|
|||||
|
يكتبون لأمهاتهم رسائل شكر... يكتبون لأطفالهم نصائح للحصول على شهادات عالية... يكتبون لزوجاتهم رسائل فارغة، ولصديقاتهم قصائد شعر حالمة.. تكتبين -أنت- رسائل عائمة، فارغة.. وأحيانا.. رسائل تضج بالصراخ، والأنين.. إحدى الرسائل، قطعت جانبا من اصبعها.. وتركتها تنزف، وهي في طريقها الى مكتب البريد.. حتى وصلت وقد نزفت، وأغرقت المظروف بالدماء.. في الجانب الأيمن لسريرك، يقع الجدار.. وفي الجانب الآخر، حقيبة سفر زرقاء اللون.. كبيرة جدا.. كحجم الأماني في داخلك.. ولها جرار واحد فقط، غالبا مايكون مفتوحا على الفراغ! قبل أن تنام.. تذكرك حقيبة السفر بالكلمات ذاتها التي حفظتها عنك: «الأكوان مجتمعة تسكن داخلي.. كل بحار العالم تسري في عروقي.. كل أشجار العالم تنمو في قلبي.. وكذا كل البشر.. لذا فأنا من ذوات الدم المالح،الذي تزهر فيه الأشجار.. لست بحاجة للسفر مادام كل شيء معي.. الا نسرين لا تنام في جوفي كل مساء» تنطق حقيبتك بالكلمات في تمام الثانية عشرة.. ثم تغط في نوم عميق، وتتركك مثل كل الليالي.. بلا دمعة نوم آثمة! نسرين قرأت رسالتك ذات يوم، ولا تحس برغبة في الرد.. وأنت أيضا لا تهمك نسرين! انما هي هناك لتستلم رسائل الغربة.. وتمثل الدور الذي وهبتها اياه في مسرحيتك الجديدة.. عندما جربت السفر- في الأزمنة الغابرة- بكيت الأوطان. كتبت ذات ألم وأنت تحتضرين الحياة،وتستقبلين الموت شيئا ما في مذكرتك... أذكر مطلعه: «تشبهين الأوطان.. حين تصبح اللاعودة هي المصير.» لماذا لم تحلمي بالعودة؟ لا أدري... كتبت أيضا: «لم يكتب الناس عن الوطن، وهو في قلوبهم يحملونه معهم أينما ذهبوا..» لكن الرسائل التي كنت تبعثين بها لا تصل، بل قد تصل وهي محمولة على نعش النسيان منذ البداية.. يعجبني أهلك، لايعترفون بالورق، ولايؤمنون بمداد الأقلام...ولا بالأوراق والمظاريف.. حتى رسائل الهاتف لاتعني لهم شيئا! اما أن تراك أمك في حلم، أو أن مكروها قد أصابك.. لامحالة! وكما هو متوقع.. فأحلامك مشوشة قليلا، خبرتك في الحياة لاتسمح بنقل الصوت والصورة بنفس النقاء الذي تصل به الى الآخرين.. والمشكلة أنها لا تدع مجالا لارسال نسمة باردة من الأرض البعيدة. تعودين الي أحيانا كما أعرفك.. طفلتي التي ربتها يداي حالمة، وادعة.. أقسم بأغلظ الأيمان: أنها الشيء الوحيد الذي أعرفه.. حقا في هذه الدنيا.. الترانيم التي تحتفظين بها لا تظهر الا عندما نكون معا.. ما لا افهمه- وأظنك أيضا لا تملكين الجواب- لم لا تصلك رسائلي عندما أكتب اليك في لهفة وانت ضائعة؟ أهي مشكلة البريد ثانية أم أن خدمة الأحلام قد تعطلت في قريتكم! أخبرت الرجل الذي يقطن أمام منزلنا عنك.. حتى يبحث معي.. وأخبرته أن لا يؤذي الأشجار في داخلي، فأنا أغضب كثيرا.. وقد حذرته. لم أقصد أن أفعل ذلك ولكنه قطع كل أشجاري، وتركها تحترق في جوفي.. وعندما جاءني ملك النهار، أرسلت زفرة من أعماقي فأحرقته وأحرقت أطفاله! لم أقصد ذلك.. يسكنني ألم عظيم يزايلني كلما مررت على روحه، وهي خاوية على عروشها، وأقول ليته زرع أشجاري ثانية.. حتى لا يموت! أخبرتك بهذا ذلك المساء.. عندما كنا نسكن الجسد ذاته.. في ذات الوقت.. وقلت: ليست غلطتك.. هذا عادة ما يحدث عندما أبحث عنك. ما لا أفهمه:متى تقررين العودة؟ ومتى كنت قد قررت الرحيل؟ مالا أفهمه: من منا التي تذهب؟ ومن منا التي تسكن الجسد المحكوم عليه بالألم والجراح؟ ما لا أستوعبه: لم لا أحس بك ونحن مجتمعتان في وهج مصباح الغرفة؟ وأتمزق حزنا عندما تطفئين النور.. وترحلين. ترحلين، وقد سحبت معك الحقيبة الزرقاء.. في غير ضجة.. وهي تصرخ، لتوقظني:«الأكوان مجتمعة تسكن داخلي».. وانا في شيء يشبه السرير، عندما أرفع نظري الى السماء.. لأرى شيئا ما يخرج من جسدي كل ليلة. يكتبون رسائل فارغة لأرواحهم المسافرة بلا مطارات.. يكتبون رسائل عائمة لأنفسهم الساكنة بلا أوطان.. يكتبون نزيفا من اصبع مقطوعة الى.....! ولا يجدون ردا على شيء.. سوى من تلك التي تمثل دور نسرين.. في مسرحية جديدة. |
|||||
|
|||||