|
|||||
|
صلى العصر في مسجد الكافر بمطرح وخرج باتجاه البيت الجالس على منحدر في جبل «الدكة» بمطرح والذي لا يبعد عن المسجد بكثير. في تلك اللحظة تذكر - وهو على وشك الدخول إلى بيته - زوجته الحبلى وطلبها الأخير: «حلوى ود زهران المزعفرة». قفل راجعا متجها إلى سوق مطرح. سلك طريقا مختصرا أوصله قدام بناية البلدية ثم من أمام بناية «تاول» باتجاه السكة الداخلية التي ستوصله بعد ذلك إلى منتصف سوق مطرح مارا ببناية الخليلي والتي ينام تحتها بيت الحاج سلوم المتداعي، حين صادفته فجأة مجموعة مكونة من خمسة أجانب وهم يحملون نعشا فوق أكتافهم. كان التعب واضحا على وجوههم الفاتحة اللون، ممتزجا بالحزن والأسى على الفقيد. «شنون» أيقن لامحاله بأن هؤلاء المساكين الذين لا يجيدون على ما يبدو ممارسة شعائر حمل الجنازة يحتاجون إلى من يساعدهم، كما أنه في داخله قد وجد سببا لكسب مزيد من الحسنات، والتعذر لزوجته عن عدم شرائه الحلوى بسبب انشغاله بتوصيل الميت إلى مثواه الأخير. فما كان منه إلا أن قفز وسطهم حاملا الطرف الأمامي الأيسر من الجنازة، وداعيا الجمع الذي -بوجوده بينهم-كان قد تجاوز عدد أصابع اليد الواحدة: -ذكروا الله لكن أحدا منهم لم يرد عليه، ولا حتى رفعوا رؤوسهم المنكسة دوما كما يبدو. أحس شنون بخفة وزن الجنازة فأيقن بأن الميت إما أن يكون ضعيفا جدا أو طفلا صغيرا. -ذكروا الله وصلوا على النبي بقت الوجوه صامتة. أيقن شنون بأن هؤلاء بالفعل لا يعرفون ما الذي يجب عليهم فعله، ولم يكن الوقت مناسبا في مثل تلك الأوضاع، ليقف بينهم ليعلمهم الأصول المتبعة في حمل الجنازة والكلام الذي يجب أن يقال. بقي لبرهة من الوقت وهو يصرخ بالجماعة المرافقة أن يذكروا الله وأن يصلوا على النبي، ممنيا نفسه بأن يستمع إليه أحد ما ممن يعرف أصول حمل الجنازة فيهب لمؤازرته وكسب الحسنات معه. مضى بالجنازة باتجاه بناية «حبيب بنك»، وحالما نبتت الأرض أول رجل يلبس الدشداشة صرخ فيه بأن يساعده «لأن هؤلاء المساكين ما يعرفوا أصول التشييع». «تعال اكسب أجراً يساعدك يوم الحساب». فما كان من السامع إلا أن تقاذف بجانب شنون حاملا الطرف الأيمن منها. بدا أن الخمسة قد أيقنوا بعد برهة من الوقت بالذي يجب عليهم فعله، ولاحظ شنون بان الأمور قد بدأت تمضي في الاتجاه السليم خصوصا وان الخمسة قد بدأوا بالدوران حول النعش تماما كما يتوجب عليهم. لكن شنون لم يكن سعيدا وهو يرى تردد الناس -ربما لأنها جنازة لأجانب- في الشوارع التي تقطعها الجنازة من الالتحاق بهم وتأدية الواجب المعروف. شنون حين شعر بذلك، غضب ولجأ إلى الحيلة، فما كان منه إلا أن رفع صوته داعيا الوجوه التي مر بها للمشاركة مدعيا بأن الجنازة هي لابن أحد الشيوخ المعروفين في مطرح. حينها بدأ الناس في التسابق على حمل النعش وبقي شنون مكررا على كل من يمر به: «هذه جنازة ولد الشيوخ، لبوا نداء الواجب». تهافت الناس بسرعة غير متوقعة على الجنازة، فحين وصلوا إلى طلعة مطيرح، كان عددهم قد تكاثر بسرعة وزاد عن العشرين شخصا. ترك الخمسة الجنازة وبقوا في المقدمة لوحدهم وعلامات الدهشة مرتسمة على وجوههم ربما بسبب الأعداد التي تزايدت فجأة وطفقت تشاركهم أحزانهم، وربما استغربوا -وهكذا جزم شنون-مقدرته على جمع الناس على حمل جنازتهم التي لولاه لبقيت على أكتافهم هم الخمسة. نزل الجمع من طلعة مطيرح مخترقين مطيرح بأدعيتهم وحركتهم النشطة. أحدهم تجرأ وسال شنون: ابن أي من الشيوخ يكون المرحوم؟ إلا أن شنون لم يجب. آخر تقاذف أمام شنون سائلا إياه عن الوجهة التي يقصدونها بالجنازة؟ وفي أي مقبرة سيدفن المرحوم؟. «يمكن في مقبرة ريام، غير متأكد». ثالث استفسر من شنون عن عمر المتوفي خصوصا بعدما شعر بخفة الجنازة، فأخبره بأن الطفل المسكين كان لا يتجاوز الخامسة حين مات. رابع سأله عن أسباب الوفاة وآخر عن جنس المتوفى. كان شنون يجيب على تلك الأسئلة التي اعتقد بأنه يستطيع الإجابة عليها ويتهرب من تلك الأسئلة التي ربما تقوده إلى ورطة لا يحسب عاقبتها. اللعبة، لعبة جمع أكبر عدد من المتطوعين لحمل الجنازة أعجبت شنون، وأعجبه أكثر مقدرته الفائقة التي بدا يحسها لأول مرة في حياته الممتدة إلى الأربعين عاما والتي قضاها خادما في بيت مالكه سيف تاجر الملابس المعروف في مطرح ودون أن يلتفت إليها أحد من قبل. حتى هو لم يكن يعلم بأن لديه مقدرة غير عادية على إقناع الناس وصرفهم إلى ما يريد بمجرد جملة اخترعها في ثوان معدودات. كان كلما مر بجماعة ما أعاد إليهم كلماته الداعية لهم بالانضمام إلى حاملي جنازة ابن الشيخ المعروف في مطرح. يسمع الآن شنون همسات أحدهم لآخر: «هذي جنازة ابن الشيخ سالم، صدمته سيارة، الله يرحمه». آخر قال بأنها جنازة ابن الشيخ عبدالله، «مات بالكوليرا المعدية والعياذ بالله». ثالث ادعى بأن الميت هو ابن الشيخ مرتضى صاحب محلات الذهب المعروف في مطرح، وإن ابنه قد قتل انتقاما من أبيه «الذي لم يبق على ريال في جيوب الرجال». شنون لم يكتف بدعوة الناس الذين تمر من أمامهم الجنازة بل بدا في دعوة الناس الذين كانوا يمضون بعيدا على ساحل كورنيش مطرح، وأولئك الذين يكنزون أجسادهم في دكاكينهم. حين مرت سيارة الشرطة ورأت ما رأت اقتنع من بداخلها بأن الجنازة لامحاله لشخصية معروفة في البلد، فتقدم سائقها بسيارته بمسافة مناسبة أمام الجنازة مخليا الطريق للكومة البشرية التي تتزايد ريثما تبلغ مقصدها. يسمع شنون - وثمة ابتسامة تمر على شفتيه وهو يتذكر كيف بدأت هذه الجنازة قبل قليل والى أين وصلت بهذه السرعة -استغفار أحدهم وبكاؤه وهو يقول للذي بجانبه: «حتى أولاد الشيوخ، بكل فلوسهم وجبروتهم ما يسلموا من الموت، ايش عاد نحن». يسمع شنون آخر: «سبحان الله، يروح منها الطيبون ويبقى الشياطين» لم يعد عرض الشارع يكفي لكل هؤلاء الجمع العظيم من البشر. حين وقف شنون عند أسفل طلعة «ريام» المخيفة هاله الكم الهائل من البشر الذي استطاع هو دون سواه أن يجمعه حول الجنازة. بدا المشهد عنده أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع، فلم يكن ليصدق ما يراه أمامه، فقبل ساعة من الآن وربما أقل لم يكن ليتوقع أن يصل العدد إلى هذا الحشد الكبير من البشر، والذي على ما يبدو قد تجاوز المائة وهم يقفون متقابلين على شكل صفين طوليين على امتداد الطلعة التي تشهق في العلو. كان التعب قد وصل لدى البعض موصله وهم يهمون بالصعود حاملين الجنازة وأبدانهم، وكان العديد منهم قد بدا في إرسال نظرات غاضبة إلى وجه شنون الذي ورطهم في الأمر، في حين تصاعدت الأسئلة الحائرة عمن يكون الميت؟ والى أين هم ذاهبون به؟ ومن أولئك الخمسة في المقدمة؟. وبرغم الفرحة التي سرت في دمه قبل لحظات، إلا أن شعورا آخر مغايراً بدأ ينمو داخله منهيا شعور السعادة. شنون يحس الآن بأن ذكاءه الذي يستخدمه لأول مرة في حياته الهادئة الخدومة قد يكون السبب في هلاكه بعد حين. وفي الحال، تذكر شنون رحلة الجنازة منذ بدايتها، ومنظر الخمسة أسفل منها، والناس الذين ترددوا ثم تقافزوا تلبية لندائه. وتأكد وهو يرقب منظر الجنازة وقد بدأت رحلتها منحدرة باتجاه مسكد النائمة تحت الجبال، والخمسة في المقدمة ينحدرون باتجاه ما يشبه معبد قديم أسفل الطلعة، أو هكذا تهيأ له حينها، وجماعات البشر وقد أرهقها الطلوع فتوزعت جالسة على طول الجدار الفاصل بين إسفلت الطلعة والهوة الشاهقة أسفله، بأنه ارتكب حماقة كبرى لن يسامحه أحد بسببها، فهو في قرارة نفسه إنما قام بما فرضه عليه ضميره ودينه، وهو في الواقع لا يعلم عن الميت شيئاً، لا جنسه ولا اسمه ولا حتى في أي المقابر سيدفن، وإن هؤلاء الناس وحالما يعرفون حقيقة الجنازة وحقيقة كذبته تلك، فإن سفك دمه قد يكون اقل من أن يشفي غليلهم منه. استعر الخوف في قلبه وهو يحس بنظرات الجمع الغاضبة عليه، تشاركهم نظرات الشرطي المراقبة من داخل السيارة. «يا للهول، ماذا فعلت؟» بات متيقنا من حجم المأساة التي ارتكبها والورطة التي أوقع نفسه فيها، أو التي أوقعه رأسه فيها، شاعرا بهزة عنيفة من الرهبة وهي تسري في عروقه. تذكر زوجته والحلوى، وثمة شعور بحنين حارق يجرفه إلى بيته الصغير القابع فوق الجبل، قبل أن يقرر أن يدس جسده بين أجساد الخمسة في المقدمة ليصبح سادسهم، خالعا عمامته وسطهم ومتجها إلى حيث يتجهون. - تمت - |
|||||
|
|||||