قطـــــار

 

حمود الشكيلي


سئل عن الصورة التي أمامه، قال إنها:

 صورة قطار.

 يحب القطارات كثيرا، بعد أن غافل أستاذه قص الصورة، ألصقها في حقيبته الصغيرة، أكمل العام والصورة في الحقيبة، في الأوراق الأولى من دفاتره رسم قطارا.

هل سبق لك أن رأيت قطارا؟ لم يسأله الأستاذ، ولم يسأل!.

 في البيت سأل أباه: هل تملك بلدنا قطارا؟

 في صباح اليوم التالي سئل عن أمنيته إذا ما كبر.

 قال: (قطار).

 بعد أن نجح أهدته أمه قطارا، في كل مساء يخرج بقطاره؛ ليجلس به أمام باب بيتهم، مع أصدقائه كان يلعب بقطاره، جاءتهم فكرة إنشاء سكة حديدية لقطار صديقهم، من الوادي جمعوا أسياخ حديد وفرشوها في أرض حارتهم، مر على أطفال قريته، تعجبوا من القطار وركبوا فيه، استيقظ الأهالي على صوت هدير قطار في حارتهم، خرجوا، وجدوه يلعب بقطاره، شتموه، ضربوه، شكوا أمره لشيخ القرية، نادى الشيخ أباه، أخبره عن أمر القطار، خاف الناس على بناتهم، فقد يدهسهن القطار، والقطار يلوث الجو، ونحن في عام البيئة، وكل هذا يزعج بيئتنا النظيفة.

 بعد أن أتى القطار على الأخضر واليابس؛ دسّت الأم القطار عن ابنها، قيل له أن الشرطة أخذت القطار، بكى، وفي آخر يوم شكا: هل يحق للشرطة أن تأخذ القطار يا أستاذ؟

سقطت عينا الأستاذ تبحث عن جواب، رفع عينيه في سقف المكان ولم يجد إجابة، طرح السؤال الصعب للآخرين؛ ولم يجدوا إجابة، حوّل السؤال إلى واجب منزلي.

 في الصيف الماضي كان رفيق والده، بعد أن سلما جوازيهما إلى شرطة الحدود، خفّفت الريح سرعة السيارة، رأى قطارا يتجوّل في الصحراء، أخرج كاميرته وصوّر القطار، بعد أن وصلوا، لم يسأل عن كاميرته التي ضاعت في زحمة الأشياء.

                   (٢)

أنزله التاكسي إلى محطة القطار، يضم انكساراته في حقيبة سوداء، وأحلامه في حقيبة أخرى، مر على امرأة شقراء بحقيبة زرقاء، كاد أن يتعثر بحقيبتها، وجدتها فرصة وسألته عن أرخص فندق في المدينة.

 وجد سحنات البشر مختلفة كاختلاف قطاراته، صف أمام الشباك الثالث، ومد يديه في كتف المرأة التي أمامه، التفتت، فإذا بوجه يفيض غربة وغرابة، أحس بنعومة في أظافر قدميه، أسقط عينيه فرأى أطراف شعرها في الأرض، رفعها كما رفع يديه في كتفها، تذكّر ليلى وغنى «توت توت أنا القطار السريع، توت توت أمشي على سكة حديد، توت توت» التفتتْ ولم تتكلم، سافرت حقائب البيوت والمحلات لطلب الحظ من يد البوذا، ثمة رذاذ في الخارج، خرجتْ وتبعها، وأكمل أغنيته خارج المحطة.

 طوال الليل وهي تسمع الأغنية من فمه، في أذنيها دفن أغنية طفولته، أعجبت بصوته وقررت أن تهديه تذكرة قطار في الدرجة الخاصة.

غربت شمس المحطة على رجل فرح بتذكرة قطار في يده؛ بعد أن أخذ حقيبتيه لم يجد من يسافر معه، دخل مقهى المحطة، بهدوء أسقط جسده في الكرسي الخشبي، وقرر أن لن يسافر وحيدا هذه المرّة.


تصميم الحاسب الشامل