طفول في المدينة

 

غاليــة فهـــر آل سعيد


كانت البغضاء سيدة الموقف في بيتنا، نكاد لا نخرج من مشكلة حتى ندخل في أخرى أشد وأصعب. أشنع السباب وأقذع الشتائم يتم تبادلها في الصباح والظهيرة والمساء، ويستمر الصراخ والصدام حتى الساعات الأولى من الصباح، بصورة تشبه المعركة الضارية. الحرب بين أبي وأمي استمرت لسنوات طويلة- مثل حرب داحس والغبراء- ووصلت إلى مرحلة لا تحتمل، ساء الجو الأسري ونزعت الراحة مني ومن اخواني وأخواتي. طفح الكيل واستسلم الصبر من هول العذاب والمرارة التي تجرعتها من تزايد المشاكل بين أبي وأمي، الأمر الذي أقلق نومي وحرمني من أي فرصة للنجاح في حياتي الدراسية. عمري أربعة وعشرون عاما، وكان يجب أن أكمل دراستي الجامعية، بكل أسف لم أستطع تجاوز المرحلة الثانوية، وذلك بسبب الجو المتوتر في بيتنا. دون غرور، كنت تلميذة متميزة ولا يوجد سبب يحد من قدرتي سوى الوضع المتقلب الذي عانيت منه في البيت. وقد لاقى اخواني وأخواتي نفس المصير وأسوأ منه، يدخلون معترك الحياة ثم تقل سرعتهم ويتوقفون، مثل سيارة تحتاج لمن يزودها بالوقود.

في يوم من تلك الأيام العاصفة تعارك أبي وأمي، وكان الصوت يصل إلى أذني كصرير الحشرات القارضة وأصوات موج البحر الهائج. وقررت في تلك اللحظة أن الوقت قد حان لهجر البيت وترك العائلة إلى الأبد. لم يكن الأمر سهلا، إنهم اخواني وأخواتي وأمي وأبي، إلا أنه لا مناص من القيام بالخطوة التي ظللت أتفادى القيام بها كل تلك السنين. لم أسال نفسي حول المكان الذي سأتجه له وأختفي فيه. في المنطقة التي نسكن فيها لا يعترفون بالخروج من كنف الأسرة ويعتبرونه هروبا يعاقب عليه المجتمع والقانون. وبالنسبة لفتاة، كما في حالتي، يعتبر الأمر كارثة اجتماعية وأخلاقية، تهدد الأسرة وتجلب العار لكل أفراد القبيلة. لا يهم إن كنت بنتا أو ولدا، ما يهمني هو إيقاف سوط العذاب الذي يجلدني في الصباح وفي المساء، والحل الماثل أمامي هو الهروب والفرار، وليكن ما يكون.

أبي وأمي ينتميان إلى الجيل المتعلم المتحضر، ولو أن أمي أقل كثيرا عن أبي علما، كل ما تجيده هو توقيع اسمها على الأوراق، أما القراءة والكتابة فكانت ضعيفة فيها. وقد تزوجا بعد فترة حب طويلة، وتغلبا على كثير من المعاناة والمشاكل الأسرية من أجل إتمام الزواج. أثمر الزواج ميلاد بنتين وولدين، أنا أصغرهم، أو كما يقولون آخر العنقود. أما سبب المشكلة التي تعاني منها أسرتي فهي الشخصية المستبدة والمتسلطة التي تتصف بها أمي، ومحاولاتها القوية لاستعباد والدي والسيطرة عليه. أذكر ونحن صغارا أن أمي لم تكن تقبل منا رفض أي أمر منها، وكانت تقول لنا «إياكم وقول لا، لا من فعل الشيطان». في بداية حياتهما الزوجية، لم يكن أبي يعترض على هذا الوضع الغريب، كان كل همه هو العمل الدؤوب وتكريس حياته لإسعاد أمي وبقية الأسرة. ما فعله أبي من عنت وتفان لم يكف لإرضاء أمي، فهي تريد المزيد من العمل والجهد والمال، وتصر على مطالبتنا بالطاعة والصبر على المكروه.

كل عمل يقوم به أبي يقابل بالنقد والتجريح وتنقيص القيمة، لم أسمع من أمي كلمة تشجيع وثناء في كل الوظائف والأعمال التي تقلدها الوالد المسكين. أول وظيفة للوالد كانت في أحد المصارف المرموقة، تقدم في العمل ومع مرور السنوات علت رتبته ومعاشه. كانت تدعوه للحضور إلى البيت من مقر عمله لأتفه الأسباب، مثلا إذا لم يعمل صنبور الماء أو توقفت الثلاجة عن التبريد، وكان أبي يستجيب لطلبها، رغم معرفته بخطأ تصرفه من الناحية المهنية. إذا حاول التمنع، تضغط عليه وتتصنع بأن واحدا من الأطفال مصاب بألم في البطن وحمى، فينصاع ويهرع للبيت. إن لم يفعل، تنقلب الدنيا ويتحول البيت إلى جحيم لا يطاق. ضاق المسؤولون والمديرون بعدم انضباط والدي في العمل وأخبروه أن مغادرته أثناء الدوام تعيق ترقيته وتقدمه المهني. والدي ذكي ومتعلم وله من الوعي ما يكفي ليجعله يرجح كفة الأسرة وسعادتها وتماسكها على الوظيفة والترقية والمناصب.

لم يستمر الحال بهذه الصورة، للوظيفة شروطها وقوانينها ولا يمكن التغاضي عنها إلى ما لا نهاية. أنهى المصرف عمل الوالد، وكان كرما منهم أن أحالوه للمعاش الاختياري. بعد ذلك، انخرط في العمل التجاري الحر، وبسبب صدقه وتفانيه وذكائه، حقق نجاحا مذهلا وراجت تجارته وزادت أرباحه عاما بعد عام. الوالدة كانت بالمرصاد للثروة التي بين يديها، بددتها في البذخ والصرف غير المرشّد، بدافع التباهي ومجاراة الآخرين. فقد كنا نستخدم عددا كبيرا من العاملين في البيت ونعزم عددا كبيرا من الأصدقاء والجيران من غير داع أو حساب ونشتري كميات كبيرة من المصاغ والأقمشة والكماليات. وبدلا من دفعه للسير قدما وتزويده بالوقود، كانت له مثل كابح السيارة الذي يبطئ تقدمه ويوقفه محلك سر. مرت الأيام وإذا بالتجارة في كساد والديون في تراكم وصاحب التجارة في نصب واضطراب، مثل شخص تائه في الصحراء دون بوصلة أو نجم يهديه إلى الطريق السوي. أما أنا فحيرتي كانت أقوى وأشد، وقد جربت بعض الوسائل للخروج من الأزمة.

حاولت اللجوء للكمبيوتر، أقضي الساعات الطويلة أما الشاشة الصغيرة وأدخل شبكة المعلومات العالمية وأتجول في مواقعها المختلفة. يمر النهار والليل وأنا أعيش في دنيا خيالية تختلف تماما عن الواقع المرير الذي أعيشه، كنت أسمي هذا «فرار حاسوبي»، تمثل في الانفصال الروحي عن الوالدين والأسرة، رغم التواجد الجسدي معهم في نفس المنزل. كانت لي صديقة، اسمها نعيمة، قضيت معها الساعات الطويلة على الشاشة الصغيرة، نناقش أمورنا ومشاكلنا. حللنا شخصية والدتي المعقدة وحاولنا معرفة الظروف التي أدت إلى حبها للسيطرة، عيب موجود أكثر عند الذكور، هل هي البيئة، التربية الأسرية، الحرمان واليتم أم الوراثة؟

كانت أمي هي البنت الأكبر على ثمان من البنات والأولاد، كلهم كانوا يصغرونها بالعديد من السنين. ترملت أمها وهي في ريعان الشباب، لذا انخرطت في إدارة البيت وتربية الأطفال، الأمر الذي أكسبها عطف وتفهم الأحوال والأعمام والأهل. لم تملك الأسرة الكثير من حطام الدنيا، ولم يكن الوضع الاجتماعي يسمح بخروج المرأة للعمل، لذا شعرت أمي بالإحباط وقلة الحيلة، وتأسفت لعدم قدرتها استغلال الذكاء الفطري الذي تتمتع به لمساعدة الأسرة.

ثم لم تلبث أن دخلت في علاقة حب حقيقية مع والدي، بالرغم من أنه كان متزوجا من امرأة أخرى وله منها ولد وبنت. والدي يسكن في الجوار، استمر اللقاء بينه وبين أمي سرا، حتى تم تنسيق زواجهما وانتقلت أمي إلى بيت الزوجية، على مقربة من بيت الأسرة، مع زوجة أبي الأولى، وبدأت أولى مراحل تحكمها وسيطرتها، لدرجة تتحكم في الأكل والنوم والصرف والتربية. أدى ذلك لهروب زوجة أبي، بأطفالها، والإقامة مع أهلها، وخلا البيت لأمي تصول وتجول فيه، كلما قويت شخصيتها تضمحل شخصية الوالد وتنزوي. لم يشفع له تعليمه وثقافته وفكره ولا أسفاره إلى حضرموت والعراق والإتحاد السوفييتي، ولم تسعفه مهاراته في الحد من تسلط أمي، وهي شبه أمية لا تقدر على قراءة الصحف اليومية والمجلات، كانت تكره الكتب وتتخلص منها بحجة عدم وجود مكان مناسب لها.

صفة واحدة من صفات أمي كانت تعجب والدي وهي تعلقها وحبها للنظافة ومقدرتها في ترتيب المنزل ومهارة الطبخ. كان البيت يتمحور حول الترتيب والنظام والأوامر، مثله مثل الشركة أو المؤسسة التجارية. في بعض الأحيان، تسحب اخواني وأخواتي من صفوف الدرس وتطلب منهم القيام بنظافة غرفهم أو الذهاب لجلب المواد الغذائية والأغراض المنزلية، غير مكترثة لتحصيلهم العلمي ونجاحهم في الحياة. في مرحلة مبكرة، اتضح لي جليا أنني ووالدي واخواني وأخواتي تربطنا علاقة غير سوية بوالدتنا، هي خليط من الحب والكره. على سبيل الدلالة، كنت أعرف أن والدتي، بعد مرور سنوات من الحياة الزوجية، توقفت عن مشاركة أبي الفراش، إيمانا منها أن جسدها لا يستطيع التجاوب مع ما يشتهيه الرجال، وأنها لا توافق على كون جسدها مقرا لاستقبال نزوات الزوج.

بعد مرحلة الهروب الحاسوبي بدأت مرحلة الهروب على شبكة المعلومات العالمية أو الإنترنت. بدأت المسألة بمحاولتي الوصول لتعلم اللغات الأجنبية، خاصة الإنجليزية. تعودت الذهاب لصديقة تسكن في الجوار والتحدث معها باللغة الإنجليزية، ثم سمعت عن المعهد البريطاني، وطلبت من أمي السماح لي بالالتحاق به، ووافقت. بعد زمن بدأت تطلب مني القيام ببعض الأعباء التي تتعارض مع برنامج الدراسة، فكثر غيابي، ومن ثم تم فصلي من المعهد. نصحتني صديقتي نعيمة أن أشاهد الأفلام الإنجليزية للمحافظة على ما تعلمته، لكن أمي صرخت في وجهي ومنعتني من مشاهدة تلك الأفلام بحجة أنها مسموح بها في بيتنا للأولاد فقط - قانون آخر من قوانين أمي التي لا تنتهي. وكبديل مناسب، اشتريت مذياعا صغيرا واستمعت لبرنامج تعلم اللغة الإنجليزية الذي تبثه هيئة الإذاعة البريطانية، تعلمت الكثير من القواعد والاستماع والقراءة. ولكي أطوّر مهارة الحديث والمخاطبة فتشت على الإنترنت حتى حصلت على شاب سوري يدرس في احدى المدارس الخاصة في مسقط، ودخلنا في مراسلة بيننا على الإنترنت، حيث نقضي الساعات الطويلة، نتناقش ونتبادل الآراء والمهارات اللغوية والحياتية. في الحقيقة، أدمنت الجلوس على شاشة شبكة العنكبوت وصرت أستمتع بما يرسله لي صديقي الجديد من أخبار وتعليقات ووجهات نظر عن المدرسة والأسرة، وشيئا فشيئا صار هو محور حياتي والبديل المناسب لأسرتي وأهلي. لم يهمني أنني لم أعرف الكثير عن مسقط، مرة واحدة زرتها مع الأهل لمدة أسبوعين قضيناها عند أحد الأقارب في منطقة غلا على طرف المدينة. قبلت من أمي كل اعتراض، أما عندما حاولت منعي من التواصل مع صديقي على الانترنت، لم أحتمل ذلك ولم أساوم -جاءت ساعة الصفر للهروب، هكذا قلت لنفسي.

في صباح اليوم التالي، تركت الأسرة في نوم عميق، وذهبت للمطار وركبت الطائرة المتجهة إلى المدينة. كنت مرتدية الزي  التقليدي، دخلت المطار وأنا خائفة أن ينتابهم الشك بسبب صغر سني ويرجعوني إلى أسرتي مرة أخرى، وتكون نهايتي مؤلمة على يد أمي. الغريب في الأمر أن أحدا لم يسألني من أنا ومن أين أتيت وإلى أين ذاهبة، يبدو أن الناس فقدت الشهية للسؤال عن العلوم والتطفل على الآخرين.

وصلت الطائرة إلى المطار الدولي ونزلت مع بقية الركاب ثم خرجت من صالة المغادرين وأنا لا أعرف المدينة ولا فنادقها وشوارعها وأحياءها. لا أملك سوى القليل من المال، حصلت عليها من المبالغ التي تقدم لنا في الأعياد، ومما تقدمه لي جارتنا الوافدة مقابل الجلوس مع أطفالها. صديقي لا يعرف شيئا عن رحلتي المفاجئة للمدينة، حيث لم أخبره بها بل وتوقفت عن الرد على رسائله الرقمية. واصلت المشي، وأنا ألملم ثوبي الفضفاض الطويل على جسدي وأشعر بحرارة الشمس وهي تلهب رأسي وعنقي ووجهي حتى بدأت أتصبب من العرق الذي  اختلط معه الخوف والتوجس لما أقدمت عليه. كانت ثمة أصوات مختلفة في داخلي تشدني للخلف وتطالبني بالعودة من حيث أتيت، لكنني قررت ألا أسمعها وأصم أذني وقلبي عنها وأواصل المشي. فجأة وجدت نفسي في الشارع العام ثم عرجت يسارا وسرت حتى وصلت إلى أهم التقاطعات الرئيسية، يرمقني الناس بنظرات استغراب، فتاة قروية في ثوبها المخملي الفضفاض والمطرز بالخيوط الذهبية، العلامة المشهورة للمرأة هناك، لا عباءة بل فستان واسع وطويل تتميز به المنطقة. تحت الثوب بنطلون، يظهر جزءا من رشاقتي، المنظر الذي جذب نحوي بعض الشباب من المارة وسائقي السيارات، الذين أخذوا يطلقون أبواق سياراتهم. لم أهتم لهم، رأسي يموج بأفكار عظيمة وطموحات كبيرة، اللغة الإنجليزية والكمبيوتر وعوالم بعيدة، لا بد من الوصول إليها طال الزمن أم قصر. القرية هي المحطة الأولى وأنا الآن في المدينة، الغريبة عليّ كليا، عاصمة نمطها يختلف تماما عن نمط الحياة القروية التي تركتها خلفي، في محطة أكبر نحو تحقيق الأحلام والأماني والأهداف.

جلست، وأنا متعبة وجائعة ويكاد رأسي ينفجر من الصداع. ترددت وخفت وطفرت دمعة ساخنة من عيوني. والأصوات التي في داخلي ما زالت تتضارب وبسرعة تعلو وتتخبط، منها ما يحثني قدما ومنها ما ينصحني بالعودة وأنا في وسطها أطلب النجاة والسلامة من هذه المغامرة الجريئة التي قمت بها من غير علم أحد. فكرت في الاتصال بصديقي السوري، عله يساعدني في الخروج من المأزق الذي أوقعت نفسي فيه، وفشلت في الحصول على مكان أدخل منه على شبكة الانترنت، أنا ما زلت غريبة عن المكان.

وأنا في هذه الحالة بين الشك واليقين، وقف أمامي شاب  وسألني: الأخت على أين؟ قلت له وأنا أتحاشى النظر في وجهه حتى لا يقرأ كلمة هاربة على وجهي: والله يا أخي لا أعرف، أريد التسجيل في المعهد البريطاني، ومعي القليل من المال، أنا غريبة عن المدينة وقد أتيت الحين من القرية لهذه الغاية. نظر إليّ باستغراب مشوب بالشك والحذر وقال: وأين أهلك وكم عمرك وكيف أساعدك؟ ليس لدي أهل، تركتهم في القرية، أرجوك أوصلني لمكان أستريح فيه. فكر الشاب قليلا ثم أخذني في سيارته إلى مجمع سكني في وسط المدينة.

يتكون المجمع من مبنى يشبه الفندق، به غرف صغيرة في كل غرفة حمام ومطبخ، يحيط به فناء واسع به أشجار مختلفة. والمجمع تحت إدارة مجموعة من الموظفين والعمال الهنود، قدموا لي استمارة قمت بتعبئتها، سجلوا اسمي في دفتر على طاولة، ثم أخذوني إلى حجرة تطل على شارع مزدحم بالسيارات والمارة. رقدت على السرير وطفقت أفكر في أسرتي، وتخيلت جنون أمي وغضبها عندما تعلم بهروبي من المنزل، وتخيلت لو أنها توصلت إلى رقبتي لخنقتني حتى الموت. نمت وفي منامي شعرت بحجر معلق على عنقي، يجرني إلى هوة سحيقة، بينما أحاول جهدي تسلق أحد الجبال بيدي اليمنى، محاولة الوصول لقمة الجبل لأغرس عليها راية كنت أضمها على صدري بيدي الشمال.

الحياة في المجمع سهلة وميسرة، وهناك العديد من أسر المنطقة، معها فتيات في سني، كنت أتجنبهن لتفادي الأسئلة وكشف أمري والدخول في تعقيدات أنا في غنى عنها. لسبب لا أعرفه، شعرت بثقة عظيمة في نفسي ومقدرتي على تخطي الصعاب، خاصة بعد التحاقي بالمعهد البريطاني. اجتهدت منذ البداية في التعلم دون كلل أو ملل، يطلب مني الواجب، أقوم به، أضيف عليه درسا آخر، لا أتأخر عن حضور الدروس وورش العمل والمحاضرات الثقافية، صادقت المدرسين والمدرسات، مثل جين وأنجل ورتشارد ومايكل. حضرت معهم حفلاتهم الاجتماعية والخاصة، دون علم بقية الطلاب، وساعدني ذلك على تقوية لغتي والتعرف على مهارات اللغة المستعملة في الحياة اليومية وبين الأصدقاء، كما طوّر مقدرتي في التحدث والمخاطبة.

واكتشفت منجما لغويا آخر، الأسواق والمراكز التجارية، حيث يفضّل البائعون استعمال اللغة الإنجليزية. كنت أرتاد هذه الأماكن، غالبا مع صديقي السوري سامح، الذي عرف بإقامتي في المدينة وقويت صداقتنا ومعرفتنا. أتكلم معهم بسبب وبدون سبب، وحتى النادلات في المطاعم لم يسلمن من قذائفي اللغوية. وجدت نادلة تعمل في مطعم للبيتزا الإيطالية لها مقدرة خارقة في التحدث بالإنجليزية، تمط فمها وتحرك شفتيها يمينا ويسارا فتخرج الحروف والكلمات سليمة وواضحة كحد السكين، وفوق ذلك تتمتع بجمال أخاذ وشخصية جذابة. غرت منها وبدأت في صراع، من جانب واحد، كي أجيد اللغة مثلها بل وأتغلب عليها. لم تمر ستة أشهر إلا وكانت لغتي قد تحسنت بصورة مذهلة وزادت ثقتي بنفسي.

وأنا في المجمع، وصلني خطاب من صديقتي نعيمة في القرية، فيه أخبار مزعجة للغاية. بعد أسبوع من غيابي، أقامت أمي عزاء في بيتنا وادعت أنني مت غرقا في نزهة بحرية إلى واحدة من الجزر التي تقع قبالة الشاطئ. سمع والدي بكاء النساء وحاول إثناء والدتي، إلا أنها زجرته وذكرت له أنها تعتبرني ميتة لأنني جلبت لها ولبيتها العار وقالت: هذه بنت غير مطيعة وعديمة الإحساس، لهذا هي في نظري ميتة منذ يوم خروجها من البيت. ولم يعد من كلام على لسانها، كما ذكرت نعيمة، غير كلمتي: طفول ميتة. وذكرت لي نعيمة في خطاب آخر، أن أمي صارت عنيفة وغير متزنة التصرفات، وأنها رأتها مرة في عيادة للأمراض العصبية والنفسية. قلت في نفسي: مسكينة أمي، لماذا لا تغيّر من أفعالها وتصرفاتها، كي يشفيها الله ويغفر لها.

لاحظت أن الناس في المدينة يعيشون في رفاهية ويركبون السيارات الجميلة ويسكنون المنازل الفسيحة، حياتهم تختلف نوعا ما عن حياتنا في المنطقة. وظهرت عندي رغبة قوية للحصول على مثل هذه النعم والكماليات، وتمنيت اقتناء سيارة بورش مثل التي تقودها إحدى الطالبات بالمعهد، اسمها منال. دخلت مواقع الانترنت وحصلت على كميات مهولة من المعلومات عن سيارة البورش، مكان صنعها وكمية الحديد الذي تستهلكه صناعة الواحدة من هذه السيارات العالمية الراقية. دفعتني هذه الرغبة للذهاب إلى معرض سيارات البورش، حيث أقف أمام المعرض الساعات الطوال أتأمل الألوان والأشكال المختلفة لهذه السيارات الساحرة. رغم كل المعلومات التي جمعتها، كنت على يقين من أن الحصول على سيارة ومنزل يحتاج إلى حصولي على وظيفة أكسب من ورائها شيئا من المال. فاتحت إحدى مدرساتي بما يدور في خلدي وطلبت منها مساعدتي في الحصول على عمل، فوعدتني خيرا.

وبعد ثلاثة أسابيع وجدت لي مدرستي وظيفة عند أحد الدبلوماسيين الأجانب، أقوم بتعليم أبنائه اللغة العربية مقابل مبلغ شهري قليل. العمل ممتع وقد أفادني كثيرا في تحسين لغتي، لدرجة صرت أفهم كل ما يقال في المسلسلات الإنجليزية والأمريكية، وأتحدث بكل سهولة ويسر. ولكي أدلل على تفوقي، ذهبت إلى مطعم البيتزا وتعمدت أن أتكلم مع النادلة، غريمتي ومنافستي في إجادة اللغة الإنجليزية.

وقد انشغلت عن صديقي السوري ولم نعد نلتقي كما السابق. ذات يوم اتصلت به وأخبرته عن أحوالي وعن الوظيفة الجديدة التي حصلت عليها وعن الفوائد الثقافية واللغوية التي أحصل عليها من معرفتي بالعائلة. لم يرحب بعملي وذكر أن ذلك يبعدني عن جذوري وبيئتي العربية الأصيلة ويحولني إلى التعلق بالثقافة والعادات الغربية. وأخبرني بأنه يريد قطع العلاقة التي بيننا لأنني صرت، ألبس البنطلون تحت العباءة وأنطق اللغة كالإنجليز وأعمل معهم. وفعلا انتهت العلاقة مع سامح، صديقي السوري، ولم أعد أسمع منه لا على الإنترنت ولا في الواقع المعاش.

وقد بدأت أتطلع إلى محطات أخرى وآفاق بعيدة، لا علاقة لها بالطريقة التي يفكر بها سامح وأمثاله. نظري الآن مركز على البيوت التي يسكن فيها الأوروبيون في المنطقة المرتفعة من المدينة، بيوت أنيقة مزينة بزخرفة ومصابيحها من الكريستال البراق وأرضيتها من البلاط الملون، بها سائقون ومربيات وخادمات آسيويون. قررت أن أحصل على مسكن في شاطئ القرم، طال الزمن أم قصر، أسكن فيه في الشتاء وفي فصل الصيف أهرع إلى شواطئ أوروبا. لقد بدأت أدخل في مرحلة نسيان ما تركته خلفي، حيث بدأ ينزوي في زاوية بعيدة من تفكيري، ما أفكر فيه هو الحاضر وحياتي الجديدة في المدينة.

وقد استجاب الله وحقق أمنيتي بأسرع مما كنت أتصور. قررت العائلة التي أعمل معها الذهاب إلى إنجلترا وطلبت مني مرافقتها، فوافقت على الفور. في الفترة الأولى سكنا في لندن، في حي مكتظ بالبيوت والشوارع الواسعة، أحببت المكان وتأقلمت عليه، وكنت أذهب للمحلات وأتحدث مع البائعين ومنظفي الملابس والموظفين في المكتبات العامة. ووجدت نفسي داخل عالم كنت أراه في الأفلام وأقرا عنه في بعض كتب تعلم اللغة الإنجليزية، الآن أعيش في وسط هذا العالم، في لندن ببريطانيا. وبالطبع، قفزت لغتي إلى مراتب عالية واكتسبت مهارات مهنية يمكن أن تفيدني في العمل في أي مجال في المستقبل، كما تعرفت على حياة الإنجليز وعقدت مقارنة بينهم وبيننا من حيث نمط المعيشة والاهتمامات. كما سنحت لي الفرصة بالتعرف على منطقة خارج لندن اسمها بكنجهام، عندما ارتحلت إليها مع العائلة. المنطقة محافظة بعض الشيء وأغلب سكانها من المسنين وأسواقها صغيرة، شعرت فيها بالغربة، وجرفني حنين شديد لأهلي في قريتي وأصدقائي وأساتذتي في المدينة. بعض السكان أبدوا لطفا تجاهي ورغبوا في التعرف على البلد الذي أتيت منه، سألوني عن بلادي وطرق المعيشة والتقاليد والبيئة الطبيعية والاجتماعية. كلهم أعجبوا بمقدرتي الفائقة في التحدث بلغتهم ومعرفة الكثير عن حياتهم وثقافتهم. مرة قابلني رجل مسن في كامل هندامه، ذكر لي أنه كان يعمل ضابطا في الجيش البريطاني في الشرق الأوسط، فجأة تذكرت أمي وبكيت بكاء مرا على الرغم من هروبي منها، الرجل هدأ من روعي وقال لي: سترجعين لها منتصرة كما سيفعل الفلسطينيون في يوم قريب، حيث يعودون إلى ديارهم المغتصبة منصورين، وما عليك إلا الصبر والمثابرة كما يفعل هؤلاء الشجعان في الأراضي المحتلة. تعجبت من معلوماته عن الأحداث السياسية في الشرق الأوسط ولكني أدركت أن وسائل الإعلام لديهم قوية تحمل باستمرار كل المعلومات لكل بيت.

وأنا في بكنجهام، أرسلتني العائلة إلى السفارة في لندن كي أجدد إقامتي وجواز سفري. وحملني القطار مرة أخرى إلى لندن وإلى إيقاعها السريع وحيوية الناس وحبهم للذهاب للأسواق والمطاعم وجلوسهم في الحدائق العامة وأماكن الترفيه. أحببت لندن، مدينة تنبض بالحياة والأضواء والحيوية والشباب، ذكرتني بمدينتي، بينما الحياة في بكنجهام تشبه قريتي، رتيبة وتتمحور حول الحياة الأسرية والمجاملات الاجتماعية التي تدور داخل الأبواب والنوافذ المغلقة. في طريقي للسفارة، ركبت قطار الأنفاق الشهير، اتضحت لي حقيقة هامة للغاية، وهي تطلعي لنمط الحياة الحديثة الذي تقدمه المدينة، ورغبتي الأكيدة في الأخذ والعطاء والتجاوب مع هذا العالم الكبير، دون خوف أو وجل.

سفارتنا في لندن كبيرة وهادئة، ذكرتني بشوارع وأشخاص وروائح محددة في البلاد التي بدأت أزداد شوقا إليها وأنا في هذا الوسط الغريب والبعيد. قابلني الحارس وطلب مني الذهاب إلى المكتب المخصص لتجديد الجواز والتأشيرة، وقبل دخولي كنت خائفة أن يعرفوا بمسألة هروبي من قريتي إلى المدينة، كأن هذا الأمر مكتوب بخطوط عريضة على وجهي حتى أني من دون شعور بدأت أمسح مساحات من وجهي لأخفي هذه الكتابة العريضة الظاهرة بكل وضوح. كنت كذلك خائفة من أن يعترضوا على عملي مع العائلة. سميت بسم الله ودخلت المكتب، فإذا بي أمام شاب حسن الشكل هادئ الطبع وذكي النظرات، عرفت من لهجته انه من منطقتي. قال في أدب وهدوء: تفضلي بالجلوس وأخبريني ماذا تريدين من السفارة. أخبرته بطلبي، فقام بتدوين المعلومات المطلوبة في مثل تلك الحالة ووعد أن يتصل بي على الهاتف حالما تكون المعاملة جاهزة. تبادلنا النظرات وشعرت بانجذاب قوي نحوه، كما لاحظت في عينيه شعورا متبادلا، وعندما ودعني عند الباب وصافحني، شعرت بأحاسيس دافقة تسري منه إلى يدي وتصعد لصدري وتستقر في سويداء فؤادي. في المصعد، ضممت يدي إلى صدري ورفعتها لأمسح بها وجهي ولثمتها وشممت رائحتها العطرة، تأكدت من أن سهم الحب قد أصابني، منه. قلت في نفسي بصوت متحفظ «طفول لقد وقعت في الحب، أنت الآن تحبين، نعم تحبين».

غادرت السفارة في اتجاه محطة قطار لندن-بكنجهام، كأنني أطير مع طيفه بين طيات السحاب، حتى دخلت وجلست على مقعد عربة القطار، غير مكترثة لما يدور حولي من ضوضاء ومشي أقدام ذاهبة وراجعة ولا بمنظر الأشجار الكثيرة الخضراء. نسجت أحلاما طويلة عريضة عن مستقبل حياتي معه، ثم فقت لنفسي، ربما لا يبادلني نفس الشعور، وربما يعرف بقصة هروبي ويتخلى عني، لأن الرجال في بلدي يتأففون من الفتيات المتمردات ولا يحبون الزواج من بنت تعرضت سمعتها للقيل والقال.

بعد أيام قليلة اتصل بي على الهاتف وأخبرني أن معاملتي جاهزة وطلب مني الحضور إلى مكتبه لاستلام جواز سفري. بعد يومين من هذه المكالمة، اتصل مرة أخرى وطبعا رحبت بهذه المكالمة الجديدة غاية الترحاب، كانت مفاجأة تعني أنني ما زلت في فكره. وسمعته يقول انه هذه المرة لا يتحدث بشأن جواز السفر. ماذا إذن؟ قال: أطلب منك وأدعوك الحضور إلى فندق الانتركونتنتال في لندن للمشاركة في احتفال مناسباتي يوم الجمعة. إذا قررت الحضور، سنرسل لك سيارة تقلك إلى المكان. فرحت فرحا عظيما، ووافقت على الفور، واتصلت به بعد ساعة لتأكيد حضوري، بعد أن أخذت الإذن من العائلة التي أعمل معها. قمت باستعدادات كبيرة للمناسبة، لا بد أن أبدو في أجمل حلة. دورنا على محلات الملابس والزينة والعطور، معي صاحبة البيت تساعدني في الاختيار المناسب والأسعار المعقولة. وبعد مداولات وتفكير، توصلنا إلى أن أرتدي الزي التقليدي لمنطقتي، الذي أحتفظ بعدة قطع منه، اخترت الأسود المطرز بخيوط ذهبية، ما زالت عليه رائحة البخور الشهير.

يوم الحفلة، وصل سائق السفارة، ولم أكن قد أكملت هندامي وزينتي، وكنت متوترة الأعصاب ومرتبكة، خوفا من أن أفشل في الحفلة، الشكل أو التصرف، أو أكتشف أن حبي له ما هو إلا سراب خلّب لا يروي عطشي ولا يطفئ الحريق الذي يشتعل في جوفي. «أسرعي حتى لا تتأخري عن المواعيد»، قالت دروسي المرأة التي أعمل معها. خرجت من الباب واتجهت نحو السيارة، كأنني في حلم، والجيران ينظرون إلى لبسي ويعبّرون عن إعجابهم به، مدركين أنني ذاهبة إلى حفل جميل، كم يتشوقوا للحفلات ويحبوها. وصلنا لندن الساعة الثامنة مساء، وكان المدعوون يتوافدون على مكان الحفل، شباب وشابات من بلادي، الذين يدرسون في بريطانيا، وعدد لا بأس به من البريطانيين والعرب والأجانب. وجدته في انتظاري، ورغم دوره الرسمي في استقبال كل الضيوف، تأكدت بحاسة الأنثى عندي انه كان في انتظاري أنا شخصيا. قادني إلى القاعة وعرفني على مجموعة من الأجانب، تحدثت معهم والخجل يعتريني لشعوري بعدم ملاءمة لبسي مع المناسبة، لا يهم كثيرا، المهم وضعي معه. هذه ليلة الحسم وكشف النقاب عن الحقيقة، وليكن ما يكون، هذا ما قلته لنفسي.

وانزويت في ركن قصي من أركان القاعة معه وتحدثنا حديثا عاما وطموحاتنا المستقبلية. أخبرني بنيته في الرجوع إلى البلاد والبقاء في العمل في وزارة الخارجية وعدم رغبته في الانتقال لدول خارجية، لأنه تعب من الترحال في أكثر من عشر دول، ويتمنى أن تكون لندن هي المحطة الأخيرة في حياته العملية. حاورته ببراعة لاعب الكرة لمعرفة وضعه الأسري، خاصة إذا كان متزوجا أم لا، فهذا شيء كان يقلقني، فلو كان كذلك ربما ضاع من بين يدي. وعرفت انه ينحدر من طبقة أرقى من الطبقة التي أنتمي لها وانه على قدر عال من التعليم. درس في احدى الجامعات، ثم حصل على دبلوم عال لمدة سنتين وعمل في الوزارة. أوضحت له أنني حضرت لبريطانيا لتقوية لغتي، ولم أوضح له طبيعة عملي مع العائلة الإنجليزية خوفا من أن ينفر مني ويعتبر عملي منقصة وسبة، ويعتبرني أقل مرتبة منه من الناحية الاجتماعية والمهنية. للحب سلطان على النفوس، لا شك في ذلك، لكن علينا الانتباه للطريقة التي تفكر بها الأسر عندنا وأهمية الوضع الاجتماعي والنسب والعرق والأصل والفصل.

وتواصلت العلاقة بيني وبينه وتطورت من يوم لآخر، هو في لندن وأنا في بكنجهام ولكنه كان يتصل بي على الأقل مرتين في اليوم. واستمر الحال حتى رجعنا أنا وهو في نفس اليوم ونفس الطائرة إلى الوطن، ذهب هو إلى أهله وبقيت أنا في المدينة. عدت إلى المجمع كما طلعت منه، فأسرة المجمع أصبحت الآن هي أسرتي يهمهم أمري ويتقصون أخباري ويضحكون على طموحاتي القوية وحبي في التقدم والتغلب على الصعاب اللغوية. اشتريت كمبيوترا محمولا وصرنا نتراسل ونتحادث تقريبا يوميا، زاد غرامنا وشوقنا ووصل عنان السماء، حتى جاء يوم وقال لي: يا طفول، لا أستطيع تصور حياتي من دونك لذا أريد التقدم لأسرتك وطلب يدك منهم. أذكر الموقف تماما، جاء من منطقته الى المدينة وطلب مني لقاءه عند شاطئ المدينة، كأنما أراد من البحر أن يسمع ما يقوله ويكون شاهدا على ذلك. نظرت في عينيه وكشفت له النقاب عن المستور، لنختبر دور الحب وقوته في العلاقات الإنسانية وفي حياة البشر، هل يصمد؟

قلت له، لا أستطيع الزواج منك سوى عن طريق المحكمة الشرعية، عليك التوجه للمحكمة وأخذ اذن زواج لأنني لا أسرة لي ولا أهل. هذه هي الحقيقة المرة. لا تخبرني عن الأعمام والأخوال وغيرهم، ستواجهك عقبات كثيرة، وأهلك لن يسامحوني ولن يسمحوا لك بذلك، أنا متمردة وخارجة عن طوق المجتمع والأعراف. عليك أن تعلم أنني هربت، نعم هربت، من أسرتي وجئت إلى المدينة ومن ثم ذهبت إلى لندن، من منطلق إرادتي بحثا عن تحقيق ذاتي وتطوير وضعي المهني والثقافي. لم أستطع أن أكشف لك تلك المعلومات حتى لا تظن بي الظنون وتنفر مني، أما الآن وقد قوي حبنا، ربما يمكنك أن تغفر لي وتسامحني، والأمر بين يديك.

وشعرت براحة عميقة، كأن التعب لم يخلق بعد، عندما انتهيت من مرافعتي ودفاعي عن نفسي وذاتي وطموحاتي، لدرجة أنني لم أهتم بالنتيجة التي سيتوصل لها وعائلته في شأن زواجنا. قال لي، أن مسألة المحكمة الشرعية غير واقعية، وأنه رجل عاقل بالغ ولا يوجد سلطان لأهله عليه، سيبحث عن أهلي وأنهم سوف يسامحوني ويرضوا عني لأنني لم أرتكب أي خطيئة أو جرم. كلامه أدخل الطمأنينة في قلبي وأوصل حبي له إلى درجة لا يرقى لها حب هذه الدنيا الفانية، بل من نوع الحب الملائكي السرمدي الذي لا يفنى طول الدهر.

وذهب إلى قريتي، وبحث عن أسرتي حتى وجد عنها كل المعلومات التي يحتاجها للوصول إليها والتقدم شرعيا لطلب يدي منهم. اكتشف أن أبي ترك منزل الزوجية، وتزوج من امرأة أخرى، بعد زمن قليل من مغادرتي، وكان حزينا ونادما من فشله في مساعدتي، لكنه شعر بالسعادة عندما عرف بقصة نجاحي ووافق على زواجنا وتمنى لنا الهناء والسعادة. أمي تدهورت حالتها النفسية ودخلت مصحة للأمراض العقلية والنفسية، ثم رجعت للبيت بعد حدوث نوع من التحسن في وضعها. وأخذت طول الليل والنهار وبصورة مستمرة ودائمة تردد عبارة على لسانها «ضاعت طفول، تعالي يا طفول». اخواني وأخواتي تفرقت بهم السبل، بعضهم عمل في وظيفة وبعضهم تزوج، لكن على الغالب الأعم سعدوا عندما عرفوا بقصة نجاحي، فقد عاشوا أيام طيشي وتمردي وحبي للاختلاف والوصول إلى غايات بعيدة وجو يختلف عن جو أسرتي والمحيط الذي أعيش فيه. وذكروا له، أنني اتخذت القرار السليم الذي لا مناص عنه، وأن بعضهم تشجع وحذا حذوي وهرب من المنزل كذلك. كلهم تمنوا أن ازورهم، حتى يفرحوا بي ويعرفوا أخباري، الغريب أن واحدة من أخواتي، طلبت مني أحول قصتي إلى مسلسل في الإذاعة والتلفزيون، كمثال لامرأة عصامية ومثابرة. أما أسرته، فقد أبدوا بعض التحفظ لكنهم في النهاية وافقوا وباركوا زواجنا.

ونظّمنا حفل عرس كبيرا في أرقى الفنادق، حضره الأهل والأصدقاء. وسكنا في منزل فاخر مثل الفلل التي كنت أراها من بعيد وأراقب أضواءها وهي تضيء في المساء وفقط أتخيل الذي يدور بداخلها. وامتلكنا سيارات عديدة، طبعا فيها بورش أهداها لي زوجي، ووظفنا عددا كبيرا من خدم المنازل للاعتناء بالمنزل وشؤونه. وبدأت أعيش في جو كنت أعيشه في الأحلام وفي واقع حياة الأسر التي كنت أعمل معها. واظبنا على الذهاب لزيارة أسرنا، وقابلت أبي وأخواتي واخواني وأمي. وتعرفت على عدد من عائلات الدبلوماسيين العرب والأجانب الذين يعمل معهم زوجي. وكان زوجي يفتخر بذكائي وتطلعي وإجادتي للغة الإنجليزية، بل وشجعني على تعلم المزيد من اللغات كالفرنسية والإيطالية. ووجد لي زوجي وظيفة مترجمة في احدى السفارات الأجنبية في البلاد. بعد ذلك، صغت فكرة جديدة وهي عمل مشروع تجاري أسميته «طفول للملابس»، يهدف للاهتمام بتفصيل وترقية الملابس التراثية وعرضها بأسلوب يكشف عن أناقتها وجمالها وتفردها. وعرضت الفكرة على المسؤولين وطلبت منهم الاتصال بهيئة اليونسكو في باريس حتى تساعد في هذه المبادرة التراثية الثقافية، وفعلا ردت الهيئة بالموافقة. وبمساعدة المسؤولين العُمانيين والهيئة، فتحت محلا في شارع الشنزليزيه المشهور في باريس، ومحلا آخر في شارع أكسفورد في لندن. فتحت فرعا كبيرا، تديره عدد من النساء المتواجدات في العاصمة، مقابل شرطة المدينة عند المدخل الخلفي لسوق المدينة. كان ذلك تعبيرا عن الوضع الذي كنت فيه أنا نفسي: أتيت من القرية إلى المدينة، غريبة دون مال أو عمل، كل الذي أملكه هو حلم. الأحلام تتحقق إن ثابرت في وضعها في مخيلتك وعملت للوصول إليها- أنا أكبر دليل وبرهان على هذه المقولة.  


تصميم الحاسب الشامل