|
|||||
|
- الممثلون: - ممثل أول في دور فرناندو بيسووا. - ممثل ثان في دور البدلاء الثلاثة: (١) ألبرتو كاييرو، البديل الأول. (٢) ألفارو دو كامبوس، البديل الثاني. (٣) ريكاردو رييس، البديل الثالث. - ممثلة أولى في ثلاثة أدوار: (١) أوفيليا كويروش، الحبيبة. (٢) كاترينا، الممرضة. (٣) دونا مارياس فيرتوديس، الصديقة. - اقتراحات لشكل العرض: - أُعدّ هذا النص ليتم عرضه في قلعة أو حصن قديم، ويمكن عرضه أيضا في ساحة عامة بسوق المدينة. - شاشة عرض فيديو أرت. - مجسم متحرك أو ثابت لشارع الدورادوريس. - جسر خشبي يمكن أن يوضع في عمق المكان ليوحي لنا بأنه الحديقة التي كان يلتقي فيها بيسووا بالحبيبة، وربما البدلاء أيضا. - رسم يوضع على جدار القلعة أو الحصن أو ساحة العامة للسوق لمنظر غرفة بيسووا. - طاولة مكتب فرناندو بيسووا. - حقيبة بيسووا السوداء، ويجب أن تكون مليئة بالأوراق. - مشجب. - عازفة الكمان. - إضاءة خافتة تبدأ تعلو ببطء تنير مكان العرض. مشجب يعلق عليه معطف وقبعة بيسووا المعروفان. بجانب المشجب توضع حقيبة سوداء. منشور ضوئي يوجه إلى الممثل الذي سيؤدي دور بيسووا وهو يرتدي قميصا عاديا بلون باهت، يجلس الممثل على طاولة المكتب، يكتب ويسجل يومياته. ما يكتبه يسمعه الجمهور مسجل على جهاز تسجيل. بيسووا [وهو مستغرق في الكتابة، متسائلا]: النجاح يعني أن تفشل وأن تفشل، وأن تفشل. في هذا اليوم أعترف بأنني قد فشلت. ولا أدري من المسؤول عن هذا الفشل. هل هو الله الذي أبقاني على الدوام طفلا، أم أنها ذاتي المفرّقة في جسوم كثيرة! تلك الجسوم التي تتفرقني فلا أعرفني. يا أيتها النفس اللامطمئنة، أراك تتجهين إلى النقد بدافع من الإحساس وليس بدافع التفكير. لقد »اختار أغلبية الشباب، الإنسانية كبديل لـلآلهة. شخصيا أنتمي مع ذلك إلى من يوجدون دائما على هامش ما ينتمون إليه«. [يترك الكرسي، يسير متخطرا في المكان وهو في وضع المتأمل، يفكر بصوت عال] محااااااااال، لا بد أنني كنت أمزح وأداعبني كما يداعب الهواء تحت الغيوم الثابتة زرقة السماء المعكّرة ببياض شفاف. [يخطو خطوات سريعة متحدثا] يا له من سكون بارد وثقيل، يُشعرني بأن الكون عطلان. - عزف منفرد وحزين على الكمان. ينتهي العزف. يقترب بيسووا من العازفة يخاطبها قائلا: أنت أيتها العازفة، سأحكي لك سرا. [تختلف الإضاءة، منشور ضوئي كئيب ينبعث من غرفته] حين قَدمتُ إلى لشبونة للمرة الأولى سنة ٥٠٩١م من دوربان في جنوب أفريقيا، كان ينبعث من الطابق الفوقي للمبنى الذي أقمنا به، عزف لبيانو من آنسة كانت تتعلم العزف. لم أرها قط في حياتي. هل لك أن تتخيلي ذلك؟ أنا أراك الآن، ومن يراك فقد رأى. كنت طفلا في يومها، واليوم لم أعد كذلك؛ إن صوت عزفك مماثل في التذكر لعزف بيانو تلك الآنسة التي لم أرها قط في حياتي. - يقترب منها أكثر. يأخذ الآلة ويحاول أن يعزف لكنه يفشل. يناولها الكمان. أعترف بأنني قد فشلت، فيا لكآبة عزفك الرقيق، ويالهشاشة مؤهلاتي. - يخطو نحو الطاولة فيمسك القلم ويبدأ في الكتابة. إظلام. - شاشة الفيديو أرت تعرض مقطعا تمثيليا يظهر فيه بيسووا مريضا وغير حليق الذقن، ويحاول رجلان مساعدته على ارتداء معطفه لكنه يتردد ويرفض. الرجل الأول [وهو ينظر إلى ساعة يده]: لقد تأخرنا يا سيد بيسووا. سيارة التاكسي تنتظرنا منذ زمن، وأنت ترفض الحركة. بيسووا: كما أخبرتكم، أنتم تضيعون وقتي. نادوا على السيد ماناسيس الحلاق، فلن أذهب إلى المستشفى إلا بذقن حليق. الرجل الثاني: ثمة أصدقاء ينتظرونك عند مدخل البناية. لقد وصلوا منذ زمن طويل. بيسووا [محتدا ولكن بهدوء]: لا أريد أن أبدو كرجل بلا صفات أيها الأعزاء، [متسائلا] أين النظارة الزجاجية الخاصة ببديلي الفارو دي كامبوس؟ - ينتهي عرض المقطع. - تعود الإضاءة من جديد. ما زال بيسووا يجلس على الطاولة يكتب. - يتصاعد من عمق المكان دخان كثيف، ويظهر من خلاله بديله الأول. البرتو كاييرو [واقفا في العمق كملك]: أما زلت منشغلاً بالكتابة؟ - يترك بيسووا القلم، ويقف بجانب الطاولة لا يتحرك. بيسووا [بلهفة]: يا أقدم انشقاقاتي الشعرية! [بلهفة مضاعفة] ألبرتو كاييرو! [بإنزعاج] أحتقر ذاتي دائما حينما أكتب؛ لكنني لا أستطيع التخلي عن الكتابة، إنها كالمخدر. البرتو كاييرو [كأنه يتقزز]: شيء يثير الاشمئزاز. [يستدرك بلهجة ساخرة] لكنه تشبيه رائع. [بحزن] خرجت لتوي من القبر، [بلا مبالاة] هكذا، شعرت بالملل والضجر من الوحدة فخرجت. قلت لأذهب إلى شارع الدورادوريس لأتفرج على الحياة. لا أدري قلت علّني أجدك في الحانة العتيقة، أو عند دكان المأكولات، وحين لم أعثر عليك، ذهبت إلى مبنى الشركة التي كنت تعمل فيها، وتتقاضى منها ذاك الراتب الحقير التافه، دخلت إلى قسم الحسابات متصور أنني سأجدك، لكنني لم أجدك. لقد شعرت بالغم والوحشة والقذارة. ولكنني تحركت باتجاه آخر، وإذا بي سمعتك تتحدث مع عازفة صغيرة، ثم اختلط عليَّ الأمر، فرأيتك ذاهب إلى مستشفى القديس لويس الفرنسي، فتبعتك إلى هناك، وعلى طول الطريق كنت أفكر وأحسّ وأكتب، لقد كتبتُ بعض المقاطع الشعرية الحرة. بيسووا [يقترب منه يسأله وكأنه يحاكمه] : هل سيحكم انشقاقك وجودي ومظهري إلى الأبد؟ ألبرتو كاييرو: أليس من المستغرب أن أموت مصابا بالسل كأبيك وأذهب إلى دار الخُلد وحدي؟ أنت محكوم بالانشقاقات يا فرناندو بيسووا، فلماذا لا يحكمك انشقاقي إلى الأبد؟ بيسووا: لكم كان غريبا ومدهشا أن أجد نفسي منشغلا بحياة الآخرين الذين يعبرون بداخلي. البرتو كاييرو [يقترب منه]: أنا أبوك يا فرناندو. - يبتعدان عن بعضهما نسبيا. يتحدث بيسووا عن أبيه. بيسووا: أبي! لا أتذكر عنه شيئا، ولا أعرف إن كان مات مقتولا أو مريضا. لقد كان بعيدا دائما، ولا أعرف لماذا كان يعيش بعيدا؛ لا أعرف لأنني لم أهتم أن أعرف. لأنني لم أهتم بذلك. ألا يبدو ذلك أمرا أكثر من الوهم يا كاييرو؟ - عزف على الكمان. درجة الإضاءة تتلون. يبدأ البرتو في الغناء بطريقة أوبرالية. البرتو كاييرو [ينشد] : النهارُ مفعمٌ بالشمس أو رطب بالمطر أو عاصف كأن كلمةً وصلت نهايتها المساء الناعم ومجموعات البشر تمر أرقبها باهتمام من النافذة - بيسووا يتحمس للغناء، فيغنيان معا. بيسووا وألبرتو [يغنيان معا] : نظرة ودورة أخيرة منحتني سكينة الأشجار وعندئذ أغلقت النافذة، أضأت اللمبة لا اقرأ أي شيء، لا أفكر في أي شيء، ولا أنام لاحسّ الحياة تتدفق من خلالي مثل نهر على سرير وبالخارج صمت عظيم كأن قلبا نعس. - حين يصلان إلى الشطرين الأخيرين، يضع كل منهما يده على كتف الآخر يكونان قد اقتربا متلازمين في عمق المكان الذي ظهر منه ألبرتو، ويختفيان معا في الدخان الكثيف. - مقطع تمثيلي على شاشة الفيديو أرت، يظهر في المقطع بيسووا منوما على السرير في المستشفى، تقف إلى جواره الممرضة كاترينا وهي تعمل على وضع الجلوكوز بجانب السرير، كما أنها تُصلح من هيئة المخدة. كاترينا [تعمل وتتكلم] : عليّ أن أهتم بك يا سيدي، كما أخبرك الطبيب، فأنت مصاب بداء التشمع في الكبد، وهذا الأمر يحتاج إلى الراحة. ستكون بخير. بيسووا: أنا مشفق عليك وخجل منك؛ إذ أثقلوا عليك أن تعتني بي. لقد أجبروك على فعل ذلك يا آنسة. أليس كذلك؟ كاترينا: لا يجب أن تُحس بذلك، فهذا عملي يا سيدي، فنحن في مستشفى القديس لويس نعتني بمرضانا جيدا، ونحن نعتني بهم بدافع من المحبة، وأنت على ما يبدو رجل محترم. بيسووا: هل أبدو كذلك؟ إن وجودي عبء كبير على الوجود يا آنسة، وأنا سعيد جدا لأنني بلا أقرباء. - تتقدم الممرضة من بيسووا أكثر لتغرز في يده الإبرة. كاترينا: أعذرني، عليّ أن أغرز لك إبرة، الطبيب هو من أمر بذلك. بيسووا: لا بأس، أريد جرعة من اللدانوم، إنه منوم اعتادُ تناوله بصفتي البديل برناردو سواريس! كاترينا: طيب يا سيد فرناندو؛ بصفتك برناردو سواريس سأخبر الطبيب عن طلبك. إسمي كاترينا، وأنا هنا في المستشفى منذ زمن، من فضلك يا سيد بيسووا، إذا احتجت إليَّ إقرع الجرس، وسأحضر حالا. - ينتهي عرض المقطع. - يدخل بيسووا بثقل على المنصة، كأنه يحمل صخرة سيزيف. يتناول المعطف ويرتدي القبعة والنظارة ويتأهب للخروج. يتردد وكأنه تذكر شيئا مهما. يجلس فوق الطاولة بكامل ثيابه. يدخل ويقف خلفه البديل الثاني الفارو دي كامبوس مرتديا ملابس بيسووا نفسها، بالإضافة إلى النظارة. ما يكتبه بيسووا من مقاطع شعرية، كأنه حديث بينه وبين نفسه، فيردد البديل الثاني الكلام نفسه؛ وكأنه نسخة عنه. بيسووا [في حال من الانهيار]: متعب أنا، كامبوس: متعب أنا، بيسووا: أنا متعب وهذا واضح، كامبوس: أنا متعب وهذا واضح، بيسووا: حيث يكون الناس في مرحلة معينة متعبين، كامبوس: حيث يكون الناس في مرحلة معينة متعبين، بيسووا: ممَ أنا متعب؟ لست أدري، كامبوس: ممَ أنا متعب؟ لست أدري، بيسووا: لا يفيدني على الإطلاق أن أعرف، كامبوس: لا يفيدني على الإطلاق أن أعرف، بيسووا: لأن التعب يظل مجرد تعب، كامبوس: لأن التعب يظل مجرد تعب، بيسووا: الجرح مؤلم وهو يؤلم، كامبوس: الجرح مؤلم وهو يؤلم، بيسووا: وفي غنى عن السبب الذي أحدثه، كامبوس: وفي غنى عن السبب الذي أحدثه، بيسووا: نعم أنا متعب، كامبوس: نعم أنا متعب، - يضع بيسووا القلم على الطاولة، يقف وينظر للجمهور دون أن ينتبه للبديل الواقف خلفه، يواصل ما تبقى من مقاطع شعرية. بيسووا: قلم وحبر،،، - يخطو بيسووا في المكان فيلحقه كامبوس كظله. ينتبه بيسووا للبديل. يتأمله ويتفحص النظارة التي يرتديها، ثم يتأمل نفسه. يقترب منه أكثر. بيسووا: هل تذكر؟ كامبوس: لم أنس حتى أذكر. بيسووا: رأيتك في الظل، ولكنني لم أعرفك. لم أتمكن من التعرّف عليك؟ هل كنت أنت هو، أم كنت أنت أنا؟ أينا فرناندو بيسووا، وأينا الفارو دي كامبوس؟ كامبوس: ما كنت لأتخيل أننا سنفترق يوما. كنا متشابهين في كل شيء، إلا في تاريخ الولادة والموت. بيسووا: نعم يا كامبوس. كنا متشابهين. [يخطو نحو المشجب ويتخفف من المعطف والقبعة] كامبوس: لقد انزعجت كثيرا من أمرين متلازمين لا فكاك منهما. بيسووا: وممَ كان انزعاجك يا بديلي؟ كامبوس: أما الأول فلأنني مت قبلك مصابا بالسل، كم أنا حزين. بيسووا: لقد أخبروني أن أبي مات بالداء نفسه، وكذلك معلمي الأول ألبرتوكاييرو. كامبوس [يتكلم وهو يخطو نحو المشجب، يتخفف من القبعة والمعطف] : الأمر الثاني كان يتعلق بتلك الفتاة المغناج، تلك العاهرة المدعوة أوفيليا كويروز التي سعت أن توقع بك في غرامها [يصرخ غاضبا] لم أكترث أنك قد خَلقت قبلي ألبرتو كاييرو أقدم انشقاقاتك الشعرية، لقد قبلتُ بأن يكون كاييرو حي فيك وحي بداخلك، كأنك تراه كما أنه يراك، [يقترب ويحضنه] ولكنك لم تُحسن التفكير على نحو مجد حين أحببت تلك الأوفيليا وجعلتها تتعمق فيك بالتدريج، لتمنحها بعد ذلك كل الشغف والحنان. [يبتعد عنه ويبصق جانبا] فتاة خرقاء، شيطانة، متعجرفة وغير مبالية. لقد جعلتك تلك الخرقاء مصابا بالحزن، تماما كما الوضوح. بيسووا [مدافعا] : أنت لم تفهم، ليس الحب ما كان يستحق العناء، بل ما يحيط بالحب. نعم لقد أحببتها. ظل الكون من حولي عاريا ومنعزلا ومجردا، كونه مصنوعا من مفاوضات ليلية حتى رأيتها، كانت شبيهة بمخدع قديم لطفولتي البائسة والمفقودة. كامبوس [غاضبا يصرخ في وجهه]: يا فراغ الكائن المرعب، يا فراغ كينونتك. - يخرج بيسووا راكضا وهو يردد بعض المقاطع الشعرية السابقة حتى يصل غرفته المطلة فوق القلعة/ الحصن/ أو على هيكل مرتفع بساحة السوق. تتغير الإضاءة نسبيا. أوفيليا وبيسووا معا في مشهد للحب. أوفيليا: آه يا جميلي فرناندو، أنت تعرف أن حبي لك هو حب كبير. بيسووا [يسمعها مقطعا شعريا من الرباعيات، يصاحبه عزف على الكمان]: آه، أيتها الشابة الشقراء آه، أيتها الشقراء الشابة قولي للذي يراك هنا أنك ما زلت صغيرة جدا أوفيليا: لا تستطيع أن تتصور كم كنت سعيدة اليوم، حتى أنني أكلت بشكل أفضل. آه يا جميلي، لو تعرف كم أنا فرحة برؤيتك. بيسووا: كنت انتظرك [يداعب شعرها] أحلم بك آتية. وفي حلمي تدخلين من الباب الأيمن. أوفيليا [تضحك بغنج وفحش] : أواه كم يطربني هذا الكلام. ولماذا لا أدخل من الباب الأيسر؟ بيسووا: في الباب الأيسر ما يدل على وجود اختلاف بينك وبين حلمي. [يبتعد عنها بمسافة قصيرة] لعلّنا اختلفنا قبل أن توجدي. أوفيليا [تقترب منه تحاول أن تعانقه وتداعبه]: أنا حبك الصغير، وأطمح في البقاء قربك، ألا ترغب في تقبيلي أو حتى في ..... - يصرخ كامبوس من الأسفل وهو يتجه بمسافة نحو الحصن. كامبوس: لا تستجب لنداء مقاماتها الباردة يا بيسووا، إنها تجلب لروحك متعا محزنة، والشيطان وحده يعرف كيف يمارس علينا إغواء الأنثى للفحل. أوفيليا [بغضب تصك أسنانها كالوحش]: إنك تتدخل تدخلا سافرا في حبنا. فرناندو يا جميلي، لا تنصت له، إنه منحط وعدمي، تعال، هيا بنا نذهب إلى التنزه. - ينسحبان معا في حزمة ضوء كئيبة. كامبوس [يخرج من جيب سترته الجعة، وينشد بصوت عال كالقراصنة كلاما مفككا ويصاحبه عزف على الكمان]: لا أحد يكترث... لا أحد يكترث لأفكار الكلمات فيها تهتز وتتجشأ... فقد خلقني الله منحطا، وأبقاني على الدوام منحطا... ترم لململم... يا سماوات، يا طيور، يا سفينة عبرتُ بها الأطلنطي يا عشاقي المجانين، يا عشاقي المثليون، يا شرق، يا..... [يخطو بثقل خارجا-تختلف الإضاءة] - في الحديقة، على جسر المشاة. الإضاءة قمرية. بيسووا وأوفيليا يتخطران فوق الجسر. ضحكات متلونة تصدرها أوفيليا، بينما بيسووا رجل حزين. أوفيليا [تقف أمامه]: أواه يا جميلي، كم أبدو سعيدة الآن لأنني بقربك في مكاننا المعتاد. سأخبر أختي عن علاقتنا وحبنا. بيسووا [كأنه مندهش]: حبنا!!! أوفيليا: هل تُحبني كما أحبك يا فرناندو؟ بيسووا [يلقي مقطعا من رباعياته بصوت مرتفع]: لا أعرف إن كانت الروح تحيا في الماوراء إن متُّ- رغبت في الموت لأنني لو حييتُ لرغبت في رؤيتك وإلا، لن أستطيع نسيانك إلا بالموت أوفيليا [كالأطفال]: انظر إلى شَعري، إنني أمشطه بهذه الطريقة، ليبدو جميلا في عينيك، وثوبي هذا، لقد ابتعته من تلك الخياطة الشمطاء بثمن زهيد. ألا يبدو مبهجا؟ بيسووا [يتركان الجسر، ويسحبها من يدها كالأميرات إلى مستوى مكان آخر، ينشد بصوت مرتفع مقاطع من رباعياته، ويصاحب النشيد عزف على الكمان، أو يمكن الاستعانة بموسيقى، ترقص أوفيليا بصحبة بيسووا رقصا تبدو فيه أميرة غجرية ومتوحشة. الإضاءة تتلون]: تديرين رأسك لتسألي تبدأ أقراطك بالرقص مثل سنونوتين مملتين لا تعرفان الطيران بعد لديك مشط أسباني في شعرك البرتقالي وحين تلفك الشمس تكونين مثلما خلقك الله - بيسووا بالقرب من العازفة، تختلف الإضاءة. بيسووا: والآن يا أوفيليا كويروش، علينا أن نفترق، لقد حانت ساعتي مع الأشباح. أوفيليا [بنزق]: لا أفهم. بيسووا: ولن تفهمي. أريد أن أنخطف. أوفيليا [بغضب وحزن]: منذ التقينا، وقبل ذلك منذ أن أحببتك، إنزرع في داخلي يقين مرعب أننا سنفترق، أو أنك سترحل وتتركني، أو أننا لن نكون معا للأبد. ماذا يشغلك عني يا جميلي؟ هل صدقت ما قاله بديلك ألفارو دي كامبوس؟ هل أبدو لك كما قال عني فتاة مغناج وعاهرة وخرقاء وشيطانة ومتعجرفة وغير مبالية؟ [تحوط رأسه بين راحتيها] إنني أحبك يا جميلي. بيسووا: قلت إرحلي. أوفيليا: ألا أبدو مناسبة لك؟ بيسووا [بإصرار]: قلت إرحلي. ما عدت أريدك، ما عدت أهواك. أوفيليا [بعتاب]: إننا لم نتبادل حتى قبلة بشكل حقيقي، أليس الحب فعلاً مزدوجاً؟ لما لا تحاول تقبيلي! [بسخرية] ولكنني أشكرك على الألاف منها، [بحزن وبحب] آه لو تدري يا فرناندو، أريد أن أشطب من حياتي كل الوقت الذي لا أمضيه بالقرب منك. بيسووا [مواجها]: وجودك الفيزيقي بجانبي يا أوفيليا يخنقني ويظلل أفكاري، عليك أن ترحلي يا أوفيليا، ارحلي وإلى الأبد. أوفيليا: ألم تعد تُحبني حقا، هل هناك امرأة أخرى؟ بيسووا [يحاول إفهامها]: بائعة السمك! إوفيليا: بائعة السمك!!! بيسووا: يا ليتني أمتلك قدرة لأعرف في تلك المرأة جوهر حقيقتها الإنسانية، حقيقتها كما هي، مستقلة عن تسميتها ببائعة سمك. [يمسكها من كتفيها ويسألها] هل رغبت يوما أن تري الشرطي كما يراه الله؟ أوفيليا [تزعق في وجهه]: لماذا ترى كل الأشياء كئيبة؟ [بنبرة مختلفة] اسمع يا فرناندو بيسووا، ما همتني الدنيا أو بائعة السمك تلك، يكفي أنني أبتهج بحبك. بيسووا [يبتعد ويشيح بيده عنها]: أنا هو المبتهج بانعدام ما يدعو إلى الشغل في هذه اللحظة، وداعا يا أوفيليا. أوفيليا [بألم وضعف]: أواه، يا فرناندو، ليس الآن، فيما بعد [تضع رأسها بين كفيها وتخرج باكية] بيسووا: أحببتك نعم. لكن ما أحببته أكثر من سواه هو أحاسيسي الخاصة، وهذا ما يجعلني أبتعد عنك. إني أحب أحاسيسي الخاصة واحترمها. [يلقي الرباعية، وبعدها ينصرف] يا مريم، حين أناديك تعالي إلى هنا، يا مريم، قولي أنك لا تستطيعين المجيء هكذا أستطيع أن أراك - شاشة الفيديو أرت، تعرض مقطعا تمثيليا يجمع ما بين بيسووا وصديقته المسنة دونا مارياداس فيرتوديس، وهما جالسين يتناولان الشراب في بيتها. دونا مارياداس: أخبرني يا بيسووا، هل استيقظت يوما دون أن تكون حزينا أو مكتئبا أو حتى ضجرا، وأدركت أن كل من هم حولك، ليسوا إلا وجوها، تضطر لرؤيتها، وأنه لا أصدقاء لك؟ بيسووا: بلى يا دونا مارياداس، لقد فكرت حينها، في حقيقة كل أولئك البشر الذين يحيطون بي؟ دونا مارياداس: وهل أدركت أن هؤلاء الذين يحيون من حولك، إذا رحلوا أو غابوا عن يومك، لا يؤثر غيابهم في سيرورة حياتك شيئا؟ بيسووا: بلى يا دونا، لقد فكرت حينها أيضا. دونا مارياداس: وماذا اكتشفت؟ بيسووا: إنهم مجرد ظلال يا صديقتي. دونا مارياداس: هيا يا فرناندو، إرحل عن هذا المكان، لقد حانت ساعة الأشباح. بيسووا: هل سيتصل المارشال بيريرا الآن؟ دونا مارياداس: بل أنا من ستتصل به وإلا سيغضب. أخشى غضبه كثيرا. إننا نناقش أمورا خطيرة ونتكلم في مسائل كثيرة. في آخر اتصال مع شبحه تحدثت عن الحرب في أفريقيا وعن ارتفاع سعر الفلفل. - ينتهي عرض المقطع. - منظر مكان العرض يختلف وكذلك درجة الإضاءة، بحيث يظهر للجمهور أو لعامة الناس في ساحة السوق، جزء متحرك يشير إلى شارع الدورادوريس. بيسووا يسير بين الناس في الساحة دون مبالاة. ثم يتركهم ويتجه إلى مكان العرض، وتحديدا يسير بخطى بطيئة نحو المشجب، يرتدي المعطف والقبعة ويلملم أوراقه من فوق الطاولة ويضعها في الحقيبة. بيسووا: يروق لي أن أسير في هذا الشارع. [وكأنه يخاطب شخصا آخر]: إن شارع الدورادوريس يمثل الحياة الرتيبة التي أعيشها، وغرفتي الكئيبة التي يطيب فيها اليأس، تمثل الفن والنثر والكتابة. شارع مليء بالاستعارات. إنه يحوي المعنى الكلي للألغاز التي لم أعثر على حل لها. [يشير بيده ملوحا إلى طيف ما] مرحبا يا كويلهو شيكو، إنك تبلي بلاءً حسنا. حين وصلتني من باريس تلك الرسالة المحمومة التي يخبرني فيها صديقي الشاعر ماريو دي ساكرنيرو عن رغبته في الانتحار، مررت بأزمة نفسية حادة، [يرفع رأسه عاليا] اسقني مزيدا من الخمر، لأن الحياة لا شيء. [يلوح بيده لطيف آخر] الجميع يعاملني باحترام؛ لكنه احترام يخلو من الإثارة، كلهم عاجزون عن الإحساس بما أحس. [يرفع رأسه عاليا] إلهي، إلهي، لماذا تخليت عني؟ [يجلس القرفصاء فوق الشارع] وأنا أتأمل الفعل الدؤوب للحمّال، وللحلاق، وبائعة السمك، ومتعلمة الخياطة التي سيؤلمني عدم قدرتي أن أحدثها، وهي تجتاز حوالي الساعة التاسعة صباحا، الزاوية اليمنى من الشارع، أرى العالم كله يتمدد أمام عيني. تخيلتني متحررا إلى الأبد من شارع الدورادوريس، ومن الباطرون باسكيز، ومن ميريرا رجل الحسابات ومن جميع المستخدمين، من أمين الصندوق بورخيس، والولد المرح حامل الرسائل إلى مكتب البريد، والخادم الذي كان يتحمل كل أنواع الشحن، والقط الودود، كل هؤلاء أصبحوا جزءًا من حياتي [ينهض] لا أستطيع التخلي عنهم جميعا دون أن أنخرط في البكاء [يتصاعد الدخان. ينصت كأنه ينتظر أحدا يخرج من الدخان، ولكن لا أحد يأتي، فيتخيل أنه رأى أحد بدلائه؛ فيتحدث معه / معهم] يا أصدقائي الشبحيون، هل أنت هنا يا برناردو سواريس؟ إنني أتخيلك، لأنني حين أكون معك لا أفقد القدرة على الحديث [مقطع تمثيلي يظهر ويختفي كلمح البصر لانتحار الشاعر البرتغالي ساكر نيرو-يتحرك بيسووا بقوة كأنه يحاول اللحاق بالشاعر، فينادي عليه] انتظر يا ساكر نيرو لا ترحل بعيدا. أواه لقد قالت لي أوفيليا العبارة بهذا المعنى، أو أنها قالت المعنى بهذه العبارة، [بلامبالاة] لا ترحل، لا يهم، لقد كذب علينا القمر وظلّلنا! [يتساءل] أما زلت هنا يا برناردو سواريس؟ [يفتح الحقيبة ويتناول منها بعض الأوراق، يقرأ من أحداها] اختار أغلبية الشباب الإنسانية، كبديل للآلهة، وأنا لم أتخل عن الله مثلهم، ولم أقبل البته بعقيدة الإنسانية [يرمي بها بعيدا] لقد خلقني الله طفلا، وأبقاني على الدوام طفلا. [يقرأ من ورقة أخرى] عندما جاء الجيل الذي أنتمي إليه إلى الوجود، لم يجد أي سند عقلي أو روحي. [يرمي بالورقة بعيدا، ويأخذ أخرى يقرَؤها] الكل أضحى غير قابل للاحتمال عندي؛ ما عدا الحياة. [يقرأ أخرى] عمر الخيام كانت له شخصية معينة، أما أنا، فلا أملك، لحسن الحظ أو لسوئه، أي شخصية على الإطلاق، [يقرأ أخرى] لكل واحد كحوله الخاص، لدي ما يكفي من الكحول مضافا إلى وجودي، ووراء هذا لي سمائي الخاصة، أرصعها خفية بالنجوم، ولي كوني اللامتناهي [يرمي بها بعيدا، بحيث يمتلئ المكان كله أوراقا، ينادي بحزن وألم] أيها العابرون، يا من تستلطفوني باحترام غامض، إن القمر يظلل العشاق ويكذب عليهم، ماذا يمكن أن يمثل حب امرأة في العالم سوى حلم من الأحلام! أعترف بكل كآبة الكون المعطل، أم بدونها، أن روحي تتحطم، ولا أدري إن كان الخيال والحلم قد حطماها، أم هي الحياة، حياة لم أفتر قط عن معاينتها، [يصرخ] إلهي، لماذا تخليت عني؟ - عزف حزين على الكمان. يقف بيسووا متوسطا أوراقه المتناثرة في مكان العرض، يتكلم بحزن. دائما كنت تواقا إلى أن أحظى بالإعجاب. دائما آلمتني لا مبالاة الغير. باعتباري يتيما من يتامى الحظ، أمتلك مثل كل اليتامى الحاجة إلى أن أكون موضوعا لمودة أحد ما. لقد عانيت دوما من جوع تحقيق هذه الحاجة، ولطالما كيفت نفسي مع ذلك الجوع اللامجدي، [يتأمل الكون-تختلف الإضاءة- ينشد مقطعا من رباعياته] من جرة فخارية نشرب مياها أعذب الحزين لا ينام يسهر ليجد الفرح الفرح... الفرح... الفرح النهاية
٭ شبه محاولة أولى لفهم أيام الشاعر البرتغالي فرناندو بيسووا، المولود في 30/١١/1935م، والذي رحل غريبا ووحيدا وجميلا عن عالمنا، لكنه ظل في رحيله صورة رقيقة ومبهجة لكآبة الوجود والبشر من حول |
|||||
|
|||||