|
|||||
|
هذا الصباح مكتئب دون أن أدري عما تساقط مني مترنحا وحزيناً..!! هنا يمكنني أن أشعل الصباح بأصبعي وأن أطفئه بأصبعي وأنا أندس تحت البطانية بحجة البرد، في المدن التي لا أقارب لي فيها ولا زوجة تلتصق بالشبابيك في انتظاري، ولا بكاء أطفال لأن الحفاضات من نوع رديء وتسبب الحكة، ولا حتى لكوني كائنا تعيسا. أرتب الحكاية تحت سقف غرفتي قبل أن أخرج لتقبيل وجه المدينة، أحاول التمايز بقدرات فولاذية على الكذب، حين أشتري المقصات التي أبتر بها شتيمة العالم من حولي. هنا لا يزال القرص الخفيف ينبئ أن ثمة غباراً وحكة عالقين في المسافة بين بيتي الصغير وجسد الرقصة.. يطفر الحنين من عيني وأنا ألامس طيف ابنتي الصغيرة، والضحكة الباكرة في نزهة الشمس، تركض صوب حضني متسلقة ذراعي ثم ما تلبث أن تختفي في الجدران، تنتابني رغبة حارة في أن أمشط الدمية التي تخصها، وأن أنتهز فرصة مواتية لأشتري لها (الهامبرجر) أكلتها المفضلة التي تطلبها كلما صحبتها معي إلى المدينة.. لا شيء أكثر.. هذا احتياجي الذي أرممه الآن بالصور، وبالبقاء صامتا دون أن أتحرك من السرير أو أن أغير لوني الفضي الشاحب، ودون أن أثير في العالم الراقص حولي بلبلة، أكتفي بأن أتمعن في انتصاب الوقت الذي لا يصاب بالخذلان، وأراه ينوس ليدير مروحة البرد على أعصابي. يبدو أنني أرتعش، ولا شيء يكف عن إيذائي الآن، وأنا أقع في الجحيم على قشرة بشر تافهين لا يستطيعون سوى أن يلقوا دعاباتهم الثقيلة التي تدفعني للصمت أو التشرنق. أخرج لأبعد من الغرفة الضيقة لأصافح المدينة الكبيرة المترفة بالزحام وبالبشر، مكتنزا في معطفي الشتوي، ويدي مغروستان في جيبي بنطلوني الفارغين، ولا أجد ثمنا لسيجارة إضافية. ما زلت أفكر في الراقصة، وفي ابتعادها الحاد عني، في فناجين القهوة الصباحية بالقرب من المدفأة، والدمعة التي أهدتني إياها وأنا أعقد الحقيبة الرياضية على كتفي وأدير ظهري لها، أفكر أيضا في ارتباكات القبلة الأولى، والفخاخ التي تلتها... ربما من الجيد أن أعيش الأشياء على شفرتها لتبدو نزقة ولذيذة، علي أيضا أن أرفل بالحكايات والتفاصيل قبل أن أتخلص منها في أقرب مهملات من ذاكرتي. أسير وحيدا لأشق شوارع المدينة الصاخبة، رائحة عوادم السيارات تزيد من حساسية أنفي، والبرد يقرص أطرافي، أفكر وأنا أتحسس القشعريرة الراكضة في جسدي بسيجارة واحدة أسكب بها الغيم، وأضيء وحشتي... فقط واحدة لأزف التعب لمسافة أبعد من صدري... أمتطي جدار الكورنيش المطل على البحر، أخلع نعلي، وأطوي ساقي لصدري الملوث بالحزن، أفتح عيني الضيقتين على اتساعهما لأراقب السفن التي تمخر دمي، بينما تقف هي في المسافة الأخرى التي لا تتقاطع معي لأفكر عما يتكاثر تحت معاطفنا أكثر من أغاني فيروز، وعما لمع بين أضلعنا حين لم يكن الهواء يجد متسعا ليمر بيننا.... كان ذلك حين عثرت عليها في احدى الحانات التي دلني عليها التعب، وامتطيت الثرثرة معها عن كل شيء دفعة واحدة ودون انقطاع، بينما كانت هي منشغلة بالتفكير إن كنت سمينا تحت المعطف الشتوي الكحلي الذي كنت أرتديه، أم أنني ضئيل الجسد على عكس ما أبدو، في حين أن الهمس الذي كان يدور خلف كتفيها كان يؤثث خلفية المشهد ويقفز كالضوء فوق الزرقة ليبعثر النوارس... أتذكرها الآن جيدا وهي تشرد بذهنها وأنا أعقد منديلا خمريا على عنقها كمن يغرز نصل شهوته ليكون أقل نفاقا، وأكثر وسامة... يااااه كم كنت أدلل الوقت بالهدايا الباذخة، لأنحني بالغياب... علي ترتيب الأشياء داخلي كما أفعل عادة مع ذقني، ومواعيدي لأتماهى في تضاريس الجسد.. أتجشأ وأنا أعد أولادي السبعة في غنج جسدها الممتلئ.. كان صوت الطبلة يخرب علي العد، أكرع كأسي، وأعاود العد من جديد. أنسى أسماءهم... تختلط وجوههم.. أخطئ العد من جديد.. أحاول أيضا تذكر زوجتي بكل ملامحها القروية البسيطة، ابتداء من خشونة يديها وقدميها السمراوين، وصوتها المنخفض وانتهاء بقلبها الكبير الذي لم يكن كافيا لأشعر بالسعادة.. أقع على بياض الراقصة، ولا أتذكر أي شيء... رأسي ثقيل.. الصداع يتصاعد كالوخز المؤذي... لا أعرف كيف تنشغل المرأة الواقفة أمامي بجسدها عن الآخرين.. كانت تبدو كمن يصلي أو يمتطي أرجوحة من غيم، والضوء ينتشر في البقعة التي تضرب عليها بقدمين تعرفان تماما أين تقعان، كما يعرف الخلخال الفاره في النعومة كيف يستدير ليبدو أكثر إبهارا... كم كان عددهم خمسة... ستة... سبعة...!! كيف كانت وجوههم!! هل يحملون خشونة أمهم السمراء أم أنهم يشبهونني بأنفي المفلطح... يا إلهي كيف سقطت أسماؤهم ووجوههم هكذا بغتة من رأسي.... لم أعد أستطيع التعاطي سوى مع هذا الوجه المستدير والممتلئ بالبياض والشعر الملفوف بعناية فوق كتفيها الممتلئين، وعينيها اللتين لم تكن لأحد... لكن لمن كانت تنظر؟؟ وفمها لماذا لا يفتر عن ابتسامة لأي أحد منا...؟؟ الجميع منشغل بالجسد المتمايل... بالتأكيد لم يفكر أحد من السكارى بعينيها الغائبتين وفمها الذي لايمنح شيئا لأي أحد... الجميع مأخوذ بالرقصة ومتشاغل بتغضن الجسد بمهارة... التفت يمينا ويسارا... جميعهم كانوا يهزون رؤوسهم بغباء وثمة منهم من كان يعلق بالكلمات البذيئة كلما فضح الفستان المشقوق تفاصيلها الناتئة.... هل كانت مشغولة بالتركيز في جسدها المطوق بالأعين الشرهة.. أم أنها كانت تقع في ارتباكات الرقصة الأولى؟!!... لا لا.. لايبدو أنها مرتبكة، لأنها أكثر جرأة مما ينبغي كما أنني أستبعد فكرة أن تشعر بالحياء لأنها بالتأكيد لا تحمل إرث قبيلتي... ولأنها لا تشبه زوجتي التي تخجل من ظلها... ما الحكاية إذا...........؟؟ لن أشغل رأسي... الدوار سيوقع بي... أشير باصبعي للجرسون بكأس آخر يبادلني الجرسون ابتسامته المعتادة وهو يصب في الكأس الفارغة.. هذا الجسد خدعة لإشعال اللذة، ركزي في جسدك الأبيض البض.. دعيه يرقص على نصل اشتهائهم.. لست معنية بأحد.. فقط بالتماهي في تكسراتك... دعيهم يعتقدون أنك ستقعين من أعلى الرقصة... أمتطي بردهم وجوعهم... ستتعالى شهقاتهم... هنا البشر منشغلون بالكلام والسكر.... دعي جسدك بلون الطبلة وصوتها، تمايلي بدلال مبالغ، واضربي الأرض... تضرب على الأرض ثم ما يلبث أن يشق فخذها فتحة الفستان ليخرج ممتلئا... ركزي في جسدك.. غذيه بالموسيقى يمكن لهؤلاء السكارى أن يدفعوا باحترام لهذا البياض. يمكن للروح أن تنسجم مع كتلة اللحم الأبيض في رقصة تدفعها لنزف العرق من مسامات الحزن.. بطنها مشدود وسرتها تلمع بالنجوم الصغيرة الناعمة... ربما تشعر في أحيان كثيرة أن الرقصة تنبت من سرتها ومن ثم تنتشر في باقي الجسد أو أن الرقصة تنبت من ابهام قدميها لتتسلق ساقيها وتستدير على محيط خصرها وتنمو على ردفيها الناعمين.... هذا الاهتزاز المدروس لا يعدو أكثر من غضب وثورة أو حزن قديم. تستدير.. تمتلك قدرة هائلة على هز مؤخرتها، وصوت الطبلة يتعالى.. يتعالى... التصفيق والصيحات المترنحة لا تمنعها من التركيز في جسدها الملثوم برغبة التملص من وجع يأكلها قطعة قطعة، ركزي في جسدك.. ستصحو مدن نائمة وسيتساقط المطر على أماكن فارقها الخصب ركزي في جسدك في مياله وفي اهتزازه وفي تفردك بكل هذه العيون التي تأكل انثناءاتك، وعلى السكارى أن يتلذذوا بدوران رؤوسهم حولك كالفراشات أو في انفلاتهم في تكور صدرك المشدود والنصف مكشوف... يااااه جبينك حقل موسمي، ليتك تستطيعين مداعبة شعر ذقني النابت بعشوائية لتمتصي أرق القرى من عظمي ليتك تحاولين الانسراب كالضوء بداخلي لأدفأ، وأنا أختبئ من العالم فيك... فقط لو أتقاسم معك البكاء، والطرقات المزركشة بالأحلام... لو أخرج من صداعي ودوختي التي تفت مؤخرة رأسي إلى اتساع عينيك... لكن لا شيء أكثر من شعوري الدائم بالدوخة، والمدن تكبر على أعصابي، وتتسلقني كالكلس، ويمتد الوجع تحت عجلات الوقت المزعج دونما إنذارات سابقة بالتساقط. أنا بعد لست متأكدا من شيء، الكلام يبدو كالفضيحة حينما يلمع دون أن يكممه شيء، والرقصة تشير لأشياء كثيرة خصوصا بما يتعلق بتلك الأكاذيب الصغيرة التي تعلق عادة برأسي حول كوني كائناً حزيناً فوق ما أحتمل. أحاول الأن أن أفتح عالمي على جسدك كما يفتح الموج قبلته على امتداد الشاطئ، والزبائن يتكاثرون الليلة كمفرقعات العيد. أتساءل مع نفسي لماذا جئت إلى هنا؟.. لأتفوق على تعب القرية وأولادي السبعة، أو لأن المدن تمنحني خيارات واسعة بامتداد الخطو!!... وهذه المرأة التي تبدو كحورية نشف ملح البحر على ظهرها ليهبها كل هذا البياض اللامع، لماذا تبدو كملائكة لا يستدل على سمائها إلا بالرقص!!.. يااااه أن تصبح امرأة مثلها طفلتي، وجنتي، وناري، وبحري، ولوني الأزرق الذي أحب، امرأة مثلها كلما تكسرت أمامي فر مني الكلام كدجاجة بللها المطر، وكفئران تقرم أطراف التفاحة البائتة على مخدتي الحزينة منذ البارحة.. لكن ماذا أريد أن أعرف عنها؟ وأنا لا نقطة بداية أعرف ولا نقطة انتهاء، كل شيء يتداخل معها في هذا الزمن القصير الذي لا يعدو الرقصة... أتراها كانت تلاحظ أنني أبكي فوق ما أستطيع وهي هناك تتحد مع الفراغ لينزاح الهواء عن كتفيها الغضين! ألا تذوق غصتي وأنا تجرحني المسافة ويسري الشوق في جسدي كالكهرباء.. ماذا أيضا عن حلم يدعك أطفالي بالشامبو، وحفاضات البامبرز، وبيتنا بالمعقمات.. ماذا عن نميمة الجيران التي ما إن يلامس آذانهم اسمها الراقص حتى يبدأوا بشتيمة أمي وتربيتها الفاسدة لي، وماذا أيضا عن زوجتي السمراء ذات الأطراف الخشنة، والنيات الطيبة، وأولادي الذين تتفاقم احتياجاتهم كلما ازداد طولهم واتسعت أكتافهم.. يكفي زوجتي أن تتكور كرشها كل عام لتحظى بإيماءة رضا من رؤوس أهل الحارة وتحظى بانزوائي في الردهة التي أعد عليها خيباتي... كم أنا غاضب من نفسي الآن، واحتاج إلى هذه الكأس وهذه الرقصة قبل الوقوع في الخذلانات... يااااه كم توجد أطراف مسننة للفرح.. تربكني قسوتي على امرأة منحتني كل شيء، ويربكني أكثر حنيني لهذه الأخرى التي لم تمنحني سوى الدوخة وأنا استدير حول خصرها.. لكن ماذا عساي أفعل بهذا الجانب الأيسر واللعين من صدري، وأين أسرب هذا الكم الهائل من القرف، ربما سأتسلل إلى رموش عينيها وجسدها المدهون بالقشطة... لأدوخ... وأدوخ... ومن ثم لا أجد تتمة للكلام.. تفو... تفو.. على كل شيء.. البصاق والتقيؤ والكلام البذيء يشبه تكسرك على اللاشيء، يشبه الغيمة التي تركض في البعيد عقيمة حيث يمكنك أن تلحظ حياءها لأن كرشها لا تحبل بالمطر، الكلام كثير.. تفو.. تفو... البصاق أكثر، وهو الشيء الوحيد الذي أبرر به تكسري على هذه الطاولة المتعبة... هكذا انتفخ كبالون غاضب وأبصق دوختي والرقصة إلى أقرب مهملات من ذاكرتي.... |
|||||
|
|||||