آخر أسود البحارالعربية
(مقاطع من سيرة الملاح العماني أحمد بن ماجد)

 للمستعرب الروسي: تيودور شوموفسكي

 

 ترجمة: أحمد محمد الرحبي(فجر على الخليج)


«تطفئ الريح الشموع ولكنها تؤجج النار في النفوس»

                        لاروشفوكو

كلما رجعت إلى منتصف القرن الخامس عشر، تذكرت أبيات شعر سجلتها في كتابي القديم:

على ضفة نهر النيل

يكركر الأطفال وهم يلعبون

وفي قلب السوق

يجلس الولد الأعمى النحيف.

إنه صامت وغارق في التفكير

وفي برد المسجد المحاط بالظلام

يقرأ عن ظهر قلب:

سورة بعد سورة

 

والآن أشاهد ولدا عربيا آخر. ولحسن الحظ ليس أعمى. له عينان حادتا البصر ملأى بالحياة. ضامر وليس نحيفا وله عظم قوي فهو ابن وحفيد بحارة. لم يكن جلوسه في زاوية مسجد وإنما على شاطئ مفتوح في شرق الجزيرة العربية. ما يجمع بينه وبين الطفل في تربة وادي النيل، حب العزلة الغريب في ذلك العمر المبكر. التأمل زاد في عمره وأبعده عن رفاقه فصارت أعدادهم تقل من حين لآخر. يجلس ساعات على الشاطئ ويشاهد تعاقب الأمواج. ساكن كأنه عمود خشب جامد. بم كانت أفكاره؟ ربما لا يفكر بشيء! إنه مرهق من اللعب وضجيجه وها هو ينتحي جانبا من الفسحة الخضراء الفاتحة للتمتع بالسكون. يُسرح البصر في الفسيح الأخضر اللامنتهي مترقبا عودة أبيه الوشيكة. في تلك الساعات تطفو على سطح الذاكرة قصص رواها أبوه عن البلدان البعيدة والجزر المفقودة واختطاف اللؤلؤ من مهاد المحار. يرتسم كل هذا في خياله المنفعل فيما الأمواج المترنحة أمامه تولد وتموت بلا نهاية.

 يسمى الولد أحمد وأبوه ماجد. اسمان عربيان أصيلان لا يضمران وهما لاجتراح مجد أو مطمح متخيل مثلما سيجري عليه الحال في لاحق الوقت. وعند الروس مثل يقول: «ليس الاسم من يحمل الإنسان ولكن الإنسان هو الذي يعطي للاسم معناه» فما أكثر الأسماء التي تعب فيها الأهالي ثم غرقت في لجة النسيان. سيلتقي إذن هذان الاسمان العربيان البسيطان مع سيرة حياة وعمل ليصنعا اسما ماجدا: أحمد بن ماجد.

 لا تكثر أخبار ماجد بن محمد الأب، وما وصلنا منها لا يتعدى متفرقات عن دأبه وحياته، كشهرته بربان البرين أو صاحب الساحلين: العربي والأفريقي للبحر الأحمر، وقد يكون هذا كافيا لنتعرف على المهمة التي انبرى لها الأب ومغامرته في اقتحام طريق خطير بين قارتين! تشير إليه صخرة يقال عنها صخرة ماجد، واقعة في الطريق التي خاضها ماجد بن محمد وهو يقود سفنه. هناك أخيرا مؤلف وحيد ينسب لماجد يحمل اسم الحجازية وهو أرجوزة طويلة تضم أكثر من ألف بيت شعر عن الملاحة البحرية.

 بسبب ما يغادر ماجد بن محمد منطقة الحجاز التي ولد ونشأ فيها لتقوده رياح المصير إلى جلفار حيث ترسو مراكبه في نهاية المطاف. هناك يرزق بأحمد الذي يمضي طفولته المبكرة مثل باقي أترابه: حرك، دؤوب في اللعب، فائض الطاقة وأمين الجانب. يتسلق جذع شجرة ليلمس عش عصفور أو يناوش نفسه في مرتع بجانب قارب قديم محطم، فيقيم أشرعة في أحلامه ويحيل القارب إلى حصن منيع. تمر السنون وتبهت شغاف اللعب في قلب الصبي، فيعتكف إلى أبيه الذي سيلقي على مسامعه أحاديث البحر، كمن يلقي بذوره في أرض نهوم، فيشتعل قلب الطفل. يقولون بأن الأبناء ينفصلون عن آبائهم ما أن يشبوا عن الطوق لينقطعوا بعدها إلى حياتهم ويغيبوا في غمارها. إلا أننا سنعرف، وعندما تتقلب السنون على أحمد ويدور به الفلك حتى أعتاب الكهولة، بأنه مازال يفكر بذلك الرجل الذي وهبه حب الحياة ورجاحة العقل وغرس في نفسه نبتة المغامرة.

 بعد انتقاله إلى شرق الجزيرة العربية، يواصل ماجد بن محمد رحلاته البحرية عابرا بالمسافرين إلى أماكن غير بعيدة. وفي البحرين، كان يضطر به الحال أحيانا إلى تنظيم طلعات لجمع اللؤلؤ. يشتريها من الغواصين ليعيد بيعها إلى البحارة الغرباء. وفي ظروفهم البدائية، كان الغواصون يفتشون في الأعماق بأعين مفتوحة عن تلك اللقية العجيبة اللامعة. الفقر والحاجة يجبرانهم على البحث الشاق ولو كان على حساب تعرضهم لفقدان البصر. يكتب بعدها أحمد مؤكدا مشاركة أبيه في جمع اللؤلؤ، واصفا طريقة الغوص وعدد المراكب المشاركة التي تصل إلى الألف مركب.

 اليوم، يصل أحمد البالغ عشرة أعوام مبكرا إلى الميناء. يترقب عودة أبيه الذي طالت غيبته هذه المرة. أترى مصيبة حلت به وهو يائس من النجاة؟ «مستحيل»، سريعا ما ينفض التوجس عن نفسه، فهو يعرفه سباحا لا يقهره الموج مهما علا وطالت المسافة عن البر. سيصل وسيتقدم متأرجحا إلى ولده ليعبث بشعره ويعودان معا إلى المنزل القريب. هناك تبدأ القصص الجديدة عن المياه البعيدة، فتلمع عينا الطفل المفتوحتان، وبين وقت وآخر، يرتجف صوت البحار الكهل المريض: «إذا شاء الله سيكون الولد مساعدا جيدا وسيصبح رجلا».

 ولكن أين هو الأب؟ ينقضي النهار وتبدأ أشعة الغروب تهتز على سطح الماء. هل مرت سفينته بين الصخور القاتمة التي قد تسحبها إلى القاع في أية لحظة؟ أو يا تراها تتهادى الآن في ميناء المدينة الغريبة حيث يضج الكلام الغريب في سوقه وحيث التجار بالأردية الملونة يمسحون لحاهم المصبوغة بالحناء! ربما يكون قد رمى بمسعاه لجمع اللؤلؤ! «عندما يعود سأسأله عن اللؤلؤ ومن أين يجمع، وكيف، ومن أين له ذلك اللمعان الفاتن؟ بماذا سيجيب يا ترى؟»

 يلمح الولد الغارق في التفكير نقطة تهزها الأمواج. الأب! سفينته! إذا ما خانه البصر! ينزل البحار المتعب فيخطف أحمد يده الخشنة ويشده إلى المنزل.

- رجعت إذن يا ماجد. (تهمس الزوجة مقتربة منه راضية الخاطر).

- حمدا لله. (يرد ماجد مستردا عافيته)

- كان يخرج كل يوم لاستقبالك (تواصل الزوجة) حمدا لله على السلامة.   

يعلق ماجد ابتسامة على وجهه وينظر إلى أحمد، فينتهز هذا الفرصة ليبوح بالسؤال الذي طالما ظل حبيس صدره:

- قل لي، من أين يجمع اللؤلؤ؟

- لا تكن ثقيلا على أبيك. ألا ترى بأنه متعب؟ (توقفه الأم بطريقة صارمة).

ارتمى ماجد على الأريكة وأجاب بصوت متعب وقاطع في الوقت نفسه:

- سأحدثك لاحقا. إنه عمل ثقيل يا بني!

٭ ٭ ٭

تكر الأيام وتمضي السنون إلى أن يأتي ذات مساء، يخبر فيه ماجد ابنه بأن الوقت قد حان لركوب البحر وعليه أن يستعد للخروج:

- يا أحمد.. سأصحبك غدا إلى المركب.

تلعثم الصبي وأخذ قلبه ينبض من الفرح والخوف.

- ولكنه لا يزال طفلا! قالت الأم متوسلة.

- لم يعد طفلا (رد ماجد بحزن) ولم أعد أنا شابا مثلما كنت. عليه أن يعتاد العمل ليعيل الأسرة. عليه أن يتعلم، أم تريديننا الانتظار حتى تنبت له لحية!؟

في اليوم التالي خطى أحمد الخطوة الأولى واجتاز البر إلى المركب. ارتعشت رجلاه فاهتز المتن واستند على جانب المركب.

- ابتعد من هناك (صاح الأب) ستسقط في الماء. اجلس في الوسط واختطف الحبل.

كان كل شيء جديدا وغريبا بما فيه وجوه البحارة المساعدين. قرأ ماجد بن محمد الفاتحة بصوت عال وهمهم بعده البحارة. وقفوا جنبا إلى جنب والتصقوا بالمناكب، وبدأت المسافة بين شريط الساحل والمركب تزداد وتتسع فخفق قلب الصبي في صدره.

- لا تخف. كنت مثلك عندما قادني والدي محمد بن عمرو رحمه الله إلى متن المركب لأول مرة. ستفهم سريعا بأن البحر يُضيّع الغبي المتخاذل ولا مكان فيه للمتسرع المتشاطر.

ثم أردف ضاحكا: فيما يتسع البر لهم.

- وإلى أين نذهب؟ (سأل الابن)

- ليس بعيدا. سنوصل الصوف ونعود بالسمك الجاف إلى جلفار. هذه المرة للتجربة، وقد تطول بك الأسفار في المرات القادمة!

عاد أحمد مليئا بالخواطر. نام قليلا فيما يد أمه تمسح على جسده المرتجف. حلم بفتاة تحمل اسما غريبا: «دالي». اسم تركي يعني المجنونة، ولكن بمدلولاته الأجمل، كأن نقول جن حبا أو جن لهفة. أحدقت في عينيه القلقتين وقالت:

- لكي تغدو رجلا كبيرا عليك أن تبقى طفلا. يكتشف الإنسان ما يجهله غيره عندما يُبقي على رعاف الدهشة بالحياة متقدة. هذا ما قاله جدي وهو في عمر المائة وسبعة أعوام... وكان لم يزل متشبثا بعروة الحياة.

(خطوة واسعة)

 كانت تلك هي السنة السابعة التي يبحر فيها أحمد مع أبيه على متن مركبهم القديم، متنقلين من ميناء إلى آخر في مياه الخليج العربي. مضت سبع سنوات وماجد يراقب ابنه، مؤكدا لنفسه بأن المكوث الطويل في البحر سيقوي عوده ويوسع مداركه. اليوم أصبح كل شيء مكشوفا له، واتضحت أمامه حقيقة الشخص الذي سيرث السفينة. مع ذلك ما فتئ يعتريه الضيم كلما تذكر بأنه زج بابنه إلى هذه الأنواء المتقلبة والغامضة.

 دار الفلك على صاحب الساحلين وربان البرين ماجد بن محمد، وهاهو يتجاوز أعتاب الكهولة ويمضي في طور العجز والمرض: بدأت يداه ترتجفان وعيناه تدمعان من الريح، وفي غير مرة كان يؤجل مغادرة الميناء حتى يهبط الحر. شحب نظره وعزفت همته عن تحمل أعباء القائد فاعترت اللامبالاة أوامره. شاهد أحمد ذلك بكثير من الألم فأخذ على عاتقه ما سمح به الأب من مهام. وعلى الرغم من يقينه بأن الفتى قد قطع خطوة واسعة في معرفة الرياح وقياس النجوم وسير الموج، مثلما أتقن عمل الآلات بأنواعها، إلا أنه كان لم يزل متهيبا من تسليمه دفة القيادة.

 بعد عودته من جزيرة سقطرة، كانت الوجهة التالية لشيخ البحر ماجد بن محمد إلى البحرين. جهز المؤونة ووقف يراقب مساعديه الذين انشغلوا بإصلاح المركب، فجأة تهاوى بقرب السارية ولم يقف بعدها أبدا... تماما مثلما تنهار الصخرة في الماء.

 رثى أحمد أباه وأمه التي انطفأت حزنا على وفاة زوجها، ثم انهمك بعدها في شؤون البحر. هناك وجد عزاءه، وطيب من خاطره بأنه يكمل ما انتهى إليه أبوه بعد أن زرع فيه حب البحر، وآل على نفسه أن يرتفع بالعلم الذي أورثه إياه.

 سريعا ما أخذ الملاحون ينادونه بالمعلم، فيما أنكر عليهم ذلك مفضلا الجلوس في زاويا التلاميذ والركون إلى سمتهم: «لا غنى أبدا عن قراءة المزيد من الكتب وإتمام الخبرة الناقصة». مع ذلك كان يعرف طريقه ومسعاه حق المعرفة. اختبر إرث أسلافه ورفعه شراعا في مركبه، ولكنه لم يكن الشراع الوحيد الأوحد، فالطريق يمتد أمامه وهو بحاجة إلى الجديد من الأشرعة، ومعها أبحر أحمد ابن ماجد وعبر البحار مبتعدا عن الشواطئ. كان يقول بأن العلم مثله مثل السباحة، ممض وعنيف، بيد أن النكوص عنه هو الاستسلام للغرق. عرف أيضا أن العلم ممر بدايته ضيقة ووحشية، إلا أنه يفضي إلى البحر الواسع الرحب، ومن يؤثر الذهاب في الطريق المريح الناعم، سريعا ما يهوي إلى الأسفل.

 كانت قلة المخطوطات في علوم البحار هي ما رسم أمام أحمد هدفه الأول في الحياة: توسيع تلك العلوم وشمل مجاميعها وتوثيقها. وقد جاء تسجيل معظمها على صورة أراجيز شعرية، سواء أكان سبب ذلك تمثلا لأسلوب والده أو لسهولة قراءتها وحفظها.

 يوم الأحد، الثالث عشر من شهر أيلول لعام 1462م ينتهي أحمد بن ماجد من وضع أول أراجيزه: «حاوية الاختصار في أصول علم البحار» وهو دليل في الملاحة البحرية ومرشد للبحارة. تناولت أبوابه الأحد عشر الأولى شرحا لأصول الإبحار وقواعده، كما احتوت على استفاضة تشير إلى سعة علوم البحار لدى العرب في القرون الوسطى، وابن ماجد واحد من أعلامها الشامخة. يضم الكتاب أبوابا في وصف علامات الوصول إلى البر، والقياسات البحرية والسماوية، والمواقيت المختلفة، وقواعد الملاحة في البحار العربية، ومسائل عامة شملتها الأبواب الثلاثة الأخيرة، ويقع في ستين صفحة بألف وواحد وسبعين بيتا، فهل نعُدّ ذلك قليلا؟ ولكن متى كانت العقول تقاس بعدد الصفحات!؟ إن اسما مثل الكاتب الروسي غريباييدوف، لم يترك سوى كوميديا واحدة صغيرة: «المأساة من العقل»، اصبح خالدا في الأدب الروسي والذاكرة الشعبية، فيما أسماء كثيرة من الكتاب لا تعرفها سوى الرفوف.

 أعاد الشاب قراءة المخطوط ثم أغلقه. أزاحه عنه بعد أن أعياه التعب. ساوره شعور لم يعرفه من قبل. نوع من الاعتزاز والثقة بالنفس. هاهو الآن، وعلى هذه الطاولة الخشنة، ينجز عملا يشعر بقيمته مسبقا ويتوق بأن تنتقل معارفه إلى رفاقه البحارة فيكون جديرا بلقب المعلم. وبعد أن تراكمت تجاربه وزادت ذخيرته في العلوم وتنوعت مشاربه التي لم تقف على علم البحر وحده، حيث أقبل على دراسة الأدب بأقسامه، والكلام بأنواعه، منتقيا منه الجواهر ومعولا عليها لوضع مؤلفه الأساسي الذي سيخلد اسمه: «الفوائد في أصول علم البحر والقواعد». كان لم يزل في عمر الخامسة والثلاثين عند إنجازه الكتاب، وهي سنوات قليلة لو قيست بقيمة الكتاب والمجهود الذي بُذل لتأليفه وحجم التجارب التي سبقته. كانت نيته قبل الشروع في التأليف، الربط بين ما عَلِمه في كتابه الأول وما كشفته التجارب بعد ذلك. ويرجع نجاح الكتاب إلى كون ابن ماجد رجل صاحب رئاستين.. حسب كلام العرب، كما لا تقتصر شهرة الكتاب على وضوح اللغة وجزالة الأسلوب وحدهما، حيث ضم بين دفتيه أبوابا جديدة عن الملاحة وتطورها لم يردها أحد قبل ابن ماجد. كتب فيه عن أخلاق البحر وما يجب أن يكون عليه البحارة، وأورد جميع أسماء الشواطئ المعروفة في ذلك الوقت، أي قبل ألف يوم من اكتشاف أمريكا، وجمع فيه أدق الطرق البحرية في البحر الأحمر. وقد اغتنت اللغة في كتاب الفوائد بمطالعة ابن ماجد للأدب والشعر العربيين وقراءته للشعراء السابقين كالأخطل وعمرو بن أبي ربيعة وابن المعتز والطغرائي، مثلما آنسه كثيرا شعر أبي نواس وإبداع جرير.

تصب الساقية في النهر والنهر في البحر، ومثل ذلك تتصاهر الأفكار في مجرى الزمن لتصنع النهر الذي يصب في بحر الجهد الإنساني، وكم يكون رائعا لو أن كل تيار فيه، نظيف وعميق فلا يصير ضحلا.

(حول تخوم العالم)

 يمضي الزمن وتدور عجلة أيامه، كاشفة لابن ماجد مناهل جديدة للمعرفة ودروبا يطرق فيها الآفاق. مع ذلك ما برح القلق يرافق خطواته. نشعر بذلك عندما نراه يحيد عن البحر وينشغل بسواه. إنه قلق لئلا يفوته الوقت فلا يجد بعدها مهلة لقول ما راكمته الذاكرة. لقول كل شيء يعتمل في نفسه... لذلك يتنحى قليلا عن البحر.

يحرص على وصف ما شاهده بعينيه، راصدا كل شاردة وواردة فيه. ومع جلسائه الغرباء، كان يستجدي الحيطة خشية أن يورد ما تلهج به الألسن. في كتاب الفوائد، يعرض أحمد بن ماجد إشارات عن طبيعة بلدان الشمال وسيبيريا. متفرقات ربما سمعها في الأسواق الشرقية من تجار ووكلاء روس. وفي أحد أبواب الكتاب، كرسه لذكر مسارح العالم المأهول وما يدور في أفلاكها، نجده يلج في بحثه كمن يتتبع دورة عقارب الساعة: البر في الشمال والبحر في الجنوب. وعندما يبلغ (بحديثه) حتى شواطئ شبه جزيرة القرم في الجنوب الروسي، نراه ينتقل إلى البر، ثم يلوي ينعطف ضاربا بمسعاه إلى الشمال. يجتاز سيبيريا وأقصى الشرق الروسي حتى يصل إلى تخوم المحيط الهادئ. يتجه بعدها نزولا بمحاذاة الشاطئ الصيني، ودائما، البحر عن يمينه واليابسة عن شماله. صعودا فنزولا إلى أن يبلغ النقطة التي بدأ منها ويلتحم طرفا الدائرة.

رأس الحد هي نقطة البدء. الرأس الشرقي للجزيرة العربية. اختيار ذلك المكان أمر واضح لدينا، فعهده به منذ الصغر وأيام العمل الأولى في البحر. هناك يشعر بأنه طليق في الجغرافيا بلا كلفة، فيتسم وصفه بالسهولة ووفرة التفاصيل. تحدث عن شواطئ الجزيرة وخليج عدن بأسلوب رفيع ممتع. نراه بعدها يولي ظهر سفينته لخليج باب المندب وينفذ إلى البحر الأحمر، أو بحر «القلزم» العربي حسب التسمية القديمة (وهناك بحر القلزم الأعجمي وهو بحر قزوين). قدما تمضي ريشة المؤلف. يحاذي شاطئ مصر الجنوبي، فيتاخم بعدها الصومال ويجتازها دنوا من رأس «جرفون» الذي ينفتح خلفه الطرف الشرقي لأفريقيا...

...هنا يبدأ عالم آخر ذو نكهة خاصة. عالم عرفه العرب منذ أزمنة سابقة للإسلام. أرض الكنوز التي لا تحصى والناس البسطاء الغافلون عن ثروتهم. هنا حيث أنشأ التجار العرب أسواقهم وقايضوا برخيص المتاع، رواسب الذهب والفضة وخام الحديد... ومعه اقتادوا العبيد. نشطت تجارتهم فدفعوا بسفنهم إلى البحار البعيدة، وبه تطورت الملاحة العربية وتوزعت شواهدها التاريخية في الطرق التي سلكوها. مثل ذلك اسم موزمبيق الذي يعود لكلمة عربية: «مسنبق» (سنبوق باللهجة العُمانية) وهو ضرب من مراكب صغيرة... وفي موزمبيق ميناء لها.

في طريقه إلى مدغشقر، لا يخبرنا ابن ماجد عن طائر الرخ العملاق الذي سكن الجزيرة وجاء ذكره في العديد من الكتب العربية ومنها كتاب ألف ليلة وليلة. ربما لم يره بعينيه فعدهُ خرافة لا تليق بكتابه (الذهني). عند طوافه حول أفريقيا ثم انعطافه إلى الشمال، نشعر من حديثه حيرة المرتاب بأمره والمشكك بما حوله، فنراه يكتفي بإشارات متفرقة حول تلك النواحي. عكس ذلك نجده ما أن يبلغ المغرب العربي، فهو هنا في ديار الإسلام العامرة. يرخي أنفاسه ويمنح أفكاره فسحة في السهوب الواسعة. يسرح البصر في المكان الذي عبرت منه مراكب الفلفل الشهيرة، وحيث بدأ الطريق التجاري العظيم إلى الشرق... وأيضا، في القرن الثامن، حين أوقف المحيط الأطلسي ألوية الجيوش العربية؛ تلك الجيوش الحالمة باحتواء الغرب كله.

بغتة ينعطف مؤلفنا إلى بحر البيزنطيين (البحر الأبيض المتوسط). وبعد عبوره بمحاذاة جبل طارق، يصل إلى الجانب الآخر. هناك حيث رست أساطيل العرب لقرون مديدة، وحيث سجلوا أسماءهم بحبر لا يمحى في أرض أوروبا وحواضرها. لعله يكفينا هنا ذكر «عطيل» شكسبير، مغربي البندقية، أو قصر بابا الفاتيكان الذي بناه أسرى مسلمون. النباتات التي ظلت تعبق بلغة العرب كالزعفران أو «شفران» باللسان الأوروبي. نبات طبي آخر يسمى «مصطكا» باللغات الأوروبية وجذوره من فعل «مسح» العربي... وهذه مجرد أمثلة تومض سريعا في ذهننا.

من الأبيض المتوسط إلى البحر الأسود يواصل ملاحنا تطوافه (التأليفي) حول العالم. كان يقرأ ما سجله عن البحر المتوسط عندما تذكر النظرة الندية لذلك الغريب الذي حدثه عن وطنه الكريم. كان صوت الغريب يرتجف وهو يصف محاسن بلاده: «يا سيدي، إن الوطن أعز في الغربة. أغلق عينيك وتخيل: شجرة بتولا وحيدة ترفل بأوراق الخريف الذهبية وسط بحر من أشجار البلوط والزان. تشاهدها وهي تقبع في أسفل الهاوية. هناك، في نهاية الطريق الجبلي. وعند نزولك إلى الشاطئ، ارفع رأسك. سترى السماء حيث السحب القرمزية مضيئة بأشعة الشمس الغاربة. ستسمع أمواج البحر وهي تعبث بالحصى وتهمس في أذنيك بألحان خافتة».

يتهادى الموج فيتنهد ابن ماجد وهو يفكر: «ما أجمل أرض الشعوب وما أعظم الخالق. يجري الزمن وتنقضي الأيام كتوالي الموج فيهرم الإنسان. مع ذلك يستيقظ كل يوم ليكمل ما بدأه»

٭ ٭ ٭

تتابع رحلة الفكر ولا تزال الريشة تجري في اليد وهي ترسم العالم وتستدعي تخومه.

يكتب أحمد بن ماجد عن البلاد السلافية. إنها في الشمال الشرقي من مدينة اسطنبول التركية. سهول شاسعة وبواد وأنهار عظيمة يرد منها البشر والأنعام، وخلفها تقع أرض «أبراشير». هذا كل ما يخبرنا به (في كتاب الفوائد) عن روسيا الأوروبية وسيبيريا الغربية. ولكن، لو تقدمنا في الكتاب حتى آخر جزء، سنعرف بأن الرجل مشدود إلى ثقافته ولها في تأليفه اعتبار أصيل.. وأيضا «لأن عادتنا ألا نذكر كل ما نعرفه»... مثلما يشير هو بحس العارف في الجزء الأخير من الكتاب.

يتضح من مسار البحث والمسح الجغرافي في كتاب الفوائد بأن المعني بأرض «أبراشير» - بشكيريا الواقعة في الغرب من سيبيريا. وليس مصادفة أن يقفز ابن ماجد قفزة شاسعة فوق أراضي الشمال من غير أن يمحصها الوصف، فيما يلم به بلادا صغيرة كبشكيريا، فهي، في نهاية المطاف، أحد مواطن الإسلام في تلك الأصقاع العظيمة. وكغيرها من البلاد التي اعتنقت الإسلام، نجد عمق الأثر العربي في ثقافة الشعب البشكيري، وهو ما يتضح أكثر على صعيد اللغة: المصهر الثقافي لكل شعب.

يواصل ابن ماجد أسفاره حتى يقف (في تأليفه وتفكيره) على أعتاب سيبيريا: الأرض الغامضة والملغزة حيث تنتهي فيها حدود العالم المعروف المتمدن. ومن سمت ابن ماجد تقسيم العالم إلى قسمين: قسم معروف متمدن وآخر غريب بدائي، وفيه المناطق قليلة السكان والمنطوية ثقافيا على ذاتها. كان من عادته إذا وقع عارض على مركبه أن يستطلع عن الأرض القريبة، وحسبما يستعلمه عنها، يكون مسلكه. فإذا اتفق وكانت بلدا مسلما، فجواره آمن وجانبه مُصان. وإذا كانت أرضا لأهل الكتاب فسلامته مستطاع إليها، وبأية حال، لن يكون الأمر معها فيما لو ضل طريقه إلى جزيرة مهجورة حيث الدهماء من أكلة لحوم البشر.

نعرف بأن التاريخ لا يحتمل الفراغ ولا يتقبل الفجوات، وحيث ينتهي العلم وتتعطل مسابره، يتقدم الخيال والفنتازيا لإتمام المهمة. أردنا من هذا تقصي المعنى لكلمة سيبيريا. ولنبدأ بما يُعتقد بأنه جذور الكلمة وأصلها: كلمة النعت اليونانيةhyper  واشتقاقها اللاتيني super، ويعود المعنى في العربية إلى الجذر «عَبْر»...apara وبإضافة اللازمة اليونانيةاللاتينية لأسماء البلدان «(ia) نحصل على إسم: Siberia  وبالاستماع إلى صدى الجذر العربي «عَبْر» في الكلمتين الأجنبيتين، يسعنا استخراج الأصل العربي للكلمة، والتي تعني أيضا اجتاز وعبر إلى الماوراء.

٭ ٭ ٭

بعد جولته القصيرة في بلاد الشمال، يسارع ابن ماجد العودة إلى بحره الأثير: المحيط الهندي. يأتيه من الجانب الشرقي ليبحر بعدها قدما إلى جزيرته البعيدة. يمر على الشواطئ الصينية مرور الكرام، ولا يذكر شيئا عن ذلك البلد القديم والأثر الإسلامي الذي انتقل إليها على سفن التجار المسلمين والمهاجرين العرب. ربما كان الحديث عن الصين شائعا ومبذولا في زمانه، ونحن نعرف ابن ماجد لا يستهويه الشائع والمبذول! ترك دفء الشاطئ وطلاوة الصباح ويمم ناصيته إلى الغرب. مرّ بسنغافورة ودخل بحر «آنداماند» متجاهلا الحديث عن جمع اللؤلؤ البورمي، مختلف الأحجام والأشكال، وكأني به لم يشأ أن يستدعي ذكرى والده ورحلات الغوص حذو الجوهرة الضنينة!.

 ظهرت في طريقه جزر «نيكوبار» الهندية. وهنا أيضا ترك العرب أشياء من ثقافتهم وأسمائهم. «نيكو» بأصلها العربي: «نقي» وبار هو البر. نيكوبار- البر النقي. عدا ذلك ففي شواطئ المحيط الهندي بلدان ومناطق دانت أسماءها للثقافة العربية: ملابار، زنجبار.       

أذنت العودة إلى الوطن، وهاهو ابن ماجد يرمي بصره إلى الأمام ويجتاز الحد اللامرئي الذي يقسم مياه المحيط الهندي إلى قسمين: الشرقي والعربي. هنا فقط ينتهي الكلام عن المحيط الهندي لتسوقنا الرياح بعدها إلى مضيق هرمز. ولا بأس لو استمعنا إلى وصف التاجر الروسي آفاناسي نيكتين، لا سيما وأنه معاصر لابن ماجد. يقول نيكتين واصفا المضيق: «إنه مرسى عظيم يقصده الناس من كل أرجاء المعمورة. هنا كل ما يشتهيه المرء من متاع وبضائع، فكل شيء يظهر على الأرض تجده في هرمز»

أشرفت الرحلة على النهاية ولم يتبق سوى خطوتين لتكتمل الحلقة. نصل إلى مسقط. إنها مرفأ لا مثيل له. الموسم تلو الآخر تغادر منه السفن وهي محملة بالتمر الطازج والجاف. تُباع فيه الأقمشة والزيوت والحبوب بأنواعها. يذكر أحمد فيما يذكره عن مسقط: عذوبة الماء فيها وسماحة أهلها، ما يشد إليها الغرباء من كل حدب وصوب.

ينتهي الحديث فيترك ابن ماجد ريشته جانبا وينظر عبر النافذة الشاحبة وهو غارق في التفكير، ثم يختم كتابه معتذرا من القارئ عما زاد في كلامه وما نقص. وبذلك تكتمل للتاريخ قصة الملاح العربي، ذلك الواصف الكبير لبحار الشرق. وبعد تأليفه كتاب الفوائد بسنتين، يكون كولومبوس شادا طريقه إلى الغرب.  

  (حجر الكآبة)

شهد ابن ماجد اجتياح البرتغاليين المحيط الهندي وهو شيخ يناهز الستين من عمره. في تلك الفترة طُردت السفن العربية من طرقها التقليدية في المحيط فصارت تبحر حذو السواحل وهي منكسة أعلامها.. وكبرياءها. كان ذلك أشد من أن تحتمله نفس ابن ماجد، إذ لم تكن أبية عن الإبحار في تلك الطرق الضحلة والرتيبة فحسب، وإنما كذلك لإحساسه بالذنب والمسؤولية أمام ضحايا البرتغال الذين أوصلهم إلى ساحل الهند عام ٨٩٤١. لم تجد الطمأنينة سبيلا إليه بعد. في عام 1501 يصنف ثلاثة أعمال صغيرة تقوم كأدلة ملاحية يذكر فيها متفرقات يسيرة عن التيارات وعلم النجوم والرياح، ثم ما نلبث نسمعه فيها وهو يهتف كسير النفس: «آه لو كنت أعرف ما سيأتي منهم»

نادرا ما يتطرق المؤلفون العرب المعاصرين إلى الحديث عن هذه الحوادث التي ألقت بظلالها على تاريخهم، وان فعلوا نسمع بينهم من ينكر قطعا علاقة ابن ماجد بدخول البرتغاليين الهند. آخرون ينددون بما قام به ابن ماجد ويربطونه بطمعه في الجائزة التي وعده بها البرتغاليون، وهناك من افتعل قصة أن البرتغاليين الكفار غرروا بالرجل البسيط، المسلم المسالم وسقوه الخمر. ويحدّث الخطاط العربي المشهور قطب الدين النهرواني في شهادة له عن ابن ماجد ورحلته مع البرتغاليين، يقول الخطاط بأن الملاح العربي كان بريئاً من الطمع ولم يكن للخمر مكان في حياته، فضلا عن أن السكران أعجز من أن يقود مركبا.

من العبث بمكان تقريع ابن ماجد ولا طائل من وراء البحث عن أعذار لتبرئة ساحته من تهمة ليست في محلها، فقد حُسم أمر تقسيم العالم بين البرتغاليين والأسبان قبل أربع سنوات من صعود ابن ماجد متن المركب البرتغالي: تحصل مدريد على العالم الجديد وتستفرد لشبونة بالعالم القديم. ويكون من السذاجة بمكان الاعتقاد أن مرافقة ابن ماجد للبرتغاليين، بشارة للفتح البرتغالي، وبأن فاسكو دي جاما لم يكن بوسعه الحصول على مرشد آخر، ولو كان أقل كفاءة من ابن ماجد، ليرشده إلى الهند.

دارت السنون وانقضى القرن الخامس عشر لينغلق باب خلف الإنسان وينكشف فضاء آخر مختلف. القرن الذي عاش فيه دافينشي وكولمبوس وجان دارك، وهو القرن الذي قتل فيه الملك الإنجليزي ريتشارد الثالث كل أقاربه، وفيه سقطت العاصمة البيزنطية (ذات الألف سنة) من حكم التاريخ. جاء قرن آخر وأفسح الفضاء لاكتشافات جديدة وفتوحات جديدة وكوارث جديدة، وكانت بداية القرن السادس عشر، خاتمة سني حياة ابن ماجد، وهي الفترة التي عاش فيها فريسة انفعالات ثقيلة أحكمت عليه قبضتها وجعلت من سنواته الأخيرة سفرا مضنيا. تعذرت الكتابة بعد أن خفتت المقدرة على استدراك الأفكار وحصرها في متن واحد. كان يستغرق في التفكير، مقلبا في السنين الخوالي عله يجد ما يحرك مكامن الإبداع. يقف عند كتاب الفوائد وقفة المتوله الحيران: أتراه هو نفسه من وضع ذلك الكتاب، وهل هو صاحب تلك الأفكار المنثورة في صفحاته وتلك الأفراح والأحزان والرعشات بين السطور!؟ أهو نفسه الآن بعد عشرين عاما تراكمت عليه بأحداثها وبلواها؟ يجوب بالنظر حوله فلا يرى حدودا للعنف والنار والدم وكل الخراب الذي اندلع ذات يوم ربيعي حينما اقتحمت الشرق مراكب المرتزقة والجواسيس. كيف إذا لا تطاوعه الكتابة ليسجل شهادته ويطهر ذمته، وهل سيحدث ذلك الآن؟ ولكن سرعان ما تفتر الهمة وترتد إلى أعماقه كغيظ مهيض... فيصمت وهو يرخي رأسه الأشيب.

٭ ٭ ٭

الحب... أجمل النجوم وبارقة الأمل في البحار العابسة.

لقد أحب ذات يوم بحنان خالطه الوجل. يتذكر الآن ذلك الشعور المغسول فيحس بألسنة العشق تلسع جسمه. تلك العيون الدامعة والخدود الملتهبة. كان يهوى تلك الحركة الخجلى ويحلم باليوم الذي سيلامس فيه ذلك الجسد البض وأن يستقي من طلاوته. ما أجمل بريق عينيها وهو ينهمر ويفيض وكأنك أمام زرقة البحر الواسعة. كيف حدث ذلك؟ تلك اللقاءات عندما كان ظلهما يمتزجان تحت النجوم، ثم الرسائل التي كانت تنتظر دخوله غرفة مبيته، والخطابات التي كان يبعثها مع القوافل الذاهبة إلى بلدتها!. أين كل ذلك منه الآن وأين من تلك اللآلئ حجر الكآبة هذا؟ - ثم خيمت سحب سوداء واسترعته أن يغذ السير ليفوز بفتاته، ولكنه هون على نفسه واستمهلها طويلا حتى استيقظ من غفلته ذات يوم وقد عبر غيره وأخذ اللؤلؤة. بعد حين كان يسأل نفسه أكان قادرا حقا أن يهبها أكثر من الرسائل والوعود وهو ضيف البحر والمقيم الدائم في السفر!.

 

- مختارات من كتاب آخر أسود البحار العربية..

منشورات جامعة بطرسبورغ  1999


تصميم الحاسب الشامل