|
|||||
|
هاأنا اكتب إليك أو أحاول الكتابة كما وعدتك في آخر لقاء بيننا، اجلس متصدعا لا أقوى على البوح بشيء اجلس مسندا ظهري على الكرسي محاولا الاسترخاء لبعض الوقت، متأملا ماذا يدور في الخارج. صور كثيرة تدور أمامي وتتداخل ألوانها، مشاهد ووجوه مسرعة تمرق، كلها لا لون لها، يلفها اللون الضبابي ؛ رغم الإعياء الذي ينخر جسدي المتهالك، أحاول جاهدا أن استعيد قواي وأقف. كما كان عهدك بي، متثبتا بالأمل، لا ادري من أين استمد قواي كلما شعرت بالتعب يتصاعد، كل ما استطيع أن أتذكره الان، كان يقف بالقرب مني وعندما يراني آيلا للسقوط يسندني ويطبطب على كتفي، ثم أقف أو أحاول أن أقف؛ أتحايل على الألم الذي ألم بي مؤخرا ولكنه كان سندي، يدفعني بقوة..وأقف. الساعة المثبتة أعلى الباب دائما ما تشعرني بسيف الوقت، ولكنه كان يراقب عقاربها التي تلهث جاهدة للوصول إلى المنتصف بعد الثانية. يساعدني ويحمل حقيبتي بعدما أضع بها بعض الأوراق والجرائد التي أحتفظ بها طوال الأسبوع، أهم بالوقوف استعدادا للذهاب، أحس بنسمات باردة تمسد على شعيرات رأسي، فأتذكر نعومة أصابعك وأنت تمررينها بين شعري، ولكنه كان يبحث عن العمامة التي تجثم فوق رأسي، ولما يجدها بين كومة الأوراق المنتشرة على سطح المكتب يضعها على رأسي كما لو انه أراد أن يسد فوهة بركان، ثم يسحب الباب بقوة ويخرج المفتاح من جيب دشداشتي ويغلقه جيدا تماما كما كنت افعل، ثم نخرج. كانت الممرات المؤدية للخارج مظلمة، نتجه سويا نحو المصعد الذي كان فاغرا فاهه هامدا عن الحركة. أضطر للسير على درجات السلم، يحث الخطى معي، وفي مرآب السيارات أجد، أو نجد كلينا.. لا ادري تماما، صديق كان لنا يهم بالذهاب؛ وكالمعتاد أقف طويلا أتجاذب أطراف الحديث معه، ولكنه كان عجولا يشد على أطراف دشداشتي. كان يشير الى ساعتي ويدعوني للتحرك، أصل البيت متأخرا بعض الوقت، لا يعبأ،كان يبتسم لصراخ زوجتي ويحرك شفتيه مستهزئا. وعندما جلسنا على طاولة الطعام كان قد سبقني. اذهب وحيدا إلى روي، المدينة التي نحبها، أنت من خلال ما سمعت مني، وهو لأسباب كثيرة. ينطلق مثلي كالمعتاد من محطة المطار التي سيستقل منها قطار الخامسة مساء متجها إلى المحطة الكبيرة التي تقع في مدخل المدينة، ومنها يذهب ماشيا لموقف الحافلات ؛ ليستقل الحافلة رقم 38 التي ستحمله لقلب المدينة. لهذا المكان حيز كبير في قلبي وذكريات تراكمت من سنين عدة، يذهب اليه رغم طول المسافة التي يقطعها من الحي المقابل للمطار الدولي حيث يسكن بإحدى الشقق مع أسرته الصغيرة. أما المدينة فهي الساحرة التي يربكه اسمها مثلي تماما كلما ذكر أو حتى قرأ عنها، المدينة ذات الشوارع الفسيحة التي تقف أشجار المانجا على جوانبها، مدينة المقاهي والحانات الليلية التي شهدت اجمل سنين عمره،المدينة التي تعود إليه التوازن و صفاء النفس، كلما جاء إليها يشعر بالسكينة وتهدأ نفسه. يمشي حاملا حقيبته خلف ظهره مخترقا ميدان القلعة المحاذي للمبنى الجميل لوزارة التجارة والصناعة. أشعر بأصوات تقترب مني، يحث الخطى نحوي، مسرعا يحاول اللحاق بي، يقطع الطريق دون توقف، وعندما يقترب من مقهى الشمس على ضفاف بحيرة النورس المقابلة لفندق الفصول الأربعة ينحرف في الاتجاه الآخر. في الطريق يقابل الكثير ويتوقف لفترات طويلة، كنت أتمنى أن أكون صامتا، سالكا طريقي وحيدا دون اهتمام بأحد من المارة. رغم أن المدينة مزدحمة إلا انه يراها خالية وخصوصا بعدما هجرها العمال الآسيويون الذين تعود أن يلتقي معهم وخصوصا عند مدخل المدينة أو في إحدى الحافلات. حاولت كثيرا أن أثنيه، ظل يبتسم للمارة ويتحادث معهم، حملته قدماه كالعادة إلى بناية بيت الحكمة التي تعانق السحاب بطولها الشاهق، وأخذ المصعد إلى مقهى البحيرة الواقع فوق رأس البناية، كدت أصل إلى حافة الجنون وهو يشبهني في كل شيء، حتى المقهى التي تعودت أن آتي إليه كلما شعرت بضيق فسحة الحياة وبحبلها يلف حولي. تعود هو أيضا أن يأتي هنا منذ سنين ؛ حاملا حقيبته، حاطا رحاله هنا، سادرا يجلس ملقيا بنظراته في المكان وكأنة يؤدي طقوسا اعتاد عليها؛ وعندما تصل نظراته إلى ماء البحيرة يظل يراقب طيور النورس سابحة على صفحة المياه الصافية، ويحس بأن نفسه هي أيضا تطفو مع الطيور فوق الماء. كان يسبقني إلى مقهى الفارابي الذي شيدته قبل عدة سنين مستشرقة ألمانية درست الأدب العربي وعشقت شخصية الفارابي، كان يأتي إلى هنا ليحضر الأمسيات الأدبية بين الحين والاخر. كنت أعتقد بأني أفلت منه وابتعدت عنه ولكني رأيت الأبواب قد فتحت له وانحنت فتيات المقهى له مرحبات..أي ملازم لي هذا؟ التفت حولي فلا أرى أحدا بجواري، تهدأ عواصف نفسي قليلا وأستريح، كانت الطاولة التي أحب أن أجلس عليها فارغة او هكذا شاهدتها من بعيد، ذهبت مباشرة نحوها ولكنه كان هناك يستمتع بشرب قهوة اسبيريسو التي أحب والتي تعيد لي خيوط تفكيري المتداخلة.. أفضل هذا المكان من بين أماكن كثيرة. كان يردد نفس الكلمات على مسمعي، التفت حولي فلا أجد أحدا غيره يقاسمني الطاولة التي أجلس. كان يجلس،أو كنت أنا الجالس، لا أدري.. شعور يلازمني ويستهويني منظر الجبال المحيطة بالمدينة من اتجاهات مختلفة واللون الأخضر الذي يغطي منحدراتها، يتغنى مثلي بشلالات المياه المنحدرة من أعلى؛ وتنشرح أساريره وخصوصا وهو يشاهد انعكاسات الأضواء ليلا بألوانها كحديقة مليئة بزهور متنوعة. ينهض متثاقلا يحمل حقيبته ويضع الجاكت على ظهره وينطلق. كنت أتمنى أن يحدث شيء ما يجمعنا يلملم ما تبقى من شظايا متناثرة تعيد الألفة والتوحد إلينا، ولكني كنت أشعر وأنا أسير في شوارع المدينة بأن شخصا آخر لا أراه يقترب مني، لا يحث الخطى بل يسحب قدميه مثل مشيتي تماما في الطرف الشرقي من المدينة، بالتحديد في وسط الحي التجاري، نمشي لا أحد يشاركني الطريق وحيدا إلا منه هو متداخلا في مشيتي، أقف.. مثلي يقف ولا يتحرك، ويعم الصمت بيننا، التفت لا احد أمامي.. أدور حولي في محاولة لاكتشافه.. ولكن لم يكن أحد غيري. تذكرتك الآن بالتحديد وفي هذا المكان الواقع على ضفتي بحيرة النورس، عندما كنت ترقبين البحيرة وترمين لطيور النورس التي تأوي البحيرة فتات الخبز، أتذكرك وأنت أخذتِ تشرحين لي رحلات أسراب الطيور وكيف تتنقل بين أصقاع الأرض وتعبر المحيطات والأودية، تفعل ذلك بحرية لا ينازعها عليها احد. وعندما انتهيت كيف صرخنا بأعلى صوتينا ليتنا طيورا لنهاجر. ثم ضحكنا.. وضحكنا كثيرا في ذلك اليوم. كنت عائدا سالكا احدى الطرق الداخلية،شعرت كما لو كان يراقب حركاتي، زم شفتيه وهو يراني اخترق أمواج البشر الذين تساقطوا كالنيازك على المدينة، من أين أتوا وأي موجة رمتهم على هذه الضفاف؟ أشعر بأنه مثلي تماما لا فكاك منه.. يسير في الطريق وأسئلة كثيرة تدور في خاطرنا نحن..أو.. إنا،فاجأني منظر الشبان متشابكي الأيادي متنقلين على أرصفة المدينة. عندما بدأ قرص الشمس يتوارى تدريجيا خلف الجبال وأعمدة الشارع تسكب أضواءها على الأماكن ولوحات النيون تتحرك بألوانها كأنها أقواس قزح، وصلت الى محطة الميترو، أخذ بطاقة الصعود وركب معي على نفس المقعد، كاد راسي ينشطر وتتمزق روحي، لا أعي ماذا يحصل.. هوأنا أم أنا هو. عندما وصلت الى البيت كان يلبس نفس دشداشتي وعمامتي، حتى العطر الذي كنت تحبينه كان يضعه. نظرت.. كانت الظلال تلف الافق، لا نور ينبعث إلا بصيص من بعيد. أكتب ولا أرى ثمة ضير في ذلك، أكتب ولا مشكلة لدي أن أعترف بأني شعرت بعاصفة تجتاحني ورغبة قوية في الكتابة، في هذه الساعة المتأخرة من الليل ومن هذا المكان.. من المستشفى الذي ارقد فيه منذ فتره لا اقدر على تمييزها، لا شيء يذكر هنا.. غير سرير وأغطية بيضاء وأكوام من الأدوية المختلفة.. روائح لا استطيع تمييزها تلف المكان.. أكتب لمجرد التأكد بأنني كائن حي. أشعر بحنان وشوق عارم رغم أن لا شيء في هذا المكان يدعو إلى الفرح، لا أملك ولا أستطيع أن أملك مصير بقائي، وكلمات كثيرة استوطنت رأسي يوما بعد يوم تكبر وتتناثر دون جواب.. أين أنا وأي مكان هذا؟ كيف جئت إلى هنا؟ من أتى بي..؟ أسئلة كثيرة تتوالد ولا جواب يحوم في الأفق القريب، لا أذكر أو لا أملك أي علاقة مع أحد إلا علاقة باهتة مع الممرضات والمكان. هاقد بدأ المطر في النزول على المدينة.. أشعر به من دقاته الناعمة على النافذة.. المطر الذي يهطل الآن أحس بنسماته تغسل جسدي، كما يقال المطر يطهر الأرواح. الضوء يخفت قليلا وروحي تخفت معه، يذهب الضوء بعيدا ويخفت إلا من بصيص ظللت أرقبه من سريري في انتظار الصباح القادم. |
|||||
|
|||||