|
|||||
|
فضلاً عن خبرته الدبلوماسية كسفير سابق لسلطنة عُمان في إيران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول أمريكا اللاتينية ، بما أتاحه له ذلك من مشاركات واسعة ومهمة في المحافل الدولية ، كالجمعيات العامة للأمم المتحدة، وعدد من المنظمات الدولية والاقليمية والعربية، وتعامله في السياسة الدولية ، والعلاقات بين الدول ، وتماسه المباشر مع الكثير مـن القضايا والأحـداث العربية والدولية ، تفرغ صادق جـواد سليمان منــذ انصرافه عن العمل الدبلوماسي في عام 1983م للــتوسع في العلم والمعرفة ، حيث أكمل دراسة الماجستير في السياسة الدولية العامة بمعهد الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز ، وواصل قراءاته المتعمقة في الأديان والفلسفات والعلوم والثقافات والحضارات المختلفة ، معمقاً بذلك رؤيته المستقصية لجذور المشكلات والقضايا المعاصرة ، وهو ما أثمر حصيلة معرفية وافرة ، وسعة وعمق في النظر والتحليل ، بما له من دقة في العبارة، عبر صادق جواد سليمان عن رؤاه وأفكاره في العديد من مقالاته وأبحاثه التي نشرها في عدد مــن الصحـف والدوريات العربية والأجنبية، فضلاً عن الدعوات التي وجهت له لإلقاء محاضرات في عدد من الجامعات الأمريكية كجامعة جورج تاون والجامعة الأمريكية وجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية إضافة إلى مشاركاته الكثيفة في المؤتمرات والندوات عبر دول العالم وأقطاره. ويعد صادق جواد سليمان مع مجموعة من المفكرين العرب المعروفين في أمريكا من أبرز المؤسسين لمركز الحوار العربي في واشنطن عام 1994م ، والذي يعد من أبرز المراكز العربية في أمريكا والغرب عموماً من حيث عنايته بالفكر والحوار الحضاري عبر ما يزيد عن 500 ندوة نفذها المركز فضلاً عـن الأنشطة الأخرى ، حيث يعتبر صادق جواد سليمان رئيساً للمجلس الاستشاري لمركز الحوار العربي كما أنه أحد الخبراء المرموقين في الشأن الأمريكي نظراً لإقامته الطويلة هناك منذ ما يقارب الثلاثين عاماً فضلاً عن دراسته وقراءاته المتعمقة في الفكر والتاريخ ، وملاحظاته الدقيقة عن قرب للسياسة والمجتمع الأمريكي، ولأنه لا يكاد يمر عام دون أن تتخلله فترات يقضيها صادق جواد سليمان في مدينته مسقط فقد انتهزنا هذه الفرصة وأجرينا معه هذا الحوار ..n في بداية هذا الحوار سألناه عن سيرته فقال: - هي سيرة ليس فيها شيء مرموق . وفيها عديد من مساحات عجز، بعضها بحكم ظروف، والبعض الآخر عن قصور شخصي أو تقصير. ولادتي كانت بمدينة مطرح، بسور اللواتية، عام 1933، دراستي المبكرة تعلم القرآن المجيد، ثم قدر من تحصيل في العربية والإنجليزية والحساب، بمدارس أهلية بمطرح كان يعقدها بعض المتعلمين. أعقب ذلك دراسة علوم العربية لعامين على يد عالم دين من كتاب يسمى «جامع المقدمات». بعد الحرب العالمية الثانية ضاقت على كثير من العمانيين سبل العيش، فسعوا للعمل في أقطار الخليج. كنت أحدهم. أول عملي كان في دبي، ثم في البحرين، وأخيرا في الكويت، حيث عملت إداريا وصحافيا لعقدين. خلال هذه الفترة أنجزت دراسة مع جامعة لندن بالمراسلة بما يعادل الثانوية العامة، وأيضا بالمراسلة درست مع معهد في الولايات المتحدة تعمير أجهزة الراديو، وكان الراديو وقتئذ في طور بدائي. بعد العمل في الكويت، التحقت بوزارة الخارجية العمانية عام 1972، فعينت سكرتيرا أولا ثم مستشارا في سفارتنا بواشنطن. وبعد واشنطن، في عام 1976، انتدبت سفيرا إلى إيران وتركيا. وبعد عامين عدت إلى ديوان الوزارة لأسهم في إعادة تنظيم الشؤون السياسية وأتولى رئاستها. ثم بمنتصف عام 1979 عينت سفيرا لدى الولايات المتحدة وعدد من دول أمريكا اللاتينية، وبقيت هناك حتى ربيع 1983 حيث أعدت إلى ديوان الوزارة من جديد وكلفت برئاسة شؤون المراسم. في صيف ذلك العام استقلت من الوظيفة، وعدت إلى أمريكا حيث أكملت دراسة الماجستير في السياسة الدولية العامة بمعهد الدراسات الدولية العليا بجامعة جونز هوبكنز، والتي كنت قد بدأتها وأنا في الوظيفة. لم أتول أي عمل وظيفي منذ استقالتي من السلك الخارجي، فقد انصرف اهتمامي إلى التوسع في المعرفة عن طريق مطالعة دائبة كان تركيزي فيها في مجال الفلسفة والدين. n لو عدنا للبدايات لوجدنا أن المعرفة وتحصيل العلم خيار صعب ومستبعد عن ذهن شاب نشأ في مسقط أربعينيات القرن الماضي، حدثنا عن نشأتك، والعوامل التي لعبت دوراً في تكوينك الفكري والمعرفي، وما أدى لاحقاً إلى تفتحك على معارف العصر الحديث وعلومه؟ - هنالك جوانب في الإنسان قد لا يعيها وضوحا، أو يعجز عن تفسيرها، رغم أنها جزء من تكوينه. مع ذلك سأحاول شيئا من التفسير. البيئة التي نشأت فيها بمطرح خلت من كثير من الانشغالات التي تملأ خبرة يافع ينشأ في هذا العصر. كانت حياتنا بسيطة للغاية، وكانت في أوقاتنا فسحة للتأمل. كنا نتحرك في دائرة محدودة الوعي، لكنها مطلقة في فرص التفكر. مثلا، المشي يوميا بين مطرح و دارسيت أو روي، حيث كنا نبيت معظم ليالي القيض، كان لدي بمثابة خلوة مع النفس - أي فرصة ممتدة للتفكير. عامل آخر: البيت الذي نشأت فيه تحت ظل الوالد أيضا أوجد لدي شيئا من النزوع المعرفي. كان الوالد، رغم كثرة مشاغله، يفرغ وقتا للمطالعة، ويذكر لي من حين لآخر شيئا مما قرأ واستحسن. مناخ البيت الذي تنشأ فيه لا شك يؤثر في نشأتك، فإذا تواجد حواليك من الأهل من لمحت فيهم مزايا المعرفة والفضل انجذبت إليهم وابتغيت لنفسك حظا كمثل ما لهم. بذلك يتشكل بعد هام في وجدانك ربما لازمك على امتداد مشوار الحياة. من وجه آخر، لا ريب لدي أن في ممارسة الفكر المتعمق عوضا، ولو لم يكن لما أشقى المفكرون أنفسهم بتعميق تحصيلهم في هذا المجال الفارغ من أي عوض مادي يذكر. سوى أن في بلورة الفكر نوعا من الإشراق، فعندما تبزغ في أفقك فكرة كانت وراء حجاب، أو يلج في دائرة وعيك مدرك جديد، عند ذلك تشعر بتمدد في فضائك الداخلي وترى شروقا على أفقك يجلي ما كان غامضا أو باهتا في مدركاتك من قبل. ولعلنا نتذكر قول ابن رشد أن التفكير أرقى وظيفة يمارسها الإنسان، وقولا مأثورا آخر أن تفكر ساعة خير من عبادة ألف ساعة. الخلاصة، إذن، فسحة للتأمل في الصغر، ومناخ منزلي مثمن للمعرفة بعناية الوالد كانا في صلب ما دفعني لاحقا إلى أن أنحو منحى فكريا في فهم الخبرة الإنسانية قديما وفي هذا العصر، وفي التماس وجه السداد في استقراء مختلف الأمور. n إذاً كانت هنالك شخصيات ما في طفولتك لعبت هذا الدور أو التأثير؟ - نعم، والدي - كما ذكرت كان أحد المؤثرين، وإلى جانبه، ولدرجة لا تقل، العالم الذي درست عليه علوم العربية. كلاهما كان على درجة وافية من المعرفة والفضل - المعرفة طبعا ليس بمعيار العلوم الحديثة، ولكن من حيث سعة استيعابهما لمعارف الإسلام ومقاصده. من جانب آخر، كنت أراهما على استقرار نفسي وتخلق بالخلق الكريم. n كنت إذاً ضمن الثقافة التقليدية القديمة فمتى بدأت الانفتاح على علوم العصر ومعارفه الجديدة ، أنا أتذكر قصة رويتها لنا مرة عندما رأيت لأول مرة سفينة تعمل بالمكائن الحديثة ترسو على ميناء مطرح وكيف أنها كانت مدعاة لتأملك ، ومن ثم سؤالك عن هذه المعرفة الجديدة التي لا يملكها الشيخ الذي كنت تتعلم على يديه؟ - نعم، كان أمرا مثيرا للتفكير لدي في ذلك السن المبكر. في جانب من حياتي كان هذا العالم الذي أدرس عليه علوم العربية، وهو أيضا مرجع فقهي. كان، إلى جانب تحصيله المتقدم في علوم الدين، شخصا متميزا في مسلكه، يسطع فيه الجانب الأنساني مما يتحلى به من تواضع وبساطة وعفة ووقار. كنت أرى في السيد حسين أسد الله الموسوي هذا نموذج إنسان أتمنى أن أحققه في نفسي بمحوريه المعرفي والخلقي. على الجانب الآخر، كان هذا الطبيب الأمريكي النصراني (ويلس تومس) الذي بدوره كان إنسانا نموذجيا بمعيار خدمة الناس. كان يقوم بخدمة جليلة للعمانيين بمستشفى الرحمة (سابقا مستشفى الإرسالية)، بمقابل رمزي ممن يستطيع الدفع، وبدون مقابل ممن لا يستطيع. كان يطببنا في بيوتنا عندما لا نقوى على الذهاب للمستشفى بسبب مرض منهك، ويستقبل حالات مرضية من مختلف أرجاء عمان، وأحيانا يذهب إلى مناطق الداخل لتطبيب حالات صعبة. ولو أنك نظرت إلى الرجلين - هذا العالم الديني وذاك الطبيب العامل بالمعرفة المستنبطة إنسانيا - لوجدت في الظاهر بينهما فارقا يستعصي على التجسير: هذا يرتدي بشتا ويتعمم، ويمشي ويتحدث بوقار، وذاك يلبس شورتا ويلعب التنس، ويمازح ويداعب كسراً للرتابة ورفعاً للتكلف. هذا تتبع علوم الأولين، وذاك استقبل معارف العصر، وكلاهما يفيد الناس بما تعلم من أمور دينية أودنيوية. هذه المفارقة أوحت لي أن هناك نوعين من المعرفة، وأن كل نوع يتكامل باستيعاب النوع الآخر. أوحت لي أيضا، ولو بشكل باهت في حينه، أنه حيثما يوجد فصم بين الاثنين فإن صاحبيهما لا يهتديان إلى شيء مشترك. وإذن، لو أنك جمعت بين هذا العالم وذاك الطبيب لندر أن يلقيا محورا معرفيا يتحاوران حوله. مع ذلك، بالنسبة لي بقي التساؤل: أي المعرفتين أصوب؟ أيتهما حقيقية والأخرى بناء ظني أو تخيل؟ أي العلمين أجدى: العلم بالطبيعة وأسرارها وما يستتبع من استغلال لسننها ومعطياتها لتحسين خبرة الحياة، أم العلم المعني بأمور الآخرة بدافع تأمين حظوظ المرء هناك. لقد لح علي هذا التساؤل بشدة أن أحسم. وأنا على هكذا حال، ركبت يوما قاربا مع أناس آخرين إلى باخرة كبيرة راسية في عرض البحر قبالة مطرح. ذهلت لضخامتها، وما أن صعدت إليها حتى صرت أجوبها وأتمعن بما فيها، ثم تسللت إلى قاعها حيث شاهدت المكائن الضخمة فأدركت أنها المحركة للباخرة والمولدة للطاقة الكهربائية فيها. كانت تلك أول إطلالة لي على عمل بشري بهذا الحجم وبهذا المستوى من الجهد والإتقان. هنالك أدركت أن هذا نوع من العلم محجوب عني تماما، ليس لي، ولا للعالم الذي أدرس عليه، ولا لوالدي نصيب منه. من هناك خرجت بأول تثمين حقيقي للعلم الطبيعي: أنه في جوهره إدراك للواقع على ما الواقع عليه. قدرت أيضا أن جدوى أي علم هي بقدر ما يفيد في شأن حياتي. من هنا كان إدراكي بمدى العجز المعرفي الذي كنا واقعين فيه، فلا نفهم كيف تصنع الباخرة أو تدار، ولا كيف يصيبنا المرض وكيف نشفى منه، بل ولا نعلم عن أشياء أبسط من تلك بكثير. عقب ذلك، عندما كنت ألاحظ الطبيب وهو يمارس مهنته كنت أدرك أن طبيعة معرفته هي من جنس المعرفة التي تصنع بها البواخر وتُسير، فارتبط الطبيب والمهندس في ذهني في منظومة معرفية واحدة، وبقيت المعرفة التي يعمل بها عالم الدين مميزة في حقلها الخاص، وأدركت أن في الحالتين لا بد لك من تمكن معرفي لتستبين حقائق الأمور، أيا كان المجال. n يبدو أنك انصرفت بعدها للتعمق في القراءة الفلسفية، واخترت الفكر طريقاً محاولاً أن تنتهج التفكير الفلسفي كوسيلة للمعرفة والتدقيق في الأمور ، إلى أين انتهى بك الطريق ، وإلى أي مدى منحك التفكير الفلسفي المتقصي لجذور الحقيقة اطمئناناً معرفيا؟ - في الواقع الفلسفة هي احدى الرافدين اللذين عُنيت بهما. الرافد الثاني هو الدين، إذ أن النظر في مضامين الدين شأن مصاحب لنظري في قضايا الفلسفة. وكخلاصة، أرى الدين والفلسفة يشكلان معاً الرافدين الأهم في تبلور فهم الإنسان حول الكون والحياة ومكانه فيهما، ثم أيضاً حول مصيره بعد الموت. جميع الأمم صاغت فكرها إبتداءً بنسق ديني، بمعنى أنها محورت فهمها لطبيعة الوجود حول خالق يثيب ويعاقب على اتيان خير أو شر، ويُعبَد من خلال إيمان به وبعدله وفضله...هذا طبعاً مع تفاوت مدارك الناس حول الخالق. لكن الأمم، إلى جانب الدين، صاغت فكراً من نوع آخر، يلتقي عموماً مع الدين في مقاصد التربية والتهذيب وتنظيم الحياة الاجتماعية تنظيما سليما، إنما بمنهج فلسفي، أي بنظر معرفي للأمور مستقل عن عقائد الدين. ولأن المنظومة الأخلاقية من وراء المقاصد هي ذاتها لدى الناس، وهي ذاتها المشخصة في الدين والفلسفة، فإن التصاحب ظل تاريخياً السمة الغالبة على العلاقة بين الدين والفلسفة في خبرات الأمم إلا ما ندر. من هنا وجدت أن التكامل في المنظور الفكري لا يتحصّل للمرء بدون استيعاب للمنظورين الديني والفلسفي معاً في نسق معرفي موحد. أما السؤال: أين أوصلني النظر على هذا المسار الفكري العريض، ففي الواقع من الصعب تحديد المواقع على مسارات الفكر. نحن ننمو ونتحرك على مسار لا مأوى ثابت عليه، ولعلنا في ذلك بحال وصفه جبران خليل جبران مرة بالقول: «نحن قوم لا نصبح حيث نمسي ولا نمسي حيث نصبح»: بمعنى أن كل أحوالنا عبور وكل محطاتنا ارتحال. أما إذا تطرقت لموضوع معين وسألتني تحديداً : ما رأيك في هذا الأمر؟ ما منظورك حول هذه القضية؟ فردي، إذا أجبتك بشيء محدد، لا يمثل إلا رأيي أو منظوري في الوقت الذي أجبتك فيه، إذ أنه قد يتغير في غد أو بعد غد. ذلك يعني أن الاعتداد بالمعرفة التي بحوزتنا في أي وقت لا يكون مطلقا، فنحن باستمرار في عملية استدراك وتصحيح وإكمال نقص. لذا لا يجدر بنا أن نغلق فهمنا حول أيما أمر باعتبار أننا فهمناه بالتمام والكمال كما يقال، بل أن نقول هكذا نفهمه اليوم، وغدا قد نفهمه على نحو مغاير أو أوسع أو أدق.، ولا من ضير. n يبدو أن انصراف الحضارة العربية عن اهتمامها بالفلك والعلوم والجغرافيا والطبيعة إلى حقل العلم الفقهي والديني يكشف عن إشكالية الثقافة العربية وما أدى لاحقاً إلى انسحابها من مسرح الحضارة؟ - فيما تقول قدر كبير من الصحة، لكن دعنا أولا نوفي الثقافة العربية حقها في هذا المضمار. ثقافتنا اختبرت العلوم، واختبرتها بعمق ، بل وتفوقت فيها، وخلقت لها لغة علمية لم تكن موجودة من قبل. أقصد أن الثقافة العربية تعاملت مع المادة العلمية بغزارة، وبرهنت أنها تمتلك سعة وعمقا ودقة تستطيع بها التعامل مع العلم الطبيعي بيسر. بهذا الصدد أتذكر قول أبي الريحان البيروني (٣٧٩-٨٤٠١)، وهو فيلسوف وجغرافي ومؤرخ عاصر ابن سيناء، واصفا الحركة العلمية العربية: «كانت العلوم تدخل اللغة العربية من كل حدب وصوب (يقصد بذلك الترجمات من كتب مختلف الحضارات)، فإذا دخلتها اكتسبت جمالياتها، وعندئذ تغدو العلوم أكثر استثارة لشوق الطالب فيقبل عليها ويدرسها...» فكأنه يقول أن العربية باستقبالها العلوم كانت تضفي على العلوم جمالا يستهوي طالب العلم فيجدّ في اكتسابها أكثر. يلتقي مع هذا القول، من زاوية أخرى، قول جورج سارتن، أستاذ التاريخ بجامعة هارفرد في كتابه «مقدمة في تاريخ العلم». يقول سارتن، بعد استعراض موسع لتلك الفترة، أن العربية لم تصبح لغة العلم فقط بل صارت لغة التقدم البشري على الصعيد العالمي، وعندما أفاق الغرب وشعر أنه بحاجة إلى علم أغزر توجه لأجل الحصول عليه ليس إلى المصادر الإغريقية، وإنما إلى المصادر العربية. أما قوله «... أفاق الغرب على حاجته لعلم أغزر» ففيه إشارة إلى أن المعارف المسيحية المحفوظة في الأديرة والصوامع خلال القرون الوسطى ما عاد يعتد بها كمنهل معرفي واف وجدير.. n أنا قصدي أنه حدث انصراف عن هذا الاهتمام بالطبيعة والعلوم العلمية؟ - أنت محق، فهذا ما حدث بدلالة أنه عبر أجيال عديدة متعاقبة من العلماء وصولاً إلى زمن الغزالي (1058-١١١١) ثم ابن رشد (1126-1198) تنامى الصرح المعرفي الإسلامي، ثم توقف. مرد ذلك أن المعرفة الجديدة أوجدت أنساقا علمية وبناءات فلسفية جديدة زاحمت الأنساق والبناءات في الأدبيات الدينية حول أمور عديدة لدرجة أن ضاق أهل الكلام ذرعا بالعلوم الطبيعية والبناءات الفلسفية، ورأوا أن الاستمرار فيها يفسد العقائد ويؤدي إلى المروق. من هنا كانت الحملة المضادة للعلوم والفلسفة، جاء أشدها من أبي حامد الغزالي في كتابه المشهور «تهافت الفلاسفة» والذي لاحقا استجر ردا من ابن رشد بكتابه المشهور أيضا «تهافت التهافت». بذلك جرى التحول أو الانصراف عن العلوم الطبيعية والفلسفة، وزاد التركيز على التفقه في الدين. هذا التفسير يشكل أحد أهم المداخل إلى بحث أسباب نضوب المعرفة في الخبرة الإسلامية من بعد ابن رشد إلى القرن التاسع عشر، إذ لا نجد في هذه الحقبة الطويلة من كبار المفكرين لدينا سوى ابن خلدون(1332 - 1406). أيضا، غزو التتار لبلاد المسلمين وإزالة الخلافة من بغداد سنة 1258 أتلف شقا ضخما مما كان قد تنامى من صرح معرفي، وأهلك عديدا من علماء أفذاذ، فزاد في اخماد الفكر وأحكم قفل باب الاجتهاد. هكذا، باختصار، بُترت قسرا المسيرة العلمية الإسلامية. فبعد أن كانت مسيرة واسعة شاملة مستوعبة للعلوم ولكل ما يتناوله اجتهاد الإنسان حول الكون والحياة، أضحت محصورة في علوم الدين ومحدودة برؤى أهل الكلام، حتى صار لفظ العالم لا يعني غير عالم دين، إذ ما عاد يُتصور وجود عالم بمعرفة من نوع آخر. ملاحظة أخيرة: عموما من القرن الثالث عشر حتى نهاية القرن الخامس عشر ساد برزخ لا المسلمون ولا الأوروبيون أنتجوا خلاله معرفة تذكر، باسثناء إنتاج ابن خلدون. لكن من القرن السادس عشر عاد الالتفات للعلوم، فحصل التجسير، وانتقلت العلوم وبدأت تنتعش من جديد في خبرة الأوروبيين.. n يبدو أن ابن رشد لعب دوراً كبيراً وهاماً في إعطاء النهج الفلسفي أفقاً جديداً لم يكن متصوراً في السابق ، إذ جعله متسقاً وغير متناقض مع النهج الديني في التفكير ، ولكن فكر ابن رشد لم يجد محيطاً يستوعبه فاستفاد الأوروبيون من ثمرة فكره واجتهاده فكان بمثابة الرافعة التي أتاحت لهم لاحقاً انشقاق التفكير الفلسفي والعلمي عن الهيمنة الدينية؟ - نعم، الأوروبيون اعتنوا بفكر ابن رشد، وهو كما تعلم إلى جانب كونه فيلسوفاً كان قاضيا وطبيباً. ألف موسوعة في الطب بعنوان «كتاب كليات في الطب» وهي على نهج موسوعة «الحاوي» للرازي (844-926)، وكتاب «القانون» لابن سيناء (980-1037). ترجمت موسوعة ابن رشد إلى اللاتينية ودُرّس منها في الجامعات الأوروبية بشكل واسع. كان أول من شرح وظيفة شبكية العين، وأول من أدرك وأخبر أن الإصابة بالجدري يكسب المصاب مناعة ضده. إلى جانب ذلك، ألف في المنطق والفيزياء والفلك والقانون وعلم النفس واللاهوت والميتافيزيقا. عرّف ابن رشد الفلسفة أنها بحث في معنى الوجود، حاول التوفيق بين الدين والعقل، وأراد أن يبين لأهل الكلام أن العقائد الإسلامية مطابقة للعقل، وأن الشرع يقول بما تشهد به البداهة الحسية، ومن ثم فليس هناك ما يوجب الخلاف. إلا أن نظره غاير بعض المستقرات الإسلامية من قبيل قوله بفكرة الخلق المستمر، وبفكرة عدم إمكانية الخلق من عدم. أمور كهذه كان له فيها نظر خاص به. على أن تميز ابن رشد يكمن في أنه توصل إلى نقطة جوهرية: وهي أن الكون متقن، فلا يوجد فيه تناقض. فإذا وجد في أذهاننا فمرده خطأ في فهمنا للظواهر. يستتبع هذا أنه لا يوجد تناقض بين الشريعة والحكمة فكلاهما من عطاء العلي القدير. ولأنه كان ينظر على محوري الدين والفلسفة معا، فقد عناه أن يوجد منظورا ينفي التعارض ويؤصل التوافق بينهما، بحيث إذا بدا لك تعارض بينهما حملته على خطأ في فهمك للأمور. هذه الفكرة في الواقع تقربك من المنهج العلمي، فلو أن عالما في مجال اختبار طبيعي حسب حساباته بدقة بالغة متوقعا نتيجة معينة من الاختبار، إلا أن النتيجة جاءت على نحو مغاير لما حسب وتوقع، ترى ماذا يستنتج؟ هل يقول أن في الطبيعة خبطا فهي تجعل الشيء نفسه يعمل حينا ولا يعمل حينا آخر، وأن هذا سبب فشل الاختبار، أم أنه يعود واثقا - مهما شق عليه الأمر - أن الطبيعة لا تشط ولا تغدر، وأن لا بد ان يكون قد أخطأ في شيء ما، وإذن وجب أن يراجع ويصحح ويعاود؟ الجواب واضح. ابن رشد أصل لهذه الفكرة في كتابه «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال» بنفيه أن يكون هنالك تناقض بين الدين والفلسفة، أو بين الشريعة والحكمة... وهذه الفكرة هي لب ما يشار إليه بالفلسفة الرشدية، وهي تلقى قبولا لدى عدد من المفكرين المسلمين، منهم، على ما أتذكر، المرحوم إسماعيل فاروقي وزوجته لمياء الفاروقي وهما عالمان عاشا ودرسا في الولايات المتحدة وأصدرا معا كتاب «الأطلس الثقافي للإسلام». n ما أبرز التحديات التي يواجهها العالم العربي والإسلامي اليوم من وجهة نظرك؟ - التحديات تفصيلا متشعبة، لكن يمكن إجمالها في ثلاثة هي ذاتها لدى كل بلد عربي، لذا هي ذاتها أيضا على صعيد الوطن الكبير.. التحدي الأول نواجهه في مجال لم شمل الوضع العربي في الداخل، تحديدا في سياق تضامني يصنع لنا مجتمعا عربيا متواصلا ثقافيا، متعاونا اقتصاديا، متشابكا في المصالح ومتكاملا في الموراد والطاقات. المنطق وراء ذلك: إذا كنا نرى أنفسنا شعوب أمة واحدة، وأقطار وطن واحد، ومجتمعات ثقافة واحدة، فالأجدر بنا أن نتصرف تضامنيا ما بيننا في كافة الأمور. التضامن يتطلب تواؤما بين سياسات القطر وأولويات الأمة، وهو الأمر الذي تعثرت على إشكالاته جهود الماضي على صعيد الالتزام والتطبيق. مع ذلك لا بديل عن العمل التضامني لأجل الحفاظ على سلامة الأوطان وتماسك الأمة معا، وأيضا لأجل نشر تنمية إنسانية عبر العالم العربي ترفع من الكفاءة الانتاجية للمواطن العربي فتمكنه من كسب عيش كريم. التحدي الثاني نواجهه في مجال تطوير نمط الحكم. من حيث أنظر، أرى التمنع على النهج الديمقراطي، أو التحفظ على استحقاقاته، أمرا غير سديد. بنظري، لا بديل أمام العرب عن التحول إلى وضع ديمقراطي حقيقي. تقدم شعوبنا مرتهن بمثل هذا التحول. ذلك أن الديمقراطية غدت حاجة إنسانية وحاجة وطنية في آن واحد، ترتبط بها استحقاقات كرامة الإنسان، كما ترتبط بها مستلزمات التقدم العلمي، والإزدهار الاقتصادي، واستظهار إمكانات الإبداع والإنتاج لدى المواطنين.. التحدي الثالث أراه في مجال اقتباس معارف العصر وتفعيلها في الخبرة الوطنية. هذا أيضا تحد كبير أخفقنا أمامه خلال القرن العشرين. اليوم ندرك أكثر مما أدركنا في الماضي أن لا تقدم ينجز من غير علم موفور، وأن بالعلم واستيعابه واستثماره يرتبط رقي الأفراد والأمم. المعرفة عصب الخبرة البشرية، حيثما تحل المعرفة تحل أهلية الريادة، يحدث تقدم، وتستنبط حقائق الوجود. اقتصاد القرن الحادي والعشرين، على ما يخبر به عديد من مستشرفي المستقبل، سوف يعتمد على العلم أكثر من اقتصاد القرن العشرين ... مع أن اقتصاد القرن العشرين كان أيضا اقتصاد علم. مثلا، النفط، الذي يعتمد عليه العالم في تسيير جل نشاطاته، ونعتمد عليه في منطقتنا كمورد أول وأساس، جاء نتاج علم معمق. ما كان النفط كنزا عثر عليه صدفة ملقى في الطريق، أو ثروة نيلت باليانصيب. هنالك جهد عقلي وعمل منظم أوصل لاكتشاف النفط ومكن من استخراجه وشحنه وتكريره وتسويقه وتصنيع أوجه استعماله. قبل ذلك كانت أسئلة سهر عليها الباحثون حتى استبانوا أجوبتها بالعلم: ما هذه المادة السوداء الكامنة تحت الأرض؟ كيف تكوّنت، في أي مساحات توجد وعلى أية أعماق؟ كيف يكون استخراجها، تكريرها، نقلها، استعمالها؟ كل ذلك تطلب حرثا علميا وسقيا قبل أن يتحقق الحصاد. بالنسق نفسه، بدائل النفط، وهي تطور حاليا على قدم وساق، ستأتي محققة على نطاق واسع نتيجة اجتهاد علمي. عموما، من ينظر إلى اكتشافات القرن العشرين واختراعاته يدرك مدى دور العلم في إعادة صياغة نمط عيش الناس عبر العالم بأسره. ومن يتابع ما يستجد حاضرا من أبحاث واختبارات في المجال العلمي يدرك كم سيعيد العلم، من جديد، صياغة ما نفهمه اليوم ونتعامل معه ونعيش به في غضون هذا القرن الجديد. n هل ترى أن العالم العربي جرى فيه تقليد أم اقتباس لمعارف العصر ؟ - هو لا يخلو من الاقتباس وإن كانت الصفة الغالبة عليه خليط من الاستيراد والتقليد ، والمفروض أن تتوسع رقعة الاقتباس لعلوم العصر ، وأن يتم أخذ المعارف والاشتغال بها ومن ثم تعميقها لتنصهر في الخبرة الوطنية. هذا أمر ندركه لكن يلزم أن نكثف تفعيله. الشكوى لا تفيد.. المتخلف في المعرفة بالضرورة يتبع المتقدم فيها، كيفما قلبت الأمور. لذا أهمية الاقتباس، وهو المصطلح الأصح لاستقبال المعرفة واستيعابها وتفعيلها في الخبرة الوطنية. ما من حضارة قامت دون اقتباس من حضارات أخرى. هكذا حصل في الحضارة العربية الإسلامية في عصرها الذهبي، وقت أن نشطت فكراً وعلماً فانبرى علماؤها يقتبسون كل مفيد من نتاج حضارات أخرى قريبة وبعيدة، ثم بنوا على ما اقتبسوا حتى أنجزوا ما فاق تحصيل الأمم التي اقتبسوا منها. لم يُضِرهم الاقتباس، ولا احتاروا في كيفية اقتباس علوم الآخرين من دون أن يلتفتوا إلى ما لم يكن يعنيهم من آداب القوم وفنونهم ومنظومات عقائدهم الدينية. بإمكاننا أن نحذوا حذوهم اليوم. n أنت حاليا رئيس المجلس الاستشاري لمركز الحوار العربي بواشنطن، وعلى ما علمت، كنت أحد مؤسسيه. متى أنشئ المركز، ما هدفه، وما نشاطه؟ - تأسس المركز بدعوة وإشراف مجلة الحوار التي أسسها في واشنطن عام 1989 الأستاذ صبحي غندور وهو صحافي عربي أمريكي من أصل لبناني. المركز منذ تأسيسه ولا يزال تحت إشراف الأستاذ صبحي وإدارته الكفؤة، فهو في الواقع عماد المركز والممكن الحقيقي لنجاحه واستمراره. إضافة، للمركز مجلس استشاري عهدت رئاسته إلي هذا العام، يتألف من حوالي عشرين شخصا من عرب أمريكيين بارزين، ممن أيضا يعنون بالمركز ويحرصون على تعزيز وضعه وتواصل عمله. يجتمع المجلس الاستشاري مرة كل عام، ومن بين أمور أخرى ينتخب رئيسا له لفترة عام. تمويل المركز يأتي من اشتراكات سنوية، ومن رسم يدفعه غير المشتركين لدى الباب لقاء حضور كل نشاط. بسبب محدودية المورد المالي لا يمتلك المركز مقرا ثابتا، ويعقد نشاطاته في قاعة يستأجرها مؤقتا ليلةً كل أسبوع. أما عمل المركز فهو في غالبه محاضرات أسبوعية يلقيها اختصاصيون من مختلف الخبرات، يجري إثرها حوار موسع مع المحاضر حول ما عرض، ومن بعد ذلك تنشر المحاضرات بمجلة الحوار، كما أنها توضع على شبكة الإنترنت للمركز {http://www.alhewar.com}. المحاضرات تكون في الأكثر بالعربية، وبالأقل بالإنجليزية، ومن بين من يقدمها من حين لآخر سفراء عرب، مسؤولون في الإدارة الأمريكية، أعضاء في الكونغرس، أساتذة جامعيون، وأحيانا شخصيات عربية زائرة تستضاف. في اختيار الموضوعات والمحاضرين يحرص المركز على أمرين: تنوع في المادة وموازنة رأي برأي آخر. وهذا يعني أن ليس للمركز كمؤسسة منظور أيديولوجي أو سياسي محدد، وإنما هو بمثابة منتدى معرفي ذي طابع عربي أمريكي يستعرض موضوعات متنوعة ذات اهتمام مشترك، ويتعامل في حواراته مع مختلف الرؤى والآراء. أنشئ المركز عام 1994 كمنبر من منابر الحوار الأمريكي الوطني، لكن بتمييز أنه منبر للحوار بين العرب الأمريكيين أنفسهم كأمر أول وأساس. كانت الفكرة: لكي يكون حوارنا مع الآخر فالحا لا بد أن يصقله حوار داخلي يوائم رؤانا، ينسق خطابنا، ويعودنا على التحاور حضاريا ما بيننا ومع الآخرين. أما الحافز فقد كان ما شهدناه من بعثرة وتنافر في الرؤى العربية في الفترة التي أعقبت غزو العراق الكويت، وما استشعرنا من حاجة لبلورة منظور عربي جامع وواضح. وأذكر أن الدعوة لإنشاء المركز جاءت ابتداء في مقال كتبته بمجلة الحوار، عنوانه: «الأمة التي لا يفكر لها أبناؤها تنقاد لما يفكر لها الغرباء.» n بما أن عملكم بمركز الحوار موصول بصلة العروبة كأمر أساس، إذن دعني أسأل: كيف تعرَفون الهوية العربية... علما بأن الإجابة على هذا السؤال تأتي على نحو متباين في الخطاب العربي المعاصر؟ - ليس للمركز تعريف محدد للهوية العربية يمكن أن ينسب له كمؤسسة، لكننا كأفراد نلتقي عند اعتبار العروبة الصلة الجامعة بيننا في المهجر الأمريكي، والدافعة لنا للاهتمام بالقضايا العربية في نسق العلاقات العربية الأمريكية. أما لدي شخصيا، فتعريف الهوية العربية هو أنها الانتماء للأمة العربية المتمايزة عن سائر الأمم بالثقافة العربية. وأما الثقافة العربية فتعريفها لدي أنها ذات مضمون حضاري تكون من تواصلٍ بوحي السماء، فاستقرارٍ في حكمة الأرض. بهما معا تولد فيها التزاما بمكارم الأخلاق، واستبصار بالفكر الإنساني المستنير. منهما أيضا نمت في الخبرة العربية معارفُ وآداب وأعراف وفنون ومهارات ذاتية ارتسمت بها مستلزمات حياة طيبة منتجة على الصعيد الفردي، وتوضحت بها معالم مجتمع صالح متطور، متكافل في ذاته ومتعاون مع الآخرين. ثم إن لهذه الثقافة - كما قلنا- خبرة معرفية بما استوعبت من معارف الإنسان، وبما طورت فيها، مستفيدة منها ومفيدة بها أمما أخرى في الشرق والغرب. تعشقت المعرفة فتفتحت لها، ضامة إليها خير نتاج مختلف الحضارات. بذلك ما لبثت معارف عصر سبق أن عبرت عالميا بالعربية بأقلام علماء عديدة منهم لم تكن العربية لهم لغة أما. بذلك احتوت العربية تراث الأولين، ثم ساقته مصانا، مرتبا، ومشروحا لعصر التنوير الذي مهد للعصر الحديث. لدي أيضا أن الثقافة العربية ثقافة جامعة، حاضنة، قويمة. أراها جامعة من حيث أنها تجمع ولا تفرق، تضم ولا تصد، تدني ولا تبعد. على مد الزمن دخلتها أقوام من أعراق شتى فاستأنست في رحابها واستعربت. وأراها ثقافة حاضنة من حيث أنها تحضن تعددية الأديان والأعراق، دون إجحاف. نبيها العربي ذكّر أن الناس جميعهم من آدم، وآدم من تراب. كذلك علم أن لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. قرآنها العربي عد أكرم الناس عند الله أتقاهم: أي أرسخهم في الخلق الكريم. وأعلامها العرب أكدوا أن شرعية الحكم برضى العوام، أن الناس أحرار بالمولد، وأنهم إما اخوة في الدين أو نظراء في الخلق. وأراها ثقافة قويمة من حيث أنها مقومة بمبادئ العدل، والمساواة، وكرامة الإنسان، والشورى في الحكم والحياة - وهذه مبادئ مؤصلة وحياً، تتجذر فيها، وتُستمد منها، عموم حقوق الإنسان، قديما وفي هذا العصر. الخلاصة، إذن، الشخص العربي في تعريفي هو الإنسان المنتمي للأمة العربية. وهو عربي بالثقافة، لا بعرق أو دين، ولا بموقف سياسي يتخذه أو منظور إيديولوجي يتبناه. وقد عرضت منظوري هذا، بناء على طلب، في ورقة إلى اجتماع عقد مؤخرا بجامعة جورجتاون بواشنطن للبحث في تعريف الهوية العربية. n هذه المفاهيم كما تفضلت مستودعة في الثقافة لكن حدث نوع من الطمس لها وما عادت فاعلة،فكيف يمكن جعلها فاعلة ضمن إطار المجتمع الواحد ، وكيف يمكن خلق حيوية ثقافية وفكرية واسعة داخل المجتمع بحيث يكون فيها انفتاح وتعددية في النظر والفهم؟ - نعم، حصل تهاون كبير، ولكن لا يجوز أن يستمر. التهاون في تأكيد الأفكار الحضارية يؤدي إلى هبوط في المستوى الثقافي، وأيضا إلى تراجع نوعي في المنتج الفكري. أما كيف نعود لإثراء ثقافتنا، كيف نبعث فيها حيوية فكرية، فأرى أن علينا أولا أن نحدد الأفكار الحضارية التي نريد التأكيد عليها، تعميقها، وتعميمها في فضائنا الثقافي. فإذا حددناها وجب أن نتحدث عنها، نتحاور حولها، نشرحها، لكي تروج في الوعي الوطني وتستقر. فتثمر. من أهم الأفكار لدي في هذا الصدد نشر ثقافة المعرفة، فهي، كما أراها، المدخل إلى كل أمر صحيح ومفيد. في هذا العمل لا يعول على الجهد الحكومي بقدر ما يعول على مبادرات فردية وجماعية على الصعيد المدني، بمعنى أن يكون لنا دور مباشر ومتواصل في تفعيل الأفكار الصحيحة المنمية لثقافتنا، علما بأن الثقافة الوطنية في أي بلد عربي هي امتداد للثقافة العربية الأم. من مسلكيات عمل الإثراء الثقافي، مثلاً، إذا ضمنا مجلس مع مجموعة من الناس فلعلنا لا نهدر الوقت في كلام عرضي غير هادف، بل ننتهز الفرصة لإثراء أفكارنا واختبارها من خلال تحاور. لا ينبغي أن نخشى سوء الفهم، فللناس عقول تستوعب جيدا وتميز بين الصواب والشطط، وبين الزبد وما ينفع الناس، وتحب أن تفيد وتستفيد. ولعلنا نتوجه بحديثنا إلى الحضور جميعا، بدل أن ندخل في محادثات جانبية. أيضا، لعلنا إذ نعرض ما لدينا من فهم ونظر في أمر ما نهتم بما نلقى من توافق أو تعارض، فمن كليهما مردود يساعد في صقل فكرنا وإنضاجه، وربما أيضا في سد فراغات معرفية لدينا فيما نتحدث فيه. فإذا تآلفت مجموعات تتشارك المنظور والمنهج، توافرت فرص لتطوير الفكر المشترك وتعميقه وتعميمه في سياق عملية الإثراء الثقافي. n ظلت الدبلوماسية حتى بعد استقالتك أحد اشتغالاتك واهتماماتك ، وكتبت وحاضرت في هذا الجانب ، فكيف تنظر لأسس ومبادئ العمل الدبلوماسي ومجال التأثير والتأثر ، وكيف يمكن تطويعها كأداة في خدمة القضايا الوطنية؟ - الدبلوماسية علم وفن. هي علم من حيث مضمونها المعرفي المعني بدراسة طبيعة العلاقات بين الدول، والعوامل المؤثرة في تلك العلاقات. وهي فن من حيث اتقان أنجع أساليب التخاطب والتعامل بين الدول. الوظيفة الدبلوماسية تتعامل بالسياسة، لكنها لا تصنع السياسة. لتاليران، وزير خاجية نابليون، يُعزى القول أن الدبلوماسية هي خط الدفاع الأول عن المصالح الوطنية - أما خط الدفاع الثاني فهي القوات المسلحة للدولة. معنى ذلك أن فشل الدبلوماسية قد يوصل لحرب. إجمالا، سياسة جيدة يمكن أن تحبطها دبلوماسية رديئة، فتجر الأمة لحرب. في المقابل، دبلوماسية جيدة يمكن أن تخفف من مضاعفات سياسة رديئة، فتجنب الأمة القتال. أما حيث تكون السياسة سديدة والدبلوماسية حصيفة، فخير على خير. أما حيث السياسة والدبلوماسية معا في عطب، فكارثة تقع، أو تنتظر الوقوع. n كيف تنظر للأداء الدبلوماسي العربي في أمريكا؟ كيف تقيم هذا الأداء؟ وكيف يمكن للعرب والمسلمين أن يؤثروا في السياسة الأمريكية على المدى البعيد؟ - الدبلوماسية العربية، خلال الفترة التي كنت ممارسا فيها اتسمت في انطباعي بضحالة في التعامل مع القضايا بسبب ضبابية في الرؤية وربما أيضا بسبب نقص في المعرفة الحقيقية بالأوضاع العالمية. غير أن السياسات العربية كانت أيضا تتسم بمثل ذلك القصور، فكان ما بها ينعكس تباعا على الأداء الدبلوماسي. من البديهي أنك لا تستطيع أن تؤثر في أي مجرى للأمور ما لم تلم جيدا بطبيعة المجرى ذاته والعوامل السابقة التأثير، والغالبة التأثير أيضا، في ذلك المجرى الذي جئت آخر الناس تحاول التأثير فيه. في التعامل بين الدول قلما يجدي احتجاج بالحق. ما يجدي تأكيدا هو جعلك الطرف المقابل يرى مصلحته ذاتية له في دعم قضيتك. أما السياسة الأمريكية فلها، كما لأية سياسة دولة، منطلق ومسار وهدف. لشرح ذلك لأبدأ بتوصيف أساسي موجز لبنية الدولة الأمريكية. الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية ديمقراطية يمول مؤسساتها مواطنو الدولة من كسب أعمالهم، لذا هم يرون أنفسهم المالكين الحقيقيين. لذا، أيضا، لا تنشأ في هذه الدولة سلطة عامة عن غير انتخاب. كذلك، لا تولى سلطة لأحد لأجل مفتوح، ولا يعفى المؤتمن على السلطة من مساءلة دائبة أثناء الأداء. ثم إن لهذه الجمهورية دستور يشكل مرجعية الحسم في جميع الأمور، تفسره محكمة عليا هي رأس القضاء الذي هو سلطة ثالثة، متكافئة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية.. أما الاجتهاد الأمريكي في صياغة السياسات الوطنية، فإنه يمر بعدة مراحل، هي: التبرير، الصياغة، التبني، التنفيذ، التقييم، الاستمرار أو التعديل أو الإنهاء. التبرير يعني التنبه إلى وجود مشكلة متفاقمة تستدعي المعالجة. خلال التسعينات، مثلا، جرى التنبه إلى تفاقم مشكلة الهجرة غير المشروعة، وانتهى بتبني سياسة جديدة. الصياغة تعني التوافق على صيغة محددة للمعالجة، وفي هذه العملية تتدخل أطراف متعددة ممن يهمها الأمر، وفي مقدمتها قوى الضغط المنظمة، أو ما تسمى باللوبيز. في هذه المرحلة يتوسع التشاور، وتعرض آراء متباينة، بل ومتضاربة، وللتوفيق بينها تجري مساومات وتوافقات، وأحيانا أيضا مبادلات منفعية في الخفاء. في هذه المرحلة أيضا يدعى خبراء وأصحاب اهتمام بالموضوع للإدلاء بإفاداتهم تحت القسم أمام لجان الكونغرس. هذه المرحلة في الغالب تفرز أكثر من منهج للمعالجة. يحسم الأمر في النهاية بالتبني، أي بالموافقة على صيغة معينة بأغلبية الأصوات. التنفيذ يجري على أيدي جهات لم يكن لها دخل يذكر في صياغة السياسة أوتبنيها. التشريع عادة يحدد الأهداف السياسية بشكل مجمل، تاركا للهيئات المتخصصة وضع التفاصيل. يسري هذا أيضا، أحيانا، في مجال القضاء، حيث يصدر حكم بتوجيه عام تاركا للجهات المختصة وضع التفاصيل. مثلا قرار المحكمة العليا عام 1954 بإلغاء الفصل العنصري في المدارس جاء بتوجيه أن يتم ذلك بالسرعة الممكنة، دون أن يحدد الاجراءات. التقييم يعني المراجعة التي تبين إن كانت السياسة المتبعة وافية في تحقيق ما قصد منها، وإن كانت نتائجها تبرر حجم الصرف على تنفيذها. هذه العملية تجر لكثير من تحليل وتفنيد، وفي العادة تتمخض عن نتائج متباينة بين من يريد استمرار السياسة ومن يريد تعديلها أو إنهاءها. وفي العادة تعدل السياسات، لكن قليلا ما تنهى سياسة متبعة إلا إذا بان عقمها وتخلى عنها من تحمس لها بادئ الأمر. أما في مجال السياسة الخارجية، فإن بداياتها النظرية، أو إن شئت، خطوطها العريضة الأولى، تتبلور عادة في الجامعات ومؤسسات الفكر، وتنضج من خلال كتابات وحوارات مكثفة بين مؤيدين ومعارضين. وإذ تتضح معالم كل وجهة، وتبين أوجه المفارقة بين وجهة وأخرى، ينبري السياسيون ليتبنى كل وجهة يميل لها فيصوغها ضمن برنامجه الانتخابي. ولعلنا نلاحظ عرضا أن اهتمام الأمريكيين بالسياسة الخارجية يتراوح من موسم انتخابي لآخر، فقد يتصدر الشأن الخارجي القائمة حينا، كما يتوقع أن يحصل في الانتخابات النصفية هذا العام، ويتخلف حينا آخر وراء اهتمامات أخرى كالاقتصاد (انتخاب كلنتون) أو البيئة أو القضايا الاجتماعية.. أخيرا، الدستور الأمريكي يولي الرئيس دورا متقدما على دور الكونغرس في صياغة السياسة الخارجية. لكنه، في المقابل، يخص الكونغرس بسلطة تصريف المال العام. من هذا المدخل يمارس الكونغرس دورا توجيهيا للسياسة الخارجية: أي من خلال بحثه وإقراره ميزانية الدولة. من جانب آخر: نظريا، يستطيع الكونغرس، أن يعطل أية سياسة خارجية بالامتناع عن تمويل فعالياتها، كما أنه يستطيع عرقلة توظيف مرشحي الرئيس في مناصب عليا، كوزراء ووكلاء وسفراء وقضاة، بحجب التأييد عنهم. يمكنه أيضا إجهاض معاهدة مع طرف خارجي بالامتناع عن التصديق. n نظرا لكونك مقيماً في أمريكا منذ ما يقارب 30 عاماً ومتابعا عن قرب للحالة الأمريكية في عمومها من الداخل فكيف تقرأ مستقبل أمريكا على المدى المنظور؟ - هنالك ما يقلق ملايين الأمريكيين من مختلف مسالك الحياة مما يرون من تراجع بلادهم في بعض أهم محاور الأداء الوطني. مما يقلقهم في المجال الداخلي، مثلا، ازدياد تأثير المال الخاص على سير الانتخابات وفحوى السياسات، تراجع الوئام الاجتماعي، مدى سلامة الوضع الاقتصادي، غلاء الدواء والخدمة الطبية، تراكم المديونية العامة والخاصة، تحايل متزايد على القانون، تكرر جرائم العنف، مشاكل الهجرة غير المشروعة، اضطراب الأمن الداخلي بسبب تهديدات الإرهاب، وتراجع التعليم حيث تأتي أمريكا اليوم في موقع متخلف عن عديد عن الدول بمعيار جودة التعليم الابتدائي حتى الثانوي. في المجال الخارجي أهم ما يقلق الأمريكيين اعتمادهم المتزايد على النفط المستورد، تقدم دول منافسة كبرى في القوة العسكرية والقوة الاقتصادية وفي مجالي التصنيع والخدمات. هذا إلى جانب ازدياد سلبية انطباع الناس عالميا عن بلادهم نتيجة سياسات أمريكية تعتبر مجحفة بحقوق الآخرين. مقابل هذا هنالك قوى تثابر على التصحيح والتعمير. هنالك نقد ذاتي مع مراجعة علنية للأخطاء، وعمل دائب لأجل أداء أحسن. هنالك تجديد وتجدد في الفكر، في الأسلوب، في الكفاءات الوطنية التي تتعاقب على إدارة الشأن العام. هنالك تأكيد على المبادئ والقيم وحث على العلم والعمل. هنالك اعتزاز بالوطنية وحرص على سلامة الأمة. وهنالك عزم على أن لا يتراجع وضع أمريكا، بل أن يكون القرن الحادي والعشرون قرنا أمريكيا كما كان سابقه. لأيما أمة لا يمكن ضمان اطراد الصعود. مصائر الأمم مرهونة بميزان ما هي تأتي به من صواب أو خطأ. أمام ما تواجه من مشاكل في الداخل كما في الخارج أمريكا لا تشذ عن السنة السارية في الشأن البشري: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في تاريخ أمريكا جرت اختبارات كبرى، كالحرب الأهلية (1861-1865)، الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، الهبوط الاقتصادي الكبير (1929-1933)، الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، الحرب الكورية (1950-1953)، حرب فيتنام (1950-1975)، الصراع مع العالم الشيوعي (1945-1989) حرب الخليج (1990-١٩٩١) وهذا الصراع ما بعد ٩:١١ والذي لم يحسم بعد. في سوى هذا الأخير، أمريكا استطاعت أن تواجه التحدي وتتغلب عليه أو تتجاوزه، ثم أن تواصل البناء فتخرج أقوى عما كانت من قبل. بنظري، أمريكا لا تزال تحتفظ بعناصر القوة التي انبنت بها واجتازت بصلابتها كل اختبار سابق. بذلك، في التحليل الأخير، أرجح أن أمريكا لا تزال أمة في صعود.. n عنيت برصد الأفكار وما تلعبه من تحولات على الصعيد الإنساني والحضاري فما هي من وجهة نظرك أهم الأفكار التي كانت في القرن العشرين؟ - خلال القرن العشرين، مع كل ما تخلل هذا القرن من أحداث مأساوية جسام، راجت أفكار ثلاث كبرى صبغت الخبرة البشرية عامة، وأدى تضمينها في دساتير الدول، وتفعيلها في سياسات الحكومات إلى تحديد أهم معالم هذا العصر الذي يعرفه البعض بعصر ما بعد الحداثة. تلك الأفكار هي: العلمانية، الاشتراكية، حقوق الإنسان. العلمانية، خلاصة، تعني اعتماد الاجتهاد الإنساني وحده في فهم الوجود، في التعامل مع معطيات الحياة، وفي استنباط الأفضل لأجل إثراء خبرة الإنسان وإسعاد حاله. العلمانية تُعنى بعالم الحياة فحسب، دون التفات يُذكر إلى عالم الآخرة ومصير الإنسان هناك. العلمانية لا تتجاهل الأخلاق ولا تتنكر لها، وإنما تؤكدها وتندب إلى الالتزام بها لا على أساس ثواب أو عقاب في الآخرة، وإنما كأمر ضروري لصلاح الإنسان فردا ومجتمعا في هذه الحياة. وكما ترى، فإن معظم المجتمعات المعاصرة قد أرست اجتهادهها الوطني على النهج العلماني في التنظير والتقرير، بما في ذلك أمم ذات عراقة حضارية، كالهند والصين. الاشتراكية راجت متوسعة ومتنفذه بقيام المعسكر الشيوعي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكنها انحسرت لاحقا بتفكك هذا المعسكر. أما اليوم فقد استبدلت، أو كادت، بفكر اقتصاد السوق الحر الذي يستوعب عناصر هامة من الفكر الاشتراكي من دون أن يتخذ الاشتراكية فلسفة شمولية. الفكر الاشتراكي في صميمه يُعنى بالعدالة الاجتماعية، وبهذا المعنى يشكل بعدا أساسا في برامج التنمية في كل مكان. مع نهاية القرن العشرين تحررت الاشتراكية من التشخيص بإيديولوجية المذهب الشيوعي، وعادت لتقرن من جديد بمطلب التكافل الاجتماعي.. بهذا المعنى أضحى البعد الاشتراكي استحقاقا أساسا في عموم التخطيط الاقتصادي للدول، استحقاقا لا تستطيع الحكومات تجاهله دون أن تخاطر بالهزيمة عند صندوق الاقتراع. بحقوق الإنسان نقصد تلك الحقوق التي تولد معه، وتلصق به أينما وجد مدى الحياة، لذا هي حقوق لا تقبل النزع. الناس أصالة، ذكور وإناث، متساوون في هذه الحقوق، أيا تكون الأنظمة التي يصادف عيشهم ضمنها، ومهما يبلغ من تعسف الحكام. ليس للحكومات أن تنقض أو تهتك أو تحد من حقوق الإنسان، وحيثما تتمادى فتفعل تستحق مساءلة في الرأي العام ومحاسبة لدى مؤسسات المجتمع الدولي. في السياق الدولي المعاصر أرى أهمية حقوق الإنسان تعلو على أهمية سيادة الدولة حيثما يتصادمان. نشط الاهتمام بحقوق الإنسان منذ السبعينات من القرن الماضي، وإن كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرمن الأمم المتحدة عام 1948 سابقا على ذلك. حقوق الإنسان شكلت أحد أهم المحاور التي جرى عليها تحدي الاتحاد السوفييتي والأنظمة الشيوعية بوجه عام. اليوم ثفافة حقوق الإنسان تقوى باطراد، واستحقاقاتها تتبلور يوما بعد يوم، آخذة طريقها لمزيد من التبني والتطبيق عبر العالم. n ما الأفكار التي تعتقد أنه سيتمحور حولها مسار القرن الحادي والعشرين؟ - هي، كما أرصدها، وأتوقع بلورتها بازدياد، أيضا ثلاثة أفكار عالمية أخرى: الديمقراطية، اقتصاد السوق الحر، العولمة. الديمقراطية تتوسع رقعتها يوما بعد يوم. هي تعني حكم الشعب: منشأ وممارسة وغاية: منشأ بالانتخاب الحر، ممارسة بالتقرير بأرجحية الرأي، وغاية بإقامة العدل وتحقيق المساواة وصون كرامة الإنسان. الديمقراطية علمانية بطبيعتها، مع أن العلمانية لا تكون ديمقراطية في جميع الأحوال، بل قد ينشأ منها ما هو مناقض للديمقراطية بشكل حاد، كما الشيوعية والنازية والفاشتية. على أن في الديمقراطية نفس حضاري تتشاركه الأديان. بقدر ما يتنشط هذا النفس الحضاري لدى أهل أيما دين، يغدون أرحب استيعابا للنهج الديمقراطي وأكثر تثمينا لمعطياته الحضارية. في المقابل، ليست الديمقراطية ضد الدين، وإنما هي غير مستمدة منه، غير متقيدة به، وليست قائمة عليه. هي بذلك تستوعب الدين والعلمانية معا، وتحملهما على التعايش، بل والتثاقف والتعاون، خدمة للصالح العام. من وجه آخر، كأمر مبدئي، الديمقراطية ترعى الدين، تحمي حرية المعتقد، وتصون حق المتدينين في ممارسة شعائر الدين. لا تولد ديمقراطية كاملةً، ولا يوجد في خبرة أيما أمة معاصرة نظام ديمقراطي اكتمل فما عاد بحاجة لتطوير، مع أن غالبية دول العالم غدت تنهج نهجا ديمقراطيا في الحكم. الممارسة الديمقراطية عمل إنساني، لذا هو قابل أبدا للتصحيح والتحسين. أمم الأرض مدعوة للتسابق في هذا العمل الإنساني، وأيضا للتعاون في تطويره لما هو أوفى وأفضل. في هذا التسابق والتعاون لا يوجد واجب بأعلى من واجب إقامة العدل، ولا ضرورة بألح من ضرورة تطبيق المساواة بين الناس وإشراكهم في تقرير ما تعنيهم من أمور. في هذا الارتقاء للأسمى لا يوجد نفع للإنسانية بأجدى من نفع يأتي من زرع حب الفضيلة والمعرفة في الأجيال. اقتصاد السوق الحر مصطلح جديد لممارسة إنسانية قديمة قدم أول مبادلة لسلعة أو خدمة بين شخصين. إنها التجارة في أوسع نطاقها على نحو حر ومنصف. في خبرة كل حضارة سبقت تجد التجارة عاملا موحدا للأمة، منشطا للاقتصاد، وموسعا في الأرزاق. أحد أهم أسباب انتعاش حضارة الإسلام في عصرها الذهبي كان امتداد سوق حرة ومتواصله من الأندلس إلى مشارف الصين، تنقل عبرها قوافل جمال إلى جانب البضائع معارف وخبرات. أحد أسباب عظمة الخبرة الأمريكية في التاريخ الحديث هو أيضا امتداد سوق حرة متواصلة من محيط لمحيط. . أما اتحاد أوروبا الحديث فقد جاء ابتداء ، كما نعلم، على أرضية سوق مشتركة. اليوم اتفاقيات المنظمة التجارية العالمية أضحت من أهم ما تصوغ العلاقات الاقتصادية التجارية بين الدول. العولمة، ولعلي أوسع قليلا فيها الحديث لما تحوم حولها من إشكالات. من نظري إلى عالم اليوم أجده قد تعولم فعلا في جل نشاطاته: في الصحة والتعليم، في المواصلات والنقل، في الصرافة والتأمين، في الزراعة والصناعة، في السياحة والرياضة، في التجارة والاقتصاد، في الخدمات والتصنيع، في تنظيم القوات المسلحة وتسليحها، في تنظيم الشرطة، في تعمير وترتيب المنازل والأسواق: إجمالا يكاد لا يوجد حقل حياتي معاصر لما يتعولم. بتعبير آخر، أرى البشرية في مطلع هذا القرن قد رست على أربعة محاور رئيسة معولمة: معين معرفي واحد، نظام اقتصادي واحد، إطار تنظيمي للدولة واحد، ونمط معيشي واحد. بوحدة المعين المعرفي أقصد أن الإنسان، أيا كان موطنه، دينه، وثقافته، ينهل من نفس العلم الذي يتبلور لدى العلماء عبر العالم في مختلف الحقول، ويُدرس في المدارس والمعاهد والجامعات في كل بلد. أما وحدة النظام الاقتصادي فتعني وحدة المؤسسات والممارسات التي تُسير من خلالها يوميا بليارات المعاملات المالية والتجارية بين الناس عبر العالم. وأما وحدة الإطار التنظيمي للدولة فتعني وحدة هياكل الحكم، في شكل مجالس تشريعية، وزارات، محاكم قضاء، دوائر أعمال، مجالس بلدية، قوات مسلحة، شرطة، أجهزة استخبار، إلى غير ذلك. وأخيراً وحدة النمط المعيشي وتعني تماثل النشاطات الحياتية بتماثل أسباب الحداثة، سلعا ونظما وخدمات، الآخذة في الانتشار في كل مكان. من أين إذن يأتي الاعتراض على العولمة، والناس، كما ترى، يدخلونها دون تحفظ يذكر؟ على أي وجه تدان والناس يتسابقون على استقبال مبتكراتها المتدفقة من سلع وخدمات شتى؟ على أي أساس تنتقد وهي توفر آنيا للجميع ما يبتكر عبر العالم من تحسينات وتسهيلات لا تحصى، فيغدو ما توفره قاسما حياتيا مشتركا بين الناس في كل مكان، كما، مثلا، الهاتف النقال؟ يأتي الاعتراض في الغالب لاعتبارات تتصل بالدين، والثقافة، وتقاليد الحكم، ويأتي أيضا من مجموعات ترى في العولمة طمسا لتراث الشعوب وحيفا اقتصاديا يلحق بالشعوب الفقيرة. الاعتراض الديني يأتي لكون العولمة ذات نسق علماني، مع أن الدين أيضا عالمي بطبعه، ولو أتيح لأي دين تحديدا أن يعولم العالم حسب منهاجه لفعل. معنى ذلك أن الأديان لا تعارض العولمة من حيث المبدأ، وإنما تعارضها من حيث محتواها العلماني. الاعتراض يأتي أيضا من عجز أي دين بمفرده عن عولمة العالم، ومن عجز الأديان مجتمعة لكون كل دين مرتكزا في خصوصيته عن تقديم نسق معرفي وأخلاقي موحد لخبرة الإنسان. ليس من طبيعة الأديان أن تتوحد، لكنها في الغالب، بحكم الضرورة، تتعايش، وبدفع حضاري يمكن أن تتفاهم وتتقارب. التعددية الدينية أمر واقع في غالبية المجتمعات، وحيثما يسود مجتمع مدني، يعيش الناس تحت قانون موحد لا يفرق على أساس دين. نعم، للعولمة نسق علماني، لكنها بفضل ذلك تقدم معادلة جامعة لتعايش الأديان. العولمة، بنسقها العلماني، لا تُعنى بالدين إلا من حيث تثبيت مبدأ حرية المعتقد وشعائره، أيا كان المعتقد وفي أي مكان. ولأن الناس من مختلف الأديان أضحوا سواء بسواء «معولمين» على صعيد الواقع في جل نشاطات الحياة، فإن فارق الدين لم يعد ذا أثر عملي في خبرة إنسان هذا العصر. من ذلك أستنتج أن الأديان ستبقى مصونة، وسيبقى انتساب الناس وولاؤها لها - رغم العولمة - دون مساس . أما الثقافات وتقاليد الحكم فهي، خلاف الأديان، عرضة للتأثر بالعولمة، وهناك أيضا قدر كبير من الصحة في تضرر الشعوب الفقيرة جراء ضغوط تتولد من زحف عولمي متسارع. الثقافة شيء جد ثمين، وأيما أمة تحرص على سلامة ثقافتها عليها أن تعزز ثقافتها بسعة معرفية ومنعة أدبية ومهارة مهنية، تستوعب بها معطيات العولمة، بل و تؤثر في مسارها، من دون أن تضعف أمام ضغوطها أو تذوب. أما تقاليد الحكم، فالأجدى لصالح الشعوب أن يجري تطويرها لتغدو أكثر تواؤما مع النمط العصري للحكم، بالأخص في مجال ترسيخ الديمقراطية وتحصين حقوق الإنسان. أما الشعوب الفقيرة، فالواجب دوليا أن تراعى أوضاعها بشكل خاص بحيث تتاح لها الاستفادة القصوى من العولمة، وأن لا تترك لتتضرر أو تهمش أو تحرم من استحقاقها التنموي. بما تقدم أقصد أن العولمة قد غدت واقع حال عالمي نافذ ومستشر في كل منحى من مناحي الحياة المعاصرة، وبذلك ما عادت قابلة لصد أو تجاهل. لذا وجب التعامل مع العولمة بدافع تصويب لمسارها وتهذيب لمراميها على نحو يجعلها أكثر فأكثر عامل تقارب وتبادل منافع بين الأمم.. ذلك أن العولمة إذا سددت على مسار خير فسيعم العالمَ منها خير عميم. أما إذا تركت من دون تسديد فسوف تنتج ضررا أكثر من نفع وشططا أكثر من صواب. n هل ترى أن هنالك وجودا لصراع حضاري بين الإسلام والغرب كما يطرح البعض أو يروج ؟ - الصراع هو أحد ظواهر التاريخ الذي لم يتضاءل أمام تقدم المدنية وانتشار الديمقراطية في المجتمعات. في كتابهما «دروس التاريخ» الصادر عام 1968 يلاحظ ويل دورانت وزوجته آريل دورانت أن من بين ١٢٤٣ عاما من التاريخ المدون الذي أمكن تحقيقه 268 عاما فقط خلت من حروب: بحساب بسيط، لو ساوينا الفترة التاريخية هذه بيوم كامل (24 ساعة)، لساوت فترة السلام المحض فيها أقل من ساعتين. أما منذ عام 1968 حتى اليوم فلا نرى عاما خلا من حرب أهلية أو حرب بين دول، هنا وهناك. الصراع ينشأ من تنازع على مال أو جاه أو سلطة أو نفوذ، أو مغرية أخرى من المغريات، ويتفاوت في درجة الحدة والخصام. فإذا ترك ليتفاقم، فإنه ينتهي بحروب مهلكة تستنفد طاقات أطراف الصراع، بل إنها لا تصيبهم وحدهم خاصة. لكن الحروب قلما تنهي الصراع، أو تزيل ما وراءه من أسباب. وقد تعمق الصراع فيتفجر بعنف أكبر بعد حين. على الجانب الأرشد من المسلك البشري نجد ظاهرة التنافس. التنافس، خلاف الصراع، يخضع لمستلزمات التعايش السلمي ودوافع التعاون لأجل نفع مشترك، لذا يكون حميدا، بل وضروريا، لتحفيز الهمم واستظهار أكفأ القدرات. أنا مع التنافس، وضد الصراع، وفي جميع الأحوال أنا ضد أي صدام عنفي، إن كان بين أفراد أو فئات أو شعوب أو أمم. بنظري، اللجوء للعنف يعني إفلاسا في القدرة على التعامل العقلاني مع الأمور. أنا أستوعب شرعية الدفاع عن النفس، وهو حق وواجب، لكن للدفاع عن النفس وسائل ليس أنجعها التعامل بالعنف. أنا مع مهاتما غاندي في قوله أن الصدق واللاعنف متشابكان لدرجة يمتنع معها فصل أحدهما عن الآخر، سوى أن اللاعنف وسيلة والصدق غاية. وقوله أيضا، أن اللاعنف وسيلة ديناميكة قوامها الصبر: الصبر، ليس بمعنى الرضوخ لإرادة الباغي، وإنما الصبر بمعنى الجلد وحشد كل طاقاتك الروحية والخلقية لصد بغيه في وقت واحد. هل أرى «صراعا حضاريا» قائما أو جاريا بين المسلمين وأهل الغرب؟ ما أراه هو صراع ثقافي وتنازع على مصالح متخيلة وليس صراعا يمكن أن يوصف بـ«حضاري». وصف أي صراع بـ«حضاري» ينطوي على تناقض وصفي. من طبيعة المسار الحضاري أنه يوائم بين الأمم، دافعا للتقارب لا التباعد، للتعاون لا التخاصم، للارتقاء للأسمى لا الانحدار للأسفل. على المسار الحضاري تسعى الأمم لتوحيد منظومة المبادئ والقيم والأعراف ما بينها، لتحتكم لها حضاريا عند نشوب أي نزاع. هي تتشارك المعرفة، وتتقابس بعضها من بعض التماسا للأوفق والأجدى من الأفكار والابتكارات. وهي تنسق وتيسر التعامل ما بينها بتبنيها نظما ومناهج متماثلة في مختلف نشاطات الحياة. وهي تعمل متظافرة لأجل توفير حياة طيبة ضامنة لحقوق الإنسان واستحقاقات المواطنة المتكافئة ضمن مساحة كل حضارة. ما تتباعد عليه الأمم وتتخاصم وأحيانا تتصادم هي خصوصيات ثقافية وعصبيات وطنية أو دينية أو طائفية تستثار من أفق ضيق فتدفع نحو خصام وصدام. لذا لا أرى أن هناك «صراعا حضاريا» قائما، لأن المسار الحضاري لا يعرف الصراع. لذا ما أتمناه وأدعو له هو أن تُعلي الأممُ الجامعَ الإنساني الحضاريَ في التعامل ما بينها على الفارق الثقافي والنازع المصلحي، لأن الجامع الإنساني الحضاري وحده الضامن الأساس للتعايش السلمي والتعاون بين الناس، ولأنه وحده الممكن من إعلاء نوعية الخبرة الإنسانية على ظهر هذا الكوكب، إن كان ضمن الأمة الواحدة، والوطن الواحد، والدين الواحد، أو ما بين الأمم، والأوطان، والأديا |
|||||
|
|||||