـا عُمان، أو بعـض من أجزاءها.

وربما ­ ترجع تسمية سوق عُمان، اختصار الاسم الكبير للوطن برقعة جغرافية، فيه لبس، والصحيح­ ربما­ ما اشرنا اليه سابقاً لأن اسم عُمان كان يطلق على مساحة جغرافية تمتد في ذلك الزمان من شبه جزيرة قطر حتى حضرموت فالمصادر التاريخية تقول. انه يقصدها العرب بعد الفراغ من هَجَر "(ي البحرين) ويقيمون بها من ربيع الآخر حتى جمادى الأولى. (8)

حيث تجتمع في (سوق عُمان) تجارة الهند وفارس والحبشة مع تجارة العرب. فالحديث هنا يقودنا الى جغرافية المكان العُماني وتقريبه (ذلك الاسم) على ارض الواقع. فالهند تقع شرق عُمان (يفصل بينهما بحر) وأرض فارس تقع شمال عُمان مع ميل نحو جهة الشرق (يفصل بينهما بحر). وهناك الحبشة البعيدة في القرن الافريقي والوصول منها والذهاب اليها أسهل وأيسر عن طريق البحر. وهنا، تميل الكفة بنسبة تزيد عن الخمسين في المائة الى ساحلية "المكان" ولنفترض جدلاً قلهات ، دبا، رأس الجنز، هرمز، ودما (السيب)، وهذه المناطق تقع على ساحل البحر، فربما، يقصد بسوق عُمان هو سوق صحار نفسه، ولكن هناك مواقيت مختلفة لاقامتهما وان الذين يؤمونها يعرفون السوقين ويطلقون الاسمين معاً. إذاً ساحلية .سوق عُمان. نرجحه، كون سواحل عُمان تتمتع بموقع جغرافي سهل الوصول اليه من جهة الاطراف البعيدة عبر البحر (فارس، الهند، الحبشة).

كذلك لا توجد عوائق طبيعية بين الساحل العُماني ومناطق الجزيرة العربية، أودية خصبة وممرات وطرق تيسر هذا التواصل، بل من المعروف ان الحضارة التي قامت في توام (البريمي) لها علاقة صلة بالساحل (خصوصاً جهة ساحل صحار عن طريق وادي الجزي) وبالتالي يعتبر الشاطئ العُماني نافذة العرب الشرقية والبحارة العُمانيون لهم دراية بركوب البحر وشهرة متناقلة.

"­ ربما­ كانت عبارة عُمان كلها دروب قديمة، ذُكرت ضمن متخيل شعري، قالها، شاعر فحل من أولئك الشعراء او صعلوك أراد بها الغواية".

فسوق عُمان هو واحد من اثنتين سوق دبا، اوسوق دما (السيب) وهاتان المدينتان مشهورتين وتقعان على الساحل، والأقرب الى ذلك هو سوق دبا (سوق صحار تقام في غرة رجب من كل عام وسوق دبا تقام في آخر رجب ويتولى الاشراف عليهما الجلندى). (9)

فولكنسون يعطي دبا .بدل صحار. أهمية كونها الميناء الرئيس لتجارة منطقة توام حاضرة عُمان الشمالية المتاخمة للصحراء. (10)

مع ان الترجيح يذهب الى سوق دبا كونه سوقاً مذكورة في مدونات التاريخ إلا ان بعض الباحثين العُمانيين يذكرون أيضاً سوق دما (السيب).

"لا شك ان اسم دما .السيب. أقدم بكثير فهي معروفة بهذا الاسم قبل الاسلام إذ روي أن بها سوقاً من أسواق العرب في الجاهلية تقام بعد سوق دبا فصحار فدما، فأدم ابتداء من سوق عكاظ وانتهاء بحضرموت.(11)

ويذكر شهاب الدين ابو عبدالله ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" الجزء الثاني ما نصه .دما بفتح أوَّله وتخفيف ثانيه بلدة في نواحي عُمان، وهي مدينة كانت من أسواق العرب المشهورة ومنها ابوشداد .الدمائي. (12)

فالى جانب سوق عُمان تذكر المصادر سوق صحار، وكونها .صحار. أقدم مدينة على بحر عُمان ويقصد سوقها في شهر رجب. وهنا سنعتمد رغم المحاذير على بعض المصادر ما بعد الاسلام لشرح مدن لم توافنا عنها مصادر سابقة وسنستحضر ما ذكره ابن حوقل. .وعُمان ناحية ذات أقاليم مستقلة بأهلها، فسيحة كثيرة النخيل والفواكه الجرومية من الموز والرمان والنبق ونحو ذلك وقصبتها صحار وهي على البحر وبها من التجار والتجارة ما لا يحصى كثرة".(13)

ومع ان صحار مدينة عُمانية قديمة سبقت مدن كسيراف وهرمز­ وخلال تشييد الانشاءات الحديثة العام الماضي (2005) عثر على مكتشفات أثرية تعاود الى الألفية الثانية والأولى قبل الميلاد.  وذكرها معظم الرحالة كونها بوابة الهند والصين إلا ان من يزورها حالياً لا يمكنه ان يلمس ما للماضي العريق لهذه المدينة من شيء.

وعند السؤال في كتب التاريخ والمرويات حول هذا الحال الذي وصلت إليه صحار من قلة شواهد الماضي، قد تبين لنا في استطلاع مجلة نزوى العدد الثاني ان بعض تلك العوامل ترجع الى ان المدينة القديمة تعرضت الى الغرق والطوفان وكذلك تعرضت الى الحرائق والاحتلالات من قبل الفرس وأخيراً الحروب التي دارت على أرضها .حروب طرد المحتل وحروب محلية. تلك المصائر التي عرفتها مدينة كصحار أثرت على حالها ونقلتها من طور الى آخر حسب كل حالة وزمن.

ومن أولئك الذين عايشوا سوق صحار .مصقلة بن الرقية وابنه كرب بن مصقلة، ولهما خطبتا العرب العجوز في الجاهلية والعذراء في الاسلام". (14)

وكما تشير بعض المصادر الى ان بعض الأسر العُمانية كالصفاريين الذين ينحدرون من بني عمارة من أسرة الجلندى بن كركر من قبيلة بني سليمة نزحوا من عُمان واقاموا في ساحل كرمان (من بلاد فارس) في مرحلة ما قبل الاسلام. (15) والراجح انهم انطلقوا من صحار لقربها من تلك البلاد وتوجيه دفة السياسة والحياة من مناطق شرق الخليج الى غربه العربي ومنها ربما، (أيضاً) اكتسبت صحار جزءاً من تلك المكانة الرائدة.

وتذهب المصادر العُمانية (المكتوبة­ الشفوية في أكثرها) الى ان أبناء عميد الأسرة الأزدية مالك بن فهم والذي اتخذ مدينة قلهات مقر حكمه بعد انهيار سد مأرب له الكثير من الابناء قد حرروا عُمان من الوجود الفارسي وان بعضهم استقر في الأماكن التي حرروها ومنها صحار ومع الخلافات بين الابناء والاحفاد توسعت طموحاتهم وتعلقت أنظارهم نحو البر الشرقي وسيطروا على جزء من تلك السواحل التي يتحكم فيها الفرس والتي تطل على البحر قبالة السواحل العُمانية.

ولأهمية هذه المدينة وعراقتها فقد ذكرها المؤرخون كونها موازية للاسم الذي أطلقه السومريون على عُمان باسم .مجان. وهذا ­ ربما يحتاج الى مراجعة، هل اسم مجان هو اسم عُمان أم اسم صحار. فالعلاقات السومرية مع مجان ذكرها المؤرخون العرب والأجانب وأشار اليها الاصطخري في كتابه المسالك والممالك. ذلك ان صحار في تلك الحقبة تصدر النحاس­ وهناك آثار وبقايا مناجم حتى اليوم، حتى ان المنجم الجديد أقيم في منطقة الانتاج القديم للنحاس لمملكة مجان العُمانية.

إذ أن هناك أسواق عُمانية عريقة لم نعرف عنها الكثير حتى ان بعضاً منها مواقيتها مجهولة لدينا كسوق  أدم.

وهناك أسواق مهمة تقع على ممرات طرق القوافل ولها أهمية كبيرة لكننا لا نعرف عن منتدياتها الشعرية ­ الأدبية، معلومات تفي بالغرض. وهذه الأسواق هي سوق توام (البريمي)، وسوق عبري­ ربما­ ستأتي دراسة لاحقة تكشف مغاليق تلك الأسواق بشيء من الوضوح والتفصيل.

لم تكن الأسواق العُمانية قبل الاسلام بمنتدياتها الأدبية في مستوى سوق عكاظ، لكنها تستقطب وقت مواسمها الكثير من العرب. ولعبت دوراً مهماً لا يقل عن التجارة والمساجلات والمسابقات الشعرية في التآلف والتلاقي الانساني­ وربما­ أيضا في توحيد الصفوف وتوطيد الروابط الأسرية وحافظ على كيان المكان العُماني عبر الحقب والازمان.

ونحن نبحث في الأسواق العُمانية قبل الاسلام ينقصنا الكثير من المعلومات عن سوق مهم كسوق دبا الذي دوماً يتوارد كأحد أهم الأسواق العُمانية قبل الاسلام، رغم ورود ذكره بقليل من المعلومات.

لا أظن ان مدن كنزوى او سمائل وهن حواضر قديمة لا يتمتعن بمنتديات أدبية لأنه وبمجيء الاسلام أصبحت هاتان المدينتان بعد نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري مراكز وحواضر عُمانية تستقطب العلماء والأدباء حيث اصبحت نزوى بدءاً من القرن الثالث الهجري مركزاً دينياً مهماً وتسنمت سمائل الدائرة الشعرية العُمانية.

 

خاتمة

 

النقطة الأولى. لابد من القول أن الأسواق العُمانية قبل الاسلام والتي ذكرتها المراجع العُمانية والعربية ويتم تداولها شفاهياً هي (دبا، صحار، دما (السيب)، عُمان، الشَّحْر، أدم). ونلاحظ أن انعقاد سوق عُمان في آخر شهر جمادى الأولى وبداية جمادى الآخرة، وسوق صحار يقام بعده في شهر رجب، وسوق الشَّحْر يقام في شعبان.

فهذه المواقيت تسهل الحركة وتمنح القائمين والزائرين فرصا زمنية متقاربة لأن يؤموا هذه الأسواق دون العودة الى بلدانهم وكان الأمر فيه حسبة مقدرة ومنضبطة.

النقطة الثانية. لم تبين لنا المدونات تراتبية الأسواق بشيء من التفصيل ، والدقة. يمكن لنا ان نستشف أن سوق صحار أكبرها كما ان تلك المدونات لم تذكر لنا من هم الشعراء المبرّزون من ابناء المكان العُماني أو غيرهم من شعراء العرب، وهل هناك مسابقات وحكام يفصلون بين المتبارين، كما لا نعرف الفعاليات المصاحبة في تلك المنتديات، وهل الشعر وحده الحاضر، أم هناك، فنون أخرى، كالخطابة والمبارزة في القول النثري.

النقطة الثالثة والاخيرة. ان الأسواق الساحلية مرتبطة بموانئ، وصحار كمثال على ذلك ويشار اليها كقصبة ومنارة وبوابة عُمان.

وبهذا التلاقي على اليابسة وعبرها وما هو عبر البحار على المستوى التجاري البحت، وبين ما هو يمس الذاكرة والوجدان والفكر، بما يتمثل فيه من مساجلات شعرية تهم أولئك العرب، لهو دليل على ان الشعر العربي ­ ربما­ هو الوحيد الذي كان يتحرك ويتفاعل وينفعل مع الأحداث ويؤثر فيها.. وما عدا ذلك كأنه السكون..

 

المراجع

 

1 ­ محمد خان­ أسواق العرب، موقع .مشاهير. الالكتروني.

2 ­ الشيخ الخطاب الكندي­ جريدة الوطن العُمانية  11/11/2002

3 ­ محمد خان­ أسواق العرب ، مصدر سابق.

4 ­ محمد خان ، أسواق العرب، مصدر سابق.

5 ­ محمد خان ، أسواق العرب، مصدر سابق.

6 ­ موسوعة أرض عُمان المجلد الأول، ص14049 (2006)م..

7 ­ الشيخ سليمان بن خلف الخروصي، المجالس الأدبية في عُمان، كتاب حصاد فعاليات المنتدى الأدبي عام 89­ 1990 يونيو 1990 ص299.

8 ­ محمد خان ، أسواق العرب، مصدر سابق.

9 ­ الاستاذ. خالد سعود الزيد ­ كعب الاشقري­ حصاد فعاليات المنتدى الأدبي­ مصدر سابق­ ص37.

10 ­ ج.س ولكنسون ­ بنو الجلندى في عُمان ­ مجلة الدراسات العُمانية .الطبعة العربية.، وزارة الاعلام 1978، ص31.

11 ­ الشيخ سيف بن حمود البطاشي .دما عبر التاريخ.­ حصاد فعاليات المنتدى الأدبي لعام 93 ­ 1994م ص210.

12 ­ الشيخ سليمان بن خلف الخروصي .دما عبر التاريخ.­ مصدر سابق ص216.

13 ­ ابن حوقل صورة الأرض 1979، ص44 (مجلة نزوى العدد 21 يناير 2000 ص10).

14 ­ الشيخ سليمان بن خلف الخروصي­ المجالس الأدبية ­ مصدر سابق ص300.

15 ­ مجلة نزوى العدد 2 مارس 1995م ص123.

 

تصميم الحاسب الشامل