المُتسوّلة ورجلٌ تلمسه الأشياء

 

معاويـــــة الرواحـــــي


الأحد: الرابعة فجرا

ظِلٌّ يتأرجحُ يمنةً ويسرةً في شبه ظلامٍ. كانتْ لحظةً فقيرةً تلكَ التي استطاع خلالها الانتباهَ إلى خُطاه. توقف لبرهةٍ، وتوقفتْ معه جروحُه عن سيلانها المتواصل قبل أن تتكورَ حول نفسها لتنفجر متسللةً إلى عينيه. تضَبَّبَتْ الرؤيةُ أمامَه فلمْ يسْتطعْ تمييز اتحاد الصورةِ التي تُلاحقهُ وأضواء الشارع التي انطفأتْ بصورةٍ مُفاجِئةٍ، غيرَ مصباحٍ واحدٍ توجه الرجلُ نحوهُ بلا هُدى. كان الوقتُ قد اقتربَ منَ الشروقِ عندما رأت المتسولةُ العجوزُ رجلا انكبَّ على وجهه مُلَوِّثا الرصيفَ بدماء نازفة. داخلها شيءٌ من الخوفِ؛ فاقتربت منه بهدوءٍ شديدٍ تبَدَّدَ بأكملهِ عندما تبيَّنَ لَهَا عُريُّ الجسد النائم، والكدمات السوداء التي انتشرت على ظهره، وكتفيه. كشفَ ضوءُ العمودِ نتوء الرجل الذي افترش مُطاولاً قرميدةً كاملةً، فانصدعَ فؤاد العجوز، وهمَّت على إثر ذلك بالمشيِ مُبتعدة عنه. خرجتْ أنّةٌ ضعيفةٌ من الجسدِ الراقدِ مما دفع العجوزَ إلى العودةِ نحوه بتلهفٍ شديد. بدأتْ العجوزُ بهزِّ الجسد النائم بُعنفٍ شديد محاولةً غضَّ بصرها عن تفاصيله العضليةِ. بعد دقائقَ استطاع الرجل الاتِّكاءَ على كتف العجوزِ مستجيباً لِخُطاها الوئيدة. انطفأ العمود الذي أنار للعجوز جسدَ الشاب، وبينما كانت تقودُ الشابَّ إلى مَسكنِها تجمّعت قططٌ من الشارع حول بقايا الدماءِ النازفةِ. اجتمعت كلابُ وفي دقائق معدودةٍ تمزَّقت أجساد القطط إلى أشلاء تناثرت بلا ترتيب على الرصيف. في اللحظة نفسها وعندما ركلت العجوز باب غرفتها انقضَّت أسرابٌ من الذباب على الدماء التي أغرقت الشارع، وبدأت بامتصاصِها قطرةً فقطرةً.

٭  ٭  ٭

صفعةٌ على وجهه، وبدأ شابٌ مُلثّمٌ بالصراخ فيه: «أيُّها الملعونُ الكاذب.. أتقسمُ أنَّك رأيتهما؟

حاولَ الاتْزانَ على الكرسيِّ مُعتمداً على قيوده، لكنَّ ركلةً من قدم مُلثمٍ آخر أفقدته توازَنَهُ، فسقطَ على الأرضِ. بدأ خدرٌ بوخزه في مؤخرةِ عنقهِ وتراءى له رجلُ الصورةِ أمام عينيه فصرخ فيه: إنهم يضربونني. أوْقِفْهُم، أنتَ تعرفُ جيِّدا أنني رأيْتُك.. ركلةٌ ثانية على رأسه فاختفى كُلُّ شيء منْ أمامِه.

٭  ٭  ٭

ولجتْ العجوزُ غُرفةً صَغيرةً توسّطَها سريرٌ معدنيٌّ صغيرٌ. خمسُ دقائق فَصَلت دخولَ العجوزِ الغُرفَةَ ووقوفَها وهي تتأملُ مُرتجفةً خطَّ الشعرِ الكثيفِ الذي امتدَّ من أعلى سُرّة الرجل إلى صَدره المليءِ بالسحجات والجروحِ الصغيرةِ. تنهّدتْ العجوزُ بعمقٍ وهي تُمرر يدها صعوداً وهبوطا على جسده.. لم تنتبه العجوزُ التي انشغلت بتأملها للجسدِ الراقدِ إلى دخولِ أسرابٍ هائلة من الذُباب تسرّبتْ من ثُقبٍ في جدارِ الغرفةِ وبدأت في تغطيةِ جسد الرجل النائم. كانت عينا العجوزِ تمسحان أعلى رُكبتي الرجل عندما انتبهت إلى الظلِ الأسودِ الذي صنعهُ الذُباب على جسده. بدَّدَتْ العجوزُ أسرابَ الذُبابِ عن جسد الرجل وسارعتْ إلى خلعِ ثيابها؛ لتغطّي جروحَ الرجلِ النائم.. تَطَايَرَ الذُبابُ مُصدراً أزيزاً عاليا لم يمنعْ العجوزَ من الجلوسِ على كُرسيّ معدنيٍّ واصلت عليه تأملها للنتوءِ البارز من الرجلِ. نامتْ العجوزُ ومع تصاعد رائحةِ إبطيها وعرقها بدأ الذباب بالتجمِّعِ على جسدها، وبتغطيةِ أخاديده ببطءٍ شديدٍ.

٭  ٭  ٭

حَلُمَ بسائلٍ لزجٍ أحاطَ به.. حاولَ الركْضَ فيه.. ميّز رائحةً مقيتة.. صوتٌ يقوقئُ بصورةٍ رتيبة.. انتبه إلى حركةٍ دائرية وشفراتٍ معدنيّة.. فتح عينيه ليرى مروحةً معلَقةً في سقفٍ معدنيٍّ بِخُطَّافٍ أعوج.. تراءى له رجلُ الصورة.. اختفى المَشهد.. استعاد صرخةً خرجتْ من ملثِّمٍ ضخم اخترقتْ أُذُنَه قبلَ سَاعاتْ:

«هذا الكاذب يدّعي أنه رآه مع امرأة»

٭  ٭  ٭

صفعاتٌ وبَصقاتٌ كريهةُ الرائحةِ رشقها ملثَّمان في وجهه.. دَخلتْ مجموعةٌ من المُلثَّمينَ وقاموا بــ.. نكَّسَ رأسَه وبدأ يعضُّ على شفتيه وهو يتذكَّرُ المرّاتَ التي انتهتْ بعدّه عشْراً مِنها... قبل أن يُظلمَ كُلُّ شيء.

٭  ٭  ٭

فَتحَ عينيه وأحسِّ بخرقٍ تتوزعُ على جسده. حاولَ إدارةَ عُنقه إلى اليمينِ فأحسّ بالألم. شغله الألم عن الانتباه إلى كيانٍ أسودَ اللونِ يجلسُ على كُرسيٍّ معدنيٍّ. اعتقد أنه يهذي لأن ما رآهُ يُشبِهُ امرأة عجوزاً تجْلِسُ على كُرسيَّ معدنيٍّ وهي مُغطّاةٌ بالذُباب!!.

٭  ٭  ٭

ملثّمٌ آخر يبتسمُ بهزءٍ ويصُرُّ على أسنانه: إذن تقول أنك رأيته.. ومع من؟.. مع امرأة.. ومتى؟؟.. قبل سبع سنين!.. هلْ تَعْتَقِدُ أنَّ أحدا سيصدِّقُكَ؟؟؟

حاول شرحَ ما رآه إلا أن الملثَّمَ فقد لطفهُ ولوَّح عليه بمحتويات كوبِ الشايِ الذي في يده.. أخذه ملثّمان سمينان إلى غُرفة أُخرى عرفَ فيها أن الضابط كان في غاية اللطفِ مُقارنة بهما.

٭  ٭  ٭

صوتُ رجل الصورة يتصاعد في غيبوبتهِ: «أنتَ أحقرُ من ذبابةٍ، ولكنَّ تلك الصغيرة تراكَ وتدخلُ فيك.. لن تستطيع صُنعَ ذبابةٍ واحدةٍ لا تقوم بإزعاجك». تراءت له ذِكرى مُشاهدته لرجل الصورةِ وهو يكلِّمه لأول مرّةٍ، ليسْكنَ بعد ذلك كلَّ الجُدرانِ التي وقع عليه بصره، وكُلَّ الأحلامِ التي يراها. أصبحَ صديقا لزجاً لا يتوقفُ عن الإطلالِ بوجههِ وبصوتهِ الرتيب. ذلك الوجه نفسه الذي رآه يصعدُ مع الفتاةِ قبل سبعِ سنين.

«نعم.. نعم.. لقدْ صعدا معا إلى غُرفته.. كانت يدُها تتجولُ أسفلَ قميصه بجرأةٍ تامّة.. نعم.. نعم.. نعم.. أنا رأيته معها.. إنني متأكدٌ من ذلك.. لماذا لا يصدّقون أنه صعدَ مع فتاة.. يا إلهي.. ما الذي فعلوه.. لقد حطَّموني»

٭  ٭  ٭

السبتُ: الرابعة عصرا

رأى مارةٌ رجلا نحيلا يقفُ على قرميدة حائلة اللون أسفلَ عمود كهرباء تالفٍ يضيء نهارا وليلا. رأته بائعةٌ في محلِّ عطورٍ وهو يسأل المارّة قداحةً ليشعل بها سيجارةً. اختلفَ البعضُ على أهمِّ صفاته فقال البعض انّه: «رجلٌ نحيلٌ منفوشُ الشعر» أمّا البعضُ الآخرُ فاتفق مع ما يقوله أغلبهم:«شابٌ متوسّطُ الطول أبيض البشرة». اتفقت شهادةُ الجميع على أن الشابَ ظلَّ يُدخِّن سيجارةً تلو الأُخرى حتى جاء سبعةُ رجالٍ ملثَّمون سحبوه إلى سيّارةٍ سوداء.

٭  ٭  ٭

زاحمه ملثّمان في مقعد السيّارة الخلفيّ وقد تجاهلاه. انشغل ملثّمان ركبا في المقعد الأمامي في حديثٍ ضاحكٍ. برز له رجلُ الصورة فصرخَ فيه:

- لماذا أمسكوا بي.. أتُراهُمْ يعرفون أنني رأيته معها؟

تحفّز الملثمون الأربعةُ فصمتوا جميعهم منتظرين ما يقوله الشاب. أشارَ له رجلُ الصورةِ أن يأخذَ حذْرَهُ منهم؛ فأدار الشابُ الحوار تخاطرياً وسأله:

- لم تجبْني على سؤالي.. هل يعرفون أنني رأيتها معه؟

نكّس رجل الصورة رأسه بأسفٍ وقال بصوت بطيء:

- إنَّهم يعرفون كلِّ شيء. أنت الوحيدُ الذي يعرفُ الحقيقةَ كاملة فلا تخبرهم كلَّ ما رأيت.

دخلتْ السيارةُ مبنى غامق اللون. كان الشاب في غايةِ الفزع عندما تذكّر أنه لم يحضرْ ما يكفيه من السجائر. تمنّى في سرِّه أن يكونَ أحدُ هؤلاء الملثّمين مُدخِّناً!!

٭  ٭  ٭

فتحَ عينيه، أو هكذا خُيِّلَ له أنهُ يفتحُ عينيه على غُرفةٍ معدنيةِ السقف. مروحةٌ صغيرةٌ تابعت إصدار صوتٍ متحشرج بصورة رتيبة، ورائحةٌ خانقةٌ كرائحة العجائز. تأوّه وهو يدفع نفسه إلى خارج الفراش تاركا بعض الخرقِ القذرةِ للسقوطِ على الأرضِ. باغته ألمٌ في كتفيه فصرخ: «اللعنة.. لقد آذوا كتفي» أيقظ صوتهُ العجوزَ النائمةَ على الكرسيِّ فقامتْ من مكانها مُبددةً أسراب الذباب عن جسدها. تضبَّبَتْ الرؤية نسبيا فلم يستطع الشابُّ تمييز العجوز التي وقفت عاريةً أمامَهُ. مضت دقيقةٌ كاملةٌ تزاحمت فيها أسراب الذباب على الخروج من ثُقبٍ في الجدار. تبادلت العجوز الحملقةَ في الرجل الذي وقفَ محدّقا بوقاحة في أعضائها المُتَرهِّلةِ، فسحبتْ عباءة متَّسخة من الأرض بينما سحب الرجل خرقةً من الأرض وضعها أسفل سرّته. عاد كلاهما إلى التحديق في عين الآخر وسألا في وقت واحد: من أنـــــت.؟؟؟؟؟؟

٭  ٭  ٭

استعادَ الرجل وهو يحدّق في وجه العجوزِ ذكرى تجمِّع لكبار السن كانوا يؤكدون أن «السرَ في العجوز».. تداعت ذكرياتُه أمامه وهو يقارنُ بين وجهِ العجوز التي أمسكت العباءةَ محاولةً تغطية جسدها، وتلك الأحلام الغريبة التي كان يراها. تبادلا النظرَ لثوانٍ عديدة قبل أن تسأله بصوتٍ حنون:

- من الذي فعل بك ذلك؟

«لا بد أنها تقصدُ جروحي.. اللعنة عليهم.. إن قُلت لها أن رجالا ملثّمين عذّبوني لأعترف ستعتقد أنني مجنون. لا.. لا.. سأكذب عليها.. ولكن ماذا لو كانت معهم؟.. أي عجوزٍ هذه تقفُ أمام شابٍ غريبٍ عاريةً دون خجل.. لا.. لا.. إنّها تبدو بسيطةً للغاية.

لبث صامتا لأكثر من دقيقة قبل أن يتهاوى على نفسه:

- لــقد رأيته.. نعم.. نعم.. لقد رأيته.. نعم.. كانت معه فتاة.. كانا يصعدان معاً إلى شُقَّته في الطابق السابع.. لقد أخبرت الملثَّمين.. لكن كذّبوني.. قالوا أن أحدا لم يرَ وجهه أبدا.. وأنه يستحيلُ أن يكون مع امرأة.. أنا متأكدٌ من ذلك.. نعم.. متأكد.. نعم.. نعم..

انهار على السرير وهو يبكي بحُرقةٍ ويصرخ:«أنا غبي أنا غبي.. لقد أخبرتُها».. انكفأت العجوز على الأرضِ دونَ أنْ تنتِبِهَ إلى سقوطِ الخرقِ عن جسدها، وانخرطت في عويلٍ وبدأت تُولوِلُ:

- أعانك الله يا بُنيّ.. وأنا أيضا. نعم.. أنا أيضا رأيته معها..

«اللعنة.. إنها تكذب. نعم.. لقد أرسلوها لي ليختبروني.. ستكرر على مسامعي ما أخبرتهم إيّاه.. هذه الكاذبة اللعينة.. إنها تعتقد انها ستوقع بي.. ولكنها لن تستطيع.. لن تستطيع.. لن تستطيع».

- صدّقني يا بُني.. أعرفُ أنّك لن تصدِّقَني.. ولكنني رأيتهما يصعدان.. كانت ترتدي قميصا أزرق اللون.. وبه رسمٌ للبحر.. كانت تُغَنِّي بصوت خفيض.. ويبحُّ صوتُها عندما تفقد لحنَ الأغنية.. دعني أتذكرُ الأغنية يا بني.. لا أذكرها جيّدا.. حدث هذا منذ سبع سنين.. ذاكرتي ضَعُفَت.. نعم نعم.. كانت تغنّي شيئا عن أسمائه التي يعرفها الملثَّمون.. نعم.. كانت تنشِدُ صفاتَهُ وتردِّدُها..نعم.. نعم..

فقد قدرته على النطق«يا إلهي.. إنها صادقة.. أنا لم أخبر أحدا بذلك.. لقد رأتهما.. هذه الشمطاء رأتهما.. يا إلهي.. أنا لست مجنونا إذن.. نعم».

- وأنا رأيتهما أيضا.. كانت تقرصه بيدها اليسرى.. وتضع يمينها على ذقنه.. كانت تلبسُ تاجاً مُتلألئا وتَضعُ الكثير من المُجوهرات.

وقفا متواجهين وكلاهما يحدّق في الآخر بذهول. قالا في وقتٍ واحد: «أنا أُصَدِّقُك».. انهار الرجلُ على السرير بينما انهارت العجوز على كرسيها المعدني.. بدأت أسرابٌ كثيفة من الذباب بالدخولِ من الثقب فانتشرت رائحة عطنة والذباب يغطّي جسديهما تدريجيا.

٭  ٭  ٭

«الحقيقة تَراك، إنها حولك، تُمارس دورَها علانيةً ولكنّك أنت الذي لا ينتبه. إنها تلك البُقعةُ في عينك، تلكَ الذُبابةٌ التي ترافق أنظارك حيث توجه بصرك دون أن تميّزها. عليك أن تتوقف عن الرؤية لكي تراها»

انتفض بشدّة واستجاب لصوتِ رجلِ الصورةِ وهوَ ينسحبُ ببطء. قامَ من السريرَ وهو يتأمل الأشياء حوله. تبددت سحابة من الضباب كانت تمتصُّ دماءها إثر قيامه وانتقلت إلى جسد العجوز التي استمرّت في تهالكها على المقعد. طارت ذبابتان واستقرّتا على الجدار. التصقت واحدةٌ بالأخرى وأصدرتا أزيزا عاليا. قام من مكانه محاولا فصل الذبابتين إلا أن محاولته لم تستطع ذلك فهرسهما بيده. ظلِّ ينقّل بصرَه في أرجاء الغرفةِ حتّى همهمتْ العجوز وقامت من الكرسيّ. بادلته نظرةً متحدّية:

- أراك بخير.. هل استطاعوا غسل دماغك.. لا تصدّق ما يقولونه.. إنه موجود ولقد صعدت معه في ذلك اليوم.. لا تجعلهم يخفون الحقيقة عن ناظريك.

اتكأ على الفراش مغّطيا أسفل سرّته بسروال العجوز. أزاح بقاياً مهروسة التصقتْ بأنامله والتفت نحوها بقوّة متحاملا على آلام عنقه:

- لم يستطيعوا ذلك... لقد قاموا بمحاصرتي بالذباب.. إنه يخرج لي في كل صورةٍ أراها.. إنهم لا يعرفون شيئا عنه.. أنا متأكدٌ من ذلك.. لقد استطاعوا دفعي للاعتراف. ولكنني لم أخبرهم أنني رأيتُ وجهَه.

انتفضتْ العَجُوز وقامتْ منْ مكانِها مزيحةً الذبابَ عن جسدِها. التصقَ الذُبابُ بجُدرانِ الغرفةِ بينما وقفتْ العجوزُ عاريةً أمام الرجل:-

- رأيتَ وجهَهُ!!!!.. أخبرني.. كيفَ كانَ؟.. كيفَ؟.. أنا لم أتمكّنْ منْ رؤيةِ وجهِه.. رأيتُه من زاويةٍ تكشفُ لي ظَهرَهُ فَقَطْ.. لمْ أتأكدْ أنَّه هُو.. ولكنني أيقنْتُ بذلك.. قُل لي.. هل رأيتَ وجهَهُ؟.. أخبرْنِي...

ارتبك وهو يساعد العجوز على القيام وعلى وضع بَعْضِ الثيابِ على جسدها. كانتْ ترتجفُ وتهَمْهِمُ متحدِّثة بِسُرْعَةْ:

- يا إلهي.. رأيتَ وجهه!!.. إذنْ هذا صحيح. لقدْ كنْتُ أعرِفُه يقينًا.. شيءٌ ما بداخلي أخبرني أنَّه هو.. يا إلهي.. بعد كلِّ الذي عانيته.. أتيقنُ الآن!!!.. لم أكن مجنونة.. لم أكن مجنونة.. يا إلهي.. لم أكن مجنونة.

انتظر الرجلُ العجوزَ التي انخرطت في بكاءٍ وضحك هستيريين. أجلسها بجواره على السرير وأراح عنقها على كتفه وسألها بلطف:

- ما الذي فعلوه بك أيتها السيدة اللطيفة.. لستِ مجنونة.. الجميع يعرفه ولكنني رأيتُ وجهه.. أنا متأكدٌ من ذلك.. أخبريني ما الذي فعلوه بك؟.. كيف هربت منهم؟.. يا إلهي. انظري ما الذي فعله بي هؤلاء القُساة.. أخبريني.. كيف استطعت الهروب؟؟؟.. كيف؟؟

احتضنته العجوز وأحاطته بذراعيها وهي تبكي بصوتٍ مُختنقٍ:

- لقد أقنعوني أنني جُننت وأرسلوا بي إلى مستشفى المجانين. أوهموني أنني مريضة بالوهم.. عرَضوني لصدمات كهربائية.. وقاموا بإعطائي كميّات هائلة من الدواء.. لم أتحمّل الوضع فادّعيت أنني لم أرَ شيئا وتَظاهرتُ بالجنون.. لقد فصلني المستشفى. وسُحبت منّي رخصة ممارسة الطب.. طلّقني زوجي.. في سبع سنين انحنى ظهري وتغضّن جلدي.. ولم أجد إلا التسولَ يا ولدي.. صدّقني يا ولدي.. يجب أن تنكرَ أنَّك رأيته.. لن يتوقفوا حتى يتأكدوا من تحطيمك.. سيسيّرون أسراب الذباب خلفك.. سيضعون القملَ في شعرِك، والأفاعي على عُتبة دارك.. أنكر أنّك رأيته.. لا تقل لأحدٍ ذلك أبدا..

زاغت نظراتهُ فراح يذرع الغرفةَ جيئةً وذهاباً دون توقفٍ وهو يردد بهستيرية: «الحقراء..سيحطمونني.. أنا متأكد» استمرّ في تردده وهلعه حتّى أمسكت العجوز يده وأجلسته على الفراش. مالت على وجهه وهي تقرّب أنفاسها من شفتيه:

- لا تخف.. نحن معا.. أنا لدي أنت.. وأنتَ أنا لديكَ.

٭  ٭  ٭

جذبته إلى الفراشِ ويداها تُزيلان ما كان يسترهما. تمسّكت به بقوّة هائلة فلمْ يستطعِ الإفلاتَ من صعودها عليه. ترك لها فعل ما تشاؤه فاقدا شعورَه بكلِّ شيء مع انتفاضات العجوز المترددة عليه. انقطع شعوره بما حوله فأغمض عينيه مستجيبا للعجوز. انتفضت العجوز عليه وترافق مع انتفاضها انقباض نتوءٍ من جسده تقلّصَ تدريجيا.. مع انفجاره انقضّت العجوزُ عليه فأنشبت أظافرها في عينيه.. كانت تصرخ بهستيريةٍ: «لا أحدٌ يرى وجهه.. أنت تستحقُ أن تكون أعمى..أنت أعمى.. أنت أعمى.. قامت من عليه وقد تلوّثت بسائل أبيض بينما قام هو صارخا وقد تلوَّث وجهُهُ بسائل لزج سال من عينيه المفقوءتين. بدأ بركل أطيافٍ وهمية تلمسه من كلِّ الجهات. انكفأت العجوز على الفراش وظلَّت تضحكُ بعُنف بينما تهالك هو على الكرسي منشبا أظافره في جسده حتى غاب عن الوعي.. انقضّت أسراب الذبابِ المُلتصقَةِ بالسقف على جسدِ العجوز وبدأت بامتصاص السائل الأبيض الذي بدأ يخرج بشكل متقطّع منها. أمّا الرجلُ فقد انقضَّ الذباب على عينيه وتدافع وهو يمتصُّ السوائل المُتبقيّة.. بعد نصف ساعة لفَّ الهدوءُ المكانَ ولم يبق في الغرفةِ شيءٌ غير لطخات من الدماء تَنشر في الهواء رائحةً كريهة بدونِ توقّف.


تصميم الحاسب الشامل