نص لم يكتمل بعد ... في طريقه للهذيان

 

محمــــــد القـــرمـطـــــــي


مدينة مسكونة بضجيج الليل الخفي

من وحي كتاب زهرة الآلام

[ 1 ]

طُرق الباب . فتحتُ الباب .

مدّ متسول يده طالبا صدقة،

قال : إنها من حقِّه علينا،

وقال : إنها تطفئ غضب الرب،

وقال : إنها تُدخل صاحبها الجنة،

وقال : إنه محتاج جدا .. فقير جدا .. مسكين جدا .. هنا صدّقته.

صدّقته، من أجل التبرير الأخير فقط، أما ما سبقه، فهي خطابات من تلبّسته هيئات الثعالب والذئاب معا، حينئذ .

أعطيته كلَّ ما عندي، ومضى مغتبطا، سعيدا، وقد اتسعت رقعة حلمه وانفتحت شهيته، أكثر، للعبة الحياة . هكذا خمّنت.

في تلك اللحظة، كان الأفق قد أتمّ انقلابه مِن مَن كان لونه بلون أقدام العذارى المحنّاة بالشبق إلى مَن أصبح بلون المتهالك تحت أرصفة مؤامرات النعاس .

في تلك اللحظة، أدارت الأرض ظهرها للنور، وكأنها تعبت من حراسة مخلوقات آن لها استنشاق جنون الليل، والتمرغ في وحل سكونه .

في تلك اللحظة، تبدأ المناورات الكبرى، وتتفتق الأدمغة عن أفكار جهنمية يقتات عليها المصبحون بأحلام طفولية، ربما.

قد لا يتخيل شخص ما، أن من الممكن وهب ما يملكه شخص لشخص آخر بكل بساطة ؛ هذا على افتراض أنه يملك شيئا ما ذا قيمة، أو أشياء أخرى تعتبر ثروة حقيقية بالنسبة له، وعلى افتراض أن ذلك الوهب لا يحقق له صفقة رابحة مستقبلا ؛ أما بافتراض أنه لا يملك شيئا، أو بالأحرى يملك الشيء الذي لا يستحق الاحتفاظ به، أو أن بقاءه معه لا يسمن ولا يغني من جوع بالنسبة له، فإنه سيتخيل أكثر من ذلك، وستزول كل أطياف الدهشة التي تشلّ وجهه، خاصة إذا كان ممن تستشري مزارع الإنسانية في عروقه، سيفسر الأمور بالشيء الطبيعي حدوثه بين أُناس يلبسون نفس مقاسات ثياب الآخرين، ويحملون في بواطنهم نفس معاول الرعود، والسحب، والعواصف، والبروق .

أُناس شكلوا ذواتهم طاهرة، نقية في بحار قلوب الآخرين .

أما إذا كان من المؤمنين حقا، فإنه سيهب كل ما يملك حتى لو كان ماله يساوي مال قارون في زمانه وأكثر، ليس لكي ينال الرضا الإلهي ويفوز بالجنة الموعودة فقط، بل لأنه يؤمن بالتحولات أيضا، زوال الأشياء بنفس سرعة بزوغها، وأن دوام الحال من المحال ؛ فما أَرْيَحَ تلك اللحظة وما أسعدها بالنسبة له .

لكن، هذا يحدث فعلا في عصرنا أيضا، أواخر القرن العشرين، مثلما حدث في أزمنة غابرة، إذ كانوا يهبون حتى اللقمة التي ستلج الفاه لحظتها، ولا يفكرون : كيف سيبيتون ليلتهم تلك وهم جياع .

فأولئك الذين يبحثون عن الصداقات في الحانات، لا يتوانون عن مدّ يد العون لرفيق لهم وقع في مأزق، بل ويدفعون الحساب عن كل من يتعرّف عليهم أو يسامرهم .

تلك شهامة لا يُقدم عليها إلا السكارى . وفي أحيان كثيرة، تستمر صداقاتهم إلى الأبد، بأي شاكلة كانت .

المرتابون بحاضرهم ومستقبلهم، ومن ليس لهم قناة روحية تطوف بهم في تاريخ ملكوت الغيب، وتبث لهم عزائم وطاقات تثبت أوتاد عروشهم، فإنهم يسهرون على إثبات أن تلك الهبات مجانية، رخيصة، من مخلفات القيم المثالية .

ربما يتفق معهم من يتفق، على أنها من المبادئ المثالية، لكنها ليست بالمخلفات، وليست بالمجانية ولا بالرخيصة . لكن تفسيرهم لهذه الظاهرة، أي المعارضون، هو : سماوات الحبّ الذي لا يُقصى مداه، لكل ما هو إنساني .

ليس قصد الخوض في مثل هذه المسائل، هو الإشارة إليها بعد محنة قد ألمّت بي، أو تبرير تصرف قد يبدو للبعض فيه قدر كبير من الغباء، و السقوط بنفسي في مستنقع التهلكة، وربما الاغتراب القادم من جرّائه، أو استدرار عطف القاصين والدانين .

لكن هذا ما حدث بالضبط ؛ أعطيته كل ما أملك، وكفى، بدون استئذان سلطة الوعي وعساكره . أعطيته ما بوسعي أن أهب وأنا قادر على أن لا أفعل . هنا كانت حريتي، أو جنوني إن شئت . حتى لو اضطررت للاقتراض . وهذه هي مشكلتي، التي ستسمعون عنها بعد حين ..

[ 2 ]

برزت للعيان ظواهر الفقْد بعد وجْد على مرّ السنين والمنون على دولاب الإنسان . تجلّت في ترانيم الحياة والموت، الربح والخسارة، الغنى والفقر، الامتلاك والإفلاس، الحب والبغض، كلها ثنائيات قديمة تدفقت عبر التاريخ البشري، ملازمة لكياناته المتعجرفة، ولم يستطع مقاومتها أو التخلص منها . نفس الثيمات تتكرر بنتيجة واحدة، غير أن الشخوص مختلفة، الزمن مختلف، المسرح مختلف، والحدث مختلف .

لِمَ يكرر الإنسان نفس التجربة ؟

أو : لِمَ يحصد الإنسان نفس النتيجة ؟

بعد أن قطّعت السنون أوصال الرخاء والرفاهية، وجففت منابع الصدقة، وصرتُ السائل والمحتاج، احتجتُ إلى شيء أُسكتُ به صداع السؤال وغيلان الفاقة.

ليس من أجلي فقط، لكن أيضا، احتجت إلى شيء أهبه لصديق لجأ إليّ . قال أني : «الباب الأخير الذي ألجأ إليه» .

وهكذا، استشعرتُ أن حاجة الصديق للشيء، كحاجتي أنا للشيء ذاته . عمل مخجل أن تستجدي من أجل الغير، لكن، الاستجداء هو هو لا يتغير معناه، سواء لي أو لغيري، فالهمّ واحد، والنتيجة واحدة، ومساعدة الآخرين فرض عين على كل سائل ومسؤول، حيث اخضرار شجرة الوهب الوارف في صدر الآدمية .

بشيء من الحنين، تذكرت من اختلط دمي بدمهم وطعامي بطعامهم وحالي بحالهم، فبشّ وجهي وتسابقت الدماء تروي العروق كطفل وَجَدَ أمه بعد فَقْدْ .

لكن، رأيتهم كالسراب الذي يسابقني للهروب، كل يأكل نفسه خوفا من نفسه .

وتذكرت الخليل، والنديم ...

وحين تذكرتهم، تراءوا لي كسرب من طيور هاربة صوب خرائب الغروب، خلّفت وراءها صلوات فجر أَلِفَ الشمس في ربوعه، يتوارون عن سائل محتمل .

لم أجد أحدا في ميدان أحلامنا . كأن لم يكن لي أحد .

وبعد نومتين أو ثلاث، رأيتهم وقد تحولوا في أحلامي هباء، كاحتراق البخور المقدس من أجل استجلاب كنوز الغيب .

ذهبتُ إلى بيت أقرب جار لي لم أره طيلة حياتي .

طرقتُ الباب باستحياء .

فتح الجار الباب .

تسولت كما تتسول عذراء شيئا يلبي حاجة عائلتها، أو حاجة أحد أفراد أسرتها المريض جدا، مقابل المقايضة بسيف بكارتها كأحد الاحتمالات الأخيرة، والمتوقع المساومة عليه في مثل هذه الحالات .

بصق الجار في وجهي وطردني :

ـ ما أغباك .. ابحث عن جنّتك في مكان آخر ..

ربما، اعتقدَ الجار أني ممّن يكنزون الذهب والفضة التي يتسولونها، ممّن يحتالون على أموال الآخرين، يحصدون كدّهم وعرقهم بالتسول ليس إلا متعة وحقدا . فيبنون العمارات الشاهقة بينما يعيشون هم شظف العيش، وقبل أن تفارقهم الروح، يتبرعون بأموالهم لجمعيات الرفق بالحيوان، أو يدفنوها في أماكن سرية هبة لدواب الأرض حتى لا يستنفع بها أحد من بعدهم .

كان شبها كبيرا بين ذاك المتسول و الجار الذي طردني اليوم، الذي أصبح قيصر التسول، حيث الخدم والحشم والمريدون والمنتفعون وطالبو الغفران والبركات .

ليس شبها بينهما، بل هو نفسه ذاك الذي وهبته كل ما أملك، فهو جاري، إذاً . تغيرت ملامحه . تورّمت أعضاؤه الناهبة وضمرت أعضاؤه الواهبة . أصبح كأنابيب الصرف الصحي، تبتلع الأشياء مخلوطة ببعضها، ثم يقوم بتدويرها أو كما يقول : استثمارها كفائض قيمة حسب النظريات الحديثة .

أما أنا، فهو من أصبح جار الغفلة . ذلك الذي يحلم فقط . يقتات مُثُلَ الأنبياء والصالحين .

أليس كذلك ؟ ربما ..


تصميم الحاسب الشامل