|
|||||
|
نافذتان عبر نافذته البعيدة يشاهد الأشجار والرذاذ والشارع الطويل بأصوات سياراته المسرعة وبأرصفته التي تحضن بدفء أقدام المارة. مشهد لا يتغير. نفس المشهد كل يوم. لكن نافذته لا تنسى أن تضيف مشاهد أخرى تتغير من وقت لآخر، كمشهد الفتاة التي تحضن صديقها من الخلف وهما يمشيان بسعادة باتجاه السيارة، تنتقل الى جانبه وتشبك يدها في يده، وحينما يصلان السيارة تلهبه بقبلات على خده وتحضنه بحرارة، كان شعرها الاشقر يتطاير مع الهواء ليرسم حرية الحب. وبعد هذا المشهد يأتي مشهد قديم من خلال نافذة أخرى، عن فتاة تعيش بين الجبال، وبخوف تحاول اقتناص فرصة لقاء من تحب، تعرف بأنها ستدخل مغامرة في كهوف مرعبة، تقود سيارتها بحذر ونظراتها تتشبث في المرآة الصغيرة التي أمامها لتتأكد بأن أحدا لا يطاردها. تذهب بعيدا خلف بناية مهجورة وتوقف سيارتها هناك بجانب سيارته، تنزل من سيارتها وقلبها يكاد يطير، تركب بجانبه في سيارته التي تنطلق بسرعة خوفا من الأعين، يذهبان بصحبة المتعة والقلق إلى مكان مهجور وبعيد. هل هما لصان يسرقان الحب من حياتهما؟ ذلك الحب المضمخ بالخوف والألم. وكر الحلاق بينما كان رأسي بين يديه، وسط أغانٍ هندية، تحولت إلى صنم أشاهد نفسي في المرآة، والمرآة تعرض لي رجالا لا أعرفهم يراقبون رأسي الذي كان صامدا أمام المقص الحاد. كانوا أربعة ينتظرون دورهم لكي يسلم كل واحد منهم رأسه للحلاق ذي الرائحة الكريهة. رغم وجود الكثير من المجلات والصحف التي يرجع تاريخ إصدارها إلى سنوات خلت فإنهم تجاهلوها، فقط يستمتعون بمشاهدة رأسي ومتابعة يدي الحلاق وهما تمسكان المقص والمشط. طلبت من الحلاق أن يأتيني بنظارتي التي تركها عند شفرات ومعاجين الحلاقة. أمسكها بيده المتسخة بالشعر الجاف الذي تساقط من رأسي وسلمها لي. لبستها واتضحت وجوههم الصارمة. حينما كنت أنتظر في الطابور قلبت بعض المجلات وقرأت تواريخها القديمة ولكنني لم أحدق في الرجل الذي بين يدي الحلاق إلا نادرا. وهاهم هؤلاء يتآمرون علي الآن ويحدقون بسخرية في رأسي. هل تحول رأسي إلى خريطة مبهمة يحاولون فك طلاسمها؟ أم أن شكله غريب ولم أكتشفه بعد؟ الحلاق ينتظرني أن أخلع النظارة ويواصل القص، لكنني بت أرمقهم بغضب، حتى أن إثنين منهم شعرا بغضبي. فجأة وبدون وعي أطلقت صرخة مدوية في وجوههم. انتزق الحلاق وسقط المقص من يده، أما الأربعة فلم تفصح وجوههم عن أية تعابير ولكن أمسك الواحد منهم بيد الآخر وفروا هاربين من الباب، بينما الحلاق نكس رأسه باحثا عن المقص الذي دفن في الشعر المتكوم على الأرضية. كنت أكره تلك اللحظة وهم يراقبونني وربما يسخرون من هذا الرأس. لا أعرف ما الذي جعل قلبي يخاف في تلك اللحظة، ربما تذكرت شيئا مخيفا، لذلك حبست خوفي وتمنيت أن ينهي الحلاق عمله في رأسي ويتركني بسلام. كانوا أربعة ما زالوا يحدقون والحلاق خامسهم. |
|||||
|
|||||