|
|||||
|
هرع سالف العافي الى منزله مخضبا ببعض دمائه، فتح الباب ، ألفى اطفاله يلعبون الكرة أحدهم قذفها اليه دون قصد، فارتطمت به فصرخ عليهم ان يكفوا عن اللعب او يخرجوا الى حوش البيت ولما لم يأبه به أحد، دخل حجرته ونفسه مثقلة بحزن جارح ورأى زوجته زاعجة وهي على وشك أن تخضب شعرها بالحناء، فدحرج بصره اليها في كآبة فابتسمت حين رأته ولكنها نهضت واقفة كالمرعوبة حين شاهدت الدماء تقطر من وجه زوجها، واسرعت اليه تاركة صحلة الحناء تسقط من الطاولة على الارض مندلقة على فرشة الحجرة غير آبهة بها، وتلمست وجهه فاصطبغت يدها اليمنى وهي تنقلها على جبهته بقطرة دم كانت تسح في جبينه وشخص بصرها وراحت تسأله في رعب: ماذا حدث لك، من فعل بك هذا، هل آذيت انسانا ليرد عليك بهذا اللوم ومن هذا الذي تجرأ على حضرتك بهذه الوقاحة حتى ادماك فأشار اليها ان تكف عن هذا التحقيق حتى يسترد انفاسه ويهدأ باله واغلق الباب وراءه واقترب من السرير ، جلس وراح ينتحب، حملت اليه زاعجة زوجته شاشا ابيض وبدا لها وهي تقترب منه كخروف يساق الى الذبح دونما صوت يرتفع محتجا على موت قادم ينتظره ، ولاح له في وجه زوجته نافورة من غضب وخمن ان لم يكف عن هذا التوجع فلسوف تلطمه على الوجه او تخنقه من تلك الحسرات التي بدت تطفو في دمائها كطحلب في مستنقع جاف، وقالت له: اسكت اسكت هل أجلب لك رضاعة من حجرة أطفالك كي تكف عن هذا البكاء فانكمش سالف وأحس بالخجل وراقب الحناء وهو ينسكب من الماعون على الأرضية، وبينما كانت زاعجة تنظف الجرح سألته في الهدوء الذي يسبق العاصفة: هاه يا شاطر قل الآن كيف ضربت ومن ضربك، وراح سالف العافي يلقي عليها كطفل يعيد على أمه شكواه بتفصيل ممل: بينما كنت أسير وحيدا في الشارع الترابي قادما من الحقل بعد ان تأكدت من ان محصول هذا الحقل من الطماطم سيكون وفيرا هذه السنة لمحت في ذلك الطريق امرأة تلتقي برجل ثم بعد هنيهات ناولها رسالة أظن ان قرطاسها كان أصفر اللون، لقد لمحتهما بعيني هاتين واشار الى عينيه باصبعه السبابة ومضى يكمل الحديث، فركضت نحوهما وانا أصرخ عليه: يا جبان رأيتك متلبسا بجرمك وعليك التأدب عن مغازلة النساء في الطرقات، الرجل ما ان سمع ندائي حتى اطلق ساقيه للريح وهرب بعيدا وذاب وراء الأشجار، أما المرأة فقد وقفت في الطريق حتى قابلتني وجها لوجه كأنها تنتظرني لتقدم لي الشكر الجزيل، على هذه الشهامة المفرطة وحين اقتربت منها والقيت السلام عليها لم ترد انما اقتربت مني وراحت تضربني بحذائها على الرأس والوجه حتى أدمتني ثم بصقت في وجهي وقالت: سلم على المدام، فانتفضت زاعجة كأن صعقا أصابها ونهضت واقفة كالملسوعة وراحت تغمغم في غيظ: سلم على المدام سلم على المدام، هاه سلم على المدام، واقسمت عليه ان يخبرها باسم المرأة التي أهانته بهذا الاسلوب الفج فلم يجد العافي بداً وأخبرها بجارته زمزم، فشب في قلب المرأة غيظ وأحست ان الوهج يتفجر من منخريها وودت ان تخرج للتو الى جارتها لترد اليها شيئا من السلام، ولكنها انتظرت قليلا كي تعالج زوجها من كدماته وقالت متحسرة في نفسها يا حسرة على الرجال كل هذا من فعل امرأة ولم تكتم صبرها فصاحت به: وانت مالك ومال الناس، ثم لماذا لم ترد لها الكيل بالمثل، حرام عليك ان تهينك امرأة ولم تفعل بها شيئا، وزمجر كأن هذا الحديث لم يطب له: وقال: اضرب امرأة في الشارع وأراد أن يستدرك في حديثه لولا انها قاطعته وهي تهرش رأسها: اسكت اشعر بالغثيان من هذا البرود، اتكأ سالف على السرير وتهادى عليه متعبا وراح في السبات، كانت زاعجة تصر على اسنانها تكاد ان تنفجر من شحنات الحريق المضطرم في أنفاسها وكادت ان تنهال عليه ضربا مثل سابقتها لكنها احجمت وحدثت نفسها: اهذا رجل وأشارت اليه في صمت لو تدري أمي بما حدث لضحكت علي سنين طويلة ولما نادتني نكاية بي الا بزوجة الرجل الشجاع، مسحت على وجهها أحست بوهج يتلظى في الحشايا دخلت الحمام وغسلت يديها ثم خرجت منه لتسمع زوجها النائم يشخر في الفراش، اقتربت منه ووخزته في بطنه فانقلب على شماله وصمت في نوم ثقيل، كان الليسو الازرق ملقى على السرير تناولته مسرعة وألقته على رأسها كحجاب شفيف وخرجت من الحجرة دار حولها الصغار فنهرتهم فانكمشوا في امكنتهم كقطط، فتحت الباب محذرة من ان يتبعها أحد الى الخارج ، واغلقت الباب في غضب، ومشت في الشارع فرأت الناس يعبرون الأرصفة والاشجار تعانقها الرياح، ورأت احدهم يقترب منها وهي تتخطى عتبة الرصيف لتقطع الشارع الى الضفة الأخرى وقال رافعا جفنيه اليها (على وين راعي الليسو الأزرق) فانتبهت اليه وخلعت الحذاء، وهي تصرخ عليه (تعال يا ابن الهاوية سأعلمك الى اين أسير؟)، لكن الرجل لاذ بالفرار وتذكرت غزل الرجل لها فابتسمت متذكرة (الليسو الأزرق) الذي لا تخرج به الا في حوش منزلها. وصلت منزل الجارة طرقت بابها خرجت لها طفلة صغيرة سألتها عن زمزم فردت الطفلة عليها بالنفي، اشاحت بوجهها وعادت من حيث أتت وفي الطريق رأت زمزم تعبر الشارع اليها فوقفت كقطة شرسة وصرت على أسنانها بقوة، وكومت قبضة يدها اليمنى وبدون ان تنطق بشيء سارعت الى زمزم وانهالت عليها بالصفع فسقطت زمزم على الأرض وكادت أن تتدحرج وسط الشارع ولكن زاعجة دفعتها حتى سقطت اسفل الرصيف، وعندما نهضت لتقتص من غريمتها ذكرتها زاعجة بصوتها الصارخ بالرجل ورسائله فانكمشت زمزم خجلة ولم ترد وآثرت الهرب حافية القدمين خشية ان ينقلب الصراع ضدها وان النار التي كانت تستعر في صدرها قد خف اوارها واحست بالنسناس يداعبها ويسري في الجسد فابتهجت ومررت قدميها على الرصيف فأحست بخشونة الحجر وتنفست ملء رئتيها روائح حقل قمح تحضنه الريح واستحمت عيناها بالشعاع المشرق ومشت في الشارع تتبختر على الرصيف وودت لو تعوم في بحر ازرق اللون. ــــــــــــــــــــــ ٭ الضفادع التي تعيش في برك المياه. |
|||||
|
|||||